الأدبسرديات

على حد سيف مكسور

قصة رمزية عن تحول أدوات البطش إلى ألسنة للعدالة

عَلَى حَدِّ سَيْفٍ مَكْسُورٍ

لَمْ يَكُنْ فِي مَحْرَفِ عَاصِمٍ سَاعَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَعْرِفُ الوَقْتَ مِنَ الحَدِيدِ. إِذَا اِحْمَرَّتِ الصَّفِيحَةُ حَتَّى صَارَ لَوْنُهَا كَقَلْبِ جَمْرَةٍ مَفْتُوحَةٍ، عَرَفَ أَنَّ الصَّبَاحَ بَلَغَ عَظْمَهُ. وَإِذَا خَفَّ صَوْتُ المِطْرَقَةِ فِي آخِرِ النَّهَارِ، عَرَفَ أَنَّ السُّوقَ بَدَأَ يَبْتَلِعُ ضَجِيجَهُ. كَانَ الوَقْتُ عِنْدَهُ لَا يُقَاسُ بِالظِّلَالِ، بَلْ بِمَا يَلِينُ تَحْتَ النَّارِ، وَبِمَا يَقْسُو بَعْدَ المَاءِ.

كَانَ مَحْرَفُهُ ضَيِّقًا، أَسْوَدَ الجُدْرَانِ، تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الفَحْمِ وَالزَّيْتِ المَحْرُوقِ. فِي صَدْرِهِ سِنْدَانٌ عَتِيقٌ، مَحْفُورٌ عَلَى حَافَّتِهِ أَثَرُ آلَافِ الضَّرَبَاتِ، كَأَنَّ الحَدِيدَ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ تَرَكَ أَسْمَاءَهُ هُنَاكَ ثُمَّ غَابَ. وَعَلَى الجِدَارِ الأَبْعَدِ كَانَ مَوْضِعٌ طَوِيلٌ فَارِغٌ لَا يُعَلَّقُ فِيهِ إِلَّا سَيْفٌ وَاحِدٌ. لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ مَا صَنَعَ عَاصِمٌ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ آخِرَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ مَعْنَى الصَّنْعَةِ كَمَا فَهِمَهَا فِي شَبَابِهِ: مَعْدَنٌ لَا يُسَاوِمُ، وَحَدٌّ لَا يَلْتَفِتُ، وَضَرْبَةٌ لَا تَعْتَذِرُ.

لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَطْلُبُ السُّيُوفَ فِي المَدِينَةِ. اِنْتَهَتِ الحُرُوبُ القَدِيمَةُ، أَوْ قِيلَ إِنَّهَا اِنْتَهَتْ. لَمْ تَعُدِ الدِّمَاءُ تَسِيلُ فِي السَّاحَاتِ، بَلْ صَارَتْ تَجِفُّ فِي الدَّفَاتِرِ. صَارَ النَّاسُ يَطْلُبُونَ مِنْ عَاصِمٍ سَكَاكِينَ قَصِيرَةً لِلْخُبْزِ وَالفَاكِهَةِ، وَمِفَصَّلَاتٍ لِلْأَبْوَابِ، وَمَسَامِيرَ لِلسُّقُوفِ. كَانَ يَرُدُّهُمْ غَالِبًا بِإِشَارَةٍ ضَجِرَةٍ مِنْ يَدِهِ اليُمْنَى، كَأَنَّهُ يَطْرُدُ عَنِ المَعْدَنِ مِهْنَةً لَا تَلِيقُ بِهِ. فِي نَظَرِهِ، وُجِدَ الحَدِيدُ لِيَحْسِمَ، لَا لِيَقْضَمَ؛ لِيَقْطَعَ مَصِيرًا، لَا تُفَّاحَةً.

أَمَّا ذِرَاعُهُ اليُسْرَى، فَكَانَتْ تَجِفُّ بِبُطْءٍ. لَمْ يَكُنْ فِيهَا جُرْحٌ ظَاهِرٌ، وَلَا كَسْرٌ قَدِيمٌ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَضِيقُ عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ كَغُصْنٍ نَسِيَتْهُ الشَّجَرَةُ. كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّ النَّارَ أَكَلَتْ عَصَبَهَا. وَكَانَ عَاصِمٌ يَعْرِفُ أَنَّ النَّارَ أَرْحَمُ مِنْ ذَلِكَ. ذِرَاعُهُ بَدَأَتْ تَمُوتُ مُنْذُ صَنَعَ السَّيْفَ الأَخِيرَ، كَأَنَّ شَيْءًا مِنْ جَسَدِهِ صَعِدَ فِي النَّصْلِ، ثُمَّ بَقِيَ هُنَاكَ مُعَلَّقًا عَلَى الجِدَارِ، لَامِعًا، بَارِدًا، لَا يَسْتَعْمِلُهُ أَحَدٌ.

كَانَتِ المَدِينَةُ، فِي ظَاهِرِهَا، مُطْمَئِنَّةً. لَا فُرْسَانَ عِنْدَ الأَبْوَابِ، وَلَا رَايَاتِ حَرْبٍ فَوْقَ الأَبْرَاجِ. غَيْرَ أَنَّ السُّوقَ الكَبِيرَ كَانَ كُلَّ صَبَاحٍ يَشْهَدُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ القِتَالِ. فِي وَسَطِهِ يَنْتَصِبُ مِيزَانُ الجِبَايَةِ العَظِيمُ: كِفَّتَانِ مِنْ نُحَاسٍ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ خَشَبٍ أَسْوَدَ، وَذِرَاعٌ عَرِيضٌ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِأَمْرِ الدِّيَوَانِ. عِنْدَهُ تُوزَنُ الحُبُوبُ، وَالزَّيْتُ، وَالصُّوفُ، وَالفِضَّةُ القَلِيلَةُ فِي أَكْيَاسِ الفُقَرَاءِ. وَمِنْهُ يَخْرُجُ الحُكْمُ: هَذَا وَفَّى، وَهَذَا قَصَّرَ، وَهَذَا يُؤْخَذُ بَيْتُهُ حَتَّى يُسَدِّدَ مَا مَالَتْ بِهِ الكِفَّةُ. كَانَ النَّاسُ يَخَافُونَ المِيزَانَ أَكْثَرَ مِمَّا خَافَ آبَاؤُهُمُ السَّيْفَ. فَالسَّيْفُ يَقْتُلُ مَرَّةً، أَمَّا المِيزَانُ فَكَانَ يَقْتُلُ بِالخُبْزِ كُلَّ يَوْمٍ. فِي ذَلِكَ الشِّتَاءِ جَاءَ إِلَى المَدِينَةِ جَابٍ جَدِيدٌ. كَانَ اسْمُهُ دَارِمَ، وَكَانَ وَجْهُهُ خَالِيًا مِنَ العَجَلَةِ، وَثِيَابُهُ لَا تَحْتَفِظُ بِرَائِحَةِ الطَّرِيقِ. لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَلَا يَضْرِبُ أَحَدًا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَرَسٍ كَثِيرٍ. يَكْفِي أَنْ يَفْتَحَ دَفْتَرَهُ حَتَّى يَشْعُرَ الرَّجُلُ أَنَّ بَيْتَهُ صَارَ أَصْغَرَ، وَأَنَّ كِيسَ قَمْحِهِ صَارَ أَخَفَّ. كَانَ أَهْلُ السُّوقِ يَقُولُونَ إِنَّ دَارِمًا لَا يَظْلِمُ بِيَدِهِ، بَلْ يَجْعَلُ الوَرَقَةَ تَفْعَلُ ذَلِكَ عَنْهُ.

دَخَلَ مَحْرَفَ عَاصِمٍ عِنْدَ المَغِيبِ. لَمْ يَتَلَفَّتْ إِلَى السَّكَاكِينِ المُكَدَّسَةِ قُرْبَ البَابِ، وَلَا إِلَى الحِدَدِ الصَّغِيرَةِ، بَلْ مَشَى إِلَى عُمْقِ المَكَانِ، حَيْثُ يَلْمَعُ السَّيْفُ الطَّوِيلُ فِي الظِّلِّ. وَقَفَ أَمَامَهُ طَوِيلًا. كَانَ النَّصْلُ صَافِيًا حَتَّى إِنَّ وَجْهَ دَارِمٍ بَدَا فِيهِ أَطْوَلَ وَأَبْرَدَ مِمَّا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ. قَالَ دَارِمٌ: بِكَمْ؟ لَمْ يَرْفَعْ عَاصِمٌ رَأْسَهُ فَوْرًا. كَانَ يُرَاقِبُ اليَدَيْنِ النَّاعِمَتَيْنِ، الخَالِيَتَيْنِ مِنْ آثَارِ العَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: Lَا يُبَاعُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ ثِقَلَهُ. أَخْرَجَ دَارِمٌ صُرَّةً صَغِيرَةً وَوَضَعَهَا عَلَى السِّنْدَانِ. لَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً، لَكِنَّ صَوْتَهَا كَانَ وَافِيًا. قَالَ: الثِّقَلُ صَنْعَتِي. كَانَ فِي الجُمْلَةِ شَيْءٌ أَزْعَجَ عَاصِمًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْهُ. رَأَى فِي عَيْنَيِ الرَّجُلِ شَهْوَةَ اِمْتِلَاكِ الشَّيْءِ النَّادِرِ، وَظَنَّ أَنَّ السَّيْفَ، بَعْدَ طُولِ عُزْلَةٍ، وَجَدَ يَدًا سَتُعِيدُهُ إِلَى مَقَامِهِ. أَخَذَ المَالَ، وَأَنْزَلَ السَّيْفَ مِنَ الجِدَارِ. وَحِينَ نَاوَلَهُ لِدَارِمٍ، شَعَرَ بِوَخْزَةٍ فِي ذِرَاعِهِ اليُسْرَى، كَأَنَّ النَّصْلَ مَرَّ مِنْهَا لَا مِنْ يَدِهِ. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَقِيَ مَوْضِعُ السَّيْفِ عَلَى الجِدَارِ فَارِغًا. كَانَ الفَرَاغُ طَوِيلًا وَلَامِعًا، كَأَثَرِ جُرْحٍ غَسَلَهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُضَمِّدُهُ. وَمَعَ ذَلِكَ أَحَسَّ عَاصِمٌ بِخِفَّةٍ غَرِيبَةٍ. مَدَّ ذِرَاعَهُ اليُسْرَى، فَتَحَرَّكَتْ أَصَابِعُهَا قَلِيلًا. ظَنَّ أَنَّ العِبْءَ خَرَجَ أَخِيرًا مِنْ جَسَدِهِ، وَأَنَّ السَّيْفَ كَانَ يَطْلُبُ مَصِيرَهُ لَا غَيْرُ.

فِي الصَّبَاحِ خَرَجَ إِلَى السُّوقِ، لَا لِيَبِيعَ، بَلْ لِيَرَى. كَانَ النَّاسُ مُحْتَشِدِينَ حَوْلَ مِيزَانِ الجِبَايَةِ. وَقَفَ دَارِمٌ عَلَى المَنَصَّةِ، وَإِلَى جَانِبِهِ الكُتَّابُ وَالحُرَّاسُ. تَقَدَّمَ عَاصِمٌ بَيْنَ الأَجْسَادِ بِبُطْءٍ. كَانَ يَبْحَثُ بِعَيْنَيْهِ عَنِ السَّيْفِ: عَلَى خَاصِرَةِ الجَابِي، فِي يَدِ حَارِسٍ، فَوْقَ رَايَةٍ جَدِيدَةٍ. لَمْ يَجِدْهُ. ثُمَّ رَآهُ. كَانَ السَّيْفُ مُثَبَّتًا فِي قَاعِدَةِ المِيزَانِ. لَمْ يَعُدْ سَيْفًا. كُسِرَ نِصْفُ نَصْلِهِ، وَبُرِدَ حَدُّهُ، وَغُرِسَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي الخَشَبِ أَسْوَدَ كَثِقْلٍ ثَابِتٍ يُقَابِلُ كِفَّةَ الضَّرَائِبِ. صَارَ المَعْدَنُ الَّذِي أَفْنَى عَاصِمٌ أَعْوَامَهُ فِي صَقْلِهِ حَجَرًا مِنْ حَدِيدٍ، تُضَافُ بِهِ أَرْطَالٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ إِلَى دَيْنِ النَّاسِ. كَانَ كُلُّ كِيسِ قَمْحٍ يُوضَعُ فِي الكِفَّةِ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى سَيْفِهِ أَوَّلًا. لَمْ يَتَحَرَّكْ عَاصِمٌ. شَعَرَ أَنَّ ذِرَاعَهُ اليُسْرَى بَرَدَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً. لَمْ تَكُنْ إِهَانَةُ السَّيْفِ فِي كَسْرِهِ، Бَلْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَقْطَعُ جَسَدًا وَاحِدًا؛ صَارَ يَقْطَعُ أَرْغِفَةَ مَدِينَةٍ كَامِلَةٍ، بِلَا دَمٍ، وَبِلَا صُرَاخٍ، وَبِلَا عَارٍ ظَاهِرٍ.

وُضِعَ كِيسُ اِمْرَأَةٍ عَجُوزٍ فِي الكِفَّةِ. كَانَ فِيهِ قَمْحٌ قَلِيلٌ، جَمَعَتْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ بُيُوتٍ تَعْمَلُ فِيهَا. مَالَ المِيزَانُ نَاحِيَةَ السَّيْفِ. قَالَ الكَاتِبُ: نَاقِصٌ. فَتَّشَتِ المَرْأَةُ فِي ثَوْبِهَا، وَأَخْرَجَتْ خَاتَمًا نُحَاسِيًّا، ثُمَّ وَضَعَتْهُ فَوْقَ القَمْحِ. لَمْ يَكْفِ. مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى سِكِّينٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ فِي حِزَامِهَا، سِكِّينِ خُبْزٍ رَقِيقَةٍ، وَوَضَعَتْهَا أَيْضًا. تَحَرَّكَتِ الكِفَّةُ قَلِيلًا، لَكِنَّ السَّيْفَ ظَلَّ غَالِبًا. عِنْدَهَا فَهَمَ عَاصِمٌ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ فِي مَحْرَفِهِ. تِلْكَ السَّكَاكِينُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي اِحْتَقَرَهَا كَانَتْ آخِرَ مَا يُدَافِعُ بِهِ النَّاسُ عَنْ طَعَامِهِمْ. أَمَّا سَيْفُهُ العَظِيمُ، فَقَدْ صَارَ فِي صَفِّ الجُبَاةِ.

عَادَ إِلَى المَحْرَفِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ الوَزْنُ. لَمْ يُشْعِلِ النَّارَ. جَلَسَ أَمَامَ السِّنْدَانِ حَتَّى أَظْلَمَ المَكَانُ. كَانَتْ الصُرَّةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ دَارِمٍ مَا تَزَالُ فَوْقَ الرَّفِّ. فَتَحَهَا، فَأَبْصَرَ النُّقُودَ تَلْمَعُ فِي العَتَمَةِ. لَمْ يَرَ مَالًا. رَأَى قِطَعًا صَغِيرَةً مِنْ نَصْلِهِ المَكْسُورِ، تَضْحَكُ بِلَا صَوْتٍ. بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ رَسُولُ دَارِمٍ. لَمْ يَدْخُلْ طَوِيلًا. قَالَ إِنَّ الجَابِي يُرِيدُ الحَدَّادَ عِنْدَ المِيزَانِ، فالنَّصْلُ بَدَأَ يَصْدَأُ مِنْ رُطُوبَةِ السُّوقِ، وَالصَّدَأُ يَزِيدُ الثِّقَلَ بِغَيْرِ ضَبْطٍ. اِبْتَسَمَ عَاصِمٌ اِبْتِسَامَةً لَمْ تَكْتَمِلْ. حَتَّى الصَّدَأُ صَارَ عِنْدَهُمْ حِسَابًا. أَخَذَ مِطْرَقَتَهُ وَمِبْرَدَهُ، وَمَضَى.

كَانَ دَارِمٌ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ القَاعِدَةِ. أَشَارَ إِلَى النَّصْلِ المَغْرُوسِ فِي الخَشَبِ وَقَالَ: نَظِّفْهُ، وَلَا تُنْقِصْهُ. لَمْ يَسْأَلْ عَاصِمٌ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَقَايَا السَّيْفِ. كَانَ بَارِدًا، خَشِنًا، غَرِيبًا عَنْهُ. مَرَّرَ أَصَابِعَهُ عَلَى مَوْضِعِ الكَسْرِ، فَعَرَفَ مِنْ نُدْبَتِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْسِرُوهُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ نَشَرُوهُ عَلَى مَهْلٍ. كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُعَلِّمُوهُ الطَّاعَةَ قَبْلَ أَنْ يُثَبِّتُوهُ فِي الخَشَبِ. قَالَ دَارِمٌ: أُعِيدُهُ إِلَيْكَ لَيْلَةً. غَدًا يَبْدَأُ وَزْنُ المَوْسِمِ. رَفَعَ عَاصِمٌ عَيْنَيْهِ إِلَيْهِ. قَالَ: غَدًا؟ قَالَ دَارِمٌ: غَدًا تَعْرِفُ المَدِينَةُ قَدْرَهَا. وَدُونَ أَنْ يَنْبِسَ عَاصِمٌ بِبِنْتِ شَفَةٍ حَمَلَ النَّصْلَ المَكْسُورَ إِلَى مَحْرَفِهِ. وَحِينَ عَادَ إِلَى السِّنْدَانِ، لَمْ يُعَلِّقْهُ عَلَى الجِدَارِ. وَضَعَهُ فِي قَلْبِ النَّارِ. ظَلَّ يُرَاقِبُهُ حَتَّى اِحْمَرَّ مَا بَقِيَ مِنَ الحَدِّ، وَحَتَّى خَرَجَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الصَّدَأِ القَدِيمِ كَأَنَّ الحَدِيدَ يَتَقَيَّأُ طَاعَتَهُ. رَفَعَ المِطْرَقَةَ. كَانَتْ ذِرَاعُهُ اليُسْرَى عَاجِزَةً عَنِ المُعَاوَنَةِ، فَثَبَّتَ النَّصْلَ بِرُكْبَتِهِ، وَضَرَبَ بِيَمِينِهِ وَحْدَهَا. لَمْ يَطْرُقْهُ لِيُعِيدَهُ سَيْفًا؛ كَانَ قَدْ كَرِهَ السُّيُوفَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَكْثَرَ مِمَّا كَرِهَ السَّكَاكِينَ عُمْرَهُ كُلَّهُ.

فَصَلَ مِنَ النَّصْلِ قِطْعَةً طَوِيلًا رَقِيقَةً، دَقِيقَةَ الاِسْتِوَاءِ، لَا تَصْلُحُ لِلْقَتْلِ وَلَا لِلزِّينَةِ. جَعَلَهَا لِسَانًا لِلْمِيزَانِ. ثُمَّ أَخَذَ مِنَ البَقِيَّةِ شَفَرَاتٍ صَغِيرَةً، لَا يَزِيدُ طُولُ الوَاحِدَةِ عَلَى رَاحَةِ اليَدِ. لَمْ يَصْقُلْهَا كَمَا كَانَ يَصْقُلُ السُّيُوفَ، بَلْ تَرَكَ فِيهَا خُشُونَةً نَافِعَةً. صَنَعَ مِنْهَا سَكَاكِينَ خُبْزٍ، وَمَشَارِطَ لِلْجِلْدِ، وَسِكِّينًا قَصِيرًا لِلْمَرْأَةِ الَّتِي رَآهَا فِي السُّوقِ. فِي آخِرِ اللَّيْلِ جَمَعَ الصَّدَأَ الَّذِي كَشَطَهُ مِنَ السَّيْفِ، وَتَرَكَهُ فِي عُلْبَةٍ صَغِيرَةٍ قُرْبَ البَابِ.

عِنْدَ الفَجْرِ جَاءَ دَارِمٌ بِرِجَالِهِ. نَظَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ الخَشَبِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ عَاصِمٌ أَمَامَهُ. فَتَحَهُ، فَرَأَى اللِّسَانَ المَعْدَنِيَّ الـرَّفِيعَ. تَغَيَّرَ وَجْهُهُ قَلِيلًا. قَالَ: أَيْنَ الثِّقَلُ؟ أَجَابَ عَاصِمٌ: لَمْ يَكُنْ ثِقْلًا. كَانَ كِذْبَةً. لَمْ يَرْفَعْ دَارِمٌ صَوْتَهُ. أَشَارَ لِلْحُرَّاسِ أَنْ يَحْمِلُوا الصُّنْدُوقَ، وَمَضَى. كَانَ وَاثِقًا أَنَّ السُّوقَ لَا يَتَغَيَّرُ بِعِبَارَةِ حَدَّادٍ عَجُوزٍ.

اِحْتَشَدَ النَّاسُ فِي المَيْدَانِ. وُضِعَتْ أَكْيَاسُ المَوْسِمِ فِي صُفُوفٍ طَوِيلَةٍ، وَوَقَفَ الكُتَّابُ بِدَفَاتِرِهِمْ. صَعِدَ دَارِمٌ إِلَى المَنَصَّةِ، وَأَمَرَ أَنْ يُعَادَ تَثْبِيتُ ثِقَلِ السَّيْفِ. لَكِنَّ عَاصِمًا تَقَدَّمَ قَبْلَ الحُرَّاسِ، وَأَخْرَجَ مِنَ الصُّنْدُوقِ القِطْعَةَ الـرَّفِيعَةَ. لَمْ تَكُنْ تُشْبِهُ سِلَاحًا. عَلَّقَهَا فِي قَلْبِ المِيزَانِ، بَيْنَ الذِّرَاعِ وَالكِفَّتَيْنِ، حَيْثُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِسَانٌ يَدُلُّ عَلَى العَدْلِ، لَا ثِقْلٌ يَفْرِضُهُ. تَرَدَّدَ الحُرَّاسُ. لَمْ يَعْرِفُوا إِنْ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ إِصْلَاحًا أَمْ مُخَالَفَةً. أَمَّا دَارِمٌ فَظَلَّ صَامِتًا، لِأَنَّ غَضَبَهُ لَمْ يَجِدْ بَعْدُ اسْمًا مُنَاسِبًا أَمَامَ النَّاسِ.

وُضِعَ أَوَّلُ كِيسِ قَمْحٍ. تَحَرَّكَتِ الكِفَّةُ، ثُمَّ وَقَفَ اللِّسَانُ فِي الوَسَطِ لَحْظَةً قَصِيرَةً. لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ. تَنَفَّسَ النَّاسُ الصُّعَدَاءَ. ثُمَّ أَمَرَ الكَاتِبُ بِإِضَافَةِ ضَرِيبَةِ المَوْسِمِ، فَوَضَعَ حَجَرَ الدِّيَوَانِ فِي الكِفَّةِ الأُخْرَى. عِنْدَهَا اِنْحَرَفَ اللِّسَانُ بِعُنْفٍ نَاحِيَةَ الجَابِي، لَا نَاحِيَةَ القَمْحِ. كَانَ الخَلَلُ فِي أَثْقَالِ الدِّيَوَانِ، لَا فِي أَكْيَاسِ النَّاسِ.

سَادَ صَمْتٌ غَرِيبٌ. لَمْ يَكُنْ صَمْتَ خَوْفٍ، بَلْ صَمْتَ مَدِينَةٍ تَسْمَعُ أَوَّلَ صَوْتٍ وَاضِحٍ بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الخِدَاعِ. أَمَرَ دَارِمٌ بِإِزَالَةِ اللِّسَانِ. لَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ. تَقَدَّمَتِ المَرْأَةُ العَجُوزُ الَّتِي وَضَعَتْ سِكِّينَهَا فِي الكِفَّةِ قَبْلَ أَيَّامٍ، وَوَقَفَتْ قُرْبَ المِيزَانِ. ثُمَّ تَقَدَّمَ الخَبَّازُ، ثُمَّ الحَمَّالُ، ثُمَّ صَبِيٌّ كَانَ يَحْمِلُ كِيسَ شَعِيرٍ لَا يَكَادُ يَرْفَعُهُ. لَمْ يَرْفَعُوا السِّلَاحَ؛ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ سِلَاحٌ. لَكِنَّهُمْ وَقَفُوا بَيْنَ الجَابِي وَبَيْنَ اللِّسَانِ الـرَّفِيعِ، كَأَنَّهُمْ يَحْرُسُونَ حَدًّا جَدِيدًا لَا يَجْرَحُ أَحَدًا. نَظَرَ دَارِمٌ إِلَى عَاصِمٍ. قَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: أَفْسَدْتَ سَيْفَكَ. لَمْ يَكُن. فِي وَجْهِ عَاصِمٍ اِنْتِصَارٌ. قَالَ: أَصْلَحْتُ حَدَّهُ. تِلْكَ كَانَتْ آخِرَ جُمْلَةٍ قَالَهَا فِي المَيْدَانِ.

لَمْ يَسْقُطْ دَارِمٌ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلَمْ تَنْتَهِ الجِبَايَةُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. المُدُنُ لَا تُشْفَى كَمَا تُقْطَعُ العُقْدَةُ بِسَيْفٍ. لَكِنَّ شَيْءًا اِنْكَسَرَ فِي قَلْبِ السُّوقِ. صَارَ كُلُّ كِيسٍ يُوزَنُ أَمَامَ اللِّسَانِ، وَكُلُّ حَجَرِ دِيَوَانٍ يُخْتَبَرُ فِي الضَّوْءِ. وَشَيْءًا فَشَيْءًا، بَدَأَتِ الدَّفَاتِرُ تَفْقَدُ رَهْبَتَهَا، لِأَنَّ النَّاسَ عَرَفُوا أَنَّ الوَرَقَ يَحْتَاجُ إِلَى مِيزَانٍ، وَأَنَّ المِيزَانَ يَحْتَاجُ إِلَى لِسَانٍ، وَأَنَّ اللِّسَانَ إِذَا صُنِعَ مِنْ سَيْفٍ تَائِبٍ لَمْ يَعُدْ يَخَافُ الأَخْتَامَ وَالأَحْكَامَ.

أَمَّا عَاصِمٌ، فَعَادَ إِلَى مَحْرَفِهِ. لَمْ يُعَلِّقْ سَيْفًا مَكَانَ السَّيْفِ القَدِيمِ. عَلَّقَ أَوَّلَ سِكِّينِ خُبْزٍ صَنَعَهَا مِنْ بَقَايَا النَّصْلِ. كَانَتْ صَغِيرَةً، خَشِنَةَ المَقْبِضِ، لَا لَمَعَانَ فِيهَا، لَكِنَّهَا كُلَّ صَبَاحٍ تَخْرُجُ مِنْ يَدِ اِمْرَأَةٍ إِلَى يَدِ أُخْرَى، تَقْطَعُ الأَرْغِفَةَ لَا الأَعْمَارَ. وَمَعَ الوَقْتِ، صَارَ أَهْلُ السُّوقِ يَأْتُونَهُ بِمِفَصَّلَاتٍ مَكْسُورَةٍ، وَمَسَامِيرَ مُعْوَجَّةٍ، وَمَنَاجِلَ صَدِئَةٍ. كَانَ يُصْلِحُهَا بِصَبْرٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ. لَمْ يَكُنِ الحَدِيدُ يَصْغُرُ فِي عَيْنِهِ حِينَ يَخْدِمُ الخُبْزَ؛ كَانَ يَكْبُرُ.

وَذَاتَ مَسَاءٍ، حِينَ أَطْفَأَ النَّارَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى بَابِ مَحْرَفِهِ، تَحَرَّكَتْ ذِرَاعُهُ اليُسْرَى وَحْدَهَا، بَطِيئَةً، نَاقِصَةً، لَكِنَّهَا حَيَّةٌ. لَمْ يَدْهَشْ. كَأَنَّ الجَسَدَ كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَتَخَفَّفَ مِنْ حَدِّ لَمْ يُخْلَقْ لِيَبْقَى سَجِينَ الكِبْرِيَاءِ. وَبَقِيَ مِيزَانُ السُّوقِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلِسَانٍ رَفِيعٍ مِنْ مَعْدَنٍ غَامِقٍ، يَعْرِفُ الشُّيُوخُ أَنَّهُ كَانَ سَيْفًا فِي زَمَنٍ مَضَى. لَمْ يَلْمَعْ أَبَدًا كَمَا كَانَ يَلْمَعُ عَلَى جِدَارِ عَاصِمٍ؛ تَرَكَتْ عَلَيْهِ الأَيَّامُ أَثَرًا خَفِيفًا مِنَ الصَّدَأِ عِنْدَ الحَافَّةِ. وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِكَشْطِهِ. كَانَ ذَلِكَ الصَّدَأُ القَلِيلُ ضَرُورِيًّا، لَا لِيَزِيدَ الثِّقَلَ، بَلْ لِيَشْهَدَ أَنَّ الحَدِيدَ إِذَا خَدَمَ الظُّلْمَ ثَقُلَ وَلَوْ كَانَ حَادًّا، وَإِذَا خَدَمَ العَدْلَ خَفَّ وَلَوْ حَمَلَ نُدْبَةَ سَيْفٍ مَكْسُورٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى