حين تصير النفس قانونا لذاتها
فِي مَحَارِيبِ الِانْعِتَاقِ الرُّوحِيِّ، حَيْثُ لَا تَقِفُ النَّفْسُ أَمَامَ ذَاتِهَا كَمُتَّهَمٍ يَنْتَظِرُ حُكْمَ العَابِرِينَ، بَلْ كَشَاهِدٍ يَعْرِفُ مَا أُودِعَ فِيهِ مِنْ سِرٍّ وَمَا حُمِّلَ مِنْ مِيثَاقٍ، يَنْبَثِقُ الإِدْرَاكُ لِلذَّاتِ كَمُعْجِزَةٍ هَادِئَةٍ تُنْحَتُ مِنْ صَمِيمِ التَّكَوُّنِ السَّرْمَدِيِّ. فَلَيْسَ قَدْرُ المَرْءِ حِكَايَةً تُرْوَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَلَا صُورَةً تُعَلَّقُ فِي مَرَايَا المَدْحِ وَالذَّمِّ، وَلَا مَقَامًا يَهَبُهُ الجُمْهُورُ حِينَ يَرْضَى وَيَسْلُبُهُ حِينَ يَتَقَلَّبُ مِزَاجُهُ، بَلْ هُوَ شِفْرَةٌ وُجُودِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، لَا يَفُكُّ طَلَاسِمَهَا إِلَّا مَنْ أَدْرَكَ أَنَّ الجَوْهَرَ أَعْلَى مِنَ العَرَضِ، وَأَنَّ الكَرَامَةَ لَيْسَتْ زِينَةً عَلَى كَتِفِ الرُّوحِ، بَلْ عَظْمُهَا الدَّاخِلِيُّ الَّذِي إِنِ انْكَسَرَ لَمْ تُجْبِرْهُ كُلُّ ضِمَادَاتِ العَالَمِ.
إِنَّ الكِبْرِيَاءَ، فِي مَقَامِ الحِكْمَةِ، لَيْسَ حِجَابًا عَنِ الحَقِّ، وَلَا تَوَرُّمًا مَرَضِيًّا فِي صُورَةِ الذَّاتِ، بَلْ هُوَ التَّجَلِّي الأَكْمَلُ لِخُلُقٍ عَرَفَ مِقْدَارَ نَفْسِهِ، فَمَا أَهَانَهَا بِسُؤَالٍ، وَلَا أَرْخَصَهَا بِمُدَاهَنَةٍ، وَلَا جَعَلَ مَا فِيهِ مِنْ نُورٍ رَهِينَةً لِمَزَاجِ مَنْ لَا يُحْسِنُونَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَاللَّمَعَانِ. وَالنَّفْسُ الَّتِي تَعِي قَدْرَهَا تَقِفُ فِي كَبِدِ العَاصِفَةِ كَطَوْدٍ لَا تُمِيدُهُ الرِّيَاحُ، لَا لِأَنَّهَا لَا تَشْعُرُ بِقَسْوَةِ العَاصِفَةِ، بَلْ لِأَنَّ جُذُورَهَا أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا أَظَافِرُ الرِّيحِ.
هِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الإِمْكَانَاتِ الكَامِنَةَ فِي أَعْمَاقِ جَوْهَرِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَاقَاتٍ حَيَوِيَّةٍ تَنْتَظِرُ التَّفْرِيغَ، وَلَا مَوَاهِبَ عَابِرَةً تُسْتَعْمَلُ لِاقْتِنَاصِ الدَّهْشَةِ مِنْ عُيُونِ النَّاظِرِينَ، بَلْ هِيَ مَشَارِيعُ خُلُودٍ تَحْتَاجُ إِلَى صَقْلٍ مُسْتَمِرٍّ بِمِبْرَدِ الصَّبْرِ وَإِزْمِيلِ البَصِيرَةِ، حَتَّى تَنْبَثِقَ الحَقِيقَةُ مِنْ بَيْنِ رُكَامِ التَّجَارِبِ كَمَا تَنْبَثِقُ الشَّمْسُ مِنْ بَيْنِ رَوَاسِبِ الغُيُومِ. وَهُنَا يَتَكَوَّنُ ذَلِكَ الاتِّزَانُ النَّادِرُ بَيْنَ تَوَاضُعِ العَارِفِ الَّذِي يَرَى نَقْصَهُ فِي مِرْآةِ الكَمَالِ الإِلَهِيِّ، وَعِزَّةِ الشَّاهِدِ الَّذِي يَمْتَلِكُ نَاصِيَةَ رُؤْيَتِهِ، فَلَا يَخْتَالُ بِمَا أُوتِيَ، وَلَا يَخْجَلُ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَغْفِرُ النَّاسَ مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ فِي دَاخِلِهِ.
هَذَا الاتِّزَانُ هُوَ المِعْرَاجُ الوَحِيدُ نَحْوَ مَرَاتِبِ السِّيَادَةِ المَعْنَوِيَّةِ؛ فَبِهِ تَسْتَطِيعُ النَّفْسُ أَنْ تَحْمِلَ مَجْدَهَا دُونَ غُرُورٍ، وَجُرْحَهَا دُونَ انْهِيارٍ، وَوَحْدَتَهَا دُونَ اسْتِجْدَاءٍ، وَعَطَاءَهَا دُونَ امْتِنَانٍ عَلَى الخَلْقِ. وَبِهِ تَتَعَلَّمُ أَنَّ القِيمَةَ لَا تُسْتَمَدُّ مِنَ الخَارِجِ، وَلَا تُقَاسُ بِعَدَدِ الأَيْدِي المُصَفِّقَةِ، وَلَا بِحَرَارَةِ الأَلْسِنَةِ المُطْرِيَةِ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا تَبْقَى النَّفْسُ وَفِيَّةً لِسِرِّهَا حِينَ يَسْقُطُ الضَّجِيجُ، وَتَخْلُو السَّاحَةُ إِلَّا مِنَ الحَقِيقَةِ.
وَالنَّفْسُ العَالِمَةُ بِقَدْرِهَا تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ رِيشَةً فِي مَهَبِّ رِيَاحِ الآخَرِينَ؛ تَرْتَفِعُ إِنْ رَفَعُوهَا، وَتَسْقُطُ إِنْ أَهْمَلُوهَا، وَتَهْتَزُّ كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهَا نَبْرَةُ اسْتِحْسَانٍ أَوْ عَاصِفَةُ ازْدِرَاءٍ. إِنَّهَا تَرْقُبُ مَسَاحَاتِ التَّمَاسِّ مَعَ العَالَمِ بِبَصِيرَةٍ حَادَّةٍ؛ تَعْرِفُ مَتَى تُشْرِعُ أَبْوَابَهَا لِرِيَاحِ المَوَدَّةِ، وَمَتَى تُصْدِرُ أَمْرَهَا الصَّامِتَ بِإِغْلَاقِ الحُصُونِ، دُونَ أَنْ تَتْرُكَ ثُغْرَةً لِعَابِثٍ، أَوْ مَمَرًّا لِمُتَسَلِّلٍ، أَوْ نَافِذَةً لِفُضُولٍ رَخِيصٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ.
إِنَّهَا تَتَبَنَّى مَنْطِقَ الِاسْتِغْنَاءِ البَاذِخِ؛ ذَلِكَ الِاسْتِغْنَاءُ الَّذِي لَا يُحَوِّلُ العُزْلَةَ إِلَى مَقْبَرَةٍ، بَلْ إِلَى حَرَمٍ آمِنٍ يَتَطَهَّرُ فِيهِ الفِكْرُ مِنْ دَنَسِ التَّكَلُّفِ، وَتَسْتَعِيدُ فِيهِ الرُّوحُ صَوْتَهَا الأَصْلِيَّ بَعْدَ أَنْ أَتْعَبَتْهَا جَلَبَةُ الوُجُوهِ وَالأَقْنِعَةِ. هِيَ تَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ خَارِجَ حُدُودِ كَرَامَتِهَا خَسَارَةٌ فَادِحَةٌ لَا تُعَوِّضُهَا كُنُوزُ الدُّنْيَا، وَلَا تُصْلِحُهَا كُلُّ مَرَاهِمِ الِاعْتِذَارِ المُتَأَخِّرِ؛ لِذَلِكَ تَبْنِي حَوْلَ مَقَامِهَا سِيَاجًا مِنْ نُورِ البَيَانِ وَحَدِيدِ المَبْدَأِ، لَا يَعْبُرُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَجَلَالِ المَوْقِفِ، وَأَدَبِ القُرْبِ.
إِنَّهَا لَا تَسْتَجْدِي حُبًّا، وَلَا تَتَسَوَّلُ تَقْدِيرًا، وَلَا تُدِيرُ أَيَّامَهَا عَلَى مَوَاعِيدِ مَنْ يَمْنَحُونَ الحُضُورَ بِالمِزَاجِ وَيَسْحَبُونَهُ بِالنَّزْوَةِ. بَلْ تَقِفُ شَامِخَةً فِي ظِلِّ عُلُوِّهَا الرُّوحِيِّ، تُنْتِجُ الجَمَالَ لِأَنَّهَا جَمِيلَةٌ، وَتَهَبُ الحِكْمَةَ لِأَنَّهَا مَعْدِنُهَا، وَتُضِيءُ لِأَنَّ فِي جَوْفِهَا شَمْسًا لَا تَنْتَظِرُ تَصْرِيحًا مِنَ اللَّيْلِ كَيْ تُشْرِقَ. وَمَنْ أَتْقَنَ فَنَّ العَزْفِ عَلَى أَوْتَارِ الخُلُودِ لَا يَسْأَلُ الصَّدَى هَلْ أَعْجَبَهُ اللَّحْنُ؛ فَالصَّدَى ابْنُ الجِدَارِ، أَمَّا اللَّحْنُ فَابْنُ الرُّوحِ.
وَفِي هَذَا المَسَارِ المُتَعَالِي، تَغْدُو اللُّغَةُ وَحْدَهَا أَحَدَ أَصْدَقِ الوُجُوهِ الَّتِي تَقْرَأُ هَذَا التَّجَلِّي. فَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ تَمْلِكُ مِنَ العُمْقِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ، إِلَّا أَنَّهَا تُرَوِّضُ البَيَانَ كَمَا يُرَوِّضُ الفَارِسُ جَوَادًا مِنْ نَارٍ، لِيَصِيرَ مِرْآةً صَافِيَةً لِمَا اخْتَبَأَ فِي دَاخِلِهَا مِنْ عَظَمَةٍ وَوَجْدٍ وَرُؤْيَا. فَالجُمَلُ عِنْدَهَا لَيْسَتْ أَلْفَاظًا تُرَتَّبُ عَلَى مَائِدَةِ النَّحْوِ، بَلْ كُتَلٌ مِنْ نَارٍ مُؤَدَّبَةٍ، وَمَعَادِنُ مِنْ ضَوْءٍ تُصْهَرُ فِي أَفْرَانِ التَّأَمُّلِ حَتَّى تَخْرُجَ عَلَى هَيْئَةِ مَعْنًى لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ.
لِذَلِكَ تَبْتَعِدُ هَذِهِ النُّفُوسُ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ وَبَاهِتٌ، لَا مِنْ بَابِ التَّكَلُّفِ وَالتَّقَعُّرِ، بَلْ خَوْفًا عَلَى اللُّغَةِ مِنْ عَدْوَى الرَّدَاءَةِ، وَخَوْفًا عَلَى المَعْنَى مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سِلْعَةٍ مُعَلَّبَةٍ فِي أَسْوَاقِ الذَّوْقِ المُسْتَهْلَكِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى الِاسْتِحْقَاقُ الأَرُسْتُقْرَاطِيُّ فِي أَرْفَعِ صُوَرِهِ؛ إِذْ يَصِيرُ الوَصْلُ بِهَذِهِ النَّفْسِ شَرَفًا نَادِرًا، وَالحِوَارُ مَعَهَا رِحْلَةً فِي عَالَمِ المُثُلِ، لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا أُولُو النُّهَى، وَمَنْ طَهُرَتْ أَسْمَاعُهُمْ مِنْ طَنِينِ العَادِيِّ وَضَجَرِ المُسْتَنْسَخِ.
إِنَّهُمْ يَمْشُونَ عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ مُعَلَّقَةٌ فِي سَمَاءِ التَّفَرُّدِ، يَسْمَعُونَ ضَجِيجَ البَشَرِ كَأَنَّهُ أَنِينُ مَاضٍ بَعِيدٍ، وَيَتَنَاغَمُونَ فِي الخَفَاءِ مَعَ إِيقَاعِ الفِكْرِ الكَوْنِيِّ، حَيْثُ لَا تُقَاسُ الأَشْيَاءُ بِمَا تُحْدِثُهُ مِنْ ضَوْضَاءَ، بَلْ بِمَا تَتْرُكُهُ مِنْ أَثَرٍ فِي نَسِيجِ الخُلُودِ. وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذَا المَدَى لَمْ يَعُدْ يَكْتُبُ لِيُفْهِمَ العَابِرِينَ فَحَسْبُ، بَلْ لِيُقِيمَ لِلمَعْنَى بَيْتًا لَا تَسْقُطُ أَعْمِدَتُهُ بِتَقَادُمِ القِرَاءَةِ.
لَقَدْ أَدْرَكَتْ هَذِهِ الأَرْوَاحُ، بَعْدَ مُكَابَدَةٍ طَوِيلَةٍ، أَنَّ احْتِرَامَ الحُدُودِ لَيْسَ جُبْنًا، بَلْ قِمَّةُ الشَّجَاعَةِ؛ فَمَنْ رَسَمَ خَطًّا أَحْمَرَ حَوْلَ قَدْسِيَّةِ وُجُودِهِ، إِنَّمَا أَعْلَنَ أَنَّهُ لَيْسَ أَرْضًا مُبَاحَةً لِأَقْدَامِ الأَهْوَاءِ، وَلَا مَمَرًّا لِلْمُرْتَبِكِينَ، وَلَا سَاحَةً يُجَرِّبُ فِيهَا النَّاسُ نَقْصَهُمْ عَلَى حِسَابِ سَكِينَتِهِ. وَهَذِهِ الوَحْشِيَّةُ الأَنِيقَةُ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الحُدُودِ هِيَ الَّتِي تُضْفِي عَلَى الشَّخْصِيَّةِ ذَلِكَ الرَّوَاقَ المَهِيبَ الَّذِي يَجْعَلُ الآخَرِينَ يَقِفُونَ عَلَى بَابِ حُضُورِهَا بِإِجْلَالٍ صَامِتٍ، لَا لِأَنَّهَا تُرْهِبُهُمْ بِالعُنْفِ، بَلْ لِأَنَّهَا تُذَكِّرُهُمْ بِمَا فَقَدُوهُ مِنْ هَيْبَةِ الذَّاتِ.
حِينَ تَصِلُ النَّفْسُ إِلَى هَذِهِ المَرْتَبَةِ، تُصْبِحُ قَانُونًا لِذَاتِهَا؛ لَا يُحَرِّكُ سَاكِنَهَا مَدْحُ المَادِحِينَ، وَلَا يُرْبِكُ خُطَاهَا هُجُومُ الحَاقِدِينَ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مَحْكَمَةِ النَّاسِ كَيْ تُصْدِرَ حُكْمَهَا عَلَى نَفْسِهَا. فَقَدْ بَلَغَتْ حَالَةً مِنَ الِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ تَتَعَالَى فِيهَا عَنْ نَقْدِ الجَهَلَةِ وَتَسْفِيهِ العَاجِزِينَ، مَحْفُوظَةً بِدِرْعٍ مِنَ الثِّقَةِ المُطْلَقَةِ بِمَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِهَا مِنْ نُورٍ وَبَصِيرَةٍ. وَهَذِهِ الثِّقَةُ لَا تَعْنِي العِصْمَةَ مِنَ الخَطَأِ، بَلْ تَعْنِي أَنَّ النَّفْسَ صَارَتْ أَمِينَةً عَلَى مُرَاجَعَةِ ذَاتِهَا دُونَ أَنْ تَتَسَوَّلَ مِنَ الخَارِجِ إِذْنًا بِالتَّوَهُّجِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَتَجَلَّى نُضْجُ العَقْلِ حِينَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الِانْفِتَاحِ المَحْمُودِ عَلَى العُلُومِ وَالتَّجَارِبِ، وَبَيْنَ الذَّوَبَانِ المَذْمُومِ فِي هُوِيَّاتٍ مُسْتَعَارَةٍ. فَالنَّفْسُ الأَصِيلَةُ تَسْتَلْهِمُ مِنْ كُلِّ نَبْعٍ صَفْوَةَ المَاءِ، لَكِنَّهَا تَبْقَى مَصْدَرَ النَّهْرِ الَّذِي يَمُدُّ المَعْنَى بِحَيَاتِهِ؛ تَأْخُذُ دُونَ أَنْ تُسْتَعْمَرَ، وَتَتَعَلَّمُ دُونَ أَنْ تُسْتَبْدَلَ، وَتَتَجَدَّدُ دُونَ أَنْ تَخُونَ نَسَبَهَا الأَوَّلَ. وَهُنَا يَتَفَتَّقُ النُّمُوُّ العُنْقُودِيُّ لِلأَفْكَارِ؛ كُلَّمَا نَضَجَتْ ثَمَرَةٌ انْفَتَحَ فِي بَاطِنِهَا بَذْرٌ لِشَجَرَةٍ أَعْظَمَ، وَكُلَّمَا بَلَغَتِ الرُّؤْيَا سَقْفًا شَقَّتْ فِيهِ نَافِذَةً إِلَى سَمَاءٍ أَرْحَبَ.
وَبِهَذَا النُّمُوِّ لَا يَعُودُ الحُضُورُ الإِنْسَانِيُّ تَكْرَارًا لِمَا سَبَقَ، وَلَا اجْتِرَارًا لِمَا أَلِفَتْهُ الأَلْسِنَةُ، بَلْ شَاهِدًا عَلَى قُدْرَةِ الرُّوحِ عَلَى الخَلْقِ المُسْتَمِرِّ، وَعَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَحْتَرِمُ جَوْهَرَهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وَلَا يَسْتَنْسِخُ نَفْسَهُ كُلَّ يَوْمٍ، بَلْ يُعِيدُ وِلَادَتَهُ فِي صُورَةٍ أَعْمَقَ وَأَصْفَى وَأَقْدَرَ عَلَى حَمْلِ المَعْنَى. فَالهَيْبَةُ لَيْسَتْ شَيْئًا يُرْتَدَى، وَلَا قِنَاعًا يُسْتَعَارُ، وَلَا زِينَةً تُضَافُ إِلَى الوَجْهِ، بَلْ فَيْضٌ يَنْبَعُ مِنَ الدَّاخِلِ، يَتَشَكَّلُ فِي هَيْئَةِ كَلِمَاتٍ نَارِيَّةٍ، وَمَوَاقِفَ صَامِدَةٍ، وَحِكْمَةٍ تُنِيرُ لِلحَائِرِينَ دُرُوبَهُمْ دُونَ أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا لِلضَّوْءِ.
حَتَّى إِذَا سَأَلَ الزَّمَانُ هَذِهِ النَّفْسَ: مَنْ أَنْتِ؟ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى صِيَاحٍ، وَلَا إِلَى عَرْضِ أَوْسِمَةٍ، وَلَا إِلَى اسْتِدْعَاءِ شُهُودٍ مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَجَابَتْهُ بِلِسَانِ حَالِهَا: أَنَا المَسْؤُولَةُ عَنْ بِنَاءِ عَالَمِي، المَأْمُورَةُ بِإِتْقَانِ قَدَرِي، المَجْبُولَةُ عَلَى أَنْ أَكُونَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ أَصْدَقَ مِنْ صُورَتِي الأَمْسِيَّةِ، وَأَعْمَقَ مِنْ خُطْوَتِي السَّابِقَةِ، وَأَوْفَى لِلنُّورِ الَّذِي وُضِعَ فِيَّ. أَنَا لَا أَسْتَمِدُّ مَعْنَايَ مِنْ رِضَا العَابِرِينَ، وَلَا أُقَايِضُ حُرِّيَّتِي بِسَلَامَةٍ رَخِيصَةٍ، وَلَا أَبِيعُ قَدْرِي فِي أَسْوَاقِ الِاسْتِحْسَانِ. أَنَا السَّيِّدَةُ عَلَى رُوحِي، المَالِكَةُ لِأَدَوَاتِي، الرَّاضِيَةُ بِمَا كُتِبَ لِي مِنْ عُلُوٍّ، وَالمُجَاهِدَةُ فِي سَبِيلِ أَنْ أَبْقَى حُرَّةً، طَاهِرَةً، وَفَارِعَةً فِي سَمَاءِ المَعْنَى، لَا تُطَأْطِئُ رَأْسَهَا إِلَّا لِلْحَقِّ، وَلَا تَفْتَحُ بَابَهَا إِلَّا لِمَنْ يَدْخُلُهُ بِأَدَبِ النُّورِ.
