نهر كوثر
رَوْضَتِي الغَنَّاءُ أَنْتِ، وَفِرْدَوْسُ أُنْسِي، وَمِحْرَابُ سَكِينَتِي المَنْحُوتُ فِي صَمِيمِ الرُّوحِ بِأَنَامِلِ القَدَرِ، وَتِلْكَ الجِهَةُ الخَامِسَةُ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا خَرَائِطُ الأَرْضِ، بَلْ تَهْتَدِي إِلَيْهَا القُلُوبُ حِينَ يَضِلُّهَا زِحَامُ الطُّرُقِ. كُلَّمَا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا عَلَى سَعَتِهَا، وَتَكَاثَفَتْ حَوْلَ خَاطِرِي غُيُومُ التَّعَبِ، انْفَتَحَتْ لِي مِنْ نَاحِيَتِكِ نَافِذَةٌ مِنْ عَبَقٍ هَادِئٍ، تُرَتِّبُ فَوْضَى النَّبْضِ، وَتَغْسِلُ عَنْ جَبِينِ الرُّوحِ غُبَارَ المُكَابَدَةِ، وَتَرُدُّ إِلَى القَلْبِ شَيْئًا مِنْ طَهَارَتِهِ الأُولَى. وَكُلَّمَا أَتْعَبَتْنِي الأَيَّامُ بِوَعْرِهَا وَجَفَافِهَا، وَجَدْتُ عِنْدَ عَتَبَتِكِ ظِلًّا شَفِيفًا رَفِيقًا، لَا يُلْغِي حَرَارَةَ العُمْرِ، وَلَكِنَّهُ يُعَلِّمُهَا كَيْفَ تَهْدَأُ، وَكَيْفَ تَصِيرُ النَّارُ دِفْئًا لَا حَرِيقًا.
أَنْتِ رَوَابِي المَشَاعِرِ البَاذِخَةِ حِينَ يَكْسُوهَا الأُقْحُوَانُ بَيَاضًا نَقِيًّا كَنَقَاءِ سَجِيَّتِكِ، وَيَنْثُرُ الفَجْرُ عَلَى حَوَافِّهَا غُبَارَهُ المُضِيءَ، فَتُصْبِحُ كُلُّ زَهْرَةٍ إِشْرَاقَةً مِنْ بَسْمَتِكِ، وَكُلُّ نَسْمَةٍ تَرْتِيلًا مِنْ حُنُوِّكِ، وَكُلُّ عَبِيرٍ أَثَرًا مِنْ نَظْرَتِكِ الحَانِيَةِ حِينَ تَمُرُّ عَلَى شِغَافِ الوُجْدَانِ مَرُورَ الكَفِّ الرَّحِيمَةِ عَلَى جَبِينِ طِفْلٍ أَضْنَاهُ السُّهَادُ وَأَتْعَبَتْهُ حُمَّى الِاغْتِرَابِ. وَلَيْسَ جَمَالُكِ عِنْدِي مَا تُدْرِكُهُ العَيْنُ فَحَسْبُ، بَلْ مَا يَسْتَقِرُّ فِي الأَعْمَاقِ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ لا تُشْبِهُ إِلَّا نَفْسَهَا؛ طُمَأْنِينَةٌ تُشْعِرُنِي أَنَّ لِلْوُجُودِ مَوْطِنًا رَحِيمًا، وَأَنَّ فِي الحَيَاةِ مَنْ يَجْعَلُ العَوْدَةَ إِلَى القَلْبِ مُمْكِنَةً بَعْدَ كُلِّ تَعَبٍ.
كُلَّمَا مَثَلْتُ فِي حَضْرَتِكِ، صَدَحَتْ بَلَابِلُ النَّشْوَةِ فِي أَفْنَانِ فُؤَادِي، وَاسْتَيْقَظَ فِي أَعْمَاقِي رَبِيعٌ كَانَ مُخَبَّأً خَلْفَ أَبْوَابِ التَّعَبِ، يَنْتَظِرُ إِيمَاءَةً مِنْ حُضُورِكِ لِيُطْلِقَ عَصَافِيرَهُ إِلَى السَّمَاءِ. تَتَرَاقَصُ خَفَقَاتِي حَوْلَ هَالَةِ قُرْبِكِ كَفَرَاشَاتٍ وَجَدَتْ فِي ضِيَائِكِ دِفْأَهَا، وَتَحْتَفِلُ أَعْمَاقِي بِكِ احْتِفَالَ الأَرْضِ الجَدْبَاءِ بِأَوَّلِ غَيْثٍ يَهْمِي بَعْدَ طُولِ ظَمَأٍ. تَمِيلِينَ عَلَى قَيْظِ شَوْقِي خَمِيلَةَ رَبِيعٍ سَخِيٍّ مُزْهِرٍ، فَيَسْتَظِلُّ وَهَجِي المُسْتَوْحِشُ بِحُنُوِّكِ المُطْمَئِنِّ، وَتَهْدَأُ رِمَالُ قَلَقِي بِمَاءِ رِقَّتِكِ المُنْسَابِ، وَيَتَعَلَّمُ القَلْبُ فِي كَنَفِكِ أَنَّ الحُبَّ حِينَ يَرْتَقِي لِيَصِيرَ مَأْوًى لَا يَبْقَى مُجَرَّدَ لَهِيبٍ طَائِشٍ، بَلْ يَغْدُو نَارًا مُؤَدَّبَةً تُنْضِجُ الرُّوحَ وَلَا تُحْرِقُهَا.
آيَةٌ مِنْ آيَاتِ رَبِّي أَنْتِ فِي مِحْرَابِ وُجُودِي، وَنِعْمَةٌ مِنْ جَلَائِلِ نِعَمِهِ، تَقِفُ لُغَتِي أَمَامَهَا عَاجِزَةً إِلَّا عَنْ حَمْدٍ طَوِيلٍ، وَدَهْشَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ لَا تُبْلِيهَا رَتَابَةُ الأَيَّامِ. إِنَّ الجَمَالَ حِينَ يَتَجَسَّدُ فِي رُوحٍ طَيِّبَةٍ كَرُوحِكِ يَصِيرُ أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ رَسَمَهَا الخَيَالُ، وَأَبْقَى مِنْ كُلِّ زِينَةٍ عَرَفَتْهَا الأَرْضُ. لَقَدْ بَرَأَكِ الخَالِقُ فَأَبْدَعَ فِيكِ المَظْهَرَ، وَأَصْفَى فِي أَعْمَاقِكِ الجَوْهَرَ، وَجَعَلَ فِي طَلْعَتِكِ مَا يُؤْنِسُ العَيْنَ، وَفِي طَبْعِكِ مَا يُسْبِغُ الطُّمَأْنِينَةَ عَلَى الرُّوحِ، وَفِي حُضُورِكِ مَا يَجْعَلُ القَلْبَ يَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ: هَاهُنَا مَوْطِنِي، وَهَاهُنَا مُنْتَهَى رِحْلَتِي، وَعَلَى هَذِهِ الأَعْتَابِ يَسْتَرِيحُ المُسَافِرُ الَّذِي أَدْمَتْهُ الطُّرُقُ وَخَذَلَتْهُ المَرَافِئُ.
لَقَدْ تَقَلَّبْتُ مَعَكِ فِي أَحْوَالِ الحَيَاةِ كُلِّهَا؛ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالتَّغَاضِي وَالعَتَبِ، وَالبُعْدِ وَالقُرْبِ، وَالصِّحَّةِ وَالِاعْتِلَالِ، وَالدَّلَالِ وَالِانْفِعَالِ، وَالأَفْرَاحِ وَالأَتْرَاحِ، وَسَاعَاتِ الصَّفْوِ وَأَيَّامِ المَشَقَّةِ. خُضْنَا مَعًا مَا يَكْشِفُ عَنْ صَفَاءِ المَعْدِنِ، وَيَمْتَحِنُ نَقَاءَ الدِّيبَاجَةِ، فَمَا وَجَدْتُكِ يَوْمًا إِلَّا مُبْهِرَةً مُزْهِرَةً؛ كُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّنِي قَدْ أَحَطْتُ بِمَدَى طُهْرِكِ، انْفَتَحَ لِي فِيكِ مَدًى أَطْهَرُ، وَكُلَّمَا حَسِبْتُ أَنَّنِي بَلَغْتُ سِرَّ جَمَالِكِ، تَبَدَّى لِي مِنْهُ سِرٌّ آخَرُ، كَأَنَّكِ بُسْتَانٌ مُعَلَّقٌ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الغَيْبِ، لَا تُقْطَفُ مِنْهُ زَهْرَةٌ حَتَّى تُزْهِرَ فِي مَكَانِهَا زَهْرَاتٌ، وَلَا يُفْتَحُ فِيهِ بَابٌ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى بَابٍ أَنْقَى وَأَرْحَبَ.
طُهْرُكِ يَنْضُرُ كَلَوْنِ الصَّبَاحِ البِكْرِ، وَنُورُكِ يَغْمُرُ كَطُمَأْنِينَةٍ اسْتَقَرَّتْ فِي صَدْرٍ أَدْرَكَ السَّكِينَةَ، وَوُدُّكِ يَمْضِي فِي دَمِي كَمَاءٍ سِرِّيٍّ تَشْرَبُهُ الجُذُورُ العَمِيقَةُ دُونَ أَنْ تَرَاهُ العُيُونُ. وَلَا أَزَالُ أَشْعُرُ مِنْكِ بِالحُبِّ فِي كُلِّ حَالٍ، لَا فِي لَحَظَاتِ الصَّفَاءِ وَحْدَهَا، حَيْثُ يَسْهُلُ عَلَى القُلُوبِ أَنْ تُظْهِرَ أَجْمَلَ مَا فِيهَا، بَلْ حَتَّى حِينَ يَعْبُرُ العَتَبُ بَيْنَنَا كَغَيْمَةٍ صَغِيرَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْجُبَ الشَّمْسَ؛ فَأَنَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّ وَرَاءَ تِلْكَ الغَيْمَةِ سَمَاءً لَا تَخُونُ مَوْعِدَ المَطَرِ. وَأَسْعَدُ بِرِضَاكِ فِي كُلِّ مَجَالٍ، حَتَّى غَدَتْ ثِقَتِي بِكِ جَبَلًا أَشَمَّ فِي دَاخِلِي، وَصَارَ سَكَنِي إِلَيْكِ أَهْنَأَ مِنْ سَكَنِي إِلَى رُوحِي ذَاتِهَا؛ لِأَنَّ الرُّوحَ قَدْ تَضِيقُ بِنَفْسِهَا أَحْيَانًا، أَمَّا أَنْتِ فَتَفْتَحِينَ لَهَا نَوَافِذَ الحُنُوِّ كُلَّمَا أَوْشَكَتْ أَنْ تُوصِدَ أَبْوَابَهَا.
بَسْمَتُكِ خَمْرِي المُعَتَّقُ فِي خَوَابِي العُمْرِ؛ لَا تُذْهِبُ عَقْلِي، بَلْ تَرُدُّهُ إِلَى أَجْمَلِ صَحْوَتِهِ، فَأَرَى الأَشْيَاءَ مِنْ شُرْفَةِ الحِكْمَةِ لَا مِنْ غُبَارِ التَّعَبِ. وَهَمْسَتُكِ شَهْدِي المُصَفَّى، تَهْبِطُ إِلَى أَعْمَاقِي كَقَطْرَةِ نَدًى رَفِيقَةٍ عَلَى وَرَقَةٍ أَتْعَبَهَا الهَجِيرُ. وَرِضَاكِ غَايَةُ الأَمَلِ، وَمِفْتَاحُ ذَلِكَ الفَصْلِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي تَزْدَهِرُ فِي تُرْبَتِهِ أَدَقُّ التَّفَاصِيلِ؛ فَتَصِيرُ الكَلِمَةُ مِنْ شَفَتَيْكِ مَوْسِمَ عِيدٍ، وَالنَّظْرَةُ مَأْوًى، وَاللَّمْسَةُ عُمْرًا، وَالصَّمْتُ بَيْنَنَا لُغَةً أَحْنَى وَأَفْصَحَ مِنْ كُلِّ الكَلَامِ. وَكُلَّمَا دَاهَمَنِي الحَنِينُ إِلَيْكِ، اتَّكَأْتُ عَلَى غَيْمَةِ ذِكْرَاكِ، أَسْتَجْلِبُ مِنْهَا قَطَرَاتِ طُهْرٍ تُبَلِّلُ مَا جَفَّ مِنْ أَطْرَافِ الرُّوحِ.
مَتَى أَقْبَلْتِ عَلَيَّ، أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا مُزْهِرَةً بِمَائِهَا وَخُضْرَتِهَا، لا لِأَنَّ الدُّنْيَا تَتَبَدَّلُ فِي ظَاهِرِهَا، بَلْ لِأَنَّكِ تُعِيدِينَ تَرْتِيبَهَا فِي دَاخِلِي. أَرَى الأَشْيَاءَ مَعَكِ أَرْحَمَ، وَالأَيَّامَ أَلْطَفَ وَقْعًا، وَالمَسَافَاتِ أَقْصَرَ، وَالوَقْتَ أَقَلَّ قَسْوَةً. لَا أَضِيقُ مِنْ فَيْضِ الشَّوْقِ إِلَيْكِ وَلَا أَضِجُّ، وَلَا أَمِيلُ عَنْ مِحْوَرِكِ وَلَا أَمَلُّ تِكْرَارَ النَّظَرِ إِلَى مَعْنَاكِ؛ فَالمَلَلُ لَا يَسْكُنُ مَكَانًا يَحْمِلُ هَذَا القَدْرَ مِنَ الدَّهْشَةِ، وَالضِّيقُ لَا يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى قَلْبٍ وَجَدَ فِي قُرْبِكِ وَسَاعَةً تُشْبِهُ وَسَاعَةَ السَّمَاءِ.
وَمَتَى غِبْتِ عَنِّي، غَابَ عَنْ رِئَةِ الرُّوحِ العَبَقُ، وَذَوَى فِي مَحَاجِرِ النَّفْسِ الأَلَقُ، وَصَارَتِ الأَشْيَاءُ كَأَنَّهَا تَرْتَدِي ثِيَابَهَا دُونَ أَلْوَانِهَا. لَيْسَ غِيَابُكِ مُجَرَّدَ فَرَاغٍ فِي مَكَانٍ، بَلْ نَشَازٌ فِي لَحْنِ الوُجُودِ، وَنَقْصُ النَّغْمَةِ الأَسَاسِيَّةِ فِي مُوسِيقَى الحَيَاةِ، وَفَقْدُ العِطْرِ الَّذِي كَانَ يُرْسِلُ إِلَى الرُّوحِ رِسَالَةَ الِاطْمِئْنَانِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ غِيَابَكِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْلُبَنِي حُضُورَكِ الكَامِنَ فِيَّ؛ فَأَنْتِ، حَتَّى حِينَ تَبْعُدِينَ عَنِ العَيْنِ، تَبْقَيْنَ فِي دَاخِلِي كَنَبْضٍ لا يَسْتَأْذِنُ، وَكَذِكْرَى لا تَشِيخُ، وَكَضَوْءٍ خَفِيٍّ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى جِهَاتِي المُعْتِمَةِ فَيُؤْنِسُهَا.
لَقَدْ كَسَتْ أَيَّامِي نَفْسَهَا مِنْ أَجْلِكِ بِبُرْدَةٍ نُسِجَتْ مِنْ خَالِصِ عِشْقِكِ، زَرْكَشَتْ أَطْرَافَهَا أَنَامِلُ حِرْصِكِ بِلَمْسَةِ حَنَانٍ لا تَعْرِفُ الخَدِيعَةَ، وَضَمَّخَتْ جِيُوبَهَا بِشَذًى يَفُوحُ مِسْكًا فِي بَاحَاتِ الفُؤَادِ. فَصَارَتْ سَاعَاتِي، مَهْمَا ثَقُلَتْ خُطَاهَا، تَحْمِلُ فِي حَوَافِّهَا خَيْطًا مِنْ حُضُورِكِ، وَصَارَتْ أَيَّامِي، مَهْمَا اكْفَهَرَّ وَجْهُهَا، تَتَّكِئُ عَلَى ذِكْرِكِ كَمَا تَتَّكِئُ النَّخْلَةُ الشَّامِخَةُ عَلَى جِذْعِهَا العَمِيقِ. إِنَّكِ لَسْتِ زِينَةً تُضَافُ إِلَى الوَقْتِ لِتُحَلِّيَهُ، بَلْ أَنْتِ سِرُّ اتِّزَانِهِ الخَفِيِّ، وَلَسْتِ فَصْلًا زَائِلًا مِنْ فُصُولِ العُمْرِ، بَلْ أَنْتِ مَاءُ الفُصُولِ كُلِّهَا، وَالسَّبَبُ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّبِيعَ يَعُودُ وَيُزْهِرُ، حَتَّى بَعْدَ أَقْسَى الشِّتَاءِ.
يَا أَجْمَلَ أُمَّةٍ اسْتَوْطَنَتْ قَلْبِي، وَيَا أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أُهْدِيَتْ إِلَى رُوحِي، إِنِّي أَشْعُرُ بِحُبِّكِ الجَارِفِ فِي دَاخِلِي نَهْرًا كَأَنَّهُ الكَوْثَرُ؛ مَاؤُهُ مِنْ عَذْبِ قُرْبِكِ، وَصَفْوُهُ مِنْ عَيْنِ وُدِّكِ، وَجَرَيَانُهُ مِنْ سِرِّ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي لا أَجِدُهَا إِلَّا حَيْثُ تَكُونِينَ. كُلَّمَا غَرَفْتُ مِنْهُ وَارْتَوَيْتُ، زَادَنِي الشُّرْبُ ظَمَأً؛ لا ظَمَأَ الفَقْرِ وَالحِرْمَانِ، بَلْ ظَمَأَ العَارِفِ الَّذِي ذَاقَ الحَلَاوَةَ، فَعَرَفَ أَنَّ المَزِيدَ مِنَ الجَمَالِ لَيْسَ تَرَفًا، بَلْ حَقٌّ لِلرُّوحِ عَلَى نَفْسِهَا. أَشْرَبُ مِنْ قُرْبِكِ، فَيَصْحُو فِي دَمِي طُهْرُ الطِّفْلِ القَدِيمِ، وَيَهْدَأُ فِي خَلَايَايَ الرَّجُلُ المُتْعَبُ بِتَجَارِبِ الزَّمَانِ، وَيَجْتَمِعُ فِي صَدْرِي كُلُّ مَا تَفَرَّقَ مِنْ نَفْسِي عَلَى أَرْصِفَةِ الأَيَّامِ البَارِدَةِ.
مَا أَلَذَّ العَيْشَ المُكَلَّلَ بِالوَقَارِ فِي رَوْضَتِكِ المَحْفُوظَةِ، حَيْثُ تَنْخَلِعُ الأَشْيَاءُ عَنْ دَنَسِهَا لِتُصْبِحَ أَنْقَى مِمَّا خُلِقَتْ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ يَتَعَلَّمُ القَلْبُ المُرْهَقُ دَرْسَهُ الأَعْظَمَ: أَنَّ الحُبَّ الخَالِدَ لَيْسَ ارْتِجَافًا صِبْيَانِيًّا عَابِرًا يَتَلَاشَى مَعَ الرِّيحِ، بَلْ هُوَ إِمْبَرَاطُورِيَّةٌ عُظْمَى مِنَ السَّكِينَةِ المُطْلَقَةِ، تُبْنَى حِجَارَتُهَا لَبِنَةً لَبِنَةً مِنْ صَخْرِ الثِّقَةِ المُطْلَقَةِ، وَمِلَاطِ الحُنُوِّ الدَّافِئِ، وَعِمَادِ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وَسَقْفِ الرِّضَا الشَّامِلِ. وَمَا أَهْنَأَ مُقَامَ الطُّهْرِ المُقَدَّسِ فِي جَنَّتِكِ، حَيْثُ لا يَحْتَاجُ الوُدُّ الأَصِيلُ إِلَى اِرْتِدَاءِ أَقْنِعَةٍ زَائِفَةٍ، وَلا تَحْتَاجُ الرُّوحُ الشَّفَّافَةُ إِلَى حِيَلٍ وَمَنَاوَرَاتٍ مُرْهِقَةٍ كَيْ تُثْبِتَ صِدْقَ مَعَادِنِهَا؛ بَلْ يَكْفِي، وَبِكُلِّ بَسَاطَةِ الجَلَالِ، أَنْ تَنْظُرِي مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ لِيَسْتَقِيمَ فِي ذَاتِي كُلُّ مَا أَمَالَتْهُ أَعَاصِيرُ الحَيَاةِ بِاعْوِجَاجِهَا، وَأَنْ تَبْتَسِمِي كَيْ يَعُودَ إِلَى هَذَا العَالَمِ المُعْتَلِّ بَعْضُ مَا فَقَدَهُ مِنْ عَافِيَةِ الجَمَالِ وَشَرَفِ الكَيْنُونَةِ.
أُحِبُّكِ، أَقُولُهَا لا كَلِمَةً فَاتِرَةً تُقَالُ عَلَى عَجَلٍ فِي، ثُمَّ تَذُوبُ بِلَا أَثَرٍ فِي هَوَاءِ العَادَةِ المُبْتَذَلَةِ، بَلْ أَنْحِتُهَا مِيثَاقًا كَوْنِيًّا غَلِيظًا، يَكْبُرُ وَيَتَجَذَّرُ كُلَّمَا كَبِرَتِ الأَيَّامُ وَانْقَضَتِ الدُّهُورُ. هِيَ نَذْرٌ جَمِيلٌ تَبَتَّلَتْ لَهُ الرُّوحُ، لا يَطْلُبُ مِنَ العُمْرِ المُتَبَقِّي رِبْحًا وَلا غَنِيمَةً، إِلَّا شَرَفَ أَنْ يَبْقَى وَفِيًّا قَانِتًا لِعَظَمَةِ مَعْنَاكِ. أُحِبُّكِ، وَبِهَذَا الحُبِّ المَلَكِيِّ أَحْيَا، وَمِنْ مَدْرَسَةِ حُبِّكِ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَصِيرُ القَلْبُ أَوْسَعَ مِنْ جُرْحِهِ، وَأَنْقَى مِنْ تَعَبِهِ، وَأَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَرَى فِي مَتَاهَةِ الحَيَاةِ رَوْضَةً غَنَّاءَ، مَا دَامَ فِيهَا مَنْ تُشْبِهُكِ. وَمَا دَامَتْ رُوحُكِ، بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ طُهْرٍ وَحَنَانٍ وَجَمَالٍ، تَفْتَحُ لِي كُلَّ يَوْمٍ بَابًا جَدِيدًا إِلَى السَّعَادَةِ، فَسَأَبْقَى أَرِدُ نَهْرَكِ كُلَّمَا ظَمِئَتْ رُوحِي، وَأَقُولُ لِلْعُمْرِ كُلِّهِ: هَاهُنَا كَوْثَرِي، وَهَاهُنَا رَوْضَتِي، وَهَاهُنَا الحُبُّ الَّذِي بِهِ أَعِيشُ؛ أَسْتَظِلُّ بِهِ وَأُطِلُّ مِنْهُ عَلَى ذُرْوَةِ السَّعَادَةِ المَكْنُونَةِ المَحْفُوظَةِ عَنْ عَبَثِ البَشَرِ.
