الأدبوحي الخاطر

هيبة الغموض النبيل

فِي سِيَادَةِ الصَّمْتِ وَشَرَفِ عُسْرِ المَنَالِ

عَلَى مَدَارِجِ الرُّقِيِّ الوُجُودِيِّ، حَيْثُ تَتَنَفَّسُ الأَرْوَاحُ صَفْوَ يَقِينِهَا بَعِيدًا عَنْ غُبَارِ الثَّرْثَرَةِ المَحْمُومَةِ، وَحَيْثُ تَخْفُتُ أَصْوَاتُ العَابِرِينَ لِتَتَكَلَّمَ الهَيْبَةُ بِلِسَانِ الصَّمْتِ، يَقِفُ صِنْفٌ نَادِرٌ مِنَ البَشَرِ كَأَنَّهُمْ قِلَاعٌ سَمَاوِيَّةٌ هَبَطَتْ إِلَى أَرْضِ المُفْرَدَاتِ، لَا لِتَسْتَجْدِي فَهْمًا، وَلَا لِتَتَوَسَّلَ اعْتِرَافًا، بَلْ لِتُعَلِّمَ النَّاسَ كَيْفَ يَكُونُ الصَّمْتُ صَلَاةً حَيَّةً، وَكَيْفَ يَصِيرُ الغُمُوضُ حِينَ يَنْبُعُ مِنَ الامْتِلَاءِ نُورًا لا عَتْمَةً، وَسِيَاجًا لا حِجَابًا، وَسِيَادَةً لا تَهَرُّبًا.

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يَشْرَحُونَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُجْبَلُوا مِنْ طِينِ التَّبَرُّرِ الهَشِّ، وَلَمْ تُرْضِعْهُمُ الأَيَّامُ لَبَنَ الاسْتِجْدَاءِ العَاطِفِيِّ المَرِيضِ؛ بَلْ هُمْ كِيَانَاتٌ مُكْتَفِيَةٌ بِذَاتِهَا، تَتَنَفَّسُ مِنْ رِئَةِ الكِبْرِيَاءِ، وَتَدُورُ فِي مَدَارَاتِهَا الخَاصَّةِ بِجَاذِبِيَّةٍ سِيَادِيَّةٍ صَارِمَةٍ، لا تَعْبَأُ بِمَنْ سَقَطَ مِنْ فَلَكِهَا، أَوِ ارْتَطَمَ بِغِلَافِهَا الجَوِّيِّ فَاحْتَرَقَ قَبْلَ أَنْ يَلِجَ سَاحَتَهَا. تَرَاهُمْ يَمْضُونَ فِي زِحَامِ الأَوْهَامِ بِخُطًى ثَابِتَةٍ تَطْحَنُ تَحْتَهَا حَصَى التَّأْوِيلَاتِ، لا يَلْتَفِتُونَ إِلَى ضَجِيجِ المُفَسِّرِينَ اللَّاهِثِينَ خَلْفَهُمْ، وَلا يُلْقُونَ بَالًا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ تَرْجَمَةَ صَمْتِهِمُ المَهِيبِ إِلَى لُغَاتٍ سَطْحِيَّةٍ لا تَرْقَى لِفَكِّ طَلَاسِمِ قَامُوسِهِمُ المَكْنُونِ.

هُمْ كَالنُّصُوصِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي تَتَعَالَى عَلَى أَفْهَامِ المُسْتَعْجِلِينَ؛ لا تَنْزِلُ إِلَيْهِمْ لِتُشْرَحَ، بَلْ تَفْرِضُ عَلَى العُقُولِ أَنْ تَرْتَقِيَ شَاهِقًا لِتَلْمَسَ بَعْضَ مَعَانِيهَا. فَلَيْسَ كُلُّ غُمُوضٍ دَلِيلَ فَرَاغٍ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وُضُوحٍ دَلِيلَ نُبْلٍ؛ رُبَّ وَاضِحٍ مُبْتَذَلٍ يَتَبَدَّى لِأَنَّهُ لا يَمْلِكُ عُمْقًا يَحْمِيهِ، وَرُبَّ غَامِضٍ نَبِيلٍ يَتَأَبَّى لِأَنَّ فِي دَاخِلِهِ مِنَ الكَثَافَةِ مَا لا تُطِيقُهُ عُيُونٌ أَدْمَنَتْ سُهُولَةَ السُّطُوحِ.

وَإِنَّ لِلْغُمُوضِ النَّبِيلِ فِي صُدُورِهِمْ مِحْرَابًا مَهِيبًا تَعْتَكِفُ فِيهِ الرُّؤَى؛ فَهَذَا الغُمُوضُ لَيْسَ ضَبَابًا يُخْفِي تَشَوُّهَاتِ النَّفْسِ كَمَا يَفْعَلُ أَدْعِيَاءُ العُمْقِ المُزَيَّفِ، بَلْ هُوَ سَدِيمٌ مُعَقَّدٌ تَحْبَلُ فِيهِ نُجُومُ الفِكْرَةِ البِكْرِ، وَتَتَخَلَّقُ فِي رَحِمِهِ المَعَانِي قَبْلَ أَنْ تَنْفَجِرَ نُورًا بَاهِرًا يُعْمِي أَبْصَارَ المُرْجِفِينَ. هُوَ دِرْعٌ رُوحِيٌّ شَرِسٌ يَحْمِي خَلَايَا اليَقِينِ مِنْ أَنْ تَتَلَوَّثَ بِفَيْرُوسَاتِ الفَهْمِ المَغْلُوطِ، وَيَصُونُ جَوْهَرَ الذَّاتِ مِنْ أَنْ يُسْتَبَاحَ عَلَى مَوَائِدِ الفُضُولِ الرَّخِيصِ.

يَتَدَثَّرُونَ بِأَغْشِيَةِ السِّرِّ كَمَا تَتَدَثَّرُ اللُّؤْلُؤَةُ النَّادِرَةُ بِصَدَفَتِهَا المَتِينَةِ فِي قَاعِ المُحِيطِ المُظْلِمِ، يَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ قِيمَتَهُمْ تَكْمُنُ فِي عُسْرِ المَنَالِ وَبُعْدِ الغَوْرِ، لا فِي اسْتِبَاحَتِهِمْ لِكُلِّ غَائِصٍ نَاقِصِ النَّفَسِ لا يَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ الضَّغْطِ الهَائِلِ لِعُمْقِهِمْ. فَالعُمْقُ لا يُقَاسُ بِكَثْرَةِ مَا يُقَالُ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا يَبْقَى بَعْدَ أَنْ تَسْكُتَ الكَلِمَاتُ؛ وَالقِيمَةُ لا تُقَاسُ بِسُهُولَةِ الوُصُولِ، بَلْ بِمَا يَحْتَاجُهُ الوَاصِلُ مِنْ طُهْرٍ وَصَبْرٍ وَبَصِيرَةٍ كَيْ يَبْلُغَ العَتَبَةَ الأُولَى.

إِنَّ ذَوَاتَهُمُ المُنَسَّقَةَ بِعَبْقَرِيَّةٍ لا تُقَدَّمُ فِي وَلَائِمِ البَوْحِ الرَّخِيصِ الَّتِي تَتَهَافَتُ عَلَيْهَا الذِّئَابُ الجَائِعَةُ، بَلْ تُشِعُّ مِنْ بَعِيدٍ كَمَا تُشِعُّ المَجَرَّاتُ النَّائِيَةُ الَّتِي لا يُدْرِكُهَا إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ. مَنْ يَمْلِكُ مَرَاصِدَ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ يَرَى بَهَاءَهَا المُطْلَقَ، وَمَنْ أُصِيبَ بِرَمَدِ البَصَرِ المَادِّيِّ فَلَا حِيلَةَ لَهُ إِلَّا إِنْكَارُ وُجُودِهَا وَالتَّعَوُّذُ مِنْ تَأْثِيرِهَا. هُوَ غُمُوضٌ سِيَادِيٌّ يَرْفَعُهُمْ عَنْ سَفَاسِفِ المُرَافَعَاتِ اليَوْمِيَّةِ، وَيَجْعَلُ مِنْ حُضُورِهِمْ أَيْقُونَةً جَمِيلَةً تَسْتَفِزُّ العُقُولَ الرَّاقِيَةَ لِتُحَلِّقَ نَحْوَهُمْ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَهْبِطُوا هُمْ مِنْ عَرْشِهِمُ الرُّوحِيِّ لِيُهَجُّوا أَبْجَدِيَّتَهُمُ المَلَكِيَّةَ لِمَنْ لا يُجِيدُ قِرَاءَةَ المَلَامِحِ.

وَمَا الاقْتِصَادُ فِي البَوْحِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الأَسْيَادِ إِلَّا صِيَانَةٌ عُضْوِيَّةٌ لِطَهَارَةِ الشِّغَافِ مِنْ أَنْ تَتَعَفَّنَ بِفِعْلِ التَّعَرُّضِ المُسْتَمِرِّ لِأَنْفَاسِ المَارَّةِ. فَهُمْ يُدْرِكُونَ بِحَوَاسِّهِمُ المُرْهَفَةِ أَنَّ الكَلِمَاتِ عُمْلَةٌ عَصِيَّةٌ مُغَطَّاةٌ بِذَهَبِ الصِّدْقِ فِي بُنُوكِ المَشَاعِرِ الحَيَّةِ، وَأَنَّ الإِسْرَافَ فِي نَثْرِهَا عَلَى مَوَائِدِ العَابِثِينَ افْتِعَالٌ رَخِيصٌ لِتَضَخُّمٍ يَقْضِي عَلَى قِيمَةِ المَعْنَى المَكْنُونِ، فَيُصْبِحُ اللَّفْظُ مُجَرَّدَ جُثَّةٍ تَتَحَلَّلُ فِي هَوَاءِ المُجَامَلَاتِ.

يُنَظِّمُونَ تَنَفُّسَ بَوْحِهِمْ كَمَا يُنَظِّمُ الغَوَّاصُ المَاهِرُ شَهِيقَهُ فِي أَعْمَاقِ البَحْرِ؛ بِمِقْدَارِ الحَاجَةِ لِلْحَيَاةِ، لا بِمِقْدَارِ الفَرَاغِ المُتَاحِ لِلضَّجِيجِ. لا يَزْفِرُونَ خَوَاطِرَهُمُ الحَمِيمَةَ فِي هَوَاءِ العَبَثِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَلَاشَى جُزَيْئَاتُ وِجْدَانِهِمْ فِي اللَّامَعْنَى، وَلا يُهْدِرُونَ الحَرْفَ لِمُجَرَّدِ أَنْ يَسْتَرِيحَ السَّامِعُ مِنْ قَلَقِهِ. فَلَيْسَتْ مَهَمَّةُ الرُّوحِ النَّبِيلَةِ أَنْ تُطَمْئِنَ الفُضُولَ، وَلَا أَنْ تَسُدَّ جُوعَ المُتَلَصِّصِينَ إِلَى تَفَاصِيلِهَا، بَلْ أَنْ تَحْفَظَ لِسِرِّهَا حُرْمَتَهُ، وَلِعُمْقِهَا مَاءَهُ، وَلِمَعْنَاهَا نَسَبَهُ العَالِي.

يَتَعَامَلُونَ مَعَ انْفِعَالَاتِهِمْ بِدِقَّةِ مِشْرَطِ الجَرَّاحِ العَبْقَرِيِّ، الَّذِي يَبْتُرُ زَوَائِدَ الثَّرْثَرَةِ العَاطِفِيَّةِ بِقَسْوَةٍ مَقْصُودَةٍ لِيُحَافِظَ عَلَى نَبْضِ الجَوْهَرِ خَالِصًا مُتَّقِدًا؛ فَلَا تَنْزِفُ أَوْرِدَتُهُمْ قَطْرَةَ شُعُورٍ وَاحِدَةً إِلَّا فِي وِعَاءٍ شَفَّافٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَحْتَوِيَهَا وَيَحْفَظَهَا مِنْ تَبَخُّرِ الابْتِذَالِ. تَرَى العَاشِقَ الفَارِسَ مِنْهُمْ يَقْبِضُ عَلَى جَمْرَةِ حُبِّهِ الحَارِقَةِ بَيْنَ أَضْلَاعِهِ العَارِيَةِ، يَكْوِي بِهَا جِدَارَ قَلْبِهِ حَتَّى يَتَفَحَّمَ أَلَمًا، قَبْلَ أَنْ يَبْتَذِلَ هَذِهِ الجَمْرَةَ المُقَدَّسَةَ فِي شَكْوَى عَابِرَةٍ أَوْ عِتَابٍ ذَلِيلٍ.

إِنَّهُ يُؤْمِنُ إِيمَانَ العَارِفِينَ بِأَنَّ بَعْضَ المَشَاعِرِ الجَلِيلَةِ تَفْقِدُ بُكُورَتَهَا العُذْرِيَّةَ وَقَدَاسَتَهَا السَّرْمَدِيَّةَ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُغَادِرَ حَنَايَا الصَّدْرِ المَغْلَقِ إِلَى أَسْوَاقِ التَّأْوِيلِ. وَهَذَا الشُّحُّ النَّبِيلُ، وَهَذَا البُخْلُ الأَرُسْتُقْرَاطِيُّ فِي التَّصْرِيحِ، يَجْعَلُ لِلْكَلِمَةِ اليَتِيمَةِ إِذَا مَا سَقَطَتْ أَخِيرًا مِنْ قَوَارِيرِ شِفَاهِهِمْ وَقْعَ النَّيْزَكِ النَّارِيِّ حِينَ يَضْرِبُ أَرْضَ اليَقِينِ، فَيُحْدِثُ ارْتِجَاجًا جَمَالِيًّا لا تَمْحُوهُ عَوَامِلُ التَّعْرِيَةِ وَلَا تَرَاكُمَاتُ النِّسْيَانِ.

وَهُنَا، عَلَى هَذِهِ التُّخُومِ الشَّاهِقَةِ، يَنْتَصِبُ الحَدُّ الفَاصِلُ كَحَدِّ السَّيْفِ الدِّمَشْقِيِّ بَيْنَ نُورِ التَّوْضِيحِ المُتَسَامِي وَظُلْمَةِ التَّبْرِيرِ المُسْتَذَلِّ. فَالتَّوْضِيحُ فِي أَعْرَافِهِمُ السِّيَادِيَّةِ مَكْرُمَةٌ فَائِضَةٌ يَمْنَحُونَهَا تَرَفُّعًا، كَشَمْسٍ بَاذِخَةٍ تَتَبَرَّعُ بِفَضْلِ نُورِهَا لِتَكْشِفَ مَعَالِمَ الدَّرْبِ الوَعْرِ لِمَنْ أَضَاعَ البَوْصَلَةَ فِي ظُلُمَاتِ حَيْرَتِهِ. التَّوْضِيحُ عِنْدَهُمْ إِشْرَاقٌ سِيَادِيٌّ؛ يُعْطِي مِنْ فَوْقُ، وَيُرْشِدُ مِنْ عَلٍ، دُونَ أَنْ يَلْغِيَ المَسَافَةَ القُدْسِيَّةَ بَيْنَ المَانِحِ وَالمَمْنُوحِ.

أَمَّا التَّبْرِيرُ، فَهُوَ فِي شَرِيعَتِهِمْ هُبُوطٌ اضْطِرَارِيٌّ مُمِيتٌ فِي مُسْتَنْقَعِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ، وَاسْتِجْدَاءٌ مُخْزٍ لِصُكُوكِ البَرَاءَةِ مِنْ مَحَاكِمِ السُّطُوحِ الرَّعْدِيدَةِ؛ وَهُوَ أَمْرٌ تَمُجُّهُ فِطْرَتُهُمُ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةُ مَجًّا، وَتَتَقَيَّأُهُ خَلَايَا كَرَامَتِهِمُ المُنَزَّهَةُ بِلا هَوَادَةٍ. إِنَّهُمْ يَتَرَفَّعُونَ بِكُلِّ مَا فِيهِمْ مِنْ قُوَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ عَنْ شَرْحِ دَوَافِعِهِمُ العَمِيقَةِ لِمَنْ لا يَمْلِكُ أَدَبَ الفَهْمِ، لِأَنَّ تَرْجَمَةَ النَّوَايَا العُظْمَى ذَاتِ الأَبْعَادِ الكَوْنِيَّةِ لِتَسْتَوْعِبَهَا العُقُولُ الصُّغْرَى إِهَانَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِجَلَالِ الغَايَةِ نَفْسِهَا.

إِذَا أُسِيءَ فَهْمُهُمْ مِنْ قِبَلِ الجَاهِلِينَ، جَعَلُوا مِنْ جَهْلِ المُتَلَقِّي وَقُصُورِهِ عُقُوبَةً كَافِيَةً لَهُ، وَتَرَكُوهُ يَتَخَبَّطُ فِي عَمَى بَصِيرَتِهِ، يَلْعَقُ نَدَمَهُ أَوْ يُغَذِّي وَهْمَهُ، بَيْنَمَا يَطْوُونَ هُمْ جَنَاحَ المَسَافَةِ صُعُودًا نَحْوَ سِدْرَةِ وِجْدَانِهِمُ العَالِي. هُمْ لا يَقِفُونَ فِي قَفَصِ الاتِّهَامِ الرَّخِيصِ الَّذِي يَنْصِبُهُ المُجْتَمَعُ المُتَرَهِّلُ لِكُلِّ نَابِغَةٍ، بَلْ يُصْدِرُونَ مِنْ مَنَصَّتِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ أَحْكَامَ التَّجَاهُلِ النِّهَائِيَّةَ، مُعْلِنِينَ بِصَمْتٍ قَاطِعٍ أَنَّ الحَقِيقَةَ المُتَجَذِّرَةَ فِي لُبِّ ذَوَاتِهِمْ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مُحَامٍ مِسْكِينٍ يَتَسَوَّلُ اقْتِنَاعَ العَامَّةِ وَرِضَاهُمْ.

وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الكِبْرِيَاءِ المُمَرَّدِ مِنْ قَوَارِيرِ الرُّوحِ، تَتَجَلَّى قُوَّةُ حُضُورِهِمُ الصَّامِتِ جَلِيَّةً؛ حُضُورٌ يَفْعَلُ فِي النُّفُوسِ مَا تَفْعَلُهُ جَاذِبِيَّةُ الثُّقُوبِ السَّوْدَاءِ الَّتِي تَبْتَلِعُ أَشْبَاهَ الحَقَائِقِ مِنْ حَوْلِهَا دُونَ أَنْ تُصْدِرَ صَوْتًا وَاحِدًا، مُعِيدَةً صِيَاغَةَ المَشْهَدِ وَإِفْنَاءَ مَا لا يَمْلِكُ ثِقَلَ البَقَاءِ. هُوَ حُضُورٌ طَاغٍ يُعِيدُ تَرْتِيبَ ذَرَّاتِ الأُكْسِجِينِ فِي المَكَانِ، فَيَجْعَلُ الهَوَاءَ مَشْحُونًا بِهَيْبَةٍ مُكَثَّفَةٍ تَفْرِضُ عَلَى الشِّفَاهِ الصَّمْتَ، وَعَلَى الأَبْصَارِ أَنْ تَعْرِفَ حُدُودَهَا.

هَؤُلَاءِ النَّادِرُونَ لا يَمْلَؤُونَ رَدَهَاتِ المَجَالِسِ بِثَرْثَرَةٍ جَوْفَاءَ تَقْرَعُ كَالطُّبُولِ المُمَزَّقَةِ كَيْ يُثْبِتُوا وُجُودَهُمْ، بَلْ يُثْبِتُونَهُ بِذَلِكَ الامْتِدَادِ الرُّوحِيِّ الكَثِيفِ الَّذِي يَخْتَرِقُ المَسَافَاتِ، وَيَلْمِسُ جَوَانِحَ الجَالِسِينَ قَبْلَ أَنْ تَلْمِسَهُمْ أَبْصَارُهُمْ. حُضُورُهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَيِّزٍ فِيزْيَائِيٍّ يَشْغَلُونَهُ، بَلْ هُوَ حَالَةُ طَوَارِئَ رُوحِيَّةٌ تُرْفَعُ فِيهَا حَوَاسُّ الانْتِبَاهِ إِلَى دَرَجَاتِهَا القُصْوَى؛ فَيَصِيرُ رَفْعُ حَاجِبٍ مِنْهُمْ امْتِعَاضًا، أَوْ إِيمَاءَةٌ بَطِيئَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ رِضًا، أَشَدَّ بَلَاغَةً مِنْ خُطَبٍ عَصْمَاءَ مَقْصُودَةٍ.

إِنَّهُ إِشْعَاعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ يَتَسَلَّلُ كَالنُّورِ السَّرِيعِ إِلَى المَسَارِبِ المُغْلَقَةِ فِي العُرُوقِ، فَيُخْمِدُ بِمَاءِ طُهْرِهِ نِيرَانَ التَّطَاوُلِ وَالحَمَاقَةِ، وَيَجْبِرُ العُيُونَ الجَسُورَةَ عَلَى غَضِّ طَرْفِهَا إِجْلَالًا وَتَهَيُّبًا. فَالأَرْوَاحُ، وَإِنْ تَظَاهَرَتْ بِالمُكَابَرَةِ، تَعْرِفُ بِفِطْرَتِهَا حِينَ تَقِفُ أَمَامَ كِيَانٍ اسْتَعْصَى عَلَى التَّطْوِيعِ الزَّمَنِيِّ، وَامْتَلَكَ نَاصِيَةَ نَفْسِهِ بِعَزْمٍ نَادِرٍ، فَسَخَّرَ بِذَلِكَ نَوَاصِيَ العَالَمِ المُرْتَبِكِ مِنْ حَوْلِهِ لِتَكُونَ صَدًى لِخُطُوَاتِهِ.

وَفِي النِّهَايَةِ، يَقُومُ كُلُّ هَذَا البُنْيَانِ الشَّامِخِ الَّذِي يَنَاطِحُ السَّحَابَ عَلَى أُسْطُوَانَةٍ فُولَاذِيَّةٍ مَتِينَةٍ غَائِرَةٍ فِي جُذُورِ الأَرْضِ؛ الِاحْتِرَامُ المُطْلَقُ لِلذَّاتِ. هُمْ قَوْمٌ لا يَنْظُرُونَ فِي مَرَايَا النَّاسِ الصَّدِئَةِ لِيَعْرِفُوا مِقْدَارَ قَدْرِهِمْ، بَلْ يَنْظُرُونَ فِي مِرْآةِ يَقِينِهِمُ الدَّاخِلِيِّ الصَّافِيَةِ كَمَاءِ المُزْنِ، الَّتِي لَمْ تُشَوِّهْ طَهَارَتَهَا بَصَمَاتُ الزَّيْفِ الخَارِجِيِّ، وَلَمْ تُلَطِّخْهَا أَصْبَاغُ الرِّيَاءِ.

احْتِرَامُ الذَّاتِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ شِعَارًا يُرْفَعُ فِي المَحَافِلِ، بَلْ هُوَ شَفْرَةٌ جِينِيَّةٌ خَالِصَةٌ، وَبَصْمَةٌ حَيَوِيَّةٌ تَأْبَى عَلَى الرُّوحِ الحُرَّةِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ مَوَائِدِ الذُّلِّ المَلِيئَةِ بِمَا لَذَّ وَطَابَ، حَتَّى وَإِنْ تَعَرَّضَتْ لِمَخْمَصَةِ العُزْلَةِ القَاتِلَةِ، وَتَلَوَّتْ أَمْعَاؤُهَا جُوعًا لِلْمُؤَانَسَةِ. إِنَّهُمْ يُدَلِّلُونَ أَرْوَاحَهُمُ الوَاسِعَةَ بِالجُوعِ العَفِيفِ كَيْ لا تَتَرَهَّلَ جَوَانِحُهَا، فَتَقْبَلَ الانْحِنَاءَ لِتَلْتَقِطَ فُتَاتَ التَّفَاهَةِ المَنْثُورَ عَلَى أَرْصِفَةِ الخُضُوعِ.

وَمَا زُهْدُهُمُ المُسْتَمِرُّ فِي الشَّرْحِ وَالتَّبْرِيرِ وَالبَوْحِ إِلَّا ثَمَرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ نَاضِجَةٌ مِنْ ثِمَارِ هَذَا الاحْتِرَامِ العَمِيقِ، الَّذِي يُبْصِرُ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَخْرُجُ لِهَدَفِ تَبْرِيرِ مَوْقِفٍ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ انْتِقَاصٌ مِنْ سِيَادَةِ المَوْقِفِ ذَاتِهِ. لِذَلِكَ يَتَوَّجُونَ هَامَاتِهِمُ المُشْرَئِبَّةَ بِتِيجَانِ الاسْتِغْنَاءِ البَاذِخَةِ، وَيَمْشُونَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ وَأَقْدَامُهُمْ تَرْفُضُ أَنْ تَتْرُكَ خَلْفَهَا أَثَرًا وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَى الاسْتِكَانَةِ.

يَعِيشُونَ أُمَّةً وَحْدَهُمْ كَمَا تُفْرَدُ الفِكْرَةُ العَبْقَرِيَّةُ بِمَجْدِهَا، وَيَمُوتُونَ شُهُودًا بَصِيرِينَ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارَاتِ البَشَرِيَّةِ، وَأَجَلَّ صُوَرِ ارْتِقَائِهَا، هُوَ أَنْ يَبْقَى الإِنْسَانُ غَامِضًا، نَبِيلًا، عَصِيًّا عَلَى كُلِّ مُحَاوَلَةٍ بَائِسَةٍ لِاسْتِبَاحَةِ جَوْهَرِهِ؛ سَيِّدًا لِنَفْسِهِ، يَمْلِكُهَا وَلَا تَمْلِكُهُ، لا يُسَاوِمُ عَلَى حَبَّةِ رَمْلٍ وَاحِدَةٍ مِنْ قَلْعَةِ وِقَارِهِ المَنِيعَةِ، وَلَوْ تَكَاثَرَتِ الحُشُودُ عَلَى أَبْوَابِهِ.

هَكَذَا يَغْدُو الغُمُوضُ النَّبِيلُ أَرْفَعَ مِنْ كَوْنِهِ أُسْلُوبًا فِي الحَيَاةِ؛ يَغْدُو عَقِيدَةً فِي صِيَانَةِ الجَوْهَرِ، وَفَنًّا فِي حِرَاسَةِ المَعْنَى، وَبَابًا مِنْ أَبْوَابِ السِّيَادَةِ الَّتِي لا تُفْتَحُ بِالصَّخَبِ، بَلْ بِالثَّبَاتِ. فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الرُّوحِ لا يُقَالُ، وَأَنَّ بَعْضَ الأَسْرَارِ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَحَارِيبِهَا مَاتَتْ، وَأَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الإِنْسَانِ لَيْسَ مَا يَعْرِضُهُ عَلَى الأَعْيُنِ، بَلْ مَا يَصُونُهُ عَنْهَا حَتَّى يَظَلَّ نَقِيًّا، مُتَوَهِّجًا، عَصِيًّا عَلَى الِابْتِذَالِ.

وَطُوبَى لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَمُرُّونَ فِي العَالَمِ كَالسِّرِّ العَالِي؛ لا يَسْتَعْرِضُونَ، وَلا يَتَبَرَّرُونَ، وَلا يَتَكَاثَرُونَ بِالكَلَامِ، بَلْ يَتْرُكُونَ لِصَمْتِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا لا تَفْعَلُهُ الخُطَبُ، وَلِحُضُورِهِمْ أَنْ يَقُولَ مَا تَجْبُنُ عَنْهُ اللُّغَاتُ. أُولَئِكَ هُمُ الأَدِلَّةُ الحَيَّةُ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ، حِينَ تَحْتَرِمُ نَفْسَهَا حَقًّا، لا تَعُودُ مُضْطَرَّةً إِلَى أَنْ تَكْشِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ تَشْرَحَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ تَرْفَعَ صَوْتَهَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ؛ فَالنُّورُ العَالِي لا يَطْرُقُ الأَبْوَابَ، وَالمَجْدُ الصَّادِقُ لا يَتَسَوَّلُ التَّصْدِيقَ، وَالغُمُوضُ النَّبِيلُ يَبْقَى، فِي ذُرْوَةِ مَعْنَاهُ، تَاجًا لِمَنْ وَسِعَتْهُ نَفْسُهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ شُرُوحِ العَالَمِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى