الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

الإنسان ابن عاداته أم ابن مبادئه؟

صراع الطبع والإرادة في صناعة الشخصية

لا يُعْرَفُ الإنسانُ على حقيقتهِ بِما يُعْلِنُهُ فِي لحظاتِ الصّفاءِ، ولا بِما يقولهُ عنْ نفسهِ حِينَ يكونُ جالسًا فِي مجلسِ الحكمةِ، آمنًا مِنَ الامتحانِ، مُرْتَاحًا مِنْ ضغطِ الحاجةِ والخوفِ والغضبِ والاشتهاءِ. إِنّما يُعْرَفُ الإنسانُ حِينَ تضيقُ المسافةُ بينهُ وبينَ الفعلِ، حِينَ تُفَاجِئُهُ اللّحظةُ، وتشتعلُ الغريزةُ، ويختفي الجمهورُ، وتضعفُ الرّقابةُ، ويتراجعُ بريقُ الشّعاراتِ، فتخرجُ مِنْ أعماقهِ تِلكَ اليدُ الخفيّةُ الّتي صنعتها الأيّامُ بِالتّكرارِ. هُناكَ، فِي ذلكَ الموضعِ العاري مِنَ الزّينةِ، لا يتصرّفُ الإنسانُ غالبًا كما يُفَكِّرُ، بلْ كما اعتادَ؛ لا كما يُحِبُّ أنْ يكونَ، بلْ كما درّبَ نفسهُ طويلًا أنْ يكونَ؛ لا كما يكتبُ فِي دفاترِ مبادئهِ، بلْ كما نُقِشَتْ على أعصابهِ وذاكرتهِ وطباعهِ خرائطُ السّلوكِ المتكرّرِ.

ومنْ هُنا ينبثقُ السّؤالُ الشّائكُ: هلِ الإنسانُ ابنُ عاداتهِ أمِ ابنُ مبادئهِ؟ أهوَ ثمرةُ ما يعتقدُ، أمْ ثمرةُ ما يُكَرِّرُ؟ أهوَ محكومٌ بِفكرتهِ عنِ الخيرِ، أمْ بِتدريبهِ اليوميِّ على فِعلِ الخيرِ أوْ تركهِ؟ والجوابُ العميقُ لا يقبلُ الاختزالَ فِي طرفٍ واحدٍ؛ فالإنسانُ ابنُ مبادئهِ حِينَ تكونُ المبادئُ حيّةً، واعيةً، مُتَجَذِّرَةً، قادرةً على توجيهِ الاختيارِ فِي لحظةِ الامتحانِ. لكنّهُ ابنُ عاداتهِ حِينَ تبقى المبادئُ مُعَلَّقَةً فِي سماءِ الوعيِ، بينما الأرضُ الّتي يمشي عليها كُلَّ يومٍ قدْ صُنِعَتْ مِنْ تكراراتٍ أُخْرَى. المبادئُ تُرِيهِ النّجمَ، والعاداتُ تُحَرِّكُ قدميهِ. المبادئُ تقولُ لهُ إِلى أينَ ينبغي أنْ يتّجهَ، والعاداتُ تُحَدِّدُ هلْ يستطيعُ السّيرَ أصلًا، وهلْ يسيرُ مُسْتَقِيمًا أمْ يتعثّرُ فِي أوّلِ مُنْعَطَفٍ.

“المبادئُ تُرِيهِ النّجمَ، والعاداتُ تُحَرِّكُ قدميهِ. المبادئُ تقولُ لهُ إِلى أينَ ينبغي أنْ يتّجهَ، والعاداتُ تُحَدِّدُ هلْ يستطيعُ السّيرَ أصلًا.”

المبدأُ بذرةٌ ساميةٌ، لكنَّ العادةَ هِيَ التّربةُ الّتي إِمّا أنْ تحتضنها حتّى تصيرَ شجرةً، أوْ تخنقها تحتَ طبقةٍ صُلْبَةٍ مِنَ السّلوكِ الآليِّ. كمْ مِنْ إِنسانٍ يُؤْمِنُ بِالصّدقِ ثُمَّ يكذبُ بِسهولةٍ حِينَ يُحْرِجُهُ الموقفُ، لا لِأنّهُ يُنْكِرُ قِيمةَ الصّدقِ، بلْ لِأنَّ لِسانهُ تعوّدَ مخارجَ النّجاةِ السّريعةِ. وكمْ مِنْ إِنسانٍ يُؤْمِنُ بِالكرامةِ ثُمَّ يُذِلُّ نفسهُ أمامَ نظرةِ النّاسِ، لا لِأنّهُ يجهلُ معنى الكرامةِ، بلْ لِأنَّ قلبهُ اعتادَ التّسوّلَ العاطفيَّ عِندَ أبوابِ الاعترافِ. وكمْ مِنْ إِنسانٍ يُحِبُّ العلمَ ثُمَّ يهربُ إِلى التّفاهةِ كُلَّمَا فتحَ كِتابًا، لا لِأنّهُ يكرهُ المعرفةَ، بلْ لِأنَّ انتباههُ دُرِّبَ طويلًا على الوجباتِ السّريعةِ مِنَ الصّورِ والمقاطعِ. وكمْ مِنْ إِنسانٍ يُوقِنُ أنَّ الغضبَ يهدمُ البيوتَ، ثُمَّ يثورُ عِندَ أوّلِ خِلافٍ لِأنّهُ لمْ يُرَبِّ فِي نفسهِ عضلةَ التّوقّفِ. هُنا تنتصرُ العادةُ على القناعةِ، لا لِأنّها أصدقُ مِنها، بلْ لِأنّها أقربُ إِلى اليدِ، وأسرعُ إِلى العصبِ، وأعمقُ فِي المسارِ اليوميِّ.

العادةُ تنتصرُ على القناعةِ حِينَ تكونُ القناعةُ فِكرةً بِلا تدريبٍ. فالإنسانُ لا يصيرُ كريمًا لِأنّهُ اقتنعَ بِجمالِ الكرمِ مرّةً، بلْ لِأنّهُ درّبَ يدهُ على البذلِ حتّى صارَ البذلُ أقلَّ كُلْفَةً على نفسهِ. ولا يصيرُ حليمًا لِأنّهُ مدحَ الحلمَ فِي خُطْبَةٍ أوْ كِتابٍ، بلْ لِأنّهُ تعلّمَ أنْ يُؤَخِّرَ ردّةَ فِعلهِ، وأنْ يبتلعَ أوّلَ جمرةٍ مِنَ الغضبِ قبلَ أنْ تتحوّلَ إِلى حريقٍ. ولا يصيرُ حُرًّا لِأنّهُ كتبَ عنِ الحرّيّةِ، بلْ لِأنّهُ مارسَ قولَ “لا” فِي المواضعِ الصّغيرةِ حتّى قويتْ نفسهُ على قولها فِي المواضعِ الكبيرةِ. القناعةُ الّتي لا تتحوّلُ إِلى تكرارٍ عمليٍّ تُشْبِهُ ملكًا بِلا جيشٍ؛ لهُ شرعيّةٌ على الورقِ، لكنّهُ لا يملكُ أنْ يحميَ مملكتهُ إِذا هاجمتها العاداتُ القديمةُ.

ولِذلكَ فإنَّ الشّخصيّةَ لا تتكوّنُ أساسًا مِنَ الأحداثِ الكبرى، بلْ مِنَ القطراتِ الصّغيرةِ الّتي تسقطُ كُلَّ يومٍ على صخرِ النّفسِ حتّى تحفرهُ. نحنُ نظلمُ أنفسنا حِينَ نظنُّ أنَّ الطّباعَ تنشأُ مِنْ قراراتٍ ضخمةٍ نادرةٍ، معَ أنَّ كثيرًا مِنْ تكوينِ الإنسانِ يجري فِي الخفاءِ؛ طريقةُ استيقاظهِ، طريقةُ كلامهِ عِندَ الضّيقِ، ما يفعلهُ حِينَ يملُّ، ما يُكَرِّرُهُ حِينَ لا يُرَاقِبُهُ أحدٌ، كيفَ يُنْفِقُ وقتهُ، كيفَ يردُّ على الإساءةِ، كيفَ يتعاملُ معَ المالِ، كيفَ يعتذرُ، كيفَ يُبَرِّرُ خطأهُ، كيفَ يسمعُ المختلفَ، كيفَ يستهلكُ، كيفَ يصمتُ، كيفَ ينظرُ إِلى نفسهِ فِي مِرآةِ الآخرينَ. هذهِ التّفاصيلُ الصّغيرةُ ليستْ هامشًا، بلْ هِيَ مشغلُ الشّخصيّةِ. هُناكَ، فِي تِلكَ الورشةِ اليوميّةِ الصّامتةِ، تُصْنَعُ النّفسُ كما تُصْنَعُ السّيوفُ: ضرباتٌ مُتَكَرِّرَةٌ، ونارٌ مُتَكَرِّرَةٌ، وتبريدٌ مُتَكَرِّرٌ، حتّى يأخذَ المعدنُ شكلهُ.

التّكرارُ ليسَ مُجَرَّدَ إِعادةِ فِعلٍ، بلْ هندسةٌ لِلدّاخلِ. كُلَّ مرّةٍ يفعلُ الإنسانُ شيئًا يُسَهِّلُ على نفسهِ أنْ يفعلهُ مرّةً أُخْرَى، كمنْ يفتحُ ممرًّا فِي غابةٍ كثيفةٍ؛ فِي البدايةِ يحتاجُ إِلى جُهْدٍ لِيشقَّ الطّريقَ، ثُمَّ يُصْبِحُ الطّريقُ واضحًا، ثُمَّ تمشي فِيهِ القدمُ بِلا تفكيرٍ. الكذبُ الأوّلُ يحتاجُ إِلى توتّرٍ، والثّاني يحتاجُ إِلى قدرٍ أقلَّ مِنَ التوتّرِ، ثُمَّ قدْ يُصْبِحُ الكذبُ بِالتّكرارِ لُغةً جاهزةً على اللّسانِ. وكذلكَ الصّدقُ؛ قدْ يكونُ ثقيلًا فِي بِدايتهِ، ثُمَّ يخفُّ حِينَ يتكرّرُ، حتّى يصيرَ الكذبُ هُوَ الثّقيلَ. كُلُّ عادةٍ إِذنْ ليستْ فِعلًا معزولًا، بلْ طريقٌ يُعَبَّدُ فِي النّفسِ؛ وَكُلُّ طريقٍ يُعَبَّدُ يُصْبِحُ دعوةً مفتوحةً لِلعودةِ إِليهِ. ومنْ هُنا كانتِ العاداتُ أخطرَ مِنَ المواقفِ؛ لِأنَّ الموقفَ يمرُّ، أمّا العادةُ فتبقى فِي هيئةِ طريقٍ.

والفرقُ بينَ السلوكِ المقصودِ والسلوكِ الآليِّ هُوَ الفرقُ بينَ إِنسانٍ حاضرٍ فِي فِعلهِ وإنسانٍ يسكنهُ طيّارٌ خفيٌّ يقودهُ وهوَ ينظرُ مِنَ النّافذةِ. السّلوكُ المقصودُ يبدأُ مِنْ وعيِ أجوبةِ لِماذا أفعلُ؟ ما غايتي؟ هلْ هذا يُوافِقُ ما أُؤْمِنُ بِهِ؟ هلْ هذا يخدمُ حقيقتي أمْ يخدمُ خوفي؟ أمّا السلوكُ الآليُّ فهوَ فِعلٌ يخرجُ مِنَ الإنسانِ قبلَ أنْ يستأذنهُ، كأنّهُ رِسالةٌ قديمةٌ محفوظةٌ فِي جسدهِ. يفتحُ الهاتفَ دُونَ حاجةٍ، يُجِيبُ بِعصبيّةٍ دُونَ تفكيرٍ، يُؤَجِّلُ العملَ دُونَ قرارٍ واضحٍ، يبتسمُ لِمنْ يضيقُ بِهِ قلبهُ طلبًا لِلقبولِ، يشتري ما لا يحتاجُ لِأنّهُ اعتادَ تهدئةَ قلقهِ بِالشّراءِ، يدخلُ فِي جِدالٍ لا ينفعُ لِأنّهُ اعتادَ أنْ يحميَ صُورتهُ بِالغلبةِ. إِنّهُ لا يختارُ فِي كُلِّ مرّةٍ، بلْ يُسْتَدْعَى مِنْ عاداتهِ كما يُسْتَدْعَى الجنديُّ إِلى ثُكْنَتِهِ.

وهذهِ الآليّةُ ليستْ شرًّا مُطْلَقًا؛ فلولا العاداتُ لتحوّلتِ الحياةُ إِلى عِبءٍ لا يُحْتَمَلُ. الإنسانُ يحتاجُ إِلى عاداتٍ تُنْقِذُهُ مِنِ استنزافِ القرارِ فِي كُلِّ صغيرةٍ؛ عادةُ النّظافةِ، عادةُ القراءةِ، عادةُ الصّلاةِ، عادةُ العملِ، عادةُ التّرتيبِ، عادةُ الرّفقِ، عادةُ شُكْرِ النّعمةِ، عادةُ التّفكيرِ قبلَ الحكمِ. العادةُ الصّالحةُ رحمةٌ؛ لِأنّها تجعلُ الخيرَ أقلَّ كُلفةً، وتجعلُ الطريقَ إِليهِ مُمَهَّدًا. لكنّها تتحوّلُ إِلى سِجنٍ حِينَ تكونُ العادةُ رديئةً، أوْ حِينَ يعيشُ الإنسانُ بِلا وعيٍ يُعِيدُ مُراجعةَ ما اعتادهُ. فليستِ المشكلةُ أنْ تكونَ لِلإنسانِ عاداتٌ، بلْ أنْ تكونَ عاداتهُ أقوى مِنْ مبادئهِ، وأنْ تكونَ مجهولةَ المصدرِ، وأنْ يقودها الماضي لا البصيرةُ، وأنْ تتحوّلَ مِنْ خادمةٍ لِلحياةِ إِلى حاكمةٍ عليها.

ومنْ هُنا يظهرُ سُؤالُ إِعادةِ صِناعةِ النّفسِ؛ هلْ يُمْكِنُ لِلإنسانِ أنْ يُولَدَ مِنْ عاداتهِ مرّةً أُخْرَى؟ هلْ يُمْكِنُ لِمنْ تشكّلَ غضبهُ، أوْ كسلهُ، أوْ خوفهُ، أوْ استهلاكهُ، أوْ إِدمانهُ لِلاعترافِ، أوْ ضعفهُ أمامَ المقارنةِ، أنْ يُعِيدَ بِناءَ نفسهِ؟ نعمْ، لكنْ بِشرطِ ألّا يتعاملَ معَ التّغييرِ كأمنيّةٍ شِعريّةٍ حالمةٍ. النّفسُ لا تُعَادُ صِناعتها بِمجرّدِ النّدمِ، وإنْ كانَ النّدمُ بابًا كريمًا مِنْ أبوابِ الرّجوعِ. ولا تُعَادُ بِمجرّدِ الحماسةِ، فالحماسةُ نارٌ تشتعلُ بِسرعةٍ وتنطفئُ إِنْ لمْ تُحْفَظْ فِي موقدٍ منهجيٍّ. ولا تُعَادُ بِمجرّدِ كراهيةِ العادةِ القديمةِ، لِأنَّ كراهيةَ القيدِ لا تكفي لِفتحِ القفلِ. إِعادةُ صِناعةِ النّفسِ عملٌ طويلٌ، صبورٌ، شديدُ الواقعيّةِ، يجمعُ بينَ صِدقِ المقصدِ، وفهمِ الآليّةِ، وتغييرِ البيئةِ، وتدرّجِ التّدريبِ، ومحاسبةِ النّفسِ، والرّحمةِ بِها حِينَ تتعثّرُ دُونَ السّماحِ لها أنْ تجعلَ التّعثرَ قدرًا.

إِنَّ أوّلَ قوانينِ تغييرِ الطّباعِ أنْ يعرفَ الإنسانُ عادتهُ معرفةً دقيقةً، لا أنْ يلعنها مِنْ بعيدٍ. كثيرونَ يقولونَ: أنا عصبيٌّ، أنا كسولٌ، أنا مُسْتَهْلِكٌ، أنا مُتَعَلِّقٌ بِالنّاسِ، أنا مُشَتَّتٌ، كأنَّ هذهِ الأوصافَ أحكامٌ نِهائيّةٌ لا خرائطُ قابلةٌ لِلتّحليلِ. لكنَّ العادةَ ليستْ كُتْلَةً صمّاءَ؛ لها وقتٌ، وَمُثِيرٌ، ومكافأةٌ، وبِيئةٌ، وتبريرٌ، وسلسلةٌ صغيرةٌ مِنَ الخطواتِ. الغضبُ قدْ يبدأُ مِنْ تعبٍ، أوْ شُعورٍ بِالإهانةِ، أوْ خوفٍ مِنْ فقدِ السّيطرةِ. الكسلُ قدْ يبدأُ مِنْ رهبةِ العملِ الكبيرِ، أوْ غِيابِ المعنى، أوْ بِيئةٍ مليئةٍ بِالمشتّتاتِ. الاستهلاكُ قدْ يبدأُ مِنْ قلقٍ، أوْ مُقارنةٍ، أوْ فراغٍ، أوْ رغبةٍ فِي مُكافأةِ النّفسِ. ومنْ لمْ يعرفْ بابَ العادةِ لنْ يعرفَ مِنْ أينَ يدخلُ إِليها لِيغيّرها. لا يكفي أنْ تقولَ: سأتركُ. يجبُ أنْ تسألَ: متى أفعلها؟ لِماذا أفعلها؟ ماذا تُعْطِينِي؟ وما الّذي أخافُ أنْ أفقدهُ إِذا تركتها؟

“العادةُ القديمةُ لا تخرجُ مِنَ النّفسِ كما يخرجُ الضّيفُ مِنَ البابِ، بلْ تُزَاحَمُ بِعادةٍ جديدةٍ حتّى تضيقَ عليها الأرضُ.”

والقانونُ الثّاني أنَّ العادةَ لا تُهْزَمُ بِالفراغِ. النّفسُ لا تتركُ طريقًا قديمًا إِلّا إِذا وُضعَ لها طريقٌ آخرُ. منْ أرادَ تركَ إِدمانِ التّفاهةِ دُونَ أنْ يبنيَ عادةَ قِراءةٍ أوْ عملٍ أوْ صُحْبَةٍ أوْ رِياضةٍ أوْ خلوةٍ، سيعودُ إِلى التّفاهةِ حِينَ يُهَاجِمُهُ الفراغُ. ومنْ أرادَ تركَ الغضبِ دُونَ أنْ يتعلّمَ عادةَ التّوقّفِ والتّنفّسِ وتأجيلِ الرّدِّ وإعادةِ تفسيرِ الموقفِ، سيظلُّ الغضبُ أسرعَ مِنهُ. ومنْ أرادَ تركَ الاستهلاكِ دُونَ أنْ يبنيَ معنًى لِلبساطةِ، وعلاقةً أهدأَ بِالمالِ، وبدائلَ لِلتّرفيهِ والمكافأةِ، سيبقى السّوقُ أقوى مِنْ قرارهِ. العادةُ القديمةُ لا تخرجُ مِنَ النّفسِ كما يخرجُ الضّيفُ مِنَ البابِ، بلْ تُزَاحَمُ بِعادةٍ جديدةٍ حتّى تضيقَ عليها الأرضُ.

والقانونُ الثّالثُ أنَّ البدايةَ الصّغيرةَ أصدقُ مِنَ القرارِ الضّخمِ. النّفسُ تخدعُ صاحبها أحيانًا بِحبِّ البداياتِ البطوليّةِ؛ يُرِيدُ أنْ يُغَيِّرَ حياتهُ كُلَّهَا فِي ليلةٍ، فيصومُ عنْ عاداتهِ الرّديئةِ كُلَّهَا دُفْعَةً واحدةً، ثُمَّ ينهارُ عِندَ أوّلِ ضغطٍ، فيظنُّ أنَّ التّغييرَ مُسْتَحِيلٌ. والحقُّ أنَّ الطّباعَ تتغيّرُ غالبًا كما ينمو الجذرُ، لا كما ينفجرُ البركانُ. عشرُ دقائقَ قِراءةٍ كُلَّ يومٍ قدْ تصنعُ قارئًا أصدقَ مِنْ وعدٍ كبيرٍ بِقراءةِ موسوعةٍ. تأخيرُ الرّدِّ الغاضبِ دقيقةً واحدةً قدْ يكونُ بِدايةَ الحلمِ. تركُ شِراءٍ واحدٍ لا حاجةَ لهُ قدْ يكونُ بِدايةَ السّيادةِ على الاستهلاكِ. ترتيبُ الفراشِ كُلَّ صباحٍ قدْ يبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنّهُ يُعَلِّمُ النّفسَ معنى البدءِ بِالفعلِ لا بِالنّيّةِ. التّغييرُ العميقُ لا يحتقرُ الصّغيرَ؛ لِأنّهُ يعرفُ أنَّ العظيمَ حِينَ يدخلُ الحياةَ لا يدخلُ غالبًا فِي هيئةٍ شجرةٍ عظيمةٍ، بلْ فِي هيئةِ بذرةٍ أو فسيلةٍ صغيرةٍ.

والقانونُ الرّابعُ أنَّ البيئةَ نِصفُ الإرادةِ، وَرُبَّمَا أكثرُ. ليسَ مِنَ الحكمةِ أنْ يضعَ الإنسانُ نفسهُ كُلَّ يومٍ فِي سُوقِ العادةِ القديمةِ ثُمَّ يطلبَ مِنْ إِرادتهِ أنْ تكونَ بطلةً دائمةً. منْ يُرِيدُ حِفظَ انتباههِ لا يتركُ المشتّتاتِ مفتوحةً حولهُ ثُمَّ يتغنّى بِالعزيمةِ. منْ يُرِيدُ القناعةَ لا يغرقُ فِي مُتابعةِ منْ يصنعونَ المقارنةَ ثُمَّ يلومُ قلبهُ. منْ يُرِيدُ الهدوءَ لا يعيشُ داخلَ علاقاتٍ يوميّةٍ تستفزّهُ بِلا حُدودٍ ثُمَّ يتوقّعُ أنْ يكونَ حكيمًا دائمًا. الإرادةُ تحتاجُ إِلى بِيئةٍ تحميها، لا لِأنّها ضعيفةٌ بِالضّرورةِ، بلْ لِأنّها طاقةٌ محدودةٌ يجبُ أنْ تُصْرَفَ فِي البناءِ لا فِي مُقاومةِ الإغراءِ نفسهِ كُلَّ ساعةٍ. الحكيمُ لا يضعُ النّارَ بِجوارِ الورقِ ثُمَّ يمدحُ نفسهُ إِنْ لمْ تحترقِ الغرفةُ؛ الحكيمُ يُبَاعِدُ بينهما. ولعلَّ الكثيرَ مِنّا يتذكّرُ قِصّةَ ذلكَ الّذي أرادَ التّوبةَ فنصحهُ الحكيمُ المؤمنُ بِأنْ يُغَيِّرَ بِيئتهُ، لِأنَّ أهمَّ وأوثقَ خُطواتِ الإصلاحِ الوقايةُ قبلَ العلاجِ.

والقانونُ الخامسُ أنَّ الهويّةَ أقوى مِنَ التّعليماتِ. الإنسانُ يثبتُ على العادةِ حِينَ يراها جُزْءًا مِنْ صُورَتِهِ عنْ نفسهِ. منْ يقولُ: أنا أُحَاوِلُ أنْ أقرأَ، يختلفُ عمّنْ يقولُ: أنا إِنسانٌ قارئٌ يتعثّرُ أحيانًا. ومنْ يقولُ: سأجرّبُ أنْ أكونَ صادقًا، يختلفُ عمّنْ يقولُ: أنا لا أبيعُ لِساني ولوْ أحرجني الصّدقُ. ومنْ يقولُ: أُرِيدُ أنْ أُقَلِّلَ الاستهلاكَ، يختلفُ عمّنْ يقولُ: أنا إِنسانٌ لا أضعُ قِيمتي فِي الأشياءِ. ليستِ المسألةُ لعبًا بِالألفاظِ، بلْ إِعادةُ بِناءٍ لِلمركزِ. كُلَّمَا تماهى الإنسانُ معَ قِيمةٍ عاليةٍ، صارَ السّلوكُ الموافقُ لها أيسرَ، وصارَ السّقوطُ عنها مُوجِعًا لا لِأنّهُ كسرَ قاعدةً خارجيّةً فقطْ، بلْ لِأنّهُ خالفَ صُورتهُ الأعمقَ عنْ نفسهِ. ولِهذا كانتِ التّربيةُ العظيمةُ لا تكتفي بِأنْ تقولَ لِلطّفلِ: افعلْ ولا تفعلْ، بلْ تقولُ لهُ: منْ أنتَ؟ وأيَّ إِنسانٍ تُرِيدُ أنْ تكونَ؟

والقانونُ السّادسُ أنَّ النّفسَ تحتاجُ إِلى مُحاسبةٍ بِلا جلدٍ، ورحمةٍ بِلا تسيّبٍ. بعضُ النّاسِ إِذا أخطأَ جلدَ نفسهُ حتّى يكرهَ الطّريقَ كُلَّهُ، وبعضهمْ إِذا تعثّرَ رحمَ نفسهُ حتّى يُبَرِّرَ لها البقاءَ فِي الوحلِ. والمنهجُ الصّحيحُ بينهما أنْ يعترفَ بِالخطأ بِوضوحٍ، ويفهمَ سببهُ، ويضعَ تعديلًا عمليًّا، ثُمَّ يعودَ بِلا دِراما زائدةٍ. الجلدُ المستمرُّ يجعلُ النّفسَ ترى التّغييرَ عُقوبةً، والتّسيّبُ يجعلها ترى الانحرافَ طبيعةً. أمّا المحاسبةُ الرّحيمةُ فتقولُ: أخطأتُ، نعمْ. لكنَّ الخطأَ معلومةٌ، لا هُوِيَّةٌ. تعثّرتُ، نعمْ. لكنَّ التّعثّرَ يكشفُ موضعَ الضّعفِ، لا يُلْغِي الطّريقَ. وهذهِ الرّحمةُ لا تُضْعِفُ الإصلاحَ، بلْ تجعلهُ قابلًا لِلاستمرارِ؛ لِأنَّ الإنسانَ الّذي لا يرحمُ نفسهُ بِوعيٍ غالبًا ما يهربُ مِنْ مُواجهةِ نفسهِ.

والقانونُ السّابعُ أنَّ تغييرَ الطّباعِ يحتاجُ إِلى معنًى. قدْ ينجحُ الإنسانُ فِي تغييرِ عادةٍ مُدَّةً قصيرةً بِالخوفِ أوْ الحماسةِ أوْ الضّغطِ، لكنّهُ لا يثبتُ طويلًا إِلّا إِذا عرفَ لِماذا يُغَيِّرُهَا. لِماذا أُرِيدُ أنْ أضبطَ غضبي؟ ليسَ فقطْ لِأبدوَ مُهَذَّبًا، بلْ لِأحفظَ منْ أُحِبُّ، وأمنعَ لِساني مِنْ هدمِ ما يبنيهِ قلبي، وأكونَ أقوى مِنِ انفعالي. لِماذا أُرِيدُ أنْ أحرسَ انتباهي؟ لِأنَّ عُمْرِي ليسَ علفًا لِلمنصّاتِ، ولِأنَّ عقلي يحتاجُ إِلى عُمْقٍ كيْ لا أعيشَ خفيفًا. لِماذا أُرِيدُ القناعةَ؟ لِأتحرّرَ مِنْ سُوقِ المقارنةِ، لا لِأقتلَ طُمُوحِي. لِماذا أُرِيدُ الصّدقَ؟ لِأنَّ الكذبَ لا يُغَيِّرُ الحقيقةَ بلْ يُمَزِّقُ علاقتي بِها. المعنى يجعلُ العادةَ الجديدةَ ذاتَ رُوحٍ، وبِدونهِ تتحوّلُ إِلى تمرينٍ جافٍّ يملّهُ الإنسانُ.

والقانونُ الثّامنُ أنَّ العادةَ لا تُفْهَمُ بعيدًا عنِ الحبِّ. فالإنسانُ لا يُغَيِّرُ طبعهُ بِمجرّدِ الكراهيةِ لِما كانَ عليهِ، بلْ بِحبِّ صُورةٍ أكرمَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يكونهُ. الّذي يُرِيدُ تركَ الكسلِ يحتاجُ أنْ يُحِبَّ معنى الحياةِ العاملةِ. والّذي يُرِيدُ تركَ التّباهي يحتاجُ أنْ يُحِبَّ الوقارَ. والّذي يُرِيدُ تركَ الاستهلاكِ يحتاجُ أنْ يُحِبَّ البساطةَ والسّيادةَ. والّذي يُرِيدُ تركَ العصبيّةِ يحتاجُ أنْ يُحِبَّ الحلمَ لا أنْ يكتفيَ بِكرهِ الانفجارِ. إِنَّ النّفسَ تتحرّكُ إِلى الجمالِ كما تتحرّكُ هربًا مِنَ الألمِ، وَرُبَّمَا كانَ الجمالُ أقوى وأبقى. لِذلكَ فالإصلاحُ التّربويُّ العميقُ لا يكتفي بِتخويفِ النّاسِ مِنَ العاداتِ السّيّئةِ، بلْ يُرِيهِمْ بهاءَ العاداتِ الحسنةِ حِينَ تصيرُ طبعًا تلخيصًا مِنَ المنهجِ الشّرعيِّ “بشّروا ولا تُنَفِّرُوا”.

ومنْ أعجبِ ما فِي الإنسانِ أنَّ عاداتهِ قدْ تصيرُ لهُ قدرًا كاذبًا. يقولُ: هكذا أنا. وهذهِ مِنْ أخطرِ العباراتِ حِينَ تُسْتَعْمَلُ لِإغلاقِ بابِ التّغييرِ. نعمْ، فِي الإنسانِ طبائعُ أصليّةٌ وميولٌ ومزاجٌ، وليسَ كُلُّ النّاسِ سواءً فِي سُرْعَةِ الغضبِ أوِ الميلِ إِلى الحركةِ أوْ الحساسيّةِ أوِ الاجتماعيّةِ أوِ العزلةِ. لكنْ بينَ الطّبعِ الخامِ والشّخصيّةِ النّهائيّةِ مساحةٌ كبيرةٌ اسمها التّربيةُ والمجاهدةُ والتّجربةُ والوعيُ. أنْ تكونَ سريعَ الانفعالِ لا يعني أنْ تكونَ ظالمَ اللّسانِ. وأنْ تكونَ مُحِبًّا لِلرّاحةِ لا يعني أنْ تكونَ عبدًا لِلكسلِ. وأنْ تكونَ حسّاسًا لِنظرِ النّاسِ لا يعني أنْ تبيعَ نفسكَ لهمْ. الطّبعُ مادّةٌ أُولَى، والإنسانُ مسؤولٌ عنْ تهذيبها. لا يستطيعُ أنْ يختارَ كُلَّ خاماتهِ، لكنّهُ يستطيعُ أنْ يُشَارِكَ فِي صِياغةِ تِمثالهِ.

وهنا تظهرُ عظمةُ المبدأ حِينَ يتحوّلُ إِلى عادةٍ. فالمبدأُ وحدهُ قدْ يكونُ خِطابًا، والعادةُ وحدها قدْ تكونُ آليّةً عمياءَ، لكنَّ اتّحادهما يصنعُ الشّخصيّةَ الرّاسخةَ. الصّدقُ حِينَ يكونُ مبدأً فقطْ قدْ يضعفُ تحتَ الضّغطِ، وحينَ يصيرُ عادةً يسبقُ اللّسانَ إِلى النّجاةِ مِنَ الكذبِ. الرّحمةُ حِينَ تكونُ فِكرةً فقطْ قدْ تنساها النّفسُ عِندَ الخصومةِ، وحينَ تصيرُ عادةً تظهرُ حتّى فِي لحظةِ الغضبِ. الحرّيّةُ حِينَ تكونُ شِعارًا فقطْ قدْ تُبَاعُ عِندَ أوّلِ تهديدٍ، وحينَ تصيرُ عادةً داخليّةً يُصْبِحُ الخضوعُ ثقيلًا على الرّوحِ. وهكذا لا نُرِيدُ إِنسانًا ابنَ مبادئَ بِلا عاداتٍ، ولا ابنَ عاداتٍ بِلا مبادئَ، بلْ إِنسانًا صارتْ مبادئهُ عاداتٍ ناطقةً، وصارتْ عاداتهُ مبادئَ مُتَجَسِّدَةً. هذا هُوَ النّضجُ الحقيقيُّ بِألّا يبقى الخيرُ ضيفًا رسميًّا فِي العقلِ، بلْ يُصْبِحُ ساكنًا يوميًّا فِي الجسدِ.

وفي المقابلِ، حِينَ تنفصلُ العادةُ عنِ المبدأ، يقعُ التّشوّهُ. فقدْ يعتادُ الإنسانُ عِباداتٍ بِلا رُوحٍ، أوْ أدبًا بِلا صِدقٍ، أوْ عملًا بِلا معنًى، أوْ نجاحًا بِلا غايةٍ. السّلوكُ الآليُّ قدْ يخدمُ الخيرَ فِي البدايةِ، لكنّهُ يحتاجُ إِلى تجديدِ النّيّةِ والمعنى حتّى لا يتحوّلَ إِلى قِشرةٍ. فليسَ كُلُّ تكرارٍ فضيلةً؛ التّكرارُ الّذي فقدَ رُوحهُ قدْ يصيرُ نومًا داخلَ الحركةِ. لِذلكَ يحتاجُ الإنسانُ، بينَ حِينٍ وآخرَ، أنْ يُوقِظَ عاداتهِ بِالسّؤالِ: لِماذا أفعلُ هذا؟ هلْ ما زالَ هذا الطّريقُ يخدمُ ما أُؤْمِنُ بِهِ؟ هلْ صارتْ عادتي خادمةً لِلمبدأ أمْ بديلًا عنهُ؟ فكما تحتاجُ العادةُ الجديدةُ إِلى تكرارٍ، تحتاجُ العادةُ القديمةُ إِلى مُراجعةٍ كيْ لا تتحوّلَ مِنْ طريقٍ إِلى نفقٍ.

“المبادئُ الّتي لا تجدُ بيتًا فِي العاداتِ اليوميّةِ تتحوّلُ إِلى زِينةٍ مدرسيّةٍ، جميلةٍ فِي الدّفاترِ، ضعيفةٍ فِي الشّارعِ.”

والتّربيةُ، فِي ضوءِ هذا كُلِّهِ، ليستْ أنْ نملأَ رأسَ الإنسانِ بِالمبادئِ فقطْ، بلْ أنْ نُسَاعِدَهُ على بِناءِ طُقوسٍ يوميّةٍ تجعلُ المبادئَ قابلةً لِلحياةِ. لا يكفي أنْ نُحَدِّثَ الطّفلَ عنْ قِيمةِ الصّدقِ ثُمَّ نُكَافِئَهُ إِذا كذبَ بِطريقةٍ ذكيّةٍ تُنْقِذُهُ مِنَ العقوبةِ. لا يكفي أنْ نُحَدِّثَهُ عنِ القراءةِ ثُمَّ يرى البيتَ كُلَّهُ غارقًا فِي الشّاشاتِ. لا يكفي أنْ نُعَلِّمَهُ القناعةَ ثُمَّ نُرَبِّيَهُ على المقارنةِ بِالمظاهرِ. لا يكفي أنْ نقولَ لهُ: كُنْ شُجاعًا، ثُمَّ نُعَاقِبَهُ إِذا سألَ. المبادئُ الّتي لا تجدُ بيتًا فِي العاداتِ اليوميّةِ تتحوّلُ إِلى زِينةٍ مدرسيّةٍ، جميلةٍ فِي الدّفاترِ، ضعيفةٍ فِي الشّارعِ. لِذلكَ فإنَّ إِصلاحَ الإنسانِ يبدأُ مِنْ إِصلاحِ التّكراراتِ الصّغيرةِ الّتي تُشَكِّلُ يومهُ: ماذا يرى؟ ماذا يسمعُ؟ ماذا يُكَرِّرُ؟ بِماذا يُكَافَأُ؟ مِمَّ يخجلُ؟ إِلى ماذا يرجعُ حِينَ يتعبُ؟

وإذا كانَ الفردُ يتكوّنُ بِعاداتهِ، فإنَّ المجتمعاتِ كذلكَ أبناءُ عاداتها الجمعيّةِ. المجتمعُ الّذي يعتادُ التّبريرَ يفقدُ حِسَّ العدالةِ. والمجتمعُ الّذي يعتادُ الضّجيجَ يفقدُ قُدْرَتَهُ على الإصغاءِ. والمجتمعُ الّذي يعتادُ الاستهلاكَ يفقدُ معنى الكفايةِ. والمجتمعُ الّذي يعتادُ التّخوينَ يفقدُ الثّقةَ. والمجتمعُ الّذي يعتادُ التّفاهةَ يثقلُ عليهِ العمقُ. ولِذلكَ فالإصلاحُ الاجتماعيُّ ليسَ تغييرَ قوانينَ فقطْ، ولا إِلقاءَ خُطبٍ فقطْ، بلْ إِعادةُ تشكيلِ العاداتِ العامّةِ: عادةُ الحوارِ، عادةُ القراءةِ، عادةُ احترامِ الوقتِ، عادةُ مُحاسبةِ المسؤولِ، عادةُ عدمِ تصديقِ كُلِّ شائعةٍ، عادةُ تقديرِ العملِ الجادِّ، عادةُ عدمِ السّخريةِ مِنَ المختلفِ، عادةُ السّؤالِ عنِ الدّليلِ. الحضارةُ ليستْ مبادئَ مكتوبةً فِي الوثائقِ فحسبُ، بلْ عاداتٌ يوميّةٌ تمشي فِي الأسواقِ والبيوتِ والمدارسِ والمؤسّساتِ.

وهنا يتّضحُ أنَّ سُؤالَ “هلِ الإنسانُ ابنُ عاداتهِ أمِ ابنُ مبادئهِ؟” يجبُ أنْ ينتهيَ إِلى جوابٍ تركيبيٍّ؛ الإنسانُ يبدأُ بِمبادئَ قدْ تُضِيءُ لهُ الطّريقَ، لكنّهُ يصيرُ ما يُكَرِّرُهُ. فإنْ كرّرَ ما يُخَالِفُ مبادئهُ، صارتْ مبادئهُ خُطبًا داخليّةً لا سُلْطَانَ لها. وإنْ كرّرَ ما يُوَافِقُهَا، تحوّلتِ المبادئُ إِلى طبعٍ ثانٍ، وصارَ الخيرُ أسهلَ، والشّرُّ أثقلَ، والكرامةُ أقربَ، والحرّيّةُ أعمقَ. الإنسانُ لا يكونُ صادقًا لِأنّهُ قرّرَ مرّةً أنَّ الصّدقَ جميلٌ، بلْ لِأنّهُ بنى فِي نفسهِ، عبرَ مواقفَ لا تُحْصَى، طريقًا يجعلُ الصّدقَ مُمْكِنًا. ولا يكونُ حُرًّا لِأنّهُ آمنَ بِالحرّيّةِ، بلْ لِأنّهُ درّبَ نفسهُ ألّا تستجيبَ لِكلِّ خوفٍ ورغبةٍ ونظرةٍ. ولا يكونُ عظيمًا لِأنّهُ حلمَ بِالعظمةِ، بلْ لِأنّهُ كرّرَ أفعالاً صغيرةً لا يراها النّاسُ حتّى صنعتْ مِنهُ إِنسانًا لا يستطيعُ أنْ يكونَ صغيرًا بِسهولةٍ.

وفي النّهايةِ، فإنَّ إِعادةَ صِناعةِ النّفسِ مُمْكِنَةٌ، لكنّها ليستْ أُمْنِيَّةً مُعَلَّقَةً فِي هواءِ الوعظِ. إِنّها هندسةٌ يوميّةٌ لِلدّاخلِ، ونقلٌ بطيءٌ لِلإنسانِ مِنْ أنْ تقودهُ عاداتهُ القديمةُ إِلى أنْ تخدمهُ عاداتهُ الجديدةُ. هِيَ أنْ تعرفَ الطّرقَ المحفورةَ فِي نفسكَ، ثُمَّ تبدأَ بِحفرِ طُرقٍ أُخْرَى. ألّا تيأسَ مِنْ صلابةِ الطّبعِ، لِأنَّ الماءَ الصّبورَ يهزمُ الحجرَ، وألّا تغترَّ بِحماسةِ البدايةِ، لِأنَّ النّارَ الّتي لا تجدُ حطبًا تنطفئُ. أنْ تحترمَ قُوَّةَ التّكرارِ، فلا تُكَرِّرَ ما لا تُرِيدُ أنْ يصيرَ أنتَ، ولا تُهْمِلَ الصّغيرَ الّذي يراكَ ولا تراهُ. فَكُلُّ فِعلٍ صغيرٍ يقولُ لِلنّفسِ: هذا طريقنا. وَكُلُّ تكرارٍ يضعُ حجرًا فِي بِناءِ الشّخصيّةِ، إِمّا فِي قصرِ الحرّيّةِ أوْ فِي سِجنِ العادةِ.

“الإنسانُ ابنُ مبادئهِ حِينَ يمنحها دمًا ووقتًا وتدريبًا، وابنُ عاداتهِ حِينَ يتركها تتشكّلُ بِلا حِراسةٍ.”

الإنسانُ ابنُ مبادئهِ حِينَ يمنحها دمًا ووقتًا وتدريبًا، وابنُ عاداتهِ حِينَ يتركها تتشكّلُ بِلا حِراسةٍ. فإذا أرادَ أنْ يكونَ سيّدَ نفسهِ، فليجعلْ عاداتهِ تلاميذَ لِمبادئهِ، لا مُلوكًا عليها. وليعلمْ أنَّ النّفسَ ليستْ قدرًا مُغْلَقًا، بلْ أرضٌ قابلةٌ لِلحرثِ، وإنْ كانتْ تُرْبَتُهَا مُخْتَلِفَةً مِنْ إِنسانٍ إِلى آخرَ. منْ زرعَ فِيها تكرارًا صالحًا حصدَ طبعًا، ومنْ حصدَ طبعًا بنى شخصيّةً، ومنْ بنى شخصيّةً على مبدأ حيٍّ صارَ إِنسانًا إِذا خلا بِنفسهِ لمْ تخنهُ عاداتهُ، وإذا امتحنتهُ الحياةُ لمْ تفرَّ مبادئهُ مِنَ الميدانِ. هُناكَ فقطْ لا يعودُ المبدأُ لوحةً مُعَلَّقَةً على جِدارِ الوعيِ، بلْ يصيرُ نبضًا فِي اليدِ، ونبرةً فِي اللّسانِ، ومسارًا فِي القدمِ، وملامحَ فِي الوجهِ، وحقيقةً تمشي على الأرضِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى