الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائد

العقيدة حين تتحول إلى هوية اجتماعية

بين ايمان القلب وعصبية الجماعة والبحث عن الانتماء

قد يقول الإنسان: أنا مسلم، فيكون قوله شهادةً على حقيقةٍ تسكن قلبه، وتعيد ترتيب علاقته بالله ونفسه والعالم. وقد يقول العبارة نفسها وهو لا يقصد بها أكثر من تعريفٍ اجتماعي؛ أي إنه ينتمي إلى أسرةٍ مسلمة، ويحمل اسمًا مسلمًا، ويشارك جماعته أعيادها وعاداتها وذاكرتها، ويدافع عنها حين تُهاجم. تتطابق الكلمة في الحالتين، لكن المسافة بين المعنيين قد تكون بُعد ما بين عبوديةٍ واعية وانتماءٍ موروث لم يتجاوز حدود الهوية.

ليس الانتماء الديني أمرًا زائدًا على الإيمان، ولا ينبغي للمؤمن أن يعيش عقيدته في فراغٍ منفصل عن الناس والتاريخ والثقافة. فالإسلام لا يصوغ فردًا معزولًا يعبد الله في جزيرةٍ نفسية، بل ينشئ أمةً، ويقيم شعائر جماعية، ويربط المؤمنين بالأخوة والتكافل والمسؤولية المشتركة. الصلاة جماعة، والجمعة اجتماع، والزكاة علاقة، والحج لقاءٌ تتجاوز فيه العقيدة حدود الأجساد والأوطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلٌ اجتماعي لا يتحقق داخل ضميرٍ مغلق. لكن الفرق كبير بين أن تمنح العقيدةُ الجماعةَ معناها، وبين أن تبتلع الجماعةُ العقيدةَ وتعيد تشكيلها على صورة مصالحها ومخاوفها. في الحالة الأولى يجتمع الناس على الحق، ويبقى الحق أعلى منهم جميعًا؛ يحاسبهم ويصححهم ويفرض عليهم العدل حتى مع خصومهم. وفي الحالة الثانية يصبح ما تراه الجماعة حقًّا لأنه صادرٌ عنها، ويغدو الولاء لها معيار الإيمان، ويتحول الدين من ميزانٍ يحاكم الهوية إلى درعٍ يحميها من المراجعة.

“الفرق كبير بين أن تمنح العقيدة الجماعة معناها، وبين أن تبتلع الجماعة العقيدة وتعيد تشكيلها على صورة مصالحها.”

هنا تبدأ العقيدة بالتحول من حقيقةٍ يُخضع الإنسان نفسه لها إلى هويةٍ يستعملها لتأكيد ذاته. لا يعود السؤال: هل موقفي يوافق ما أمر الله به؟ بل: هل يقوي جماعتي ويمنع خصمي من الانتصار؟ ولا يعود الخطأ مرفوضًا لأنه خطأ، بل بحسب هوية مرتكبه؛ فإن صدر من الخصم صار دليلًا على فساد أصله، وإن صدر من القريب حُصر في فرده أو أُعيد تفسيره أو سُكت عنه حمايةً لصورة الجماعة.

إن الإنسان يحتاج إلى الانتماء؛ يحتاج إلى بيتٍ رمزي يسكنه، وإلى ذاكرةٍ تمنحه امتدادًا، وإلى جماعةٍ تقول له إنه ليس وحيدًا في عالمٍ واسع. والعقيدة الدينية تمنحه انتماءً هو من أعمق صور الانتماء؛ إذ تربطه بأمةٍ تتجاوز الزمان والمكان، وبقصةٍ تبدأ من الخلق وتمتد إلى المصير، وبإخوةٍ لا يجمعه بهم الدم وحده بل الإيمان والمعنى. غير أن هَذِه الحاجة النفسية قد تتسلل إلى العقيدة حتى تصبح الجماعة هي المقصودة بالحماية، لا الحقيقة التي اجتمعت عليها. يدافع الإنسان عن الإسلام ظاهريًّا، لكنه في العمق يدافع عن صورته بوصفه مسلمًا، وعن كرامة عائلته أو مذهبه أو حزبه، وعن شعوره بالتفوق والانتماء. فإذا نوقش رأيٌ ديني تلقاه كأنه اعتداءٌ شخصي، وإذا نُقد عالمٌ يحبه شعر أن الناقد يهينه هو، وإذا كُشف خطأٌ في تاريخ المسلمين ظن أن المطلوب إذلاله وإفقاده هويته.

وهكذا يصير نقد الفكرة جرحًا للذات؛ لأن الإنسان لم يعد يملك مسافةً بين ذاته وما يعتقده أو ما اعتاد أن يعتقده. يصبح الرأي جزءًا من تكوينه النفسي، لا قضيةً يمكن فحصها، ويغدو تغييره خيانةً لسيرته وأهله ورفاقه. وقد يرى الدليل الذي يخالفه، لكنه يقاومه لا لضعف الدليل، بل لأن قبوله يهدد موقعه داخل الجماعة أو صورته أمام نفسه. عندئذٍ لا يعود الدفاع عن الدين دفاعًا عن حقيقةٍ تتجاوزنا، بل يتحول إلى دفاعٍ عن الذات بلغة العقيدة. والفرق بينهما يظهر في الأخلاق؛ فمن يدافع عن الحق يستطيع أن يعترف بخطأ المنتسبين إليه، لأن اعترافه لا يهدد الحق. أما من يدافع عن هويته فيرى كل اعتراف هزيمةً، وكل نقدٍ خدمةً للعدو، وكل مراجعةٍ صدعًا في جدار الجماعة.

“من يدافع عن الحق يستطيع أن يعترف بخطأ المنتسبين إليه، أما من يدافع عن هويته فيرى كل اعتراف هزيمة.”

ولذلك قد يكون أشد الناس حماسةً في الخصومة الدينية أقلهم اتصالًا بروح الدين. يثور إذا مُسَّ رمزٌ يقدسه، لكنه لا يثور إذا ظُلم إنسان. يغضب لإهانة الجماعة، ولا يغضب لخيانة العدل داخلها. يحفظ حدود الهوية، لكنه يتجاوز حدود الله في الكذب والبهتان وسوء الظن. وكأن الدين صار رايةً للحشد، لا هدايةً للسلوك؛ يرفعه الإنسان فوق رأسه في المعركة، ثم لا يسمح له بالنزول إلى قلبه ليغير ما فيه. ولا يعني هَذَا أن الغيرة على الدين رياء، أو أن الدفاع عن المقدسات مجرد عصبية. فقد تكون الغيرة علامة محبةٍ صادقة، ويجب على المسلم ألَّا يرضى بالإهانة والافتراء والاستهداف. لكن الغيرة الصادقة منضبطةٌ بالحق الذي تغار عليه؛ فلا تستعمل الكذب لنصرته، ولا تظلم بريئًا، ولا تحول الخطأ الفردي إلى كراهية جماعية، ولا تدافع عن باطلٍ صدر من قريب. أما العصبية فتغضب للاسم أكثر مما تغضب للقيمة، وتريد انتصار الجماعة ولو هُزمت الأخلاق.

وقد نبّه الوحي إلى هَذَا الامتحان حين أمر بالعدل حتى في موضع الخصومة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. لم يجعل القرآن العدل واجبًا في أوقات الهدوء وحدها، بل وضعه عند موضع الشنآن؛ لأن حقيقة المبدأ لا تظهر حين يوافق الهوى، وإنما حين يقاومه. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. وفي الآية تحريرٌ بالغ العمق للعقيدة من قبضة الهوية؛ فالشهادة لله تقتضي أن يقف المؤمن ضد نفسه وقريبه حين يكون الحق في الجهة الأخرى. إن الجماعة في الإسلام ليست مصدر العدالة، بل موضوعًا من موضوعاتها؛ لها حقوق، لكنها تخضع للميزان نفسه.

غير أن الهوية الاجتماعية تميل بطبيعتها إلى صناعة ازدواجيةٍ أخلاقية. تُضخم خطايا الآخرين وتخفف خطاياها، وتطلب من خصومها معايير لا تطبقها على ذاتها، وتفسر قوتهم عدوانًا وقوتها دفاعًا، وعنفهم تعصبًا وعنفها غيرةً مشروعة. وكلما اشتد شعور الجماعة بالتهديد، ازدادت قابلية أفرادها لقبول هَذِه الازدواجية؛ لأنهم يخشون أن يكون الإنصاف ضعفًا في لحظة الصراع. وهنا ينبغي التمييز بين فهم السياق وتبرير الخطأ. قد تكون الجماعة مظلومةً فعلًا، وقد تتعرض لهجومٍ فكري أو سياسي أو عسكري، ويجب فهم أثر ذلك في سلوكها. لكن المظلومية لا تمنح العصمة، كما أن الظلم الخارجي لا يلغي ضرورة الإصلاح الداخلي. بل لعل الجماعة المهددة تكون أحوج إلى النقد الصادق؛ لأن الخطر يدفعها إلى الانغلاق حول أخطائها وتسميتها ثوابت.

حين تتحول العقيدة إلى هويةٍ دفاعية، تتقلص قدرتها على إنتاج الأسئلة. فالسؤال يُقرأ في زمن الاستنفار بوصفه ثغرة، والباحث الذي يراجع مفهومًا موروثًا يُسأل أولًا عن صفه السياسي والاجتماعي، لا عن دليله. هل هو معنا أم ضدنا؟ هل يخدم الأمة أم يشوهها؟ هل يستعمل نقده الخصوم؟ ويصبح أثر الكلام في المعركة أهم من صدقه. وقد يُطلب من المفكر أن يُؤَجَّلَ السؤال لأن الوقت غير مناسب، ثم يبقى الوقت غير مناسب أبدًا؛ فالجماعة لا تخلو من خصم، والهوية القلقة تجد دائمًا سببًا لتمديد الطوارئ الفكرية. وما يبدأ حمايةً مؤقتة من الاستغلال الخارجي ينتهي بمنع المجتمع من رؤية علله، حتى تتراكم تحت سطح الصمت.

وليس كل من يدعو إلى النقد بريئًا من التوظيف، كما أن ليست كل الأسئلة صادقةً أو عميقة. قد يُستعمل نقد الدين لهدم هوية مجتمعٍ أو احتقاره أو فرض نموذجٍ ثقافي عليه. لكن فساد بعض النقد لا يجعل كل مراجعةٍ خيانة، كما أن وجود خصمٍ يتربص بالخطأ لا يجعل إخفاء الخطأ فضيلة. المجتمع الناضج لا يسلم مفاتيح نقده للعدو، لكنه لا يغلق أبوابه على العفن كي لا يراه أحد. من أخطر نتائج تحوّل العقيدة إلى هوية اجتماعية أن يُختزل الإيمان في العلامات الظاهرة التي يسهل للجماعة مراقبتها. فالضمير لا تراه الجماعة، والنية لا تقيسها، والصدق الداخلي عصيٌّ على التصنيف؛ لذلك تميل إلى جعل التدين مجموعةً من الإشارات المرئية؛ مظهر، ولهجة، ومفردات، وعادات، وانتماء إلى مؤسسة أو تيار، ومواقف معلنة في القضايا التي تعدها اختبارات ولاء.

ولا إشكال في أن يكون للإسلام مظهره وشعائره وآدابه العامة؛ فالدين ليس باطنًا لا أثر له. لكن الخطر أن تتحول العلامة إلى بديلٍ عن الحقيقة، وأن يُقاس الإنسان بمدى تطابقه مع الصورة الاجتماعية للتدين أكثر مما يُقاس بصدقه وعدله وأمانته. قد يحسن أداء اللغة الدينية، ويعرف متى يقول العبارات المقبولة، لكنه يظلم الناس ويخون الأمانة، ثم يبقى محترمًا لأن هويته الظاهرة تحميه. وفي المقابل قد يكون إنسانٌ صادقًا محبًّا لله، يخوض أسئلةً واضطرابات، أو لا يتطابق مع بعض أنماط التدين الاجتماعي، فيُدفع إلى الهامش ويُشكك في إيمانه. لا لأنه أنكر أصلًا، بل لأنه لم يُحسن أداء الهوية بالطريقة التي تعودتها الجماعة.

عندئذٍ يتحول المجتمع الديني إلى مسرحٍ لتبادل الشهادات؛ كل فردٍ يثبت للآخرين أنه ينتمي، ويخفي ما لا يتوافق مع الصورة. يتعلم الناس لغةً في العلن ولغةً في السر، ويصبح السؤال الحقيقي خطرًا على السمعة. وقد تستمر الشعائر، لكن الصلة الروحية تضعف، لأن العبادة نفسها دخلت تحت ضغط النظرة الاجتماعية. يصلي الإنسان كيلا يُتهم بالتقصير، ويلتزم بزيٍّ أو عادةٍ لئلا يُعزل، ويكرر مواقف الجماعة كي يحتفظ بمكانه. وقد تكون الأفعال في أصلها صحيحة، لكن ضغط الجماعة يحرمها شيئًا من معناها الشخصي؛ لا يعود الفرد متأكدًا هل يفعلها لله أم خوفًا من المجتمع. وتحرير الإيمان من ضغط الجماعة لا يعني تحرير الإنسان من الجماعة نفسها. فالفردانية المطلقة ليست حلًّا؛ الإنسان الذي يقطع كل صلةٍ بالعلماء والأسرة والأمة قد يقع تحت ضغط جماعاتٍ أخرى، أو تحت سلطة السوق والإعلام والذات. لا يوجد إنسانٌ بلا تأثير اجتماعي، والسؤال ليس هل نتأثر، بل كيف نمنع التأثير من أن يصادر مسؤوليتنا أمام الله.

الإسلام يجمع بين الانتماء والمسؤولية الفردية. يقول تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، ويقرر أن الإنسان لا يحمل وزر غيره. يقف المؤمن داخل أمة، لكنه لا يذوب فيها إلى حد فقدان التكليف الشخصي. لا يستطيع يوم الحساب أن يقول إن الناس كانوا يفعلون، أو إن الشيخ أمر، أو إن الحزب قرر، أو إن البيئة لم تسمح له بالتفكير. والتحرير الأول يبدأ بإعادة ترتيب مراتب الانتماء. ينتمي المسلم إلى أسرته ووطنه ومذهبه ومجتمعه، لكن هَذِه الدوائر لا تعلو على انتمائه إلى الله والحق. يحب أهله، ولا ينصرهم في الظلم. يحترم علماءه، ولا يمنحهم العصمة. يعتز بتاريخه، ولا يحوله إلى وحي. ينتمي إلى الأمة، لكنه يعرف أن الأمة نفسها مأمورةٌ بالرجوع إلى ميزانٍ فوقها.

هَذَا الترتيب يحمي الهوية من أن تتحول إلى صنم. فالصنم ليس حجرًا فقط؛ قد يكون جماعةً يرفض الإنسان أن يرى خطأها، أو تاريخًا لا يسمح بمراجعته، أو صورةً عن الذات يدافع عنها ولو خالفت الواقع. وكل انتماءٍ يطلب من المؤمن تعطيل ضميره ليحميه قد تجاوز منزلته. ويحتاج الإيمان الفردي إلى خلوةٍ لا تدخلها عيون الجماعة. لحظاتٍ يسأل الإنسان فيها نفسه بعيدًا عن الأداء الاجتماعي؛ ماذا يبقى من ديني لو لم يرني أحد؟ ما العبادات التي أحافظ عليها حين أغيب عن البيئة التي تذكرني؟ ما الموقف الذي أتخذه إذا خالف الحق مصلحة فريقي؟ هل أحب الله، أم أحب الصورة التي يمنحني إياها الانتماء إلى دينه؟ هَذِه الأسئلة ليست جلدًا للذات، بل محاولةٌ لاسترداد مركز العبادة. فالإنسان لا يستطيع إخلاص قلبه كاملًا، لكن يستطيع أن يراقب دوافعه ويجدد نيته، وأن يبني أعمالًا سريةً لا يعلمها الناس. العبادة الخفية من أقوى وسائل تحرير الإيمان من المجتمع؛ لأنها علاقة لا يمنح عليها لقبًا ولا مكانةً ولا تصفيقًا.

ويأتي العلم الشخصي أداةً ثانية للتحرير. لا يكفي أن يعرف المؤمن ما تقوله جماعته عن الدين، بل عليه أن يقترب من مصادره بقدر استطاعته، وأن يفرق بين النص والتفسير، وبين القطعي والاجتهادي، وبين ما هو من أصل الإسلام وما هو من ثقافة بيئته. المعرفة لا تلغي الرجوع إلى العلماء، لكنها تجعل العلاقة بهم علاقة تعلمٍ واعٍ، لا تسليمٍ نفسي مطلق. كذلك يحتاج إلى تنويع مصادره وصحبته العلمية. فالإنسان الذي لا يسمع إلا صوتًا واحدًا قد يظن أن اجتهاد جماعته هو الإسلام كله، وأن الأسئلة التي لا تطرحها غير موجودة. والاطلاع المنضبط على تنوع التراث واختلاف العلماء يعلّمه أن الوحدة لا تعني التطابق، وأن الرجل الكبير قد يصيب ويخطئ، وأن مخالفة الرأي ليست دائمًا خروجًا من الجماعة.

لكن التنوع غير المنضبط قد يتحول إلى انتقائيةٍ يبحث بها الإنسان عن الرأي الذي يوافق هواه. ولذلك يحتاج إلى منهج؛ يعرف مراتب الأقوال، وأهلية المتحدث، وقوة الدليل، ولا يجعل مجرد وجود خلافٍ مبررًا لااختيار الأسهل أو الأقرب إلى الرغبة. التحرر من الجماعة ليس الانتقال من التقليد الجماعي إلى سيادة الهوى الفردي، بل الانتقال إلى مسؤوليةٍ أعمق أمام الحق. ومن وسائل التحرير كذلك تعلم احتمال الوحدة المؤقتة. فكثيرٌ من الناس لا يعجزون عن رؤية الخطأ، لكنهم يعجزون عن دفع ثمن الاعتراف به. يخشون فقدان الأصدقاء أو المكانة أو الثقة، فيقنعون أنفسهم بأن رأي الجماعة هو الحق. فالاستقلال الفكري ليس مهارةً عقلية فقط؛ يحتاج إلى شجاعةٍ نفسية، وإلى قدرةٍ على تحمل سوء الفهم من غير التحول إلى متكبرٍ يحتقر الناس. غير أن التحرر لا يعني صناعة شخصيةٍ متمردة تستمد هويتها من مخالفة الجماعة. فقد يقع الإنسان في أسرٍ مضاد؛ كان يتبع الناس لأنه يريد رضاهم، ثم صار يخالفهم لأنه يريد أن يشعر بتميزه. في الحالتين ظلت الجماعة مركز قراره؛ مرةً بالطاعة ومرةً بالرفض. الاستقلال الحقيقي أن يكون الدليل هو الذي يقربه أو يبعده، لا الرغبة في الذوبان ولا لذة التمرد.

ويظهر تجميد الفكر الديني داخل الهوية في صورة المذهبية حين تتحول من مدرسةٍ لفهم النص إلى عصبيةٍ اجتماعية. المذهب في أصله جهدٌ علمي كبير، يحفظ تراكم الفقه وأصول الاستدلال، لكن أتباعه قد يحولونه إلى علامة انتماءٍ يرفضون معها الاعتراف بقوة قولٍ خارج حدوده. لا يعود الخلاف بحثًا عن الأرجح، بل دفاعًا عن شرف الجماعة. ويظهر في الحركات الإسلامية حين تتحول الوسيلة التنظيمية إلى صورةٍ وحيدة للعمل للدين. تبدأ الجماعة بخدمة مقصدٍ أو إصلاح واقع، ثم تنمو هويتها الخاصة، وتصبح المحافظة على التنظيم غايةً تنافس الغاية الأصلية. يقاس الأشخاص بمدى ولائهم للقيادة، وتُقرأ النصوص من خلال مصالح الحركة، ويصعب الاعتراف بالأخطاء لأن النقد قد يهدد التماسك.

ويظهر كذلك في الانقسام الطائفي حين تتحول العقيدة إلى نسبٍ اجتماعي. يولد الإنسان داخل طائفةٍ فيتلقى روايتها عن التاريخ والآخرين قبل أن يملك أدوات الفحص. لا يعرف الطرف الآخر من نصوصه وأخلاقه، بل من الصورة التي صاغتها ذاكرة الصراع. ويصبح الدفاع عن عقائد الطائفة دفاعًا عن الآباء والبيوت والقبور والخسائر والكرامة الجمعية، حتى تختلط الحجة بجرح التاريخ. وفي مثل هَذِه الحالات لا يكفي أن نقدم مناظرةً عقدية؛ لأن الخلاف ليس فكريًّا خالصًا. ثمة خوفٌ وذاكرة ومصلحة وشعور بالتهديد. قد تهزم حجةً ولا تغير موقفًا، لأن الموقف يُؤَدِّي وظيفةً نفسية واجتماعية.

“العقيدة حقيقة يصدق بها القلب ويشهد لها العمل، والهوية إطار اجتماعي يعبر عنها ويحفظ بعض آثارها.”

كما يؤدي تجميد الدين داخل الهوية إلى صعوبة التجديد. فكل اجتهادٍ جديد يبدو كأنه تهديد للاستمرارية، مع أن التجديد قد يكون شرطًا لبقائها. يخلط الناس بين ثبات الأصل وثبات صور تنزيله، فيدافعون عن مؤسساتٍ وعاداتٍ تاريخية كما يدافعون عن الوحي. وإذا قيل إن شكلًا ما لم يعد يحقق مقصد العدل أو التعليم أو الدعوة، ظنوا أن المقصد نفسه يتعرض للهجوم. فالهوية الخائفة تميل إلى تكثير الثوابت. كلما شعرت بالتهديد وسعت دائرة المحرم على السؤال، حتى يدخل فيها ما هو عرفٌ أو اجتهادٌ أو موقفٌ سياسي. يصبح نقد طريقة التعليم نقدًا للدين، ومراجعة خطاب الدعوة خضوعًا للغرب، وتغيير بعض المؤسسات تفريطًا في الشريعة. وهكذا تُحفظ الوسائل بعد أن تفقد وظيفتها، ويُطلب من الأجيال أن تحمل أشكالًا لم تعد تفهم معناها. لكن الحل ليس تذويب الهوية العربية الإسلامية في فردانيةٍ عالميةٍ بلا ذاكرة. فالإنسان الذي لا يملك هويةً واعية يصبح أكثر عرضةً لهوياتٍ تُفرض عليه من السوق أو القومية أو الأيديولوجيا أو الثقافة المهيمنة. ولا توجد معرفةٌ بلا لغة وتاريخ وسياق. المطلوب ليس الخروج من الهوية، بل تحريرها من الجمود؛ أن تصبح مجالًا للانتماء والنمو، لا قفصًا يمنع التفكير.

والهوية العربية الإسلامية ليست مجموعة مظاهر جامدة، بل تركيبٌ حضاري من اللغة والوحي والتاريخ والقيم والخبرات. حمايتها لا تكون بتجميد لحظةٍ واحدة من تاريخها، بل بإحياء قدرتها على إنتاج المعنى. كانت الحضارة حيةً حين ترجمت ونقدت واجتهدت وبنت علومًا ومؤسسات، لا حين كررت نفسها. الأصالة الحقيقية ليست أن نجيب عن أسئلة القرن الحادي والعشرين بألفاظٍ محفوظة من غير فهم، بل أن ننطلق من المرجعية نفسها لننتج جوابًا يواجه الواقع الجديد. والثبات لا يعني الوقوف، كما أن الحركة لا تعني الاقتلاع. الشجرة تحفظ هويتها لأنها تنمو من جذرها، لا لأنها ترفض إخراج غصنٍ جديد.

ومن هنا يحتاج الخطاب الإسلامي إلى عقلانيةٍ مؤمنة، لا عقلانيةٍ تقطع الإنسان عن الوحي، ولا خطابٍ إيماني يخشى العقل. عقلانية تعرف أن الله حق، وأن الوحي هدايةٌ حاكمة، لكنها تميز بين الوحي وفهم البشر، وتطلب الدليل، وتراجع التنزيل، وتقبل أن بعض المسائل تحتمل أكثر من اجتهاد. هَذَا الخطاب لا يخفف الثوابت ليشتري قبول العصر، ولا يوسع الثوابت ليمنع العصر من الكلام. يحدد الأصول بدقة، ويحرر المساحات الاجتهادية من سلطة العصبية. لا يقدم كل موروثٍ على أنه دين، ولا يعامل كل جديدٍ على أنه حكمة. يسأل عن الدليل والمقصد والأثر، ويستفيد من المعرفة الإنسانية من غير أن يستورد مرجعيتها كاملة. كما ينبغي أن يكون قادرًا على نقد الذات من داخلها. لا ينتظر خصوم الإسلام كي يكشفوا أخطاء المسلمين، ولا يرفض الحقيقة لأنها جاءت من خارج الجماعة. لكنه يفرق بين النقد الذي يريد الإصلاح والنقد الذي يستعمل الخطأ لتجريم الدين كله. يواجه الثاني، ويستفيد من الأول، وقد يجد في الكلام المعادي ملاحظةً صحيحة لا تلزمه بقبول الإطار الذي وُضعت فيه.

والخطاب العقلاني لا يحتقر المشاعر الجمعية؛ فالإنسان لا يعيش بالبراهين وحدها. يحتاج إلى رموزٍ وسيرةٍ وذاكرةٍ واحتفالٍ وانتماء. لكن دور العقل والأخلاق أن يمنعا هَذِه العناصر من التحول إلى أدوات إقصاء. نحب تاريخنا من غير أن نزوره، ونوقر رموزنا من غير أن نعصمها، ونعتز بلغتنا من غير أن نحتقر لغات الآخرين، ونحفظ خصوصيتنا من غير أن ننكر إنسانية المختلف. ويحتاج هَذَا الخطاب إلى إعادة معنى الأمة. الأمة ليست حشدًا متطابقًا، بل رابطةٌ إيمانية تتسع لاختلاف الأعراق والثقافات والاجتهادات. وحدتها ليست في إلغاء الفروق، بل في وجود أصولٍ وقيمٍ تسمح بإدارتها. وإذا لم تحتمل الأمة التنوع داخلها، تحولت من رابطة رحمةٍ وشهادة إلى جهاز تصنيفٍ يطرد كل من لا يتطابق مع صورتها الغالبة.

إنَّ الجماعة الإسلامية الراشدة لا تطلب من الفرد أن يختفي، بل تساعده على أن يصبح مسؤولًا. تمنحه العلم والصحبة والعبادة المشتركة، لكنها لا تصادر ضميره. تسمح له بالسؤال، ولا تجعل مكانته مشروطةً بتكرار أجوبتها. وإذا خالفها في اجتهادٍ لم تنزع عنه دينه وكرامته، بل تناقش قوله بقدر مرتبته. وفي الأسرة يبدأ الإصلاح. ينبغي أن يتعلم الطفل أن كونه مسلمًا نعمةٌ ومسؤولية، لا لقب تفوقٍ على الناس. لا نقول له إن جماعتك خيرٌ لأن اسمها خير، بل إن الخيرية تكليفٌ مرتبط بالإيمان والعمل والعدل. ونعلمه أن خطأ المسلم لا يصبح صوابًا، وأن حسن غير المسلم لا يصير قبحًا، وأن الولاء للحق لا يلغي الرحمة والإنصاف.

كما ينبغي أن يُسمح له بالسؤال عن العادات التي تقدم باسم الدين. إذا سأل عن دليلٍ فلا يُتهم بقلة الاحترام، وإذا ناقش فهمًا فلا يُعامل كأنه ناقش الله. بذلك يتعلم أن المقدس محفوظٌ في منزلته، وأن الفهم البشري قابل للمراجعة. أما إذا خلطنا الأمرين، فقد يكتشف خطأ البشر يومًا فيظن أنه اكتشف خطأ الدين. وفي المدرسة والمسجد ينبغي تعليم الفرق بين العقيدة والهوية، لا لفصلهما، بل لترتيب العلاقة بينهما. العقيدة حقيقةٌ يصدق بها القلب ويشهد لها العمل، والهوية إطارٌ اجتماعي يعبر عنها ويحفظ بعض آثارها. الإطار مهم، لكنه ليس الأصل؛ وقد يبقى الإطار بعد أن تفرغ الروح، كما قد تكون الروح في مرحلة نمو لا تتطابق بعد مع جميع صور الإطار.

وتحتاج المؤسسات الدينية إلى قبول المراجعة المؤسسية. فالخطاب الذي ينتقد عصبية الجماعات ثم يعامل مؤسسته كأنها فوق النقد يقع في التناقض نفسه. يجب أن توجد آلياتٌ للمحاسبة، وتداول المسؤولية، والاستماع إلى النساء والشباب وأصحاب الخبرات المختلفة، حتى لا يحتكر تفسير حاجات المجتمع جيلٌ أو طبقةٌ واحدة. كما ينبغي الفصل بين الدعوة والسيطرة الاجتماعية. وظيفة الداعية أن يبين ويذكر ويرفق، لا أن يحول المجتمع إلى شبكة مراقبةٍ للضمائر. والنصيحة لا تكون تشهيرًا، والأمر بالمعروف لا يعني اقتحام الخصوصيات، وحماية الأخلاق لا تكون بصناعة النفاق. المجتمع الذي يبالغ في مراقبة الظاهر قد ينتج امتثالًا علنيًّا وفسادًا سريًّا، بينما المقصد أن ينشأ ضميرٌ يراقب الله.

ولا يستغني هَذَا المشروع عن التجربة الروحية. فالفكر وحده يستطيع تفكيك ضغط الجماعة، لكنه لا يملأ الفراغ الذي يتركه. إذا تحرر الإنسان من الهوية الاجتماعية من غير أن يعمق علاقته بالله، فقد ينتهي إلى إيمانٍ نظري بارد أو إلى هويةٍ أخرى. يحتاج إلى قرآنٍ يقرأه لنفسه، ودعاءٍ لا يؤديه أمام جمهور، وعبادةٍ تجدد معنى العبودية، ومحاسبةٍ ترد السؤال إلى القلب. في الخلوة يكتشف الإنسان أن الله لا يسأله عن حسن أدائه أمام الجماعة، بل عن صدقه. تسقط الألقاب، وتختفي الشعارات، ولا يبقى إلا ما قدّمه من قلبٍ وعمل. هناك يتضح الفرق بين أن يكون الدين بيتًا تسكنه الروح، وأن يكون زيًّا ترتديه الذات كي يعرفها الآخرون. وحين يتعمق هَذَا الإيمان الشخصي لا يضعف انتماء الإنسان إلى الأمة، بل ينضج. يعود إلى الجماعة لا محتاجًا إلى أن تمنحه قيمته، بل راغبًا في خدمتها بالحق. يستطيع أن يحبها من غير أن يكذب لها، وينقدها من غير أن يتشفى فيها، ويخالفها من غير أن يحتقرها. لا يرى الإصلاح عداءً، ولا يرى الانتماء طاعةً عمياء.

“العقيدة حين تكون حقيقة حية تحرر الإنسان من عبودية الجماعة، لأنها تربطه بالله الذي يعلو على الجميع.”

إن الأمة أحوج ما تكون إلى هَذَا النوع من المؤمنين؛ الذين لا يهربون منها ولا يذوبون فيها، بل يقفون داخلها بضميرٍ حي. فالمنسلخ لا يبني، والمقلد لا يصلح؛ إنما يصلح من جمع الوفاء والقدرة على المراجعة، وأحب الجماعة بما يكفي كي يقول لها الحقيقة. العقيدة حين تكون حقيقةً حية تحرر الإنسان من عبودية الجماعة، حتى لو كانت جماعته الدينية، لأنها تربطه بالله الذي يعلو على الجميع. وحين تتحول إلى هويةٍ اجتماعية مغلقة قد تفعل العكس؛ تجعل رضا الجماعة طريقًا إلى الشعور بالنجاة، وتمنح الإنسان يقينًا مستعارًا يستمده من كثرة الموافقين لا من صدق الدليل. ولا يعني ذلك أن كل يقينٍ جماعي زائف، ولا أن الفرد أصدق دائمًا من الجماعة. قد يضل الفرد، وقد تحفظ الأمة من العلم ما لا يملكه وحده. لكن الحماية الحقيقية تنشأ حين يبقى الوحي مرجعًا فوق الطرفين، وحين تتكامل مسؤولية الفرد مع حكمة الجماعة من غير أن يلغي أحدهما الآخر.

إن الإسلام لا يريد مؤمنًا بلا أمة، ولا أمةً من أفرادٍ بلا ضمائر. يريد جماعةً يعين أفرادها بعضهم على الحق، لا جماعةً تعرف الحق بما يصدر عنها. يريد هويةً تشهد للقيم، لا قيمًا تُستعمل لخدمة الهوية. ويريد ولاءً يمر عبر العدل، لا عصبيةً تعطل العدل باسم الولاء. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل دفاعٍ ديني ليس فقط: هل نحمي الإسلام؟ بل: أيُّ شيءٍ نحميه بالفعل؟ هل نحمي وحيه وقيمه وحق الناس في اعتناقه وممارسته، أم نحمي تصوراتنا ومصالحنا وصورتنا الجمعية؟ وهل الطريقة التي ندافع بها تشهد لأخلاقه، أم تحول اسمه إلى غطاءٍ لما نهى عنه؟ قد يحتاج الدين إلى من يدافع عن حرية أتباعه أمام الاضطهاد، وعن مقدساته أمام الإهانة، وعن حقيقته أمام التحريف. لكنه لا يحتاج إلى من يحميه من الصدق، ولا من يُسكت المظلوم حفاظًا على صورة المجتمع، ولا من يبرر فساد القريب كيلا يفرح الخصم. فالدين أقوى من أخطاء أتباعه، والاعتراف بالخطأ لا يهدمه؛ الذي يهدم الثقة به هو الإصرار على إلصاق أخطائنا بقداسته.

وحين يتحرر الإيمان من ضغط الهوية لا يصبح بلا جذور، بل تمتد جذوره إلى موضعٍ أعمق. لا يقول الإنسان: أنا مسلم لأن قومي مسلمون فقط، بل لأنني أبصرت في الإسلام حقًّا أريد أن أعيش له. ولا يدافع عنه لأن إهانته تجرح كبرياءه وحده، بل لأن فيه معنى العبودية والعدل والرحمة والكرامة. وعندها تتحول الهوية من قيدٍ على الفكر إلى ثمرةٍ للإيمان؛ تعبر عنه من غير أن تحل محله، وتحفظ ذاكرته من غير أن تجمده، وتمنح الإنسان جماعةً من غير أن تسلبه ضميره.

ليس المطلوب إذًا نزع العقيدة من المجال الاجتماعي، بل منع المجتمع من احتكارها. وليس المطلوب تحرير الفرد من الأمة، بل تحرير الأمة والفرد معًا بمرجعية الحق. ولا يكون ذلك إلا حين نعيد ترتيب العلاقة؛ العقيدة أولًا، والهوية خادمةً لها، والحق فوق الجماعة، والعدل شرطًا للولاء، والنقد أداةً للإصلاح، والعبادة سرًّا يعيد الإنسان كل مرةٍ من ضجيج الناس إلى صدق الوقوف بين يدي الله. هناك، حين يخلو المؤمن من ألقابه وجمهوره وخصوماته، يكتشف السؤال الذي يكشف حقيقة انتمائه؛ هل كان يحمل الدين ليهتدي به، أم كان يحمل اسمه كي يحتمي به؟ فإذا اختار الهداية، عاد إلى جماعته أكثر إخلاصًا وأقل عصبية، أكثر اعتزازًا وأقل خوفًا، أقدر على حماية الثوابت وأشجع في نقد ما ليس ثابتًا، وأشد تمسكًا بهويته من غير أن يجعلها سجنًا للعقل أو حجابًا بين القلب وربه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى