عقبات ومعوقات الإصلاح
حين يتعثر الخير في ذاته وفي عقبات ومعوقات الواقع
ليستْ مأساةُ الصلاحِ في هذا العصرِ أنَّهُ قليلُ الحضورِ فحسبُ، بلْ أنَّ كثيرًا منْهُ حينَ يحضرُ يأتي مُنْفَرِدًا، مُتَوَجِّسًا، مُتَرَدِّدًا، مَشْغُولًا بنقاءِ صورتِهِ أكثرَ من انشغالِهِ بفاعليةِ أثرِهِ، كأنَّهُ مصباحٌ يخشى الريحَ إلى الحدِّ الذي يفضّلُ معهُ البقاءَ في صندوقِهِ على أن يخرجَ إلى عتمةِ الطريقِ. وليستْ أزمةُ الإصلاحِ أنَّ الفسادَ قويٌّ فقطْ، بلْ أنَّ الخيرَ كثيرًا ما يكونُ مُشَتَّتًا، وأنَّ الصالحينَ، معَ صدقِ نواياهُمْ في ظاهرِ القولِ، يعجزونَ عندَ لحظةِ العملِ الحقيقيِّ عن تحويلِ نقائِهِمُ الفرديِّ إلى قوةٍ جمعيةٍ منظمةٍ. فيبدو المشهدُ مُؤْلِمًا ومُفَارِقًا؛ فأهلُ الفسادِ، على ما بينَهُمْ من تضاربِ مصالحَ وخلافِ طبائعَ وصراعِ أطماعٍ، يتحدونَ حينَ يتعلقُ الأمرُ بحمايةِ فسادِهِمْ أو توسيعِ نفوذِهِمْ أو إسكاتِ صوتٍ يهددُ مصالحَهُمْ؛ بينما أهلُ الصلاحِ، على ما بينَهُمْ من مشتركاتٍ أخلاقيةٍ وغاياتٍ معلنةٍ جميلةٍ، يتفرقونَ عندَ أولِ اختبارٍ للتعاونِ، وتظهرُ بينَهُمْ حساسياتُ القيادةِ، ورغباتُ التميزِ، وخشيةُ الذوبانِ في مشروعٍ لا يحملُ اسمَهُمْ وحدَهُمْ، حتى كأنَّ الشرَّ يتقنُ علمَ الشبكاتِ، والخيرَ لا يزالُ مأخوذًا بفتنةِ البطولةِ الفرديةِ.
وهذهِ المأساةُ لا ينبغي أن تُعَالَجَ بالإنكارِ ولا بالمجاملةِ الوعظيةِ. ليسَ كلُّ من رفعَ شعارَ الإصلاحِ متحررًا من حبِّ الظهورِ، وليسَ كلُّ من تكلمَ عنِ الصالحِ العامِّ قد طهّرَ قلبَهُ من حظِّ النفسِ، وليسَ كلُّ من دعا إلى التعاونِ قادرًا على احتمالِ شريكٍ يختلفُ معهُ أو يزاحمُهُ أو يتقدمُ عليهِ في الرأيِ والمكانةِ. إنَّ النفسَ البشريةَ شديدةُ المكرِ، وقد تدخلُ من أبوابِ الخيرِ كما تدخلُ من أبوابِ الشرِّ؛ فقد يتركُ الإنسانُ شهوةَ المالِ الظاهرِ ليقعَ في شهوةِ المجدِ الأخلاقيِّ، وقد يزهدُ في منصبٍ رسميٍّ لكنَّهُ يطلبُ مَنْصِبًا مَعْنَوِيًّا داخلَ جماعةِ الصالحينَ، وقد يهاجمُ حبَّ الدنيا ثمَّ يغضبُ إذا لمْ يُذْكَرْ اسمُهُ في صدرِ المبادرةِ، أو إذا لمْ تُنْسَبْ إليهِ الفكرةُ، أو إذا شاركَهُ غيرُهُ في القيادةِ. وهنا يصبحُ الإصلاحُ ميدانًا خفيًا لصراعِ الأناتِ المزيّنةِ باللغةِ الفاضلةِ، حيثُ يتكلمُ الجميعُ عنِ اللهِ والحقِّ والخيرِ والمجتمعِ، لكنَّ كلَّ نفسٍ تريدُ في أعماقِها أن تكونَ هيَ البابَ الذي يدخلُ منْهُ الناسُ إلى هذا الخيرِ.
إنَّ أخطرَ عوائقِ الصلاحِ ليستْ دَائِمًا الشهوةَ الفجةَ ولا الفسادَ المعلنَ، بلِ الأنا حينَ ترتدي ثوبَ الرسالةِ. فالأنا العاريةُ يسهلُ كشفُها لأنَّها تطلبُ المالَ أو الجاهَ أو اللذةَ بلا قناعٍ كثيفٍ، أما الأنا الإصلاحيةُ فشديدةُ الالتباسِ؛ لأنَّها تطلبُ المجدَ باسمِ الخدمةِ، وتطلبُ التفردَ باسمِ الأصالةِ، وترفضُ التعاونَ باسمِ المحافظةِ على المنهجِ، وتستبطنُ الغيرةَ من نجاحِ الآخرينَ باسمِ الحذرِ على المشروعِ، وتخشى الذوبانَ في الجماعةِ باسمِ نقاءِ الرؤيةِ. وفي كثيرٍ من الأحيانِ لا يكذبُ الصالحُ على الناسِ بقدرِ ما يكذبُ على نفسِهِ، فهوَ يصدقُ أنَّهُ يريدُ وجهَ اللهِ أو مصلحةَ المجتمعِ، لكنَّهُ لا يفتشُ بما يكفي في الزوايا الخفيةِ من قلبِهِ: لماذا يضيقُ صدري إذا نجحَ غيري؟ لماذا أرتبكُ إذا لمْ أكنْ في المقدمةِ؟ لماذا أرى مبادرةَ غيري ناقصةً دَائِمًا ومبادرتي هيَ الأصحُّ والأكملُ؟ لماذا أقبلُ التعاونَ ما دمتُ القائدَ، وأتحولُ إلى ناقدٍ صارمٍ حينَ أصبحُ وَاحِدًا من الفريقِ؟
“إنَّ أخطرَ عوائقِ الصلاحِ ليستْ دَائِمًا الشهوةَ الفجةَ ولا الفسادَ المعلنَ، بلِ الأنا حينَ ترتدي ثوبَ الرسالةِ؛ لأنَّها تطلبُ المجدَ باسمِ الخدمةِ، وتطلبُ التفردَ باسمِ الأصالةِ.”
هذهِ هيَ النقطةُ التي يهربُ منْها كثيرٌ من خطابِ الإصلاحِ؛ لأنَّ الحديثَ عن فسادِ السلطةِ أو تفاهةِ الإعلامِ أو تدهورِ المجتمعِ أيسرُ من الحديثِ عن فسادٍ ناعمٍ داخلَ قلوبِ الأخيارِ أنفسِهِمْ. غيرَ أنَّ الإصلاحَ لا ينتصرُ بمجردِ نقدِ الخارجِ، بلْ يبدأُ من قدرةِ أهلِهِ على نقدِ ذواتِهِمْ. فالصالحُ الذي لا يحتملُ مراجعةَ نفسِهِ سيتحولُ، عندَ أولِ فرصةٍ، إلى سلطةٍ صغيرةٍ. والمصلحُ الذي لا يرى احتمالَ الخطأِ في رأيِهِ سيعيدُ إنتاجَ الاستبدادِ باسمِ الفضيلةِ. والداعيةُ إلى الجماعةِ إذا لمْ يهذبْ رغبتَهُ في القيادةِ سيصنعُ حولَهُ أتباعًا لا شركاءَ، ومدّاحينَ لا عقولًا، ومريدينَ لا بناةً. وهكذا ينتقلُ مرضُ المجتمعِ إلى مشروعِ إصلاحِهِ، فيصبحُ الإصلاحُ صورةً أخرى من حبِّ السيطرةِ، وإن تغيرتِ اللافتاتُ.
ولعلَّ من أعجبِ المفارقاتِ أنَّ الأشرارَ كثيرًا ما يتواضعونَ عَمَلِيًّا أمامَ مصالحِهِمُ المشتركةِ، وإن كانوا متكبرينَ أَخْلَاقِيًّا، بينما الصالحونَ قد يتكبرونَ عَمَلِيًّا باسمِ اختلافاتٍ دقيقةٍ في الرؤيةِ والوسيلةِ. فالفسادُ يعرفُ أنَّ بقاءَهُ يحتاجُ إلى شبكةِ تأثيرٍ؛ سياسيٌّ يحمي، وإعلاميٌّ يلمّعُ، ورجلُ مالٍ يمولُ، وموظفٌ يمررُ، وجمهورٌ مخدرٌ يصفقُ أو يصمتُ. لا يشترطُ أهلُ الفسادِ أن يتطابقوا في كلِّ شيءٍ، ولا أن يحبَّ بعضُهُمْ بَعْضًا، ولا أن يتفقوا على فلسفةٍ واحدةٍ؛ يكفيهِمْ أن تتقاطعَ مصالحُهُمْ حتى يعملوا مَعًا. أما أهلُ الصلاحِ فقد يتفقونَ في الغاياتِ الكبرى، وفي حبِّ الخيرِ، وفي رفضِ الظلمِ، وفي الرغبةِ في الارتقاءِ بالمجتمعِ، ثمَّ يعجزونَ عن بناءِ طاولةٍ مشتركةٍ لأنَّ كلَّ واحدٍ يريدُ أن تُكْتَبَ الخطةُ بلغتِهِ، وأن تُدَارَ المبادرةُ بإيقاعِهِ، وأن تُفْهَمَ الأولوياتُ كما يفهمُها هوَ، وأن يُفَسَّرَ الخلافُ معهُ بوصفِهِ خَطَرًا على أصلِ المنهجِ لا مجردَ اختلافٍ في الاجتهادِ.
هذهِ الفردانيةُ ليستْ مشكلةً نفسيةً فقطْ، بلْ مشكلةٌ حضاريةٌ. فالمجتمعاتُ لا تتغيرُ بالأفرادِ اللامعينَ وحدَهُمْ، بلْ بالأنساقِ والمؤسساتِ والشبكاتِ والمدارسِ والتياراتِ المتراكمةِ. الفردُ الملهمُ قد يوقظُ، لكنَّهُ لا يستطيعُ وحدَهُ أن يحملَ المدينةَ على كتفيهِ. وإذا ظلَّ الصالحونَ يعملونَ كجزرٍ متباعدةٍ، فإنَّ أقصى ما ينتجونَهُ ومضاتٌ متفرقةٌ لا نِظَامًا مُتَمَاسِكًا. ترى عَالِمًا يكتبُ وحدَهُ، ومُرَبِّيًا يعملُ وحدَهُ، ومُفَكِّرًا ينشئُ مَشْرُوعًا صَغِيرًا حولَ اسمِهِ، ونَاشِطًا يريدُ منصةً لا مؤسسةً، وكلُّ واحدٍ يتحدثُ عن الأمةِ والمجتمعِ والنهضةِ، لكنَّ أدواتِهِ العمليةَ لا تتجاوزُ دائرةَ حضورِهِ الشخصيِّ. فإذا تعبَ أو غابَ أو ماتَ، ماتَ المشروعُ معهُ أو بقيَ ظِلًّا بَاهِتًا، لأنَّ الفكرةَ لمْ تتحولْ إلى نظامٍ يتجاوزُ صاحبَها.
“المجتمعاتُ لا تتغيرُ بالأفرادِ اللامعينَ وحدَهُمْ، بلْ بالأنساقِ والمؤسساتِ والشبكاتِ. الفردُ الملهمُ قد يوقظُ، لكنَّهُ لا يستطيعُ وحدَهُ أن يحملَ المدينةَ على كتفيهِ.”
ومن أعمقِ أسبابِ هذه الفردانيةِ خوفُ الصالحِ من الاختلافِ. فهوَ يريدُ التعاونَ بشرطِ أن يكونَ التعاونُ خَالِيًا من الاحتكاكِ، وكأنَّ العملَ الجماعيَّ جنةٌ بلا طبائعَ متباينةٍ. يخافُ من أن يدخلَ في مشروعٍ واحدٍ معَ من يخالفُهُ في بعضِ التفاصيلِ، لأنَّ الخلافَ يهددُ صورةَ النقاءِ التي بناها لنفسِهِ. ولذلكَ يفضّلُ أَحْيَانًا العملَ الفرديَّ؛ ففي العملِ الفرديِّ لا أحدَ يعترضُ عليهِ، ولا أحدَ يراجعُهُ، ولا أحدَ يزاحمُهُ، ولا أحدَ يكشفُ نقصَهُ. الوحدةُ تمنحُهُ سيطرةً كاملةً على المشهدِ، لكنَّها تسلبُهُ قوةَ الأثرِ. أما العملُ الجماعيُّ فيجبرُهُ على التنازلِ، والإصغاءِ، واحتمالِ بطءِ الآخرينَ، ومراجعةِ رأيِهِ، وقبولِ أنَّ الحقيقةَ لا تستقرُّ كاملةً في رأسِهِ وحدَهُ. وهذا امتحانٌ عسيرٌ على النفوسِ التي اعتادتْ أن ترى صلاحَها دَلِيلًا على صحةِ تقديرِها المطلقِ.
ومنْ هنا يصبحُ الحلُّ الذاتيُّ الأولُ هوَ الانتقالَ من أخلاقِ النقاءِ الفرديِّ إلى أخلاقِ الشراكةِ. ليسَ المطلوبُ أن يتنازلَ الصالحُ عن قناعاتِهِ الجوهريةِ، ولا أن يذوبَ في جماعةٍ بلا ضوابطَ، ولا أن يجاملَ الباطلَ باسمِ التعاونِ، بلْ أن يتعلمَ الفرقَ بينَ الثابتِ والاجتهاديِّ، وبينَ الخلافِ الذي يمسُّ جوهرَ المنهجِ والخلافِ الذي يتعلقُ بالوسائلِ والأولوياتِ والأساليبِ. كثيرٌ من المشاريعِ تنهارُ لا لأنَّ الناسَ اختلفوا في الحقِّ، بلْ لأنَّهُمْ لمْ يعرفوا كيفَ يختلفونَ في الطريقِ إليهِ. ولو امتلكَ الصالحونَ فقهَ الاختلافِ العمليِّ، لأدركوا أنَّ المشروعَ الكبيرَ يحتملُ مدارسَ متعددةً، وأنَّ تنوعَ الأدواتِ ليسَ خيانةً، وأنَّ وجودَ قائدٍ ليسَ إلغاءً للآخرينَ، وأنَّ وجودَ مجلسٍ أو مؤسسةٍ أو آليةِ قرارٍ ليسَ انْتِقَاصًا من قيمةِ الأفرادِ، بلْ حمايةٌ للمشروعِ من مزاجِ كلِّ فردٍ.
إنَّ علاجَ الأنا الإصلاحيةِ لا يكونُ بالمواعظِ العامةِ عن الإخلاصِ وحدَها، بلْ ببناءِ آلياتٍ تمنعُ تضخمَها. فالإنسانُ لا يهذبُ نفسَهُ بالكلامِ فقطْ؛ يحتاجُ إلى نظامٍ يذكّرُهُ بحدودِهِ. يحتاجُ المشروعُ الإصلاحيُّ إلى تداولِ قيادةٍ، وإلى شفافيةٍ في القرارِ، وإلى فصلٍ بينَ الفكرةِ وصاحبِها، وإلى ثقافةٍ تنسبُ الفضلَ للفريقِ لا للفردِ وحدَهُ، وإلى تربيةٍ داخليةٍ تجعلُ السؤالَ الدائمَ: هلْ نبحثُ عن أثرٍ يبقى أمْ عن اسمٍ يلمعُ؟ هلْ نريدُ أن ينجحَ الخيرُ ولوْ على يدِ غيرِنا، أمْ نريدُ ألا ينجحَ إلا إذا مرَّ من بوابتِنا؟ هلْ نفرحُ حَقًّا حينَ يظهرُ من هوَ أفضلُ منا؟ هذه الأسئلةُ قد تكونُ أقسى على النفسِ من مواجهةِ الفسادِ الخارجيِّ، لكنَّها أصدقُ موازينِ الإصلاحِ.
“الإصلاحُ الحقيقيُّ لا يمنحُ أصحابَهُ دَائِمًا مشاهدَ انتصارٍ واضحةٍ، بلْ كثيرًا ما يشبهُ زراعةَ شجرةٍ في أرضٍ قاسيةٍ؛ سنواتٌ من الريِّ والحراسةِ ولا ثمرَ، ثمَّ يأتي الثمرُ بعدَ أن ينسى الناسُ أولَ من حفرَ الأرضَ.”
ومن العوائقِ الذاتيةِ كذلكَ ضعفُ الصبرِ على العملِ البطيءِ. كثيرٌ من الصالحينَ يريدونَ أَثَرًا سَرِيعًا يثبتُ لهُمْ صدقَ الطريقِ وقيمةَ الجهدِ. فإذا لمْ يروا النتائجَ عاجلةً أصابَهُمُ الفتورُ، أو اتهموا الناسَ، أو انسحبوا إلى المرارةِ. والسببُ أنَّ جُزْءًا من العملِ الإصلاحيِّ عندَهُمْ لا يزالُ مُحْتَاجًا إلى تصفيقٍ معنويٍّ، ولوْ كانَ تَصْفِيقًا دَاخِلِيًّا. الإصلاحُ الحقيقيُّ لا يمنحُ أصحابَهُ دَائِمًا مشاهدَ انتصارٍ واضحةٍ، بلْ كثيرًا ما يشبهُ زراعةَ شجرةٍ في أرضٍ قاسيةٍ؛ سنواتٌ من الريِّ والحراسةِ ولا ثمرَ، ثمَّ يأتي الثمرُ بعدَ أن ينسى الناسُ أولَ من حفرَ الأرضَ. ومنْ لمْ يحتملْ أن يعملَ بلا شهودٍ، وأن يزرعَ بلا ضمانةِ أن يُذْكَرَ اسمُهُ، وأن يبنيَ لبنةً في جدارٍ قد يكتملُ على يدِ غيرِهِ، فلنْ يكونَ مُصْلِحًا عَمِيقًا، بلْ صاحبَ مبادرةٍ عابرةٍ تبحثُ عن لحظةِ مجدٍ.
ولعلَّ من بينِ ذلكَ أَيْضًا ضعفَ الكفاءةِ العمليةِ عندَ بعضِ الصالحينَ. فقد يملكونَ لغةً أخلاقيةً عاليةً، لكنَّهُمْ لا يحسنونَ الإدارةَ، ولا التخطيطَ، ولا إدارةَ المواردِ، ولا بناءَ الفرقِ، ولا قراءةَ البياناتِ، ولا فهمَ الجمهورِ، ولا استعمالَ الأدواتِ الحديثةِ، ولا إدارةَ الإعلامِ، ولا تحويلَ الفكرةِ إلى منتجٍ تربويٍّ أو ثقافيٍّ أو اجتماعيٍّ قابلٍ للتوسعِ. وهذا الضعفُ لا يُعَالَجُ بالاحتقارِ ولا بالتجريحِ، بلْ بالاعترافِ أنَّ الصلاحَ يحتاجُ إلى علمٍ عملانيِّ. فالنيةُ لا تغني عن المهارةِ، والحماسةُ لا تعوضُ الجهلَ، والغيرةُ على الحقِّ لا تكفي لبناءِ منصةٍ أو مدرسةٍ أو مؤسسةٍ أو خطابٍ مؤثرٍ. ومن علاماتِ النضجِ أن يكفَّ الصالحونَ عن الاكتفاءِ بحسنِ المقصدِ، وأن يتعلموا من كلِّ علمٍ نافعٍ ما يجعلُ قصدَهُمْ قَادِرًا على الحركةِ.
أما على المستوى الخارجيِّ، فالمعوقاتُ أشدُّ كثافةً وضراوةً. فالصلاحُ لا يعملُ في فراغٍ، بلْ يدخلُ إلى ساحةٍ تحتلُّها قوى منظمةٌ تملكُ المالَ والمنابرَ والسلطةَ واللغةَ والصورةَ والأدواتِ. في زمنِ التفاهةِ والتهافتِ، لا يُتْرَكُ الصالحونَ والمفكرونَ والمربون يعملونَ بحريةٍ كاملةٍ، لأنَّ حضورَهُمُ الحقيقيَّ يهددُ بنيةً واسعةً من المصالحِ. فالمجتمعُ الذي يبدأُ في التفكيرِ يصبحُ أقلَّ قابليةً للتخديرِ، والمواطنُ الذي يكتسبُ وَعْيًا أَخْلَاقِيًّا وَسِيَاسِيًّا يصبحُ أقلَّ طاعةً للفسادِ، والجمهورُ الذي يميزُ بينَ الخطابِ الصادقِ والزيفِ الإعلاميِّ لا يعودُ مادةً سهلةً للتوجيهِ. ولذلكَ لا يخافُ الفاسدونَ من الصالحينَ لأنَّهُمْ يصلونَ أو يتورعونَ في ذواتِهِمْ، بلْ يخافونَ منهُمْ حينَ يتحولُ صلاحُهُمْ إلى وعيٍ عامٍّ، وإلى بديلٍ أخلاقيٍّ، وإلى مشروعٍ يزاحمُ الرداءةَ في عقولِ الناسِ وقلوبِهِمْ.
“لا يخافُ الفاسدونَ من الصالحينَ لأنَّهُمْ يصلونَ أو يتورعونَ في ذواتِهِمْ، بلْ يخافونَ منهُمْ حينَ يتحولُ صلاحُهُمْ إلى وعيٍ عامٍّ، وإلى بديلٍ أخلاقيٍّ يزاحمُ الرداءةَ في عقولِ الناسِ.”
يبدأُ الحصارُ الخارجيُّ غَالِبًا من رأسِ الهرمِ؛ من سلطةٍ سياسيةٍ أو إداريةٍ لا تريدُ للفضيلةِ أن تتحولَ إلى قوةٍ مستقلةٍ. فالسلطةُ الفاسدةُ لا تكرهُ الأخلاقَ في الخطبِ العامةِ، بلْ قد تكثرُ من الحديثِ عنْها، وتزينُ مجالسَها بعباراتِ النزاهةِ والمسؤوليةِ والوطنيةِ. لكنَّها تخافُ الأخلاقَ حينَ تصبحُ مِعْيَارًا لمحاسبتِها. تخافُ المفكرَ حينَ يربطُ بينَ الكرامةِ والحقِّ، وتخافُ المربيَ حينَ يصنعُ إِنْسَانًا حُرًّا لا عَبْدًا مُهَذَّبًا، وتخافُ الصالحَ الاجتماعيَّ حينَ يكسبُ ثقةَ الناسِ بخدمتِهِ وصدقِهِ، لأنَّ هذه الثقةَ قد تزاحمُ الثقةَ المصطنعةَ التي تشتريها السلطةُ بالإعلامِ والامتيازاتِ. ولذلكَ قد تمنحُ السلطةُ مساحةً للوعظِ المروّضِ، لكنَّها تضيقُ بالإصلاحِ الواعي؛ تسمحُ بكلامٍ أخلاقيٍّ لا يقتربُ من بنيةِ الفسادِ، وتخشى كَلَامًا أَخْلَاقِيًّا يشرحُ للناسِ لماذا فُقّروا، وكيفَ جُهّلوا، ومن يستفيدُ من صمتِهِمْ.
ومنْ هنا تأتي محاربةُ الصالحينَ والمصلحينَ بطرقٍ مختلفةٍ؛ ليستْ دَائِمًا سِجْنًا أو مَنْعًا صَرِيحًا، بلْ قد تكونُ تهميشًا، وتجفيفًا للمنابرِ، وتشويهًا للسمعةِ، وتصنيفًا سياسيًا، وتخوينًا، وسخريةً منظمةً، وإغراقًا للمجالِ العامِّ بما هوَ أتفهُ حتى لا يبقى للخطابِ الجادِّ موضعٌ. قد لا يمنعونَ المفكرَ من الكلامِ مباشرةً، لكنَّهُمْ لا يمنحونَهُ منصةً. لا يردونَ على فكرتِهِ، لكنَّهُمْ يضعونَهُ في خانةِ “المثاليِّ الحالمِ” أو “المتشددِ” أو “المزعجِ” أو “غيرِ الواقعيِّ”. لا يواجهونَ مشروعَهُ، لكنَّهُمْ يحاصرونَهُ إِدَارِيًّا وَمَالِيًّا وَإِعْلَامِيًّا حتى يظلَّ صَغِيرًا. فالسلطاتُ الفاسدةُ لا تحتاجُ دَائِمًا إلى قتلِ الفكرةِ؛ يكفي أن تمنعَ عنْها الهواءَ حتى تختنقَ بهدوءٍ.
ثمَّ يأتي الإعلامُ، وهوَ من أخطرِ المعوقاتِ الخارجيةِ. ليسَ الإعلامُ الزائفُ مجردَ ناقلٍ للكذبِ، بلْ مصنعٌ للذوقِ، ومهندسٌ للانتباهِ، وموزعٌ للهيبةِ الاجتماعيةِ. حينَ يقررُ الإعلامُ أن يجعلَ التافهَ نَجْمًا، يصبحُ التافهُ نَمُوذَجًا. وحينَ يكررُ صورةَ المستهلكِ العابثِ بوصفِهِ الإنسانَ الناجحَ، تتحولُ التفاهةُ إلى طموحٍ. وحينَ يملأُ الشاشاتِ بالضحكِ الرخيصِ والفضائحِ والإثارةِ والصراعاتِ السطحيةِ، فإنَّهُ لا يسرقُ وقتَ الناسِ فقطْ، بلْ يسرقُ معاييرَهُمْ. يصبحُ المفكرُ ثَقِيلًا، والمربي مُمِلًّا، والصالحُ جَافًّا، والجادُّ مُنْفَصِلًا عن “روحِ العصرِ”. وهكذا لا يُهْزَمُ الإصلاحُ بالحجةِ، بلْ يُهْزَمُ بتغييرِ مزاجِ الجمهورِ حتى لا يعودَ قَادِرًا على احتمالِ الحجةِ.
إنَّ إعلامَ اللهوِ والتخديرِ لا ينافسُ الصلاحَ في الفكرةِ فقطْ، بلْ ينافسُهُ في الجهازِ العصبيِّ للإنسانِ. إنَّهُ يعرفُ أنَّ الغرائزَ أسرعُ من المبادئِ، وأنَّ الصورةَ أسرعُ من النصِّ، وأنَّ الفضيحةَ أسرعُ انتشارًا من الحكمةِ، وأنَّ التسليةَ الرخيصةَ أسهلُ على النفسِ المتعبةِ من التأملِ العميقِ. ولذلكَ يشدُّ العامةَ إلى ما يمنحُهُمْ لَذَّةً عَاجِلَةً أو نِسْيَانًا مُؤَقَّتًا، بينما الإصلاحُ يطلبُ منهُمْ يقظةً، ومراجعةً، وصبرًا، وتغييرَ عاداتٍ. وهذا صراعٌ غيرُ متكافئٍ إذا دخلَ الصالحونَ إليهِ بوسائلَ ضعيفةٍ وخطابٍ ثقيلٍ لا يعرفُ لغةَ العصرِ. لا يكفي أن نلعنَ الإعلامَ التافهَ؛ يجبُ أن نفهمَ لماذا ينجحُ، وأن نصنعَ بدائلَ تجمعُ بينَ الجمالِ والعمقِ، بينَ المتعةِ والرسالةِ، بينَ قوةِ الصورةِ وشرفِ المعنى.
“الإصلاحُ الأخلاقيُّ الذي لا يفهمُ الاقتصادَ ومعيشةَ الناسِ يظلُّ نَاقِصًا، لأنَّهُ يطلبُ من المنهكِ أن يحملَ رسالةً فوقَ كتفيهِ المكسورتينِ دونَ أن يساعدَهُ على الوقوفِ.”
ومن العوائقِ الخارجيةِ كذلكَ التفقيرُ المتعمدُ أو الناتجُ عن السياساتِ الظالمةِ. فالإنسانُ الذي يطاردُ لقمةَ عيشِهِ من الفجرِ إلى الليلِ لا يبقى لهُ من الطاقةِ إلا القليلُ للأسئلةِ الكبرى. الفقرُ لا يسلبُ المالَ وحدَهُ، بلْ يسلبُ الزمنَ، والانتباهَ، والكرامةَ، والقدرةَ على المشاركةِ العامةِ. حينَ يُرْهَقُ الناسُ بالأسعارِ والديونِ والوظائفِ المرهقةِ والخوفِ من الغدِ، يصبحُ الإصلاحُ تَرَفًا في نظرِهِمْ، ويصبحُ المصلحُ الذي يحدثُهُمْ عن النهضةِ كأنَّهُ يخاطبُ مَعِدَةً جَائِعَةً بلغةِ الفلسفةِ. ولذلكَ تستفيدُ منظوماتُ الفسادِ من انشغالِ الناسِ بالبقاءِ؛ لأنَّ الإنسانَ المشغولَ بالنجاةِ اليوميةِ أقلُّ قدرةً على محاسبةِ من أغرقوهُ في هذا الضيقِ. ولهذا فإنَّ الإصلاحَ الأخلاقيَّ الذي لا يفهمُ الاقتصادَ ومعيشةَ الناسِ يظلُّ نَاقِصًا، لأنَّهُ يطلبُ من المنهكِ أن يحملَ رسالةً فوقَ كتفيهِ المكسورتينِ دونَ أن يساعدَهُ على الوقوفِ.
وإنَّ التفقيرَ يقترنُ عادةً بالتجهيلِ. فالمجتمعُ الجاهلُ لا يميزُ بسهولةٍ بينَ المصلحِ والمزايدِ، ولا بينَ المفكرِ والمهرجِ، ولا بينَ الخطابِ العميقِ والخطابِ المنمقِ، ولا بينَ الحلِّ الحقيقيِّ والوعدِ المخدرِ. التجهيلُ ليسَ مجردَ ضعفٍ في المدارسِ، بلْ هندسةٌ طويلةٌ لعقلٍ لا يسألُ. تَعْلِيمٌ يقومُ على الحفظِ بلا تفكيرٍ، وَإِعْلَامٌ يقومُ على التلقينِ بلا تحققٍ، وَخِطَابٌ عَامٌّ يخافُ من الفلسفةِ والمنطقِ والنقدِ، كلُّ ذلكَ ينتجُ جُمْهُورًا قَابِلًا للانقيادِ. وإذا اجتمعَ الجهلُ معَ الفقرِ والخوفِ، صارَ الإنسانُ أَسِيرًا لمن يمنحُهُ تَفْسِيرًا بَسِيطًا وَعَدُوًّا جَاهِزًا وَوَعْدًا عَاطِفِيًّا. هنا يصبحُ عملُ المصلحِ مضاعفَ الصعوبةِ؛ فهوَ لا يواجهُ خَطَأً مُحَدَّدًا، بلْ يواجهُ بنيةً كاملةً تجعلُ الخطأَ مُرِيحًا والحقيقةَ مكلفةً.
ومن أدواتِ الإعاقةِ أَيْضًا التخويفُ والتخوينُ. حينَ يعجزُ الفسادُ عن الردِّ على الفكرةِ، يفتشُ في نيةِ صاحبِها. وحينَ لا يستطيعُ أن يهدمَ الحجةَ، يهدمُ حاملَها. فإذا دعا المصلحُ إلى العدالةِ قيلَ إنَّهُ يثيرُ الناسَ. وإذا تحدثَ عن الفسادِ قيلَ إنَّهُ يشوهُ الصورةَ العامةَ. وإذا طالبَ بمنابرَ للوعيِ قيلَ إنَّهُ يريدُ الشعبيةَ والمكانةَ. وإذا كشفَ تلاعبَ الإعلامِ قيلَ إنَّهُ ضدَّ الفرحِ أو ضدَّ المجتمعِ أو ضدَّ الاستقرارِ. وهكذا يتحولُ الإصلاحُ إلى مغامرةٍ شخصيةٍ مكلفةٍ، لا لأنَّ فكرتَهُ خاطئةٌ، بلْ لأنَّ منظومةَ التشويهِ تجعلُ كلَّ صوتٍ مستقلٍّ مُحَاطًا بالريبةِ. وقد ينجحُ هذا التخويفُ في دفعِ كثيرٍ من الصالحينَ إلى الصمتِ، خاصةً أولئكَ الذينَ لا يملكونَ سَنَدًا مُؤَسَّسِيًّا ولا شبكةَ حمايةٍ ولا جُمْهُورًا وَاعِيًا.
ثمَّ تأتي الأغلبيةُ الصامتةُ، وهيَ ليستْ شريرةً بالضرورةِ، لكنَّها منهكةٌ، خائفةٌ، مترددةٌ، منخفضةُ الهمةِ، أو فاقدةُ الثقةِ في جدوى الفعلِ. وهذهِ الأغلبيةُ هيَ الساحةُ الحقيقيةُ للصراعِ. الفسادُ يريدُها صامتةً أو لاهيةً أو ساخرةً من كلِّ إصلاحٍ. والصلاحُ يريدُها يقظةً مشاركةً. لكنَّ المصلحينَ كثيرًا ما يخطئونَ في فهمِها؛ يلومونَها لأنَّها لا تتحركُ، ولا يسألونَ: ما الذي كسرَ إرادتَها؟ كمْ مرةً خُذلتْ؟ كمْ مرةً صدقتْ خِطَابًا ثمَّ اكتشفتْ أنَّهُ كاذبٌ؟ كمْ مرةً دفعتْ ثمنَ موقفٍ ولمْ يحمِها أحدٌ؟ كمْ مرةً رأتِ الفاسدَ ينجو والصادقَ يتعبُ؟ إنَّ الأغلبيةَ الصامتةَ لا تُسْتَنْهَضُ بالتوبيخِ وحدَهُ، بلْ بإعادةِ بناءِ الثقةِ، وتقديمِ نماذجَ صغيرةٍ ناجحةٍ، وإثباتِ أنَّ الفعلَ ممكنٌ، وأنَّ التضحيةَ ليستْ انْتِحَارًا مَجَّانِيًّا، وأنَّ الجماعةَ قادرةٌ على حمايةِ أفرادِها.
ولعلَّ من أخطرِ ما تستعملُهُ قوى التفاهةِ والفسادِ اللعبَ على الأهواءِ والغرائزِ. فالإنسانُ كائنٌ فيهِ عقلٌ وروحٌ، لكنَّهُ فيهِ كذلكَ جسدٌ وشهوةٌ وحاجةٌ إلى اللذةِ والاعترافِ والتفوقِ والانتماءِ. الخطابُ الهادمُ يعرفُ كيفَ يخاطبُ هذه المداخلَ بسرعةٍ: يمنحُ الناسَ لذةً، أو غَضَبًا، أو شهوةً، أو انْتِمَاءً رَخِيصًا، أو إِحْسَاسًا بالتفوقِ على عدوٍّ متخيلٍ. أما الخطابُ الإصلاحيُّ فكثيرًا ما يأتي ثَقِيلًا، مُتَجَهِّمًا، يطلبُ من الناسِ أن يتركوا ما يحبونَ دونَ أن يمنحَهُمْ بَدِيلًا أَرْقَى. وإذا كانَ الباطلُ يقدمُ نفسَهُ في صورةٍ جذابةٍ، والحقُّ يقدمُ نفسَهُ في صورةٍ جافةٍ، فلا يكفي أن نلومَ الناسَ على ميلِهِمْ؛ بلْ يجبُ أن نعترفَ أنَّ جُزْءًا من واجبِ الإصلاحِ أن يقدمَ الخيرَ في صورةٍ حسنةٍ، لا أن يتركَ الجمالَ للباطلِ.
الحلُّ في هذا الجانبِ لا يكونُ بالشكوى من ضخامةِ العوائقِ، بلْ ببناءِ أدواتٍ تقاومُها. في مواجهةِ السلطةِ الفاسدةِ، لا يكفي الصوتُ الفرديُّ، بلْ لا بدَّ من شبكاتِ حمايةٍ، ومؤسساتٍ مستقلةٍ، وتوثيقٍ، ومعرفةٍ بالقانونِ، وخطابٍ لا يمنحُ الخصمَ ذرائعَ سهلةً. وفي مواجهةِ الإعلامِ التافهِ، لا بدَّ من صناعةِ إعلامٍ بديلٍ لا يكتفي بالوعظِ، بلْ يحسنُ الصورةَ واللغةَ والإيقاعَ والحضورَ. وفي مواجهةِ التفقيرِ، لا بدَّ من مشاريعِ تضامنٍ عمليةٍ، وتعليمٍ مهنيٍّ، وتعاونياتٍ، ومبادراتٍ تخففُ عن الناسِ حتى لا يبقى الإصلاحُ خِطَابًا فوقَ جوعِهِمْ. وفي مواجهةِ التجهيلِ، لا بدَّ من تعليمٍ شعبيٍّ عميقٍ، يبسطُ الفكرةَ دونَ تسطيحٍ، ويصنعُ عَقْلًا يسألُ لا عَقْلًا يرددُ. وفي مواجهةِ التخوينِ، لا بدَّ من نزاهةٍ صارمةٍ، ووضوحٍ في المقاصدِ، وصبرٍ على التشويهِ، وبناءِ ثقةٍ تدريجيةٍ معَ الناسِ لا معَ النخبِ وحدَها.
أما الحلُّ الذاتيُّ فيبدأُ من تربيةِ المصلحينَ قبلَ تربيةِ الجمهورِ. يحتاجُ أهلُ الصلاحِ إلى مدارسَ داخليةٍ في فقهِ النفسِ، وفقهِ العملِ الجماعيِّ، وفقهِ الخلافِ، وفقهِ المؤسسةِ، وفقهِ الواقعِ. يحتاجونَ إلى أن يتعلموا كيفَ يتنازلونَ دونَ أن يخونوا مبادئَهُمْ، وكيفَ يقودونَ دونَ أن يستعبدوا، وكيفَ يتبعونَ دونَ أن يشعروا بالمهانةِ، وكيفَ يفرحونَ بنجاحِ غيرِهِمْ، وكيفَ يقبلونَ النقدَ، وكيفَ يفصلونَ بينَ ذواتِهِمْ ومشاريعِهِمْ. يحتاجونَ إلى أن يتعلموا منهجيةَ العملِ التكامليِّ لا التنافسيِّ وأن يوقنوا أنَّ الإصلاحَ ليسَ مَسْرَحًا للبطولاتِ الفرديةِ، بلْ ورشةٌ طويلةٌ يختلطُ فيها العرقُ بالغبارِ، وقد ينجحُ فيها من لا يظهرُ اسمُهُ، وقد يكونُ أعظمُ العاملينَ أَثَرًا أقلَّهُمْ شهرةً.
ومن العدلِ ألا نطالبَ الصالحينَ بالتخلي عن الاختلافِ كلِّهِ؛ فهذا مستحيلٌ ومضرٌّ. الاختلافُ مصدرُ ثراءٍ إذا أُدِيرَ بمنهجٍ. المطلوبُ أن نخلقَ طبقاتٍ للتعاونِ: طبقةً نتفقُ فيها على الغاياتِ الكبرى، وطبقةً نختلفُ فيها في الوسائلِ دونَ قطيعةٍ، وطبقةً نعملُ فيها بالتوازي دونَ تخوينٍ، وطبقةً نتحاكمُ فيها إلى معاييرَ واضحةٍ عندَ التعارضِ. ليسَ كلُّ صالحينَ يصلحونَ لمشروعٍ واحدٍ، وليسَ كلُّ اختلافٍ يجبُ أن يُذَوَّبَ، لكنَّ كلَّ اختلافٍ يجبُ أن يُدَارَ بأخلاقٍ تمنعُ تحولَ التعددِ إلى عداوةٍ. وقد يكونُ من النضجِ أن يعملَ فريقانِ في مسارينِ مختلفينِ معَ احترامٍ متبادلٍ، بدلَ أن يجتمعا في هيكلٍ واحدٍ يتنازعانِ قيادتَهُ حتى يهدمَ أحدُهُما الآخرَ.
والمنهجُ العمليُّ العادلُ يقتضي كذلكَ بناءَ ثقافةِ “الفضلِ المجهولِ”. أيْ أن يتربى المصلحُ على أنَّ بعضَ أعظمِ الأعمالِ لا يراها الناسُ، وأنَّ الذي يهيئُ الطريقَ قد لا يمشي في صدرِ القافلةِ، وأنَّ من يبني الأساسَ لا يراهُ سكانُ الطابقِ الأخيرِ، وأنَّ الأمةَ لا تنهضُ فقطْ بالمشاهيرِ، بلْ بالجنودِ الصامتينَ، والمربينَ المجهولينَ، والمنظمينَ الصابرينَ، ومن يكتبونَ الوثائقَ، ويديرونَ المواردَ، ويصلحونَ الخلافاتِ، ويحرسونَ المعاييرَ. حينَ تتسعُ قيمةُ العملِ الخفيِّ يقلُّ التزاحمُ على المقدمةِ، وحينَ يقلُّ التزاحمُ على المقدمةِ تصبحُ المشاريعُ أكثرَ قدرةً على البقاءِ. وعليهِمْ ربما أن يبحثوا عن المكافأةِ الذاتيةِ الداخليةِ من شاكلةِ رضا الضميرِ واحترامِ الذاتِ قبلَ البحثِ عن المكافآتِ الخارجيةِ كالتصفيقِ والتهليلِ والتقديمِ والتقديرِ.
ومن ذلكَ أَيْضًا تحويلُ الصلاحِ إلى منظوماتِ قياسٍ لا إلى انطباعاتٍ. كثيرٌ من المبادراتِ الصالحةِ تفشلُ لأنَّها لا تعرفُ كيفَ تقيسُ أثرَها؛ تكتفي بالشعورِ أنَّ العملَ جميلٌ أو مفيدٌ. لا بدَّ من سؤالٍ: كمْ شَخْصًا تغيرَ فِعْلِيًّا؟ ما السلوكُ الذي تغيرَ؟ ما المهارةُ التي اكتسبتْ؟ ما الموردُ الذي أُحْسِنَ استعمالُهُ؟ ما الخطأُ الذي تكررَ؟ ما الذي يجبُ تعديلُهُ؟ القياسُ ليسَ قَتْلًا للروحِ، بلْ حمايةٌ لها من الوهمِ. فكمْ من مشروعٍ يظنُّ أصحابُهُ أنَّهُمْ يغيرونَ المجتمعَ بينما هُمْ يدورونَ في حلقةٍ محدودةٍ تخطبُ لنفسِ الجمهورِ وتعيدُ نفسَ اللغةِ وتفرحُ بنفسِ التصفيقِ. المنهجيةُ العلميةُ هنا ليستْ خَصْمًا للإخلاصِ، بلْ خادمةٌ لهُ؛ لأنَّها تمنعُ النيةَ الصادقةَ من أن تنفقَ عمرَها في أثرٍ متوهمٍ.
ولا بدَّ أَخِيرًا من مصالحةِ الإصلاحِ مع الجمالِ. لقد تركَ الصالحونَ في أحيانٍ كثيرةٍ مساحاتِ الجمالِ للباطلِ، ثمَّ استغربوا أنَّ العامةَ انجذبتْ إليهِ. الإصلاحُ لا يجبُ أن يكونَ عَبُوسًا دَائِمًا، ولا لغةً جافةً، ولا خِطَابًا مُتَعَالِيًا يثقلُ على الروحِ. اللطفُ يفتحُ العقولَ والابتسامةُ تفتحُ القلوبَ، فالحقُّ جميلٌ في ذاتِهِ، لكنَّهُ يحتاجُ إلى من يحسنُ عرضَهُ. التربيةُ تحتاجُ إلى قصةٍ وفنٍّ وصورةٍ وقدوةٍ ودفءٍ. الفكرةُ العميقةُ تحتاجُ إلى لغةٍ تفتحُ القلبَ لا إلى مصطلحاتٍ تخنقُ القارئَ. والفضيلةُ تحتاجُ إلى أن تبدوَ قابلةً للحياةِ لا كأنَّها عقوبةٌ متواصلةٌ. إذا كانَ الباطلُ يسوقُ نفسَهُ بألفِ لونٍ وصورةٍ ولحنٍ، فليسَ من الحكمةِ أن يقدمَ أهلُ الحقِّ بضاعتَهُمْ كأنَّهُمْ يعتذرونَ عن جمالِها.
إنَّ معوقاتِ الصلاحِ والإصلاحِ كثيرةٌ، بعضُها من الخارجِ حيثُ السلطةُ الفاسدةُ، والإعلامُ المضللُ، والفقرُ، والجهلُ، والخوفُ، والتخوينُ، وسوقُ الغرائزِ، وبعضُها من الداخلِ حيثُ الأنا، وحبُّ الظهورِ، وضعفُ المنهجِ، والخوفُ من الاختلافِ، وفشلُ العملِ الجماعيِّ، وقلةُ الصبرِ، وضعفُ الكفاءةِ، ووهمُ النقاءِ المعزولِ. والخطأُ الكبيرُ أن نرى جَانِبًا وَاحِدًا دونَ الآخرِ. من يخمّلُ الخارجَ كلَّ شيءٍ يبرئُ عيوبَ الصالحينَ ويجعلُهُمْ ضحايا أبديينَ. ومن يحمّلُ الداخلَ كلَّ شيءٍ يغفلُ عن منظوماتٍ قاهرةٍ تحاربُ كلَّ محاولةٍ جادةٍ. والمنهجُ العادلُ يرى الاثنينِ مَعًا؛ يصلحُ المصلحُ من داخلِهِ، ويبني أدواتِهِ لمواجهةِ الخارجِ، فلا يتذرعُ بالمؤامرةِ ليخفيَ عجزَهُ، ولا يلومُ نفسَهُ وحدَها حتى ينسى شراسةَ الواقعِ.
والخلاصةُ أنَّ الإصلاحَ لا ينتصرُ بالصالحينَ الطيبينَ فقطْ، بلْ بالصالحينَ الواعينَ، المتواضعينَ، المتعاونينَ، القادرينَ على تحويلِ النقاءِ إلى عملٍ، والعملِ إلى مؤسسةٍ، والمؤسسةِ إلى أثرٍ، والأثرِ إلى ثقافةٍ. ولا ينتصرُ الصلاحُ حينَ يظلُّ فضيلةً فرديةً تحرسُ صاحبَها من التلوثِ، بلْ حينَ يصبحُ طاقةً اجتماعيةً قادرةً على مزاحمةِ الفسادِ في مواضعِ قوتِهِ؛ في الإعلامِ، والتعليمِ، والاقتصادِ، والسياسةِ، والذوقِ، والمعنى. ولا ينتصرُ الخيرُ حينَ يكتفي بأنَّهُ خيرٌ، بلْ حينَ يتعلمُ كيفَ يكونُ قَوِيًّا دونَ أن يصبحَ ظَالِمًا، وَجَمِيلًا دونَ أن يصبحَ سَطْحِيًّا، وَمُنَظَّمًا دونَ أن يصبحَ مُسْتَبِدًّا، وَوَاقِعِيًّا دونَ أن يفقدَ روحَهُ.
“نحتاجُ إلى صالحينَ لا يطلبونَ من المجتمعِ أن يصفقَ لنقائِهِمْ، بلْ يطلبونَ من أنفسِهِمْ أن يجعلوا هذا النقاءَ نَافِعًا. فالصلاحُ الذي لا ينفعُ الناسَ يبقى نجاةً فرديةً.”
ولعلَّ أشدَّ ما نحتاجُ إليهِ اليومَ ليسَ صَالِحًا يطلُّ من شرفةِ نقائِهِ على الناسِ، بلْ مُصْلِحًا ينزلُ إلى الوحلِ وهوَ يعرفُ كيفَ يحفظُ قلبَهُ، ويجمعُ حولَهُ من لا يشبهونَهُ تَمَامًا لكنَّهُ يحسنُ العملَ معَهُمْ، ويفرحُ أن ينجحَ الخيرُ على يدِ غيرِهِ، ويتقنُ أن يكونَ جُنْدِيًّا حينَ يلزمُ، وَقَائِدًا حينَ يُطْلَبُ، وَمُسْتَشَارًا حينَ يكونُ غيرُهُ أصلحَ، وَصَامِتًا حينَ يكونُ الصمتُ أخدمَ للمشروعِ من الكلامِ. نحتاجُ إلى صالحينَ لا يطلبونَ من المجتمعِ أن يصفقَ لنقائِهِمْ، بلْ يطلبونَ من أنفسِهِمْ أن يجعلوا هذا النقاءَ نَافِعًا. فالصلاحُ الذي لا ينفعُ الناسَ يبقى نجاةً فرديةً، أما الإصلاحُ فهوَ أن يتحولَ النورُ من فضيلةٍ في القلبِ إلى طريقٍ يمشي عليهِ العابرونَ ويُهْدَى بهِ الحائرونَ وينتصرُ لقيمِ الحقِّ والخيرِ والجمالِ.
