العبوديات الجديدة
حينَ تُصْنَعُ القيودُ منَ الرغبةِ لا منْ سلاسلِ الحديدِ
لمْ تعدِ العبوديةُ في صورتِها الحديثةِ تحتاجُ إلى سوطٍ يلمعُ في يدِ السيدِ، ولا إلى قيدٍ منْ حديدٍ يعضُّ كاحلَ الإنسانِ، ولا إلى سوقٍ تُعرضُ فيهِ الأجسادُ كما كانتْ تُعرضُ البهائمُ في عصورِ الانحطاطِ المكشوفِ. لقدْ صارتِ العبوديةُ أذكى، وأنعمَ مَلْمَسًا، وأشدَّ قدرةً على التخفي في ثيابِ الحريةِ ذاتِها. لمْ تعدْ تدخلُ منْ بابِ الإكراهِ الصريحِ، بلْ منْ بابِ الرغبةِ؛ لا تقولُ للإنسانِ: اخضعْ، بلْ تقولُ لهُ: اخترْ. لا تقودُهُ بالسلاسلِ، بلْ تجعلُهُ يمشي إليها مُخْتَالًا وهوَ يظنُّ أنَّهُ يمارسُ إرادتَهُ. لا تسجنُهُ خلفَ الجدرانِ، بلْ تزرعُ السجنَ في داخلِهِ حتى يحملَ قفصَهُ معهُ أينما ذهبَ، ويغضبَ ممنْ يحاولُ أنْ يفتحَ لهُ البابَ.
كانتِ العبوديةُ القديمةُ جَسَدًا مَمْلُوكًا، أما العبوديةُ الجديدةُ فنفسٌ مبرمجةٌ. كانتِ الأولى تسلبُ الإنسانَ حركتَهُ، أما الثانيةُ فتسلبُهُ مركزَهُ. كانتِ الأولى تحرمُهُ منَ الطريقِ، أما الثانيةُ فتدعُهُ يسيرُ في كلِّ الطرقِ بعدَ أنْ تكونَ قدْ حددتْ لهُ مُسْبَقًا ما الذي يشتهيهِ، وما الذي يخافُهُ، وما الذي يلاحقُهُ، وما الذي يراهُ نَجَاحًا، وما الذي يظنُّـهُ نَقْصًا في ذاتِهِ. ولهذا كانتِ العبوديةُ الجديدةُ أخطرَ منَ القديمةِ منْ جهةٍ عميقةٍ؛ لأنَّ العبدَ القديمَ كانَ يعرفُ غَالِبًا أنَّهُ عبدٌ، أما عبدُ العصرِ الحديثِ فكثيرًا ما يصفقُ لأغلالِهِ، ويشتريها بأغلى الأثمانِ، ويعلّقُها حولَ رقبتِهِ بوصفِها زِينَةً اجْتِمَاعِيَّةً أوْ عَلَامَةً على النجاحِ.
إنَّ أولَ أبوابِ العبوديةِ الجديدةِ ليسَ سِيَاسِيًّا، بلْ نفسيٌّ. فالطغيانُ الخارجيُّ لا يتمكنُ منَ الإنسانِ إلا بعدَ أنْ يجدَ في داخلِهِ مَوْضِعًا قَابِلًا للاستعمارِ. قبلَ أنْ تُسْتَعْبَدَ الشعوبُ بالقوانينِ والسلطاتِ والأسواقِ، تُسْتَعْبَدُ في باطنِها بالخوفِ، والاحتياجِ، والفراغِ، والقلقِ، والتعلقِ بصورةِ الذاتِ في عيونِ الآخرينَ. الإنسانُ الذي لا يملكُ نفسَهُ منَ الداخلِ لا يحتاجُ إلى حاكمٍ قاهرٍ كيْ يخضعَ؛ يكفي أنْ يلوّحَ لهُ المجتمعُ بالقبولِ أوِ الرفضِ، أوْ أنْ تضغطَ عليهِ السوقُ بوهمِ النقصِ، أوْ أنْ تهمسَ لهُ الشاشةُ بأنَّهُ غيرُ كافٍ كما هوَ، حتى يركضَ طَائِعًا في مضمارٍ لمْ يخترْهُ حَقًّا.
“إنَّ أولَ أبوابِ العبوديةِ الجديدةِ ليسَ سِيَاسِيًّا، بلْ نفسيٌّ. فالطغيانُ الخارجيُّ لا يتمكنُ منَ الإنسانِ إلا بعدَ أنْ يجدَ في داخلِهِ مَوْضِعًا قَابِلًا للاستعمارِ.”
العبوديةُ النفسيةُ تبدأُ حينَ يفقدُ الإنسانُ مرجعيتَهُ الداخليةَ، حينَ لا يعودُ يسألُ: ما الحقُّ؟ ما الخيرُ؟ ما الذي يليقُ بكرامتي؟ بلْ يسألُ: كيفَ أبدو؟ كيفَ يراني الناسُ؟ هلْ نلتُ إعجابَهُمْ؟ هلْ صرتُ مَقْبُولًا في أعينِهِمْ؟ هلْ أنا في الصورةِ كما ينبغي؟ عندَها ينتقلُ مركزُ القيادةِ منَ الضميرِ إلى الجمهورِ، ومنَ البصيرةِ إلى المرآةِ، ومنَ الحقيقةِ إلى الانطباعِ. يصبحُ الإنسانُ كمنْ يحملُ قلبَهُ في يدِ غيرِهِ، ينتظرُ منْهُ إشارةَ رضا ليهدأَ، أوْ عُبُوسًا صَغِيرًا لينكسرَ. وهذهِ عبوديةٌ لا تحتاجُ إلى جلادٍ؛ يكفيها جمهورٌ متقلبٌ، ومنصةٌ رقميةٌ، ومجتمعٌ يحسنُ صناعةَ المقارناتِ.
إنَّ الاعتمادَ النفسيَّ على رضا الآخرينَ منْ أوسعِ أبوابِ الاسترقاقِ المعاصرِ. فالإنسانُ قدْ يظنُّ أنَّهُ حرٌّ لأنَّهُ يقولُ ما يريدُ ويلبسُ ما يريدُ وينشرُ ما يريدُ، لكنَّهُ في العمقِ قدْ يكونُ عَبْدًا لردِّ الفعلِ. يكتبُ لا ليقولَ الحقيقةَ، بلْ لينالَ القبولَ. يختارُ لا لأنَّ الاختيارَ يشبهُهُ، بلْ لأنَّ الناسَ سيعجبونَ بهِ. يشتري لا لأنَّهُ يحتاجُ، بلْ لأنَّ صورتَهُ الاجتماعيةَ تحتاجُ. يغيّرُ أفكارَهُ ومواقفَهُ وملامحَهُ وذوقَهُ كيْ يبقى داخلَ دائرةِ الاعترافِ. وما أخطرَ أنْ يصبحَ الإنسانُ مُتَسَوِّلًا للمعنى عندَ أبوابِ العابرينَ، يمدُّ يدَهُ لا للخبزِ بلْ للنظرةِ، ولا للمالِ بلْ للإعجابِ، ولا للنجاةِ بلْ للتصفيقِ.
وهذهِ العبوديةُ رقيقةُ المظهرِ، قاسيةُ الجوهرِ. لا يشعرُ صاحبُها أنَّهُ مهانٌ، لأنَّهُ يعيشُ داخلَ نظامٍ كاملٍ يمجدُها. يسمونَها حُضُورًا اجْتِمَاعِيًّا، وَذَكَاءً في بناءِ الصورةِ، وَمُوَاكَبَةً للعصرِ، وَوَعْيًا بالذاتِ، وقدْ تكونُ شَيْئًا منْ ذلكَ حينَ تبقى تحتَ سلطانِ العقلِ والكرامةِ. لكنَّها تتحولُ إلى عبوديةٍ حينَ يصبحُ الإنسانُ عَاجِزًا عنْ مخالفةِ الموجةِ، أوْ عنِ احتمالِ سوءِ الفهمِ، أوْ عنِ الصمتِ حينَ يكونُ الصمتُ أكرمَ، أوْ عنْ قولِ الحقِّ حينَ يكونُ الحقِّ غيرَ مرغوبٍ. الحرُّ ليسَ منْ يملكُ القدرةَ على الكلامِ فقطْ، بلْ منْ يملكُ القدرةَ على أنْ لا يبيعَ صوتَهُ طَلَبًا للرضا. والحرُّ ليسَ منْ يملكُ ألفَ متابعٍ، بلْ منْ لا تتبعُ نفسَهُ ألفُ عينٍ تستدرجُهُ إلى تمثيلِ نسخةٍ زائفةٍ منْ ذاتِهِ.
ومنَ الاعتمادِ على رضا الآخرينَ تنتقلُ العبوديةُ الجديدةُ إلى صناعةِ الاحتياجِ. وهذهِ منْ أدهى آلياتِ السيطرةِ في العصرِ الحديثِ. فالإنسانُ لا يُسْتَعْبَدُ فقطْ حينَ يُحرمُ مما يحتاجُ، بلْ حينَ يُقْنَعُ بأنَّهُ يحتاجُ إلى ما لا يحتاجُ. هنا تعملُ السوقُ والإعلامُ والإعلاناتُ ومنصاتُ التأثيرِ ككهنةِ معبدٍ جديدٍ، لا يبيعونَ السلعَ وحدَها، بلْ يبيعونَ تعريفَ الإنسانِ لنقصِهِ. يقولونَ لهُ بطرقٍ لا تُحْصَى: أنتَ لستَ جَمِيلًا بما يكفي، لستَ نَاجِحًا بما يكفي، لستَ مَرْغُوبًا بما يكفي، لستَ حَدِيثًا بما يكفي، لستَ سَعِيدًا بما يكفي، ، لستَ كَرِيمًا بما يكفي، حتى تشتريَ هذا، وتلبسَ ذاكَ، وتعرضَ هذا، وتلحقَ تلكَ الصيحةَ، وتستبدلَ ما لا يزالُ صَالِحًا لأنَّ السوقَ قررتْ أنَّهُ صارَ قَدِيمًا.
“إنَّ صناعةَ الاحتياجِ أخطرُ منْ تلبيةِ الاحتياجِ؛ لأنَّها لا تبدأُ منْ ألمِ الإنسانِ الحقيقيِّ، بلْ منْ خلقِ ألمٍ اصطناعيٍّ داخلَهُ. تزرعُ فيهِ شُعُورًا بالنقصِ ثمَّ تبيعُهُ مُسَكِّنًا مُؤَقَّتًا.”
إنَّ صناعةَ الاحتياجِ أخطرُ منْ تلبيةِ الاحتياجِ؛ لأنَّها لا تبدأُ منْ ألمِ الإنسانِ الحقيقيِّ، بلْ منْ خلقِ ألمٍ اصطناعيٍّ داخلَهُ. تزرعُ فيهِ شُعُورًا بالنقصِ ثمَّ تبيعُهُ مُسَكِّنًا مُؤَقَّتًا. تجعلُهُ قَلِقًا منْ جسدِهِ ثمَّ تبيعُهُ صورةً معدلةً. تجعلُهُ قَلِقًا منْ بيتِهِ ثمَّ تبيعُهُ نَمَطًا اسْتِهْلَاكِيًّا لا ينتهي. تجعلُهُ قَلِقًا منْ عمرِهِ ثمَّ تبيعُهُ وهمَ الشبابِ الدائمِ. تجعلُهُ قَلِقًا منْ مكانتِهِ ثمَّ تبيعُهُ علاماتٍ خارجيةً يدّعي بها الصعودَ. وهكذا لا يعودُ الإنسانُ مُسْتَهْلِكًا لأنَّهُ يحتاجُ، بلْ يحتاجُ لأنَّهُ صارَ مُسْتَهْلِكًا. تنقلبُ المعادلةُ: لمْ تعدِ السلعةُ تجيبُ عنِ الحاجةِ، بلْ صارتِ الحاجةُ تُصْنَعُ كيْ تصرفَ السلعةَ.
ومنْ هنا يصبحُ الاستهلاكُ وَاحِدًا منْ أقسى أشكالِ العبوديةِ الحديثةِ، لا لأنَّهُ شراءٌ في ذاتِهِ، فالشراءُ ضرورةٌ منْ ضروراتِ العيشِ، بلْ لأنَّهُ يتحولُ إلى هويةٍ. حينَ يصبحُ الإنسانُ ما يملكُ، وما يرتدي، وما يركبُ، وما يعرضُ، وما يصورُ، وما يستطيعُ أنْ يثبتَ بهِ أنَّهُ ليسَ أقلَّ منْ غيرِهِ، يكونُ قدْ سلّمَ روحَهُ إلى سوقٍ لا تشبعُ. السوقُ لا تريدُ إِنْسَانًا مُكْتَفِيًا؛ فالاكتفاءُ عدوُّها الأولُ. تريدُ إِنْسَانًا نَاقِصًا دَائِمًا، قَلِقًا دَائِمًا، قَابِلًا للإغراءِ دَائِمًا، يلاحقُ نسخةً جديدةً منَ السعادةِ كلما انتهى مفعولُ النسخةِ السابقةِ. وكلما اشترى شَيْئًا ظنَّ أنَّهُ اقتربَ منَ الامتلاءِ، فإذا بهِ يكتشفُ بعدَ قليلٍ أنَّ الفراغَ أعادَ فتحَ فمِهِ.
الاستهلاكُ الحديثُ لا يبيعُ الإنسانَ الأشياءَ بقدرِ ما يبيعُ لهُ أَوْهَامًا عنْ ذاتِهِ. يبيعُ لهُ الاحترامَ في ساعةٍ، والجاذبيةَ في عطرٍ، والقوةَ في سيارةٍ، والتميزَ في علامةٍ تجاريةٍ، والطمأنينةَ في ديكورٍ، والانتماءَ في موضةٍ، والخلودَ في صورةٍ. وما دامَ الإنسانُ يطلبُ منَ الأشياءِ أنْ تمنحَهُ ما لا تملكُ، سيظلُّ عَبْدًا لها. فالشيءُ يستطيعُ أنْ يخدمَ الحياةَ، لكنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يهبَها مَعْنًى. يستطيعُ أنْ يريحَ الجسدَ، لكنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يشفيَ الروحَ. يستطيعُ أنْ يجمّلَ المكانَ، لكنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يؤسسَ بَيْتًا في القلبِ. وحينَ يطالبُ الإنسانُ الأشياءَ بما لا تقدرُ عليهِ، تنتقمُ منْهُ بأنْ تجعلَهُ يدورُ حولَها ولا يصلُ.
والعبوديةُ الاستهلاكيةُ ليستْ فَرْدِيَّةً فقطْ، بلْ حضاريةٌ. إنَّها تصنعُ مجتمعاتٍ تقيسُ الإنسانَ بقدرتِهِ على الشراءِ لا بقدرتِهِ على العطاءِ، وبمظهرِهِ لا بضميرِهِ، وبسرعةِ مواكبتِهِ لا بعمقِ بصيرتِهِ. في هذا المناخِ، يصبحُ الفقيرُ مَكْسُورًا لا لأنَّهُ محرومٌ منَ الضروريِّ فقطْ، بلْ لأنَّهُ يُقَارَنُ كلَّ يومٍ بصورةٍ لا يستطيعُ بلوغَها. ويصبحُ الغنيُّ قَلِقًا لأنَّهُ يخشى أنْ يفقدَ رموزَ تفوقِهِ. ويصبحُ المتوسطُ مُمَزَّقًا بينَ ما يقدرُ عليهِ وما يُطْلَبُ منْهُ أنْ يظهرَ عليهِ. وهكذا تتحولُ الحياةُ إلى مسرحٍ كبيرٍ منَ الأقنعةِ، حيثُ يدفعُ الناسُ منْ أعمارِهِمْ وأعصابِهِمْ وديونِهِمْ وطمأنينتِهِمْ ثمنَ الظهورِ في صورةٍ لا تشبهُ حقيقتَهُمْ.
“التحررُ ليسَ أنْ يفعلَ الإنسانُ كلَّ ما يخطرُ لهُ، بلْ أنْ يعرفَ لماذا خطرَ لهُ. ليسَ أنْ يلاحقَ كلَّ رغبةٍ، بلْ أنْ يملكُ حقَّ محاكمتِها. ليسَ أنْ يكسرَ كلَّ قيدٍ خارجيٍّ، بلْ أنْ يكشفَ القيودَ الداخليةَ.”
ولا تقفُ العبودياتُ الجديدةُ عندَ الاستهلاكِ الماديِّ، بلْ تمتدُّ إلى استهلاكِ الذاتِ نفسِها. فالإنسانُ اليومَ قدْ يستهلكُ وقتَهُ بلا وعيٍ، وانتباهَهُ بلا كرامةٍ، ومشاعِرَهُ بلا حراسةٍ. لمْ تعدِ السلطةُ تحتاجُ دَائِمًا إلى منعِ الناسِ منَ التفكيرِ؛ يكفي أنْ تغرقَهُمْ في ما لا ينتهي منَ المقاطعِ والصورِ والجدالاتِ العابرةِ والفضائحِ الصغيرةِ والمخاوفِ السريعةِ. إنَّ الانتباهَ هوَ أرضُ الروحِ، ومنِ استولى على انتباهِ الإنسانِ فقدِ استولى على جزءٍ منْ حياتِهِ. وحينَ يصبحُ الإنسانُ عَاجِزًا عنِ الجلوسِ معَ نفسِهِ عشرَ دقائقَ بلا شاشةٍ، عَاجِزًا عنِ الصمتِ، عَاجِزًا عنِ القراءةِ العميقةِ، عَاجِزًا عنْ تأملِ السؤالِ الوجوديِّ، فهذهِ ليستْ مجردَ عادةٍ سيئةٍ، بلْ صورةٌ منْ صورِ الاستعبادِ الناعمِ. لقدْ صارَ مَرْبُوطًا بحبلٍ غيرِ مرئيٍّ، كلما ابتعدَ قَلِيلًا جذبَهُ النداءُ القصيرُ، والإشعارُ اللامعُ، والوعدُ الصغيرُ بلذةٍ جديدةٍ.
ولعلَّ أخطرَ ما في هذهِ العبودياتِ أنَّها تَتَزَيَّا بزيِّ الحريةِ. يقالُ للإنسانِ: أنتَ حرٌّ في أنْ تشتريَ، حرٌّ في أنْ تعرضَ نفسَكَ، حرٌّ في أنْ تختارَ هويتَكَ الاستهلاكيةَ، حرٌّ في أنْ تقولَ ما تشاءُ داخلَ القوالبِ التي صُنِعَتْ لكَ، حرٌّ في أنْ تتبعَ رغبتَكَ. لكنَّ السؤالَ الغائبَ هوَ: منْ صنعَ هذهِ الرغبةَ؟ منْ رباكَ على أنْ تشتهيَ هذا وتخجلَ منْ ذاكَ؟ منْ أقنعَكَ أنَّ قيمتَكَ في هذهِ الصورةِ؟ منْ علّمَكَ أنَّ الصمتَ خسارةٌ، وأنَّ البساطةَ فشلٌ، وأنَّ القناعةَ ضعفُ طموحٍ، وأنَّ كلَّ تأخرٍ عنِ الموجةِ موتٌ اجتماعيٌّ؟ الحريةُ التي لا تسألُ عنْ مصادرِ الرغبةِ قدْ تكونُ مجردَ طاعةٍ متأخرةٍ لما زرعَهُ الآخرونَ في النفسِ.
فالإنسانُ قدْ يختارُ فِعْلًا، لكنَّ اختيارَهُ قدْ يكونُ مُحَاطًا بسياجٍ طويلٍ منَ التربيةِ والدعايةِ والضغطِ الاجتماعيِّ والتخويفِ منَ النقصِ. ولهذا فإنَّ التحررَ ليسَ أنْ يفعلَ الإنسانُ كلَّ ما يخطرُ لهُ، بلْ أنْ يعرفَ لماذا خطرَ لهُ. ليسَ أنْ يلاحقَ كلَّ رغبةٍ، بلْ أنْ يملكُ حقَّ محاكمتِها. ليسَ أنْ يكسرَ كلَّ قيدٍ خارجيٍّ، بلْ أنْ يكشفَ القيودَ الداخليةَ التي تجعلُهُ يشتاقُ إلى سجنِهِ. كمْ منْ إنسانٍ ثارَ على سلطةٍ خارجيةٍ ثمَّ بقيَ عَبْدًا لشهوةٍ، أوْ لصورةٍ، أوْ لاعترافٍ، أوْ لمالٍ، أوْ لمنصةٍ، أوْ لخوفٍ قديمٍ. وكمْ منْ إنسانٍ يطالبُ بالحريةِ في السياسةِ، لكنَّهُ لا يملكُ حريةَ أنْ يقولَ لا لإعلانٍ سخيفٍ، أوْ لمقارنةٍ قاتلةٍ، أوْ لعلاقةٍ تمتصُّ كرامتَهُ، أوْ لجمهورٍ يطالبُهُ بأنْ يكونَ غيرَ نفسِهِ.
هنا يتضحُ أنَّ التحررَ الداخليَّ سابقٌ على التحررِ الخارجيِّ، لا بمعنى أنْ نتركَ الظلمَ الخارجيَّ بلا مقاومةٍ، ولا أنْ نحمّلَ الفردَ وحدَهُ مسؤوليةِ القيودِ المفروضةِ عليهِ، بلْ بمعنى أنَّ الإنسانَ الذي لا يستعيدُ مركزَهُ الداخليَّ سيظلُّ يبحثُ عنْ سيدٍ جديدٍ كلما سقطَ سيدٌ قديمٌ. الحريةُ الخارجيةُ تمنحُكَ مساحةَ الحركةِ، أما الحريةُ الداخليةُ فتمنحُكَ القدرةَ على اختيارِ الاتجاهِ. الأولى تفتحُ البابَ، والثانيةُ تمنعُكَ منَ العودةِ طَائِعًا إلى الزنزانةِ. لذلكَ قدْ يعيشُ الإنسانُ في مجتمعٍ واسعِ الحرياتِ القانونيةِ، لكنَّهُ عبدٌ للخوفِ والمقارنةِ الاستهلاكِ والشهرةِ والقبولِ. وقدْ يعيشُ آخرُ تحتَ ظروفٍ قاسيةٍ، لكنَّهُ يحتفظُ في داخلِهِ بمنطقةٍ لا تُشْتَرَى ولا تُبَاعُ، منطقةٍ تقولُ: قدْ تُضيّقونَ عليَّ الطريقَ، لكنكُمْ لا تملكونَ أنْ تعيدوا صياغةَ ضميري على صورتِكُمْ.
التحررُ الداخليُّ يبدأُ منْ استعادةِ السؤالِ. العبدُ الحديثُ لا يسألُ كَثِيرًا؛ إنَّهُ يستجيبُ. يرى الصورةَ فيشتهي، يسمعُ المديحَ فيلينُ، يخافُ العزلةَ فيتبعُ، يرى الناسَ يتجهونَ فيتجهُ، يستهلكُ لأنَّ الاستهلاكُ حولَهُ صارَ لغةً عامةً، يغضبُ حينَ يطلبُ منْهُ السوقُ الغضبَ، يفرحُ حينَ يُلَقَّنُ الفرحَ، ويظنُّ كلَّ ذلكَ تَعْبِيرًا عنْ ذاتِهِ. أما الحرُّ فيتوقفُ قَلِيلًا، يضعُ بينَ الدافعِ والفعلِ مسافةً صغيرةً اسمُها الوعيُ. يسألُ: هلْ أريدُ هذا حَقًّا؟ هلْ أحتاجُهُ؟ هلْ يخدمُ حياتي أمْ يخدمُ صورتي؟ هلْ أخافُ أنْ أكونَ أقلَّ منْ غيري؟ هلْ أتكلمُ لأنَّ لديَّ مَعْنًى أمْ لأنَّ الصمتَ يشعرني بالاختفاءِ؟ هلْ أشتري لأنَّ الشيءَ ينفعني أمْ لأنني أريدُ أنْ أُرى؟ هذهِ المسافةُ الصغيرةُ بينَ الرغبةِ والاستجابةِ هيَ أولُ أرضِ الحريةِ.
“الزاهدُ الحقيقيُّ ليسَ منْ يكرهُ الأشياءَ، بلْ منْ يمنعُ الأشياءَ منِ امتلاكِ قلبِهِ. إنَّ التحررَ لا يطلبُ منَ الإنسانِ أنْ يعيشَ بلا متاعٍ، بلْ أنْ يعرفَ موضعَ المتاعِ.”
ثمَّ يبدأُ التحررُ منْ تقليلِ القابليةِ للاستعبادِ. وكلما كثرتِ احتياجاتُ الإنسانِ المصطنعةِ، كثرتْ أبوابُ السيطرةِ عليهِ. منِ احتاجَ إلى إعجابِ الناسِ كلَّ يومٍ، صارَ الناسُ أسيادَهُ. ومنِ احتاجَ إلى مستوى استهلاكيٍّ لا يقدرُ عليهِ، صارَ الدَّينُ والعملُ المرهقُ والمظاهرُ أسيادَهُ. ومنِ احتاجَ إلى أنْ يكونَ دَائِمًا في صورةِ المنتصرِ، صارَ خوفُ الفشلِ سيدَهُ. ومنِ احتاجَ إلى اللذةِ السريعةِ في كلِّ لحظةٍ، صارَ المللُ سيدَهُ. ومنِ احتاجَ إلى تصديقِ الجماعةِ لهُ، صارَ القطيعُ سيدَهُ. ولهذا كانتِ القناعةُ، في معناَها العميقِ، ليستْ فَقْرًا في الطموحِ، بلْ غِنًى في النفسِ. القناعةُ لا تعني ألا يعملَ الإنسانُ ولا يطلبَ الأفضلَ، بلْ ألا يضعَ كرامتَهُ في يدِ ما يملكُ أوْ لا يملكُ.
والزهدُ، بهذا المعنى، ليسَ انْسِحَابًا منَ الحياةِ، بلْ استردادٌ للسيادةِ على النفسِ. الزاهدُ الحقيقيُّ ليسَ منْ يكرهُ الأشياءَ، بلْ منْ يمنعُ الأشياءَ منِ امتلاكِ قلبِهِ. قدْ يملكُ المالَ ولا يملكُهُ المالُ، وقدْ يستعملُ التقنيةَ ولا تستعملُهُ، وقدْ يظهرُ بينَ الناسِ ولا يصبحُ عَبْدًا لنظرتِهِمْ، وقدْ يحبُّ الجمالَ ولا يبيعُهُ ضميرُهُ. إنَّ التحررَ لا يطلبُ منَ الإنسانِ أنْ يعيشَ بلا متاعٍ، بلْ أنْ يعرفَ موضعَ المتاعِ. أنْ تكونَ الأشياءُ في يدِكَ لا في قلبِكَ، وأنْ يكونَ الناسُ حولَكَ لا داخلَكَ، وأنْ يكونَ العالمُ مَجَالًا للعملِ لا مَعْبَدًا لصورتِكَ.
ومنْ لوازمِ التحررِ الداخليِّ أَيْضًا مصالحةُ الإنسانِ معَ الصمتِ والوحدةِ. فالعبدُ الجديدُ يخافُ الخلوةَ لأنَّها تكشفُ لهُ حجمَ الضجيجِ الذي يعيشُ بهِ. يخافُ أنْ يجلسَ معَ نفسِهِ، لأنَّ النفسَ التي لمْ يُصْغَ إليها طَوِيلًا تعودُ محملةً بأسئلةٍ مؤجلةٍ. لذلكَ يهربُ إلى الشاشةِ، والشراءِ، والثرثرةِ، والعلاقاتِ السطحيةِ، والجدالاتِ العابرةِ. أما الحرُّ فيتعلمُ أنْ يخلوَ بنفسِهِ لا ليعتزلَ الحياةَ، بلْ ليعودَ إليها منْ مركزٍ ثابتٍ. في الخلوةِ يعرفُ الإنسانُ ما الذي يريدُهُ حَقًّا، وما الذي يريدُهُ الناسُ منْهُ، وما الذي زرعَهُ السوقُ في داخلِهِ، وما الذي بقيَ منْ فطرتِهِ الأولى. الخلوةُ ليستْ فَرَاغًا، بلْ مُخْتَبَرًا للحريةِ.
ولا يكتملُ التحررُ بعملٍ فرديٍّ مَحْضٍ؛ لأنَّ العبودياتِ الحديثةَ تُصْنَعُ جَمَاعِيًّا وتُسَوَّقُ جَمَاعِيًّا وتُحْرَسُ بثقافةٍ عامةٍ. لذلكَ يحتاجُ الإنسانُ إلى بيئاتٍ تحررُهُ كما احتاجتِ العبوديةُ إلى بيئاتٍ تستعبدُهُ. يحتاجُ إلى صحبةٍ لا تقيسُهُ بمظهرِهِ، وإلى أسرةٍ لا تربيهِ على المقارناتِ القاتلةِ، وإلى تعليمٍ يعلّمُهُ التفكيرَ لا التلقيَ، وإلى إعلامٍ نبيلٍ لا يجعلُ تفاهتَهُ مِعْيَارًا للحياةِ، وإلى اقتصادٍ أخلاقيٍّ لا يبني أرباحَهُ على صناعةِ القلقِ في النفوسِ. فالحريةُ الداخليةُ تبدأُ منَ القلبِ، لكنَّها تحتاجُ إلى مجتمعٍ لا يعاقبُ الإنسانَ كلما حاولَ أنْ يكونَ أبسطَ وأصدقَ وأعمقَ.
ومنْ هنا فإنَّ مقاومةَ العبودياتِ الجديدةِ ليستْ مجردَ موعظةٍ في ضبطِ النفسِ، بلْ مشروعٌ حضاريٌّ. أنْ نربيَ الأطفالَ على أنَّ قيمتَهُمْ لا تأتي منَ الماركةِ ولا منْ عددِ الإعجاباتِ ولا منْ تفوقِهِمْ على أقرانِهِمْ، بلْ منْ صدقِهِمْ وعلمِهِمْ وخلقِهِمْ وإحسانِهِمْ. أنْ نعيدَ للأسرةِ دورَها في بناءِ الإنسانِ لا في إدخالِهِ مُبَكِّرًا إلى سباقِ المظاهرِ. أنْ نعيدَ للتعليمِ مهمتَهُ في تحريرِ العقلِ لا في حشوِ الذاكرةِ. أنْ نعيدَ للثقافةِ قدرتَها على تعميقِ الذوقِ لا تخديرِ الوعيِ. أنْ نعيدَ للاقتصادِ ضميرَهُ حتى لا يكونَ الإنسانُ فيهِ مجردَ فريسةٍ معلنةٍ باسمِ المستهلكِ. أنْ نعيدَ للسياسةِ معناَها بوصفِها حمايةً للكرامةِ لا إدارةً للجماهيرِ عبرَ احتياجاتِها وخوفِها.
إنَّ العبوديةَ السياسيةَ نفسَها كَثِيرًا ما تقومُ على العبوديةِ النفسيةِ. فالسلطةُ المستبدةُ تحبُّ الإنسانَ الخائفَ منَ الفقدِ، المتعلقَ بالامتيازِ، الباحثَ عنِ السلامةِ بأيِّ ثمنٍ، المدمنَ على الرضا الاجتماعيِّ، العاجزَ عنِ احتمالِ العزلةِ. لأنَّها تعرفُ أنَّهُ سيبيعُ موقفَهُ كيْ لا يخسرَ صورتَهُ، وسيصمتُ كيْ لا يخسرَ أمانَهُ، وسيصفقُ كيْ لا يخسرَ مكانَهُ، وسيتنازلُ عنْ حريتِهِ قطعةً قطعةً ما دامَ التنازلُ مُغَلَّفًا بوعدِ الاستقرارِ. أما الإنسانُ الذي تحررَ منْ داخلِهِ، فهوَ أصعبُ على التدجينِ؛ لا لأنَّهُ متهورٌ، بلْ لأنَّهُ يعرفُ أنَّ هناكَ أشياءَ لا تُشْتَرَى. يعرفُ أنَّ السلامةَ التي تبتلعُ الكرامةَ ليستْ سلامةً، وأنَّ الراحةَ التي تُطْفِئُ الضميرَ ليستْ راحةً، وأنَّ العيشَ الطويلَ بلا معنى شكلٌ آخرُ منَ الموتِ.
ومنْ أجلِ ذلكَ كلِّهِ، لا ينبغي أنْ نخدعَ أنفسنا بصورةِ الحريةِ الخارجيةِ وحدَها. قدْ تُفْتَحُ الأسواقُ، وتكثرُ الخياراتُ، وتتعددُ المنصاتُ، ويظنُّ الإنسانُ أنَّهُ صارَ سيدَ نفسِهِ، بينما هوَ في الحقيقةِ ينتقلُ منْ قيدٍ إلى قيدٍ، ومنْ موضةٍ إلى موضةٍ، ومنْ خوفٍ إلى خوفٍ، ومنِ احتياجٍ مصنوعٍ إلى احتياجٍ أشدَّ منْهُ. الحريةُ ليستْ كثرةَ الأبوابِ إذا كانَ الطريقُ داخلَ النفسِ مَرْسُومًا سَلَفًا. الحريةُ أنْ يعرفَ الإنسانُ أيَّ بابٍ لا ينبغي أنْ يدخلَهُ ولوْ كانَ مَفْتُوحًا، وأيَّ لذةٍ يجبُ أنْ يردَها ولوْ كانتْ متاحةً، وأيَّ قبولٍ اجتماعيٍّ يجبُ أنْ يخسرَهُ كيْ لا يخسرَ نفسَهُ.
إنَّ العبودياتِ الجديدةَ تولدُ دونَ سلاسلَ لأنَّها لا تحتاجُ إلى تقييدِ اليدينِ ما دامتْ قدِ امتلكتِ الخيالَ. منِ امتلكَ خيالَ الإنسانِ امتلكَ مستقبلَهُ. إذا أقنعتْهُ أنَّ السعادةَ في الاستهلاكِ، ركضَ إليها. وإذا أقنعتْهُ أنَّ قيمتَهُ في الإعجابِ، باعَ يومَهُ للعيونِ. وإذا أقنعتْهُ أنَّ الأمنَ في الطاعةِ، خافَ منْ حريتِهِ. وإذا أقنعتْهُ أنَّ البساطةَ فشلٌ، أثقلَ نفسَهُ بما لا يحتاجُ. وإذا أقنعتْهُ أنَّ التفاهةَ راحةٌ، هجرَ العمقَ طَوْعًا. وهكذا تُصْنَعُ القيودُ منَ الصورِ، والإعلاناتِ، والمقارناتِ، والاحتياجاتِ الملفقةِ، والخوفِ منَ النبذِ، لا منَ الحديدِ.
والخلاصُ لا يكونُ بصرخةٍ واحدةٍ، بلْ بتربيةٍ طويلةٍ للنفسِ على السيادةِ. أنْ يتعلمَ الإنسانُ أنْ يقولَ لا، لا للظلمِ فقطْ، بلْ للرغبةِ حينَ تهينُهُ، وللشيءِ حينَ يمتلكُهُ، وللناسِ حينَ يشترونَ صدقَهُ برضاهُمْ، وللسوقِ حينَ يعرّفُ لهُ نقصَهُ، وللخوفِ حينَ يزينُ لهُ العبوديةَ باسمِ الواقعيةِ. أنْ يتعلمَ أنْ يفرّقَ بينَ الحاجةِ والرغبةِ، وبينَ الجمالِ والمظهرِ، وبينَ الكرامةِ والسمعةِ، وبينَ الحريةِ والفوضى، وبينَ القناعةِ والعجزِ، وبينَ الطموحِ والجشعِ، وبينَ الانتماءِ والذوبانِ. هذهِ الفروقُ هيَ مفاتيحُ التحررِ، لأنَّ العبوديةَ تزدهرُ في المناطقِ الضبابيةِ حيثُ تختلطُ الأسماءُ وتضيعُ المعاني.
وفي النهايةِ، فإنَّ الإنسانَ لا يولدُ حُرًّا مرةً واحدةً، بلْ يولدُ إلى الحريةِ كلما استعادَ جُزْءًا منْ نفسِهِ منْ يدِ سيدٍ خفيٍّ. يولدُ حينَ يتحررُ منْ عبادةِ نظرِ الناسِ، ويولدُ حينَ يكسرُ حَاجَةً مُصْطَنَعَةً، ويولدُ حينَ يشتري ما يحتاجُ لا ما يُرَادُ لهُ أنْ يحتاجَ، ويولدُ حينَ يصمتُ عنْ ضجيجٍ لا يشبهُهُ، ويولدُ حينَ يقفُ أمامَ رغبتِهِ كما يقفُ القاضي أمامَ خصمينِ، فلا يظلمُها بالكبتِ ولا يعبدُها بالطاعةِ. يولدُ حينَ يدركُ أنَّ الحريةَ ليستْ ألا يأمرَهُ أحدٌ، بلْ ألا يجدَ في داخلِهِ ألفَ سيدٍ صغيرٍ يأمرونَهُ فيطيع وهوَ لا يشعرُ ولا يعي.
والعبوديةُ التي لا تُرى تحتاجُ إلى بصيرةٍ لا إلى مطرقةٍ. فلا تكسرُها ثورةٌ خارجيةٌ وحدَها، ولا قانونٌ وحدَهُ، ولا شعارٌ وحدَهُ، بلْ يكسرُها إنسانٌ يستعيدُ قلبَهُ منْ سوقِ الأشياءِ، وعقلَهُ منْ ضجيجِ الصورِ، وكرامتَهُ منْ عيونِ الناسِ، واحتياجَهُ منْ مصانعِ الوهمِ، ومعناهُ منْ كلِّ قوةٍ تريدُ أنْ تجعلَهُ أقلَّ منْ روحِهِ. عندئذٍ فقطْ يصيرُ التحررُ الخارجيُّ امْتِدَادًا لتحررٍ أعمقَ، وتصيرُ الحريةُ لا ثَوْبًا يلبسُهُ الإنسانُ أمامَ الناسِ، بلْ نَبْعًا دَاخِلِيًّا يسقي قراراتِهِ، ورغباتِهِ، وعلاقاتِهِ، وموقفَهُ منَ العالمِ.
إنَّ الحرَّ لا يكونُ حُرًّا لأنَّهُ بلا قيودٍ ظاهرةٍ، بلْ لأنَّهُ يعرفُ القيودَ التي تتنكرُ في صورةِ أمنيةٍ، وزينةٍ، وشهوةٍ، وضرورةٍ، ورأيٍ عامٍّ، ونجاحٍ اجتماعيِّ. والعبدُ لا يكونُ عَبْدًا لأنَّهُ محاطٌ بالسلاسلِ، بلْ لأنَّهُ فقدَ القدرةَ على رؤيةِ السلسلةِ حينَ صارتْ رغبةً في قلبِهِ. وبينَ هذا وذاكَ تقومُ معركةُ الإنسانِ الكبرى وهي ألا يسمحَ للعالمِ أنْ يصنعَ لهُ احتياجاتِهِ ثمَّ يبيعَهُ مفاتيحَها، وألا يجعلَ رضا الناسِ وطنَهُ الداخليَّ، وألا يخلطَ بينَ كثرةِ الخياراتِ وحقيقةِ الاختيارِ، وأنْ يتذكرَ دَائِمًا أنَّ أولَ مملكةٍ يجبُ تحريرُها ليستِ المدينةَ ولا السوقَ ولا السياسةَ، بلْ تلكَ المملكةَ الصامتةَ في صدرِهِ، حيثُ تجلسُ النفسُ بينَ خوفِها ورجائِها، وتنتظرُ منْ صاحبِها أنْ يعودَ إليها سَيِّدًا لا تَابِعًا، حُرًّا لا مُسْتَهْلِكًا، إِنْسَانًا لا ظِلًّا لما أرادَ الآخرونَ أنْ يكونَ.
