الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

الصدق مع الذات أساس النهضة

أساس النهضة الحضارية يبدأ من إصلاح الداخل إلى إصلاح العالم

لا تنهضُ أمّةٌ تكذبُ على نفسها، كما لا ينهضُ إنسانٌ جعلَ المرآةَ خصمًا، والحقيقةَ عدوًّا، والنّقدَ خيانةً، والاعترافَ هزيمةً. فالكذبُ حِينَ يبدأُ فِي الدّاخلِ لا يبقى حبيسَ الصّدرِ، بلْ يخرجُ شيئًا فشيئًا إِلى اللّغةِ، ثُمَّ إِلى السّلوكِ، ثُمَّ إِلى العائلةِ، ثُمَّ إِلى المدرسةِ، ثُمَّ إِلى المؤسّسةِ، ثُمَّ إِلى السّياسةِ، ثُمَّ إِلى التّاريخِ، حتّى تصيرَ الأمّةُ كلّها كائنًا كبيرًا يتقنُ روايةَ نفسهِ كما يتمنّى أنْ يكونَ، لا كما هُوَ. وما كانَ فِي الفردِ تبريرًا صغيرًا لفشلٍ خاصٍّ، يصبحُ فِي الأمّةِ خطابًا كاملًا لتفسيرِ التّأخّرِ. وما كانَ فِي النّفسِ إنكارًا لجرحٍ قديمٍ، يصبحُ فِي المجتمعِ ذاكرةً مزوّرةً لا تتعلّمُ. وما كانَ فِي الإنسانِ صناعةُ صورةٍ بديلةٍ عنْ ذاتهِ، يصبحُ فِي الحضارةِ أسطورةً واسعةً عنْ مجدٍ لا يُترجمُ إِلى عملٍ، وعنْ رسالةٍ لا تسندها أخلاقٌ، وعنْ تاريخٍ يُستدعى لِلزّينةِ لا لِلمحاسبةِ.

“الكذبُ حِينَ يبدأُ فِي الدّاخلِ لا يبقى حبيسَ الصّدرِ، بلْ يخرجُ شيئًا فشيئًا إِلى اللّغةِ، ثُمَّ إِلى السّلوكِ.”

إِنَّ الأمّةَ ليستْ كيانًا غائمًا يعيشُ فوقَ النّاسِ، ولا روحًا مجرّدةً منفصلةً عنِ النّفوسِ الّتي تسكنُ بيوتها وأسواقها ومدارسها ومؤسّساتها. الأمّةُ فِي حقيقتها ملايينُ المرايا الصّغيرةِ؛ إِذا صدقتْ صدقَ وجهها الكبيرُ، وإذا كذبتِ اجتمعَ الكذبُ حتّى صارَ ثقافةً. وما يفعلهُ الفردُ داخلَ نفسهِ تفعلهُ الأممُ فِي تاريخها. الفردُ يبرّرُ فشلهُ، والأمّةُ تبرّرُ تأخّرها. الفردُ يضخّمُ أخطاءَ غيرهِ حتّى يهربَ مِنْ حصّتهِ، والأمّةُ تُلقي كلَّ شيءٍ على العدوِّ حتّى لا ترى ما صنعتهُ بيدها. الفردُ يصنعُ صورةً بديلةً عنْ ذاتهِ، والأمّةُ تصنعُ أسطورةً عنْ نفسها؛ أسطورةً تقولُ إنّها عظيمةٌ لأنّها كانتْ عظيمةً، وحيّةٌ لأنّها تتحدّثُ عنِ الحياةِ، ومظلومةٌ دائمًا لأنّها لا تُريدُ أنْ تسألَ عنْ مظالمها الدّاخليّةِ، وصاحبةُ رِسالةٍ لأنّها تحفظُ عناوينَ الرّسالةِ ولوْ ضعفتْ فِي حملِ أخلاقها.

ولذلكَ لا تبدأُ النّهضةُ مِنَ المشاريعِ الكبرى وحدها، ولا مِنَ الخططِ الاقتصاديّةِ، ولا مِنَ الشّعاراتِ السّياسيّةِ، ولا مِنَ المباني العاليّةِ، ولا مِنَ المؤتمراتِ الّتي تتبادلُ فِيها الكلماتُ ثِيابَ المجدِ. هذهِ كلّها قدْ تكونُ أدواتٍ نافعةً حِينَ تستندُ إِلى صِدقٍ، لكنّها تصبحُ ديكورًا حضاريًّا حِينَ تقومُ فوقَ نفسٍ جماعيّةٍ تخافُ مِنَ التّشخيصِ. النّهضةُ تبدأُ مِنْ سُؤالٍ قاسٍ، لا لأنّهُ يكرهُ الأمّةَ، بلْ لأنّهُ يُحبّها أكثرَ مِنْ أنْ يتركها فِي غفوتها. يبدأُ الإنسانُ الصّادقُ بِسؤالِ نفسهِ، وتبدأُ الأمّةُ الصّادقةُ حِينَ تسألُ: ما الّذي فِينا يحتاجُ إِلى إِصلاحٍ؟ لا حِينَ تكتفي بِالسّؤالِ: منْ يكرهنا؟ ولا حِينَ تظلُّ تدورُ حولَ السّؤالِ: منْ منعنا؟ بلْ حِينَ تجرؤُ أنْ تسألَ: ما الّذي فرّطنا فِيهِ؟ ما الّذي كذبنا بِشأنهِ؟ ما الّذي سمّيناهُ صبرًا وهوَ عجزٌ؟ ما الّذي سمّيناهُ أصالةً وهوَ جُمودٌ؟ ما الّذي سمّيناهُ حِكمةً وهوَ خوفٌ؟ ما الّذي سمّيناهُ حِفاظًا على الهويّةِ وهوَ عجزٌ عنِ الإبداعِ؟ ما الّذي سمّيناهُ تآمرًا خارجيًّا وهوَ فِشلٌ داخليٌّ فِي التّنظيمِ والعملِ والعلمِ والعدلِ؟

“النّهضةُ تبدأُ مِنْ سُؤالٍ قاسٍ، لا لِأنّهُ يكرهُ الأمّةَ، بلْ لِأنّهُ يُحبّها أكثرَ مِنْ أنْ يتركها فِي غفوتها.”

لا حضارةَ بِلا صِدقٍ وعمقٍ فِي التّشخيصِ، فالطّبيبُ الّذي يُجاملُ المرضَ يُشاركُ فِي قتلهِ، والمربّي الّذي يخافُ مِنْ تسميةِ الخللِ يُربّي العجزَ، والمفكّرُ الّذي يُلمّعُ الانكسارَ بِاسمِ الخصوصيّةِ يُحوّلُ الثّقافةَ إِلى مُخدّرٍ، والسّياسيُّ الّذي يُخبّئُ الفشلَ تحتَ ألفِ رايةٍ وشعارٍ لا يبني دولةً، بلْ يبني مسرحًا طويلًا لِلهروبِ. التّشخيصُ الصّادقُ ليسَ ترفًا فِكريًّا، بلْ أوّلُ شُروطِ الحياةِ؛ لِأنَّ الخطأَ الّذي لا يُسمّى لا يُعالجُ، والمرضَ الّذي يلبسُ اسمَ العافيةِ يزدادُ خطرًا، والانحرافَ الّذي يختبئُ داخلَ لُغةٍ جميلةٍ يُحوّلهُ إِلى نِظامٍ كاملٍ يصعبُ اقتلاعهُ. إِنَّ الأمّةَ الّتي لا تستطيعُ أنْ تقولَ عنْ جُرحها إِنّهُ جُرحٌ ستظلُّ تضعُ عليهِ العطرَ وتمنعُ عنهُ الدّواءَ.

لكنَّ الصّدقَ معَ الذّاتِ الحضاريّةِ لا يعني جلدَ الأمّةِ ولا احتقارها. وهذهِ نُقطةٌ فاصلةٌ لا بُدَّ مِنْ تثبيتها كما يُثبّتُ العمودُ فِي أساسِ البناءِ. فهناكَ خِطابٌ مريضٌ يظنُّ أنَّ النّقدَ لا يكونُ عميقًا إِلّا إِذا كانَ مُهينًا، وأنَّ الاعترافَ لا يكونُ صادقًا إِلّا إِذا تحوّلَ إِلى لعنةٍ على الذّاتِ ومقتٍ لها، وأنَّ مُحاسبةَ الأمّةِ تعني إِعلانَ أنّها بِلا قِيمةٍ ولا تاريخٍ ولا أملٍ. هذا ليسَ صِدقًا، بلِ انهزامٌ مُتكبّرٌ فِي صُورةِ وعيٍ. جلدُ الأمّةِ يقولُ: نحنُ لا قِيمةَ لنا. أمّا المحاسبةُ فتقولُ: نحنُ أكرمُ مِنْ أنْ نبقى هكذا. جلدُ الأمّةِ يُحطّمُ الرّوحَ، أمّا المحاسبةُ فتوقظها. جلدُ الأمّةِ يلعنُ الماضيَ والحاضرَ، أمّا المحاسبةُ فتفتّشُ فِي الماضي عنِ الدّرسِ، وفي الحاضرِ عنْ موضعِ العملِ، وفي المستقبلِ عنْ وعدٍ لا يقومُ على الخيالِ وحدهُ.

“إِنَّ الأمّةَ الّتي لا تستطيعُ أنْ تقولَ عنْ جُرحها إِنّهُ جُرحٌ ستظلُّ تضعُ عليهِ العطرَ وتمنعُ عنهُ الدّواءَ.”

إِنَّ الفرقَ بينَ الجلدِ والمحاسبةِ كالفرقِ بينَ منْ يهدمُ البيتَ كراهيةً لِأهلهِ، ومنْ يفتحُ الجدارَ لِأنّهُ يُريدُ إِنقاذهُ مِنَ الرّطوبةِ الّتي تأكلهُ. المحاسبةُ ليستِ ازدراءً لِلذّاتِ الحضاريّةِ، بلْ وفاءٌ لها؛ لِأنّها ترفضُ أنْ تبقى الأمّةُ أدنى مِنْ إِمكانها. حِينَ نقولُ إِنَّ فِي تعليمنا خللًا، لا نقولُ إِنَّ أبناءنا بِلا عقلٍ، بلْ نقولُ إِنَّ عُقولهمْ تستحقُّ نِظامًا أصدقَ. وحينَ نقولُ إِنَّ فِي إِدارتنا فسادًا أوْ عجزًا، لا نقولُ إِنّنا أُمّةٌ لا تصلحُ، بلْ نقولُ إِنَّ طاقاتنا أكرمُ مِنْ أنْ تُهدرَ فِي الفوضى والمحاباةِ. وحينَ نقولُ إِنَّ خِطابنا الثّقافيَّ يكثرُ فِيهِ الضّجيجُ ويقلُّ فِيهِ العملُ، لا نُهينُ الثّقافةَ، بلْ نطلبُ لها أنْ تعودُ إِلى وظيفتها؛ إِيقاظِ المعنى، لا تزيينِ العجزِ.

وتظهرُ ثقافةُ التّبريرِ فِي المؤسّساتِ كما تظهرُ فِي النّفوسِ. فِي التعليمِ نحفظُ ولا نفهمُ، ثُمَّ نلومُ الجيلَ ونقولُ إِنّهُ ضعيفُ الهمّةِ، معَ أنَّ جُزءًا مِنْ ضعفهِ صُنعَ فِي مدارسَ تخافُ السّؤالُ وتكافئُ التّكرارَ. نملأُ رأسَ الطّالبِ بِالمعلوماتِ، ثُمَّ نتعجّبُ أنّهُ لا يعرفُ كيفَ يُفكّرُ. نطلبُ مِنهُ الإبداعَ، ثُمَّ نُعاقبهُ إِذا خرجَ عنِ الإجابةِ النّموذجيّةِ. نُحدّثهُ عنِ المستقبلِ، ونربّيهِ بِأدواتِ الماضي الميّتِ. فإذا فشلَ، وجدنا فِي فشلهِ فُرصةً جديدةً لِتبرئةِ النّظامِ وإدانةِ الضّحيّةِ. هذهِ هِيَ حِيلةُ النّفسِ نفسها حِينَ ترفضُ الاعترافَ؛ لكنّها هُنا ترتدي ثوبَ مُؤسّسةٍ.

“المحاسبةُ ليستِ ازدراءً لِلذّاتِ الحضاريّةِ، بلْ وفاءٌ لها؛ لِأنّها ترفضُ أنْ تبقى الأمّةُ أدنى مِنْ إِمكانها.”

وفي الإدارةِ نفشلُ فِي التّنظيمِ، ثُمَّ نلومُ الظّروفَ. تضيعُ المسؤوليّاتُ بينَ المكاتبِ، وتمنحُ المناصبُ أحيانًا لِمنْ يُحسنُ القربَ لا لِمنْ يُحسنُ العملَ، وتستهلكُ الطّاقاتُ فِي إِجراءاتٍ لا تخدمُ غايةً، ثُمَّ نقولُ إِنَّ المشكلةَ فِي قِلّةِ الإمكاناتِ وحدها. نعمْ، قدْ تكونُ الإمكاناتُ قليلةً، وقدْ تكونُ الضّغوطُ شديدةً، لكنَّ الصّدقَ يسألُ: ماذا فعلنا بِما لدينا؟ أينَ أهدرنا الوقتَ؟ أينَ كافأنا الرّداءةَ؟ أينَ خِفنا مِنَ الكفاءةِ لِأنّها تكشفُ الضّعفَ؟ أينَ صارتِ الواسطةُ لُغةً غيرَ مكتوبةٍ أقوى مِنَ القانونِ؟ لا تنهضُ إِدارةٌ تخافُ مِنْ هذهِ الأسئلةِ؛ لِأنّها ستظلُّ تُعيدُ إِنتاجَ الخللِ ثُمَّ تبحثُ لهُ عنِ اسمٍ جديدٍ.

وفي السّياسةِ تتّسعُ ثقافةُ التّبريرِ حتّى تصيرَ خطرًا على الوعيِ العامِّ. قدْ تصنعُ السّلطةُ أخطاءً جسيمةً، ثُمَّ تلوذُ بِالمؤامرةِ وحدها. والمؤامراتُ قدْ تُوجدُ، والعداواتُ الخارجيّةُ ليستْ خِيالًا، والتّاريخُ مليءٌ بِالمصالحِ والصّراعاتِ. لكنَّ اختزالَ كُلِّ عجزٍ فِي العدوِّ الخارجيِّ يُشبهُ رجلًا تركَ أبوابَ بيتهِ مكسورةً، ونوافذهُ مفتوحةً، ومفاتيحهُ فِي الطّريقِ، ثُمَّ إِذا سُرقَ قالَ إِنَّ اللّصوصَ أشرارٌ؛ وهيَ حقيقةٌ لا تكفي لِتبرئتهِ مِنْ إِهمالِ الحراسةِ. الأمّةُ الصّادقةُ لا تُنكرُ العدوَّ، لكنّها لا تمنحهُ شرفَ تفسيرِ كُلِّ شيءٍ. تعرفُ أنَّ الخارجَ يستغلُّ الضّعفَ، لكنّها تسألُ عنْ مصانعِ الضّعفِ فِي الدّاخلِ. تعرفُ أنَّ الآخرَ قدْ يطمعُ، لكنّها تسألُ عنْ أسبابِ القابليّةِ لِلنّهبِ. تعرفُ أنَّ القوّةَ الخارجيّةَ تضغطُ، لكنّها تسألُ عنْ هشاشةِ البنيةِ الّتي تجعلُ الضّغطَ قادرًا على كسرها.

“الأمّةُ الصّادقةُ لا تُنكرُ العدوَّ، لكنّها لا تمنحهُ شرفَ تفسيرِ كُلِّ شيءٍ.”

وفي العملِ نحتفي بِالشّكلِ ونهملُ الكفاءةَ. نُزيّنُ التّقاريرَ، ونجمّلُ الصّورَ، ونكثرُ مِنْ كلماتِ التّطويرِ والجودةِ والإنجازِ، ثُمَّ يبقى الواقعُ فِي الميدانِ ضعيفًا. كأنّنا نُريدُ أنْ ننجحَ فِي وصفِ النّجاحِ أكثرَ مِمّا نُريدُ أنْ ننجحَ فِعلًا. وهذا أيضًا نوعٌ مِنَ الكذبِ الجماعيِّ؛ أنْ تُصبحَ اللّغةُ بديلًا عنِ الأداءِ، وأنْ يُصبحَ العرضُ والاستعراضُ أقوى مِنَ الأثرِ، وأنْ تُقاسَ المؤسّساتُ بِما تقولهُ عنْ نفسها لا بِما تُقدّمهُ لِلنّاسِ. مِثلُ هذا المجتمعِ يُربّي أفرادهُ على أنَّ النّجاةَ فِي تحسينِ الصّورةِ لا فِي تحسينِ الحقيقةِ، فإذا انتشرَ ذلكَ صارَ الفسادُ ناعمًا، مُؤدّبًا، حسنَ الإخراجِ، لكنّهُ فسادٌ فِي النّهايةِ.

وفي الثّقافةِ نُكثرُ الكلامَ عنِ الوعيِ، ونخافُ أحيانًا مِنْ مُراجعةِ المسلّماتِ الّتي لمْ تعدْ تُنتجُ إِلّا الدّورانَ فِي المكانِ. نتحدّثُ عنِ النّهضةِ بِألفاظٍ فخمةٍ، ثُمَّ نخافُ مِنْ سُؤالِ العملِ. نتحدّثُ عنِ الأصالةِ، لكنّنا لا نسألُ متى تصيرُ الأصالةُ عُذرًا لِلجمودِ. نتحدّثُ عنِ الهويّةِ، لكنّنا لا نسألُ متى تتحوّلُ الهويّةُ مِنْ قُوّةِ بِناءٍ إِلى قلعةِ خوفٍ. نتحدّثُ عنِ العقلِ، لكنّنا نغضبُ مِنَ النّقدِ. نتحدّثُ عنِ الأمّةِ، لكنّنا نُؤجّلُ الإنسانَ الحيَّ لِصالحِ صُورةٍ شِعريّةٍ عنها. وهذهِ كُلّها صُورٌ مِنَ الدّفاعِ النّفسيِّ حِينَ يتحوّلُ مِنَ الفردِ إِلى الجماعةِ؛ الدّفاعُ عنْ صُورةٍ مُريحةٍ بدلَ مُواجهةِ واقعٍ مُؤلمٍ.

والمجتمعاتُ الّتي لا تعترفُ لا تتعلّمُ. فالتّعلّمُ الجماعيُّ يحتاجُ إِلى ذاكرةٍ صادقةٍ، لا إِلى أرشيفٍ مُزخرفٍ. إِذا زُوّرَ الفشلُ، لا يُمكنُ تحويلهُ إِلى درسٍ. وإذا حُذفتِ الأخطاءُ مِنَ الرّوايةِ العامّةِ، تُكرّرها الأجيالُ وهيَ تظنُّ أنّها تبدأُ مِنْ جديدٍ. وإذا حُوّلَ كُلُّ نقدٍ إِلى خِيانةٍ، تعطّلتِ المناعةُ الحضاريّةُ. فالنّقدُ الصّادقُ ليسَ هدمًا، بلْ جِهازُ مناعةٍ. كما أنَّ الجسدَ الّذي لا يشعرُ بِالألمِ قدْ يهلكُ لِأنَّ النّارَ تُحرقهُ وهوَ لا ينتبهُ، كذلكَ المجتمعُ الّذي يفقدُ ألمَ النّقدِ يفقدُ القدرةَ على اكتشافِ مواضعِ الخطرِ. النّقدُ النّبيلُ هُوَ ألمٌ رحيمٌ؛ يُوجعُ كيْ يُنبّهَ، ويكشفُ كيْ يُعالجَ، ويمنعُ المرضَ مِنْ أنْ يصيرَ قدرًا.

لكنْ حِينَ تضعفُ المناعةُ، يُصبحُ النّاصحُ عدوًّا، والمراجعُ خائنًا، والسّائلُ مُشكّكًا، والمختلفُ خطرًا، والمفكّرُ الحرُّ مصدرَ إِزعاجٍ. عِندها تتوقّفُ الأمّةُ عنِ التّعلّمِ؛ لِأنّها لا تسمحُ لِلمعلومةِ المؤلمةِ بِالدّخولِ. تبقى فِي قاعةٍ مملوءةٍ بِالمرايا المزيّفةِ؛ كُلُّ مِرآةٍ تقولُ لها إِنّها بِخيرٍ، وكلُّ صوتٍ يهمسُ بِالعكسِ يُطردُ مِنَ الغرفةِ. وما مِنْ حضارةٍ تستطيعُ أنْ تكبرَ إِذا كانتْ لا تحتملُ إِلّا المديحَ. فالمديحُ قدْ يُدفئُ، لكنّهُ لا يبني، وقدْ يُطمئنُ، لكنّهُ لا يُشخّصُ، وقدْ يسندُ الرّوحَ فِي لحظةٍ ما، لكنّهُ إِذا صارَ الغذاءَ الوحيدَ أفسدَ الذّوقَ وأمرضَ الوعيَ.

والصّدقُ معَ الذّاتِ شرطٌ لِلعدالةِ. منْ لا يرى عيبهُ لا يعدلُ معَ غيرهِ، ومنْ لا يعترفُ بِخطئهِ يُحوّلُ خصمهُ دائمًا إِلى أصلِ المشكلةِ. والأمّةُ الّتي لا تعترفُ بِمظالمها الدّاخليّةِ لا تستطيعُ أنْ تبنيَ عدلًا خارجيًّا راسخًا. كيفَ تطلبُ العدلَ مِنَ العالمِ وهيَ لا تُنصفُ الضّعيفَ فِي داخلها؟ كيفَ تشكو مِنْ إِقصاءِ الآخرينَ وهيَ تُقصي أبناءها المختلفينَ؟ كيفَ تُندّدُ بِالكذبِ الإعلاميِّ عِندَ غيرها وهيَ تصنعُ رِواياتٍ انتقائيّةً لِنفسها؟ كيفَ تُطالبُ بِالكرامةِ فِي الخارجِ وهيَ تُهينُ الإنسانَ فِي الدّاخلِ بِاسمِ العرفِ أوْ السّلطةِ أوْ الجماعةِ أوْ المصلحةِ؟ الصّدقُ هُنا ليسَ فضيلةً شخصيّةً فحسبُ، بلْ أساسٌ سِياسيٌّ واجتماعيٌّ؛ لِأنَّ العدلَ لا يقومُ على صُورةٍ مُحسّنةٍ عنِ الذّاتِ، بلْ على قُدرةٍ مُؤلمةٍ على رُؤيةِ الذّاتِ حِينَ تكونُ هِيَ الظّالمةَ لا المظلومةَ فقطْ.

إِنَّ مِنْ أعظمِ أخطاءِ الأمّةِ، بلْ وكلِّ الأممِ، أنّها تُريدُ حملَ رِسالةٍ إِلى العالمِ قبلَ أنْ تصدقَ معَ نفسها فِي الدّاخلِ. لا يُمكنُ لِأمّةٍ أنْ تُناديَ بِالحقِّ وهيَ تخافُ مِنَ الحقيقةِ فِي بيتها. ولا أنْ تُبشّرَ بِالعدلِ وهيَ تُطبّعُ معَ الظّلمِ فِي مُؤسّساتها. ولا أنْ تتحدّثَ عنِ الكرامةِ وهيَ تسحقُ كرامةَ الضّعفاءِ تحتَ قدميِ النّفوذِ. ولا أنْ تزعمَ قِيادةً أخلاقيّةً وهيَ لا تُراجعُ أخطاءها إِلّا إِذا انكشفتْ. كُلُّ خِطابٍ حضاريٍّ يفقدُ رُوحهُ حِينَ لا تُؤيّدهُ أخلاقٌ داخليّةٌ؛ عدلٌ فِي القضاءِ، أمانةٌ فِي العملِ، صِدقٌ فِي الإعلامِ، عِلمٌ فِي التعليمِ، شجاعةٌ فِي المراجعةِ، وكرامةٌ لِلإنسانِ لا ترتبطُ بِقربهِ مِنَ القوّةِ. الرّسالةُ ليستْ ما نقولهُ عنْ أنفسنا، بلْ ما يراهُ النّاسُ فِي طريقةِ عيشنا لِقيمنا.

ومنْ هُنا فإنَّ إِصلاحَ الدّاخلِ ليسَ انسحابًا مِنَ العالمِ، بلْ شرطٌ لِلدّخولِ إِليهِ بِصدقٍ. الأمّةُ الّتي تُريدُ أنْ يكونَ لها أثرٌ فِي العالمِ لا تبدأُ فقطْ بِمخاطبةِ العالمِ، بلْ بِمخاطبةِ نفسها. لا تبدأُ بِتلميعِ صُورتها، بلْ بِتقويةِ حقيقتها. لا تبدأُ بِصناعةِ خِطابٍ عنِ المجدِ، بلْ بِصناعةِ إِنسانٍ ومؤسّسةٍ وعقلٍ وعملٍ يليقُ بِالمجدِ. فالدّاخلُ الفاسدُ يفضحُ صاحبهُ مهما بلغتْ فصاحةُ الخارجِ. قدْ تستطيعُ الأمّةُ أنْ تصنعَ صُورةً برّاقةً زمنًا، لكنّها لا تستطيعُ أنْ تبنيَ حضارةً مِنَ الصّورةِ وحدها. الحضارةُ تحتاجُ إِلى معدنٍ، والمعدنُ لا يُستعارُ مِنَ الخطبِ؛ بلْ يُصهرُ فِي نارِ الصّدقِ والعملِ والمحاسبةِ.

والنّهضةُ تبدأُ حِينَ تصبحُ الحقيقةُ قِيمةً عامّةً، لا بُطولةً فرديّةً معزولةً. لا يكفي أنْ يكونَ فِي الأمّةِ أفرادٌ صادقونَ إِذا كانتِ البنيةُ كُلّها تُعاقبُ الصّدقَ. لا يكفي أنْ يُوجدَ مُعلّمٌ مُخلصٌ وسطَ نِظامٍ يُكافئُ الحفظَ الأعمى. ولا صحفيٌّ شُجاعٌ وسطَ إِعلامٍ يُحبُّ التّجميلَ. ولا قاضٍ نزيهٌ وسطَ ثقافةٍ تضغطُ على العدالةِ. ولا أبٌ صادقٌ وسطَ مُجتمعٍ يُربّي أبناءهُ على المظاهرِ. الصّدقُ ينبغي أنْ يُصبحَ جُزءًا مِنَ البنيةِ العامّةِ؛ فِي التعليمِ الّذي لا يخافُ السّؤالَ، فِي الإعلامِ الّذي لا يبيعُ الوعيَ لِلضّجيجِ، فِي الأسرةِ الّتي لا تجعلُ الاعترافَ عارًا، فِي الخطابِ الدّينيِّ الّذي يربطُ التّقوى بِالمحاسبةِ لا بِالادّعاءِ، فِي الثّقافةِ الّتي تُميّزُ بينَ النّقدِ والعداءِ، وفي القيادةِ الّتي لا ترى فِي المراجعةِ نُقصانَ هيبةٍ.

إِنَّ المجتمعَ الصّادقَ لا يخافُ السّؤالَ؛ لِأنّهُ يعرفُ أنَّ السّؤالَ بابُ الفهمِ لا خنجرُ الخيانةِ. لا يقتلُ النّاصحَ؛ لِأنّهُ يعرفُ أنَّ منْ يدلّكَ على موضعِ النّزفِ ليسَ هُوَ منْ جرحكَ. لا يخلطُ بينَ النّقدِ والعداءِ؛ لِأنَّ العدوَّ يُريدُ هدمكَ، أمّا النّاقدُ الصّادقُ فيريدُ منعكَ مِنْ هدمِ نفسكَ. لا يُقدّسُ الأشخاصَ والمؤسّساتِ حتّى يعجزَ عنْ إِصلاحها؛ لِأنَّ القداسةَ إِذا مُنحتْ لِما أوْ لِمنْ لا يستحقّها تحوّلتْ إِلى حِمايةٍ لِلخللِ. المجتمعُ الصّادقُ يتعلّمُ أنْ يقولَ عنِ الجميلِ جميلًا، وعنِ القبيحِ قبيحًا، دُونَ أنْ ينهارَ أمامَ اعترافهِ بِالقبحِ، ودونَ أنْ يفقدَ فخرهُ بِما فِيهِ مِنْ جمالٍ.

وهنا نحتاجُ إِلى زُهدٍ مِنْ نوعٍ حضاريٍّ؛ زُهدٍ فِي الوهمِ. كما يحتاجُ الفردُ إِلى أنْ يزهدَ فِي شهواتهِ الزّائفةِ، وفي صُورتهِ المزيّفةِ، وفي راحةِ التّبريرِ، تحتاجُ الأمّةُ إِلى أنْ تزهدَ فِي أوهامها المريحةِ. أنْ تزهدَ فِي وهمِ التّفوّقِ بِلا عملٍ، وفي وهمِ القداسةِ بِلا مُحاسبةٍ، وفي وهمِ التّاريخِ بِلا صِناعةِ مُستقبلٍ، وفي وهمِ أصالةٍ بِلا إِبداعٍ، وفي وهمِ الرّسالةِ بِلا أخلاقٍ، وفي وهمِ العدوِّ الّذي يُفسّرُ كُلَّ شيءٍ، وفي وهمِ الخطابِ الّذي يُعوّضُ الفعلَ. هذا الزّهدُ لا يعني تركَ الفخرِ المشروعِ ولا إِنكارَ المجدِ الحقيقيِّ، بلْ يعني تحريرَ الفخرِ مِنَ الخدرِ. فالفخرُ النّاضجُ لا يقولُ إِنّنا كُنّا عُظماءَ فلنكفَّ عنِ العملِ؛ بلْ يقولُ إِنّنا كُنّا قادرينَ على العظمةِ يومَ صدقنا معَ شُروطها، ولنْ نعودَ إِليها إِلّا إِذا صدقنا معَ أنفسنا اليومَ.

والوهمُ الحضاريُّ أخطرُ مِنَ الوهمِ الفرديِّ لِأنّهُ يلبسُ ثوبَ الجماعةِ، ويتغذّى مِنَ المديحِ المتبادلِ، ويتحوّلُ إِلى ذاكرةٍ ومناهجَ وخطاباتٍ وأغانٍ واحتفالاتٍ. الفردُ إِذا خدعَ نفسهُ رُبّما أفسدَ حياتهُ، أمّا الأمّةُ إِذا خدعتْ نفسها أفسدتْ أجيالًا. ولذلكَ كانَ الزّهدُ فِي الوهمِ الحضاريِّ عملًا شاقًّا؛ لِأنّهُ يطلبُ مِنَ النّاسِ أنْ يُفرّقوا بينَ حُبِّ الأمّةِ وتأليهِ صُورتها، وبينَ الوفاءِ لِلتّاريخِ والعيشِ فِي مُتحفهِ، وبينَ الدّفاعِ عنها وتبرئةِ كُلِّ ما فِيها، وبينَ الكرامةِ والعنادِ، وبينَ الثّباتِ على الهويّةِ والتّحجّرِ داخلَ نُسخةٍ قديمةٍ مِنها. الأمّةُ الصّادقةُ لا تقلُّ حُبًّا لِنفسها حِينَ تعترفُ؛ بلْ تُحبُّ نفسها حُبًّا أرقى، حُبًّا لا يتركها مريضةً كيْ لا يجرحَ مشاعرها.

وفي النّهايةِ، تعودُ المسألةُ كُلّها إِلى الغرفةِ الأولى؛ إِلى الإنسانِ وحدهُ أمامَ نفسهِ. فالأمّةُ ليستْ إِلّا ملايينَ النّفوسِ الّتي تكذبُ أوْ تصدقُ، تُبرّرُ أوْ تعترفُ، تهربُ أوْ تُواجهُ، تُسمّي الأشياءَ بِأسمائها أوْ تُلبسها أقنعةً جميلةً. حِينَ يكذبُ الأبُ على نفسهِ، يُربّي بيتًا مُرتبكًا. وحينَ يكذبُ المعلّمُ على نفسهِ، يُربّي عقلًا ناقصًا. وحينَ يكذبُ المسؤولُ على نفسهِ، يُفسدُ مُؤسّسةً. وحينَ يكذبُ المثقّفُ على نفسهِ، يُضلّلُ جُمهورًا. وحينَ تكذبُ النّخبةُ على نفسها، تضيعُ بوصلةُ المجتمعِ. وكذلكَ حِينَ يصدقُ إِنسانٌ واحدٌ بِعمقٍ، فإنّهُ لا يُخلّصُ نفسهُ وحدها؛ بلْ يضعُ لبنةً صغيرةً فِي بِناءٍ عامٍّ لا يُرى كاملًا فِي لحظتهِ.

ليستِ النّهضةُ مُعجزةً تهبطُ على أُمّةٍ تُتقنُ الإنكارَ، ولا ثمرةً تنبتُ فِي أرضٍ تكرهُ المرآةَ. النّهضةُ عملٌ طويلٌ يبدأُ مِنْ صِدقٍ صغيرٍ، تبدأُ مِنْ إِصلاحِ الذّاتِ الفرديّةِ ثُمَّ إِصلاحِ الأسرةِ ثُمَّ الامتدادِ الأفقيِّ التّدريجيِّ الأقربِ فالأبعدِ. تبدأُ مِنْ إِنسانٍ يتوقّفُ عنْ تبريرِ هزيمتهِ، وأسرةٍ تتعلّمُ الاعترافَ، ومدرسةٍ تحترمُ السّؤالَ، ومؤسّسةٍ تعترفُ بِالخللِ، وثقافةٍ لا تطردُ النّاقدَ، وقيادةٍ لا تجعلُ هيبتها فوقَ الحقيقةِ. وكلّما اتّسعتْ دوائرُ الصّدقِ، صارَ الإصلاحُ أقلَّ غرابةً، وصارتِ الحقيقةُ أقلَّ وحدةً، وصارَ النّورُ أقلَّ إِيلامًا لِلعيونِ الّتي اعتادتِ العتمةَ.

إِنَّ كُلَّ نهضةٍ تبدأُ مِنْ مِرآةٍ. فإذا كسرَ الإنسانُ مِرآتهُ كيْ لا يرى عيبهُ، صنعَ أُمّةً عمياءَ، وإنْ زخرفَ لها الجدرانَ بِالشّعاراتِ. وإذا صدقَ معَ نفسهِ، صارَ لبنةً فِي حضارةٍ لا تخافُ النّورَ. فالحضارةُ الصّادقةُ لا تُولدُ مِنْ أُمّةٍ تدّعي أنّها بِلا جِراحٍ، بلْ مِنْ أُمّةٍ تملكُ شجاعةَ كشفِ الجرحِ، وحكمةَ تنظيفهِ، وصبرَ مُداواتهِ، ثُمَّ عزمَ السّيرِ بعدَ ذلكَ بِوجهٍ لا يخجلُ مِنَ النّدبةِ؛ لِأنّها لمْ تعدْ علامةَ سُقوطٍ، بلْ صارتْ شاهدًا على أنّها اختارتِ الشّفاءَ على الزّينةِ، والحقيقةَ على الوهمِ، والبناءَ على الرّاحةِ الكاذبةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى