على قابِ شهقةٍ من أنين، ولهفةٍ بدمعٍ سخين، تطاولت أمُّ جاسر تحت نافذتها، تُرهف السمع لما يدور في صحن الدار. كان زوجها يساوم رجلًا في القطعة الأخيرة من أرض أبيه؛ تلك التي بقيت وحدها بعد أن بدّد البستان، وباع الدكّان، وفرّط في البيت الصغير القائم عند طرف القرية. لم يَعُد من ميراث أبيه غيرها، كأنّ التراب نفسه قد انكمش هربًا من يديه، واحتمى في تلك الرقعة الأخيرة ينتظر دوره.
طلب أبو جاسر مئة دينارٍ للمتر، وعرض الرجل ستّين. ارتفع الصوتان وانخفضا، ثم انتهى أحدهما إلى تسعين، والآخر إلى سبعين. حاول المشتري أن يُفهمه أنّ أثمان الأرض أقلّ ممّا يطلب، وأنّه لن يجد مَن يدفع فيها ذلك الثمن، لكنّ أبا جاسر تشبّث بالتسعين، لا حرصًا على الأرض، بل طمعًا في المال الذي يراه يتكاثف أمامه دخانًا وخَدَرًا. غادر الرجل، وبقي صدى المساومة معلّقًا في الصحن.
خفق قلب أمّ جاسر بعنف. لم ترَ في الأرض حدودًا وحجارة، بل أرغفةً مؤجّلة، وأثوابًا للشتاء، ودواءً لطفلها الذي يسعل ليله، وسقفًا أخيرًا قد يحمي عشرة رؤوسٍ صغيرة من غوائل الدهر. كانت تعرف أنّ زوجها سيبيعها عاجلًا أو آجلًا، كما باع كلَّ ما قبلها، وأنّ المال لن يمكث في يده إلا بقدر ما تمكث الجمرة تحت قطعة المخدّر. أسرعت إلى النافذة المطِلّة على الطريق، ونادت الرجل قبل أن يبتعد.
توقّف والتفت إليها مستغربًا. عرّفته بنفسها، وسألته إن كان جادًّا في الشراء. وحين أكّد لها أنّه راغب في الأرض، لكنّ زوجها غالى في ثمنها، سكتت هنيهةً، كأنّها تُقدم على اقتلاع شيءٍ من صدرها، ثم قالت بصوتٍ خفيض: أنت تعرف أنّ موقعها يساوي التسعين، وإن جادلتَه في الثمن. ادفع له خمسين، واجعل الأربعين عندي.
ظلّ الرجل ينظر إلى النافذة ولا يجيب. فأردفت: عندي عشرة أطفال. إن أعطيته المال كلَّه، أطعمه النارَ والدخان. وإن بقي بعضُه في يدي، أطعمته أولاده.
لم يكن في قولها استعطافٌ كامل، ولا جرأةٌ كاملة؛ كان رجاءَ غريقٍ تعلّم أن يخفي استغاثته كيلا يسمعها مَن يُغرقه.
أطرق الرجل طويلًا. كان يعلم أنّ الأرض، لقربها من أرضه وامتداد الطريق إليها، تساوي ما طلب صاحبها، وربّما تزيد. ولم يكن ما عرضته المرأة غبنًا له، بل حيلةً في تقسيم الثمن بين يدٍ تُفنيه ويدٍ تحفظ منه بقيّة.
وافق.
ثم مضى، وبقيت هي عند النافذة، لا تعرف أأنقذت شيئًا أم فتحت على نفسها بابًا جديدًا من الخوف.
في المساء، كان أبو جاسر ممدّدًا عند الجدار، وقد احمرّت عيناه وانتفش شعره، وبين أصابعه أداةٌ صغيرة يعبث بها فوق جمرٍ خافت. ملأ الدخان الغرفة، فاختلطت رائحته برائحة الرطوبة والجوع. طلب منها قطعةً أخرى. أخبرته أنّه لم يبقَ في البيت شيء، لا من المخدّر ولا من الطعام، وأنّ الأطفال لم يذوقوا منذ ثلاث ليالٍ إلا خبزًا يابسًا مبلّلًا بالماء.
لم يلتفت إلى ذكرهم. اشتدّ اضطرابه، وأخذ يحكّ أنفه ويشدّ شعره، ثم توعّدها إن لم تبحث جيّدًا. كان جسده، حين يطالبه السُّمّ بجرعته، يتحوّل إلى حيوانٍ محصور؛ لا يعرف زوجةً ولا ولدًا، ولا يرى في العالم إلا الفاصل بينه وبين ما يشتهي. وضعت أمامه إبريق شايٍ ثقيل، وجلست على مسافةٍ تحمي وجهها من يده إن ثارت. ذكّرته بالأرض. رمقها شزرًا، فتابعت في هدوءٍ محسوب أنّها لم تعد تعارض بيعها، وأنّها أدركت أخيرًا أنّ الأرض لا تُطعم جائعًا وهي بعيدة، أمّا المال فيأتيه بما يريد. قالت ذلك وهي تعرف أنّ كلّ كلمةٍ تُغريه بالبيع كانت تقتطع قطعةً من قلبها، لكنّها كانت قد تعلّمت أنّ إنقاذ السفينة قد يضطرّ المرءَ إلى كسر بعض ألواحها.
أشرق الطمع في عينيه لحظة، ثم انطفأ حين تذكّر الثمن. لن يبيع بأقلّ من تسعين.
لم تجادله. تركته لاضطرابه حتى اشتدّ عليه الحرمان، وأخذ يذرع الغرفة كأنّ جدرانها تضيق عليه. وكلّما مرّت ساعةٌ دون أن يجد ما يسكّن به جسده، انخفض ثمن الأرض في نفسه. كانت التسعون تنقص مع كلّ قطرة عرق، ومع كلّ ارتجافةٍ في أطرافه، حتى تمنّى بصوتٍ مبحوح لو يعود المشتري فيقبل منه السبعين. عندها قالت أمّ جاسر إنّها تعرف زوجة الرجل، وإنّها تستطيع أن تذهب إليها وتستطلع الأمر. أمرها أن تخرج في الحال.
خرجت إلى بيت جارةٍ لها، لا إلى بيت المشتري. جلست تشاركها قهوةً صباحيّةً باردة، وتتحاشى عينيها المتسائلتين. كان قلبها يعدّ الدقائق، ويُعيد ترتيب الخطة، ويخشى أن يفيق زوجها من ضعفه قبل أن يكتمل الطوق حول اندفاعه. وحين مضى من الوقت ما يكفي لتُصدَّق رحلتها، عادت. كان أبو جاسر على حالٍ أشدّ سوءًا. عيناه غائرتان، وأنفاسه متقطّعة، وأصابعه تنبش جيوبه الفارغة كأنّها تبحث في جلده. قالت إنّ الرجل تراجع، ولم يعد يقبل بأكثر من خمسين دينارًا للمتر، على أن يدفعها نقدًا فور إتمام العقد.
سبّ الرجل ولعن بخله، ثم راح يردّد أنّ الأرض تساوي ضعف ذلك. لكنّ جسده كان يفاوضه من الداخل بلسانٍ آخر. لم تمضِ دقائق حتى انهارت التسعون كلّها تحت وطأة الحاجة.
موافق. قالها كما يُلقي المرء بنفسه من شاهق، ثم أمرها أن تُخبره قبل أن يغيّر رأيه.
لم تُظهر فرحًا ولا راحة. أسرعت إلى أطفالها، ضمّتهم واحدًا واحدًا، ثم بلّلت لهم بعض الخبز اليابس. كانوا يأكلون في صمت، وهي تنظر إليهم كأنّها تعتذر لأنّ نجاتهم لا بدّ أن تمرّ من باب الخديعة.
جاء المشتري في اليوم التالي ومعه كاتب العقود وشاهدان. جلس أبو جاسر منتصبًا في صدر المجلس، يحاول أن يستعيد شيئًا من هيبة المالك الذي يهبط عن أرضه مكرهًا. بالغ في إظهار الأسف، وكرّر أنّ الرجل اغتنم حاجته وبخسه حقّه، فيما كان يُسرع بعينيه إلى الحقيبة التي تحمل الثمن. كُتب العقد على خمسين دينارًا للمتر. وقّع أبو جاسر بيدٍ لم ترتجف من فراق أرض أبيه، بل من تأخّر المال عن جيبه. وما إن قبض الرزمة حتى عَدّها مرّتين، ونهض مسرعًا، كأنّ الدنانير تخشى أن تبرد قبل أن يبلغ بها مَن يبيعونه نسيانَه.
ظلّت أمّ جاسر واقفةً عند الباب، تراقب ظهره يبتعد. لم يلتفت إلى البيت، ولا إلى الأطفال المتراصّين خلف أمّهم، ولا إلى الأرض التي خرجت من اسمه كما خرج قبلها كلُّ شيء. انتظر المشتري حتى غاب زوجها، ثم أخرج من عباءته رزمةً أخرى، أكبر ممّا أمسكت به المرأة في حياتها، ووضعها بين يديها. كانت الأربعين الباقية من كلّ متر، تامّةً كما اتفقا؛ لا صدقةً، ولا قرضًا، بل الجزء الذي انتزعته من ثمن أرضها قبل أن يبتلعه الإدمان.
قبضت عليها بكلتا يديها. ارتجفت شفتاها، ولم تجد من الكلام إلا دعاءً خافتًا: باركَ الله لك في الأرض، وكفانا بهذا المال غوائلَ الدهر.
انصرف الرجل، وبقيت عند الباب لحظةً، كأنّ قدميها لم تعودا تعرفان كيف تحملانها. كانت الأرض قد ضاعت، ولم تكن تُخادع نفسها في ذلك، لكنّ الضياع هذه المرّة لم يكن كاملًا. دخلت وأغلقت الباب. وضعت بعض المال في صرّةٍ للغذاء، وبعضه للثياب والدواء، ثم لفّت الباقي في قطعة قماشٍ قديمة، ودسّته في قاع جرّة القمح الفارغة.
وهناك حيث تجار السم، كان زوجها يعدّ الخمسين للمرة الأخيرة، قبل أن يحملها إلى هباء الدخان اللعين. أمّا الأربعون، فقد استقرّت في قاع الجرّة، حيث لم يكن قمحٌ بعدُ، لكنّ الجوع لم يَعُد وحده مالكَ المكان.
