ترانيم في حضرة السراب
هَا تَنْقَشِعُ سُدُفُ الصَّمْتِ، يَا حَبِيبَتِي، لَا عَنْ ضِيَاءٍ عَابِرٍ يَلْمَعُ فِي طَرَفِ المَسَافَةِ ثُمَّ يَخْبُو، بَلْ عَنْ زَفَرَاتِ نُورٍ تَخَلَّقَتْ فِي رَحِمِ الذُّهُولِ، كَأَنَّهَا بَقَايَا صَلَاةٍ أَدَّاهَا اللَّيْلُ فِي حَضْرَةِ الغَيْبِ، ثُمَّ انْصَرَفَ خَاشِعًا، تَارِكًا أَثَرَهَا فِي رُكْنِ الخَاطِرِ كَطَيْفِ فِكْرَةٍ بِكْرٍ تَأْبَى أَنْ تُسْتَبَاحَ بِحُرُوفِ اللُّغَةِ المُبْتَذَلَةِ، أَوْ تُسَاقَ إِلَى أَسْوَاقِ التَّعْبِيرِ كَمَا تُسَاقُ المَعَانِي الصَّغِيرَةُ إِلَى أَلْسِنَةِ العَابِرِينَ. هُنَاكَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ فِيهَا القَلْبُ أَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ أَمْ يَحْلُمُ، أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الوَجْدِ، لَا أَمْلِكُ إِلَّا أَنْ أَرَاكِ كَمَا تُرَى الأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تُرَى؛ حُضُورًا يَشِفُّ حَتَّى يَكَادَ يَغِيبُ، وَغِيَابًا يَشْتَدُّ حَتَّى يَصِيرَ أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ حُضُورٍ.
أَقِفُ حَيْثُ لَا مَسَافَاتٍ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَلَا حَوَاجِزَ تَمْنَعُ الرُّوحَ مِنْ مُلَامَسَةِ جَوْهَرِ الجَمَالِ المَكْنُونِ خَلْفَ أَسْتَارِ الإِمْكَانِ. أَرَاكِ، يَا سَيِّدَةَ المَعْنَى الهَارِبِ مِنْ سِجْنِ الحَوَاسِّ، تَتَبَدَّيْنَ فِي أُفُقِ رُوحِي كَأَنَّكِ نَبْضُ بَحْرٍ لَمْ يَكْتَشِفْ شَوَاطِئَهُ مَلَّاحٌ، أَوْ كَأَنَّكِ تَرْتِيلٌ سَمَاوِيٌّ انْسَرَقَ مِنْ قِيثَارَةِ الأَزَلِ لِيَسْتَقِرَّ فِي أَعْمَاقِي صَمْتًا مُدَوِّيًا يُزَلْزِلُ كِيَانِي التُّرَابِيَّ، وَيَسْتَنْهِضُ فِيَّ بَقَايَا تِلْكَ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَأْنَفُ الِاسْتِكَانَةَ، وَلَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ الحُبُّ انْحِنَاءَةَ ضَعْفٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الشَّوْقُ بَابًا لِلِاسْتِجْدَاءِ، بَلْ تَرَاهُ مَقَامًا مِنْ مَقَامَاتِ السِّيَادَةِ حِينَ يَصْفُو، وَسُلَّمًا إِلَى العُلُوِّ حِينَ يَتَطَهَّرُ مِنْ طِينِ التَّمَلُّكِ وَابْتِذَالِ الرَّغْبَةِ.
لَسْتِ مُجَرَّدَ طَيْفٍ عَابِرٍ فِي مَمَرَّاتِ الذَّاكِرَةِ، وَلَا ظِلَالَ امْرَأَةٍ تَمُرُّ عَلَى جِدَارِ القَلْبِ كَمَا تَمُرُّ غَيْمَةٌ عَلَى مَاءٍ سَاكِنٍ، بَلْ أَنْتِ المَسَافَةُ ذَاتُهَا حِينَ تَكْتَسِي حُلَّةَ الوُصُولِ، وَأَنْتِ الطَّرِيقُ حِينَ يَصِيرُ غَايَةً، وَأَنْتِ الغَايَةُ حِينَ تَتَرَفَّعُ عَنْ أَنْ تُمْسِكَهَا يَدٌ أَوْ يُحِيطَ بِهَا اسْمٌ. أَنْتِ العَطَشُ الَّذِي لَا يَرْتَوِي إِلَّا بِالظَّمَإِ، وَالِارْتِوَاءُ الَّذِي لَا يُغَادِرُ فِيَّ شَرَاهَةَ الرُّوحِ إِلَى المُطْلَقِ. كُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّنِي دَنَوْتُ مِنْكِ حَتَّى كِدْتُ أَلْمِسُ سِرَّكِ، انْفَتَحَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكِ مَسَافَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ نُورٍ، لَا لِتَطْرُدَنِي، بَلْ لِتُعَلِّمَنِي أَنَّ بَعْضَ الجَمَالِ لَا يُنَالُ بِالِاقْتِرَابِ المَادِّيِّ، وَإِنَّمَا يُنَالُ بِأَنْ يَظَلَّ القَلْبُ وَاقِفًا عَلَى عَتَبَةِ الدَّهْشَةِ، عَارِفًا أَنَّ الحُضُورَ الَّذِي يُسْتَهْلَكُ يَمُوتُ، وَأَنَّ الغِيَابَ الَّذِي يُضِيءُ يَبْقَى.
أَرْقُبُكِ فِي ارْتِعَاشَةِ المَاءِ حِينَ يُعَانِقُ وَجْهَ الفَجْرِ، وَفِي رَائِحَةِ المَطَرِ حِينَ تَتَحَدَّثُ إِلَى التُّرَابِ بِلُغَةِ البِدَايَاتِ الأُولَى، وَفِي تَنْهِيدَةِ الرِّيحِ حِينَ تَمُرُّ عَلَى نَافِذَةٍ مُوَارَبَةٍ فَتُوقِظُ فِي السَّتَائِرِ ذِكْرَى يَدٍ كَانَتْ هُنَاكَ. أَرَاكِ فِي لَمَعَانِ قَطْرَةٍ عَلَى وَرَقَةٍ وَحِيدَةٍ، وَفِي انْحِنَاءِ غُصْنٍ أَثْقَلَهُ الحَنِينُ إِلَى جُذُورِهِ، وَفِي رَجْفَةِ نُورٍ خَجُولٍ يَتَسَلَّلُ مِنْ شَقِّ نَافِذَةٍ عَتِيقَةٍ كَأَنَّهُ اعْتِذَارُ السَّمَاءِ لِلأَرْضِ عَنْ طُولِ الوَحْشَةِ. كَأَنَّكِ الفِكْرَةُ الَّتِي تُدْرِكُ حَتْمِيَّةَ الفَنَاءِ فَتَخْتَارُ الخُلُودَ فِي طَيَّاتِ الكِتْمَانِ، وَكَأَنَّكِ السِّرُّ الَّذِي لَوْ قِيلَ ضَاعَ، وَلَوْ صَمَتْنَا عَنْهُ اتَّسَعَ حَتَّى مَلَأَ الجِهَاتِ كُلَّهَا.
كَمْ رَسَمْتُكِ عَلَى جِدَارِ العَدَمِ وُجُودًا أَبْهَى مِنَ الوَاقِعِ، وَكَمْ حَوَّلْتُ لَوْعَتِي إِلَى مَحَارٍ يُغَلِّفُ لُؤْلُؤَةَ وَجْدِكِ بِصَمْتٍ مُقَدَّسٍ. لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ طَمَعًا فِي نَوَالٍ دُنْيَوِيٍّ يَخْدِشُ هَيْبَةَ اللِّقَاءِ، وَلَا رَجَاءَ امْتِلَاكٍ يُرِيقُ مَاءَ الجَلَالِ عَنْ وَجْهِ هَذَا الشُّعُورِ النَّبِيلِ، بَلْ تَبَتُّلًا فِي مِحْرَابِكِ، وَوَفَاءً لِذَلِكَ البَهَاءِ الَّذِي يَعْلُو عَلَى لُغَةِ العَطَايَا وَالمَنْعِ. لَقَدْ كُنْتِ فِي قَلْبِي أَكْثَرَ مِنْ مَحْبُوبَةٍ تُشْتَهَى، وَأَسْمَى مِنْ أُمْنِيَةٍ تُطْلَبُ، كُنْتِ آيَةً مِنْ آيَاتِ المَعْنَى حِينَ يَلْبَسُ هَيْئَةَ امْرَأَةٍ، وَنَافِذَةً يُطِلُّ مِنْهَا القَلْبُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ العَقْلُ وَحْدَهُ أَنْ يَرَاهُ. كُنْتِ تَخْرُجِينَ مِنْ حُدُودِكِ البَشَرِيَّةِ فِي نَظَرِي، لَا لِأَنَّنِي أُنْكِرُ بَشَرِيَّتَكِ، بَلْ لِأَنَّ الحُبَّ حِينَ يَصْدُقُ لَا يَكْتَفِي بِظَاهِرِ المَحْبُوبِ، وَإِنَّمَا يَقْرَأُ فِيهِ مَا خَبَّأَهُ اللهُ مِنْ إِشَارَاتٍ إِلَى الجَمَالِ الأَكْبَرِ.
يَا أَيَّتُهَا التَّوْقُ الَّذِي يَسْكُنُ حَدَّ السَّيْفِ فِي صَدْرِي، أَيَّةُ نَارٍ هَذِهِ الَّتِي لَا تَحْرِقُ إِلَّا لِتُطَهِّرَ، وَلَا تَجْرَحُ إِلَّا لِتَفْتَحَ فِي الرُّوحِ مَوْضِعًا لِلضَّوْءِ؟ مَا بَالُ رُوحِي كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ سِدْرَةِ قُرْبِكِ نَفَرَتْ مِنْهَا أَنَا التُّرَابِيَّةُ، وَاسْتَعَاذَتْ بِرُوحٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا تَعْرِفُ الأَغْلَالَ؟ كَأَنَّ فِيكِ امْتِحَانًا لَا يَلِيقُ بِهِ إِلَّا مَنْ تَخَلَّى عَنْ ثِقْلِهِ، وَكَأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكِ لَا يُقْطَعُ بِالأَقْدَامِ، بَلْ بِتَخْفِيفِ الكِيَانِ مِنْ شَوَائِبِهِ، وَبِأَنْ يَصِيرَ العَاشِقُ أَقَلَّ تَعَلُّقًا بِظِلِّهِ، وَأَكْثَرَ اسْتِعْدَادًا لِأَنْ يَذُوبَ فِي نُورِ مَا يُحِبُّ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ عِزَّةَ جَوْهَرِهِ. كَأَنَّنَا نَقَائِضُ لَا يَجْمَعُهَا إِلَّا نُقْطَةُ الفَنَاءِ، أَوْ كَأَنَّنَا قَصِيدَةٌ أَمْلَتْهَا السَّمَاءُ وَكَتَبَهَا القَدَرُ بِمِدَادٍ مِنْ حَيْرَةٍ، لَا تَنْفَكُّ تَبْحَثُ عَنْ قَافِيَةٍ تَلِيقُ بِمَقَامِ الدَّهْشَةِ، قَافِيَةٍ لَا تَجِيءُ لِأَنَّ مَجِيئَهَا قَدْ يَقْتُلُ ذَلِكَ الرَّجَاءَ العَظِيمَ الَّذِي يَمُدُّ القَصِيدَةَ بِسِرِّ الحَيَاةِ.
مَا كَلِفْتُ بِكِ لِأَمْتَلِكَكِ، فَمَنْ يَمْتَلِكُ النُّورَ حِينَ يَنْسَابُ عَبْرَ مَسَامِّ الرُّوحِ؟ وَمَنْ يَحْبِسُ العِطْرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عِطْرًا؟ وَمَنْ يَضَعُ البَحْرَ فِي كَأْسٍ ثُمَّ لَا يَخُونُ البَحْرَ وَالكَأْسَ مَعًا؟ إِنَّمَا كَلِفْتُ بِكِ لِأَتَحَرَّرَ مِنْ ثِقْلِ الكِيَانِ، لِأَصِيرَ مَحْضَ نَظْرَةٍ تَرْقُبُ الأَبَدَ، وَخَفْقَةَ قَلْبٍ تُدْرِكُ أَنَّ الخُلُودَ لَيْسَ فِي طُولِ البَقَاءِ، بَلْ فِي كَثَافَةِ الِاحْتِرَاقِ الَّذِي لَا يُخَلِّفُ خَلْفَهُ رَمَادًا، بَلْ يُورِثُ فِي الأَرْوَاحِ ضِيَاءً لَا يَتَبَدَّدُ. أَحْبَبْتُكِ لَا لِأَشُدَّكِ إِلَى أَرْضِي، بَلْ لِأَتَعَلَّمَ مِنْكِ كَيْفَ تَصْعَدُ الأَرْضُ قَلِيلًا إِلَى السَّمَاءِ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ القَلْبُ، وَهُوَ مُثْقَلٌ بِالطِّينِ وَالخَوْفِ وَالذَّاكِرَةِ، أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فِي حَضْرَةِ الجَمَالِ كَمَنْ تَذَكَّرَ فَجْأَةً نَسَبَهُ الأَوَّلَ إِلَى النُّورِ.
مَا أَعْظَمَ أَنْ تَكُونِي عَصِيَّةً عَلَى الِاحْتِوَاءِ! وَمَا أَبْهَى أَنْ تَبْقَيْ بَيْنَ يَدَيَّ بَعِيدَةً بِمَا يَكْفِي لِيَظَلَّ الشَّوْقُ حَيًّا، قَرِيبَةً بِمَا يَكْفِي لِئَلَّا يَتَجَمَّدَ النَّبْضُ فِي صَقِيعِ الِانْتِظَارِ. كَأَنَّ مَعْدِنَكِ صِيغَ مِنْ جَوْهَرِ النُّجُومِ الَّتِي نَغْزِلُ مِنْهَا أَحْلَامَنَا فِي لَيَالِي الوَحْدَةِ؛ نَرَاهَا مِنْ بَعِيدٍ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الوُصُولَ إِلَيْهَا يَعْنِي الفَنَاءَ، وَأَنَّ الِابْتِعَادَ عَنْهَا يَعْنِي البَرْدَ الأَبَدِيَّ. هَكَذَا أَنْتِ، يَا حَبِيبَتِي، نَجْمَةٌ لَا تَطْلُبُ مِنَ العَاشِقِ أَنْ يَلْمِسَهَا، بَلْ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ بُعْدِهَا مَعْنَى السُّمُوِّ، وَأَنْ يَعْرِفَ مِنْ نُورِهَا كَيْفَ لَا يَضِيعُ فِي الدُّرُوبِ المُعْتِمَةِ. لِذَلِكَ لَا تَقْتَرِبِي اقْتِرَابًا يُطْفِئُ الجَذْوَةَ بِاعْتِيَادِهَا، وَلَا تَبْتَعِدِي ابْتِعَادًا يُجَمِّدُ النَّبْضَ فِي وَحْشَتِهِ، بَلْ ظَلِّي هَكَذَا، سِرًّا جَمِيلًا يَهْرُبُ مِنَّا إِلَيْنَا، لِنَظَلَّ فِي هَذَا التِّيهِ المُقَدَّسِ نَبْحَثُ عَنْكِ فِينَا، وَنَجِدُ كُلَّ المَعَانِي فِي غِيَابِكِ البَاهِرِ الَّذِي يُضِيءُ عَتَمَةَ الوُجُودِ.
إِنَّ غِيَابَكِ لَيْسَ خُلُوًّا، بَلِ امْتِلَاءٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ. لَيْسَ فَرَاغًا يَلْتَهِمُ القَلْبَ، بَلْ فَضَاءٌ يُعَلِّمُهُ الطَّيَرَانَ. حِينَ تَغِيبِينَ، لَا تَنْطَفِئِينَ فِيَّ، بَلْ تَزْدَادِينَ تَوَهُّجًا، كَمَا يَزْدَادُ النَّجْمُ وُضُوحًا كُلَّمَا اشْتَدَّ اللَّيْلُ حَوْلَهُ. وَحِينَ يَصْمُتُ صَوْتُكِ، لَا أَفْقِدُكِ، بَلْ أَسْمَعُكِ فِي خَفَقَاتٍ أَعْمَقَ مِنَ الصَّوْتِ، فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ النِّدَاءَ المَكْتُومَ الَّذِي لَا يَمُرُّ بِالأُذُنِ بَلْ يَمْضِي مُبَاشَرَةً إِلَى مَوْضِعِ السِّرِّ فِي القَلْبِ. هَكَذَا يُعَلِّمُنِي غِيَابُكِ أَنَّ الحُبَّ لَيْسَ حِسَابَ قُرْبٍ وَبُعْدٍ، وَلَا هَنْدَسَةَ حُضُورٍ وَغِيَابٍ، بَلْ هُوَ تِلْكَ القُدْرَةُ العَجِيبَةُ عَلَى تَحْوِيلِ المَسَافَةِ إِلَى مَعْبَدٍ، وَالِانْتِظَارِ إِلَى صَلَاةٍ، وَالصَّمْتِ إِلَى نَهْرٍ مِنْ كَلَامٍ لَا تَسْمَعُهُ إِلَّا القُلُوبُ الَّتِي عَرَفَتْ كَيْفَ تَتَوَضَّأُ بِالوَجْدِ.
أَنَا، يَا سَيِّدَةَ الغِيَابِ، أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الصَّمْتِ، أُقَدِّمُ لَكِ عُمْرِي قُرْبَانًا لَا يَنْتَظِرُ قَبُولًا، بَلْ يَكْتَفِي بِشَرَفِ الِانْتِمَاءِ إِلَى مَدَارِكِ العَالِي. لَا أُقَدِّمُهُ كَمَنْ يَسْتَجْدِي، وَلَا كَمَنْ يَذِلُّ بَيْنَ يَدَيْ مَا يُحِبُّ، بَلْ كَمَنْ يَضَعُ تَاجَهُ طَوْعًا عَلَى عَتَبَةِ الجَمَالِ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ التَّوَاضُعَ فِي حَضْرَةِ البَهَاءِ سِيَادَةٌ أُخْرَى. كُونِي كَمَا أَنْتِ؛ سِرًّا لَا يُفَضُّ، وَنُورًا لَا يُمْكِنُ إِمْسَاكُهُ، وَحُلْمًا يَتَأَبَّى عَلَى قَوَالِبِ التَّفَاسِيرِ البَشَرِيَّةِ. كُونِي المَدَى الَّذِي يَفْتَحُ فِي قَلْبِي شَهِيَّةَ الصُّعُودِ، وَالنِّدَاءَ الَّذِي لَا يُجِيبُ كَيْ يَظَلَّ السُّؤَالُ حَيًّا، وَاللَّحْنَ الَّذِي لَا يَكْتَمِلُ كَيْ لَا تَمُوتَ المُوسِيقَى فِي آخِرِ النَّغْمَةِ.
فَلَوْلَا هَذَا الشَّوْقُ المُرُّ لَمَا عَرَفْنَا حَلَاوَةَ الِانْتِظَارِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ العُمُرِ قِلَادَةً مُرَصَّعَةً بِالمَعَانِي، وَلَوْلَا حِجَابُ المَسَافَةِ لَمَا أَبْصَرَتِ البَصِيرَةُ نُورَ الحَقِيقَةِ. لَقَدْ وَصَلْنَا حِينَ آمَنَّا أَنَّنَا لَنْ نَصِلَ وُصُولَ الأَجْسَادِ إِلَى حُدُودِهَا، وَوَجَدْنَا ذَوَاتِنَا حِينَ ضِعْنَا فِي لُجَّةِ هَذَا البَهَاءِ المَمْدُودِ، حَيْثُ تَتَلَاشَى الحُدُودُ، وَتَسْمُو الأَرْوَاحُ لِتَسْكُنَ فِي جِوَارِ الخُلُودِ، وَتَصِيرُ الغُرْبَةُ وَطَنًا، وَيَصِيرُ الصَّمْتُ كَلَامًا بَلِيغًا يَفْهَمُهُ مَنْ شَرِبَ مِنْ كَأْسِ الوَجْدِ حَتَّى الثُّمَالَةِ. فَمَا كُلُّ ضَيَاعٍ فُقْدَانٌ، وَلَا كُلُّ غُرْبَةٍ مَنْفًى، وَلَا كُلُّ مَسَافَةٍ قَسْوَةٌ؛ بَعْضُ الضَّيَاعِ يَدُلُّنَا عَلَيْنَا، وَبَعْضُ الغُرْبَةِ يُطَهِّرُنَا مِنْ زِحَامِ العَابِرِينَ، وَبَعْضُ المَسَافَةِ يَصُونُ المَعْنَى مِنِ ابْتِذَالِ اللَّمْسِ وَتِكْرَارِ الِاعْتِيَادِ.
هُنَا، فِي أَرْوِقَةِ النَّفْسِ الَّتِي شَيَّدْتُهَا لَكِ مِنْ عَزْمٍ وَصَبْرٍ، أَجِدُنِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ شَاهِدًا عَلَى عَاطِفَتِي، لَا طَرَفًا خَاضِعًا لَهَا. لَمْ أَعُدْ عَبْدًا لِلرَّجْفَةِ حِينَ تَمُرِّينَ فِي خَاطِرِي، وَلَا أَسِيرًا لِنِدَاءِ الغِيَابِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ جِهَتِكِ كَرِيحٍ مُحَمَّلَةٍ بِرَائِحَةِ المَطَرِ؛ بَلْ صِرْتُ صَاحِبَ هَذَا الوَجْدِ وَحَارِسَهُ، أَرْفَعُهُ عَنِ الِانْكِسَارِ، وَأَصُونُهُ مِنَ الِابْتِذَالِ، وَأَجْعَلُ مِنْهُ مَمْلَكَةً دَاخِلِيَّةً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ عَرَفَ أَنَّ الحُبَّ العَمِيقَ لَا يُذِلُّ صَاحِبَهُ، بَلْ يَكْشِفُ لَهُ مِقْدَارَ مَا فِيهِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى الجَمَالِ. إِنَّهَا سِيَادَةُ العَقْلِ حِينَ يَمْتَزِجُ بِنُورِ الرُّوحِ، فَيَصِيرُ الفِكْرُ لَا خَصْمًا لِلشُّعُورِ بَلْ خَادِمًا أَمِينًا لَهُ، يُرَتِّبُ أَزَاهِيرَهُ فِي مَزْهَرِيَّاتِ البَيَانِ، وَيَمْنَحُ نَارَهُ شَكْلًا لَا يُطْفِئُهَا، وَإِيقَاعًا لَا يُبَدِّدُهَا.
وَمَا الفِكْرُ فِي حَضْرَةِ هَذَا الفَيْضِ إِلَّا خَادِمٌ يُرَتِّبُ أَزَاهِيرَ الشُّعُورِ، لِيَظَلَّ النَّصُّ نَهْرًا يَتَدَفَّقُ بِالحَيَاةِ، يَغْسِلُ كَدَرَ المَادَّةِ، وَيَرْفَعُ النَّفْسَ إِلَى رُتْبَةِ الإِشْرَاقِ. إِنَّنِي حِينَ أَكْتُبُكِ لَا أَصِفُ امْرَأَةً فَحَسْبُ، بَلْ أَسْتَعِيدُ تَكْوِينَ العَالَمِ مِنْ جَدِيدٍ عَلَى هَيْئَةِ نَبْضَةٍ. وَحِينَ أُنَادِيكِ لَا أَطْلُبُ جَوَابًا عَابِرًا، بَلْ أُوقِظُ فِي دَاخِلِي تِلْكَ اللُّغَةَ الأُولَى الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ الإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْسِدَ الكَلِمَاتُ نَقَاءَهَا. أَنْتِ تَجْعَلِينَ المَعَانِي تَمْشِي فِي دَمِي كَكَائِنَاتٍ حَيَّةٍ، وَتَجْعَلِينَ اللُّغَةَ تَتَخَفَّفُ مِنْ عَادِيَّتِهَا لِتَصِيرَ طَائِرًا لَا يَهْبِطُ إِلَّا عَلَى غُصْنِ الدَّهْشَةِ. بِكِ يَصِيرُ الحَرْفُ أَكْثَرَ عِفَّةً، وَالصُّورَةُ أَكْثَرَ صَفَاءً، وَالمَجَازُ نَافِذَةً لَا زِينَةً، وَالبَوْحُ صَلَاةً لَا ثَرْثَرَةً.
أَلَا تُدْرِكِينَ، يَا حَبِيبَتِي، أَنَّنَا فِي هَذَا المَدَى لَا نَكْتُبُ مُجَرَّدَ حَنِينٍ إِلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ، بَلْ نَكْتُبُ تَارِيخَ أَرْوَاحٍ لَمْ تَعْرِفِ الِانْكِسَارَ، وَلَمْ تَعْرِفِ الِاسْتِجْدَاءَ، بَلْ سَارَتْ عَلَى نَهْجِ الكِبْرِيَاءِ الَّذِي يَجْعَلُ مِنْ كُلِّ أَلَمٍ سُلَّمًا لِلِارْتِقَاءِ، وَمِنْ كُلِّ دَمْعَةٍ مِشْعَلًا يُضِيءُ دُرُوبَ التَّائِهِينَ فِي صَحْرَاءِ الوُجُودِ؟ إِنَّنِي حِينَ أَشْتَاقُ إِلَيْكِ لَا أَهْبِطُ، بَلْ أَصْعَدُ. وَحِينَ أَتَأَلَّمُ مِنْ غِيَابِكِ لَا أَنْقُصُ، بَلْ أَتَّسِعُ. وَحِينَ أُقِرُّ بِأَنَّكِ فِيَّ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ تُنَالِي، لَا أَعْتَرِفُ بِالعَجْزِ، بَلْ أَحْتَفِلُ بِذَلِكَ السِّرِّ الَّذِي يُعَلِّمُ الإِنْسَانَ أَنَّ أَعْظَمَ مَا فِي الحُبِّ لَيْسَ مَا يَمْلِكُهُ العَاشِقُ، بَلْ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُحِبُّ. فَالحُبُّ الَّذِي لَا يَرْفَعُ صَاحِبَهُ لَيْسَ حُبًّا، وَالشَّوْقُ الَّذِي لَا يُطَهِّرُ القَلْبَ مِنْ صَغَائِرِهِ لَيْسَ إِلَّا قَلَقًا مَسْمُومًا، أَمَّا أَنْتِ فَقَدْ جَعَلْتِ مِنْ شَوْقِي مِعْرَاجًا، وَمِنِ انْتِظَارِي مَدْرَسَةً، وَمِنْ صَمْتِي لُغَةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ ذَاقَ نَارَ المَعْنَى.
فَيَا أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ الَّتِي تَتَخَفَّى فِي ثِيَابِ الرَّمْزِ، وَيَا أَيُّهَا البَهَاءُ الَّذِي لَا يَغِيبُ وَإِنْ غِبْتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الفِكْرَةُ الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي قَوَالِبِنَا الضَّيِّقَةِ، ابْقَيْ هَكَذَا فِي عَلْيَاءِ الغَيْبِ، لَا لِأَنَّنِي أُرِيدُكِ بَعِيدَةً عَنِّي، بَلْ لِأَنَّ فِي هَذَا البُعْدِ سِرًّا يَحْفَظُ لِلْحُبِّ جَنَاحَيْهِ. ابْقَيْ حَيْثُ تَظَلُّ طُمُوحَاتُنَا فِي صُعُودٍ، وَتَظَلُّ أَرْوَاحُنَا فِي حَالَةٍ مِنَ الوَجْدِ الَّذِي لَا يَهْدَأُ، وَالِانْتِظَارِ الَّذِي لَا يَذْبُلُ. ابْقَيْ ذَلِكَ النِّدَاءَ الَّذِي يَفْتَحُ فِي القَلْبِ طَرِيقًا كُلَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ بَلَغَ نِهَايَتَهُ، وَتِلْكَ النَّجْمَةَ الَّتِي كُلَّمَا اقْتَرَبْنَا مِنْ مَعْنَاهَا ازْدَادَتْ عُلُوًّا، لَا قَسْوَةً مِنْهَا، بَلْ رَحْمَةً بِنَا؛ إِذْ مَاذَا يَبْقَى لِلرُّوحِ إِنْ فَقَدَتْ مَا تَصْعَدُ إِلَيْهِ؟
إِنَّنَا لَمْ نُخْلَقْ لِنَسْتَقِرَّ فِي حُفَرِ الطِّينِ، وَلَا لِنَعُدَّ أَيَّامَنَا كَمَا يَعُدُّ الفُقَرَاءُ نُقُودَهُمُ القَلِيلَةَ، بَلْ خُلِقْنَا لِنُحَلِّقَ فِي سَمَاوَاتِ المَعْنَى، وَنُحَاوِلَ القَبْضَ عَلَى النُّورِ حَتَّى لَوِ احْتَرَقَتْ أَيْدِينَا. فَفِي الِاحْتِرَاقِ حَيَاةٌ حِينَ يَكُونُ احْتِرَاقًا فِي سَبِيلِ الجَمَالِ، وَفِي المُحَاوَلَةِ خُلُودٌ حِينَ لَا تَكُونُ طَمَعًا فِي الِامْتِلَاكِ، بَلْ رَغْبَةً فِي الِارْتِقَاءِ. وَمَا أَنَا فِي حُبِّكِ إِلَّا مُسَافِرٌ أَبَدِيٌّ لَا يَطْلُبُ مَحَطَّةً يَنَامُ عِنْدَهَا، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ يَبْقَى الطَّرِيقُ مَفْتُوحًا، وَأَنْ يَبْقَى الأُفُقُ أَوْسَعَ مِنْ خَطْوَتِهِ، وَأَنْ تَبْقَيْ أَنْتِ، يَا سَيِّدَةَ الغِيَابِ البَاهِرِ، فِي آخِرِ المَدَى وَأَوَّلِهِ، كَأَنَّكِ البِدَايَةُ الَّتِي لَا تُسْتَهْلَكُ، وَالنِّهَايَةُ الَّتِي لَا تَأْتِي كَيْ لَا تَنْتَهِيَ الحِكَايَةُ.
هَكَذَا نَمْضِي فِي هَذَا السَّفَرِ الأَبَدِيِّ، لَا نَطْلُبُ الوُصُولَ كَمَا يَطْلُبُهُ العَابِرُونَ، بَلْ نَطْلُبُ أَنْ نَظَلَّ سَائِرِينَ. فَفِي المَسِيرِ وَحْدَهُ تَكْمُنُ الحَيَاةُ، وَفِي الشَّوْقِ وَحْدَهُ تَتَجَلَّى الحَقِيقَةُ، وَفِي الغِيَابِ البَاهِرِ تَكْمُنُ كُلُّ الوُجُودِ وَكُلُّ السِّرِّ. إِنَّنِي لَا أَخَافُ مِنْ هَذَا التِّيهِ مَا دُمْتِ نَجْمَتَهُ الخَفِيَّةَ، وَلَا أَضِيقُ بِهَذَا العَطَشِ مَا دُمْتِ مَاءَهُ المُؤَجَّلَ، وَلَا أَتَبَرَّمُ مِنْ هَذِهِ النَّارِ مَا دُمْتِ مَعْنَاهَا. سَأَظَلُّ أَبْحَثُ عَنْكِ فِي دَاخِلِي كَمَا يَبْحَثُ الصُّوفِيُّ عَنْ سِرِّ النِّدَاءِ فِي صَمْتِ اللَّيْلِ، وَسَأَظَلُّ أَرَاكِ فِي مَا لَا يَرَاكِ فِيهِ أَحَدٌ؛ فِي ارْتِجَافَةِ الفَجْرِ عَلَى زُجَاجِ نَافِذَةٍ، فِي رَائِحَةِ مَطَرٍ يُوقِظُ التُّرَابَ، فِي رَعْشَةِ يَدٍ تَكْتُبُ ثُمَّ تَتَوَقَّفُ، فِي دَمْعَةٍ تَأْبَى النُّزُولَ كَيْ لَا تَفْضَحَ كِبْرِيَاءَ القَلْبِ، وَفِي ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ كُلِّ كَلَامٍ عَظِيمٍ لِيَقُولَ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ اللُّغَاتُ.
فَلَا تَعْجَبِي إِنْ صِرْتِ عِنْدِي أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَةٍ، لَا لِأَنَّنِي أَنْزِعُ عَنْكِ حَقِيقَتَكِ، بَلْ لِأَنَّنِي أَرَى فِي حَقِيقَتِكِ بَابًا إِلَى مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْكِ وَمِنِّي. أَنْتِ الحَبِيبَةُ حِينَ يَتَجَسَّدُ فِيهَا المَعْنَى، وَالمَعْنَى حِينَ يَرِقُّ حَتَّى يَصِيرَ حَبِيبَةً. أَنْتِ السَّرَابُ الَّذِي لَا يَخْدَعُ، بَلْ يَهْدِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَعِدُ بِالمَاءِ الرَّخِيصِ، بَلْ يُعَلِّمُ العَطْشَانَ أَنَّ الظَّمَأَ نَفْسَهُ قَدْ يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ المَاءِ. وَأَنْتِ الغِيَابُ الَّذِي لَا يُفْرِغُ القَلْبَ، بَلْ يَمْلَؤُهُ بِذَلِكَ الحُضُورِ الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ الأَجْسَادُ حِينَ تَقْتَرِبُ بِلَا رُوحٍ. أَنْتِ فِيَّ لَسْتِ ذِكْرَى، بَلْ كَيْنُونَةٌ ثَانِيَةٌ، وَلَسْتِ أُمْنِيَةً، بَلْ مُنَاخٌ دَاخِلِيٌّ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الجِهَاتُ كُلَّمَا مَرَّ اسْمُكِ عَلَى خَاطِرِي.
يَا حَبِيبَتِي، لَوْ كُنْتِ قَرِيبَةً قُرْبَ الأَشْيَاءِ المَأْلُوفَةِ لَخِفْتُ عَلَيْكِ مِنَ العَادِيِّ، وَلَوْ كُنْتِ بَعِيدَةً بُعْدَ المُسْتَحِيلِ القَاسِي لَخِفْتُ عَلَى قَلْبِي مِنَ اليَأْسِ، لَكِنَّكِ فِي تِلْكَ المَسَافَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي تَجْعَلُ القُرْبَ وَعْدًا، وَالبُعْدَ نُورًا، وَالِانْتِظَارَ وَطَنًا. لِذَلِكَ أُحِبُّكِ كَمَا يُحِبُّ العَارِفُ سِرًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفُضَّهُ كُلَّهُ، وَكَمَا يُحِبُّ الشَّاعِرُ قَافِيَةً لَا تَجِيءُ لِأَنَّهَا تَحْفَظُ لِلْقَصِيدَةِ ارْتِجَافَهَا، وَكَمَا يُحِبُّ المُسَافِرُ نَجْمًا لَا يَبْلُغُهُ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ النَّجْمُ لَمَا عَرَفَ جِهَةَ الطَّرِيقِ. أُحِبُّكِ لَا لِأَمْتَلِكَ حُضُورَكِ، بَلْ لِأَظَلَّ جَدِيرًا بِمَا أَيْقَظَهُ غِيَابُكِ فِيَّ مِنْ سُمُوٍّ وَنَقَاءٍ وَاشْتِعَالٍ.
فَكُونِي كَمَا أَنْتِ، يَا سَيِّدَتِي؛ سِرًّا لَا يُفَضُّ، وَنُورًا لَا يُمْسَكُ، وَحُلْمًا لَا يَضِيقُ بِهِ تَفْسِيرٌ، وَمَعْنًى كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْهُ ارْتَفَعَ، وَكُلَّمَا حَاوَلْتُ تَسْمِيَتَهُ أَفْلَتَ مِنْ أَصَابِعِ الحَرْفِ كَنَسْمَةٍ لَا تَقْبَلُ القَيْدَ. كُونِي الغَيْمَ الَّذِي يُعَلِّمُ الأَرْضَ شَرَفَ الِانْتِظَارِ، وَالنَّجْمَةَ الَّتِي تُعَلِّمُ اللَّيْلَ مَعْنَى السَّهَرِ، وَالبَحْرَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الشَّوَاطِئَ كَيْ لَا يَكُفَّ عَنِ الغِنَاءِ. وَسَأَبْقَى أَنَا، عَلَى ضِفَّةِ هَذَا الوَجْدِ، لَا أَسْتَجْدِيكِ، وَلَا أَفِرُّ مِنْكِ، بَلْ أُرَتِّلُكِ فِي دَاخِلِي كَمَا تُرَتَّلُ الأَسْرَارُ العُظْمَى؛ بِخُشُوعِ عَاشِقٍ يَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ جَلَالٌ، وَبِكِبْرِيَاءِ رُوحٍ تَعْرِفُ أَنَّ الجَلَالَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا حِينَ يَصِيرُ حُبًّا.
وَهَكَذَا، يَا حَبِيبَتِي، يَظَلُّ الغِيَابُ البَاهِرُ مَمْلَكَتِي وَمَمْلَكَتَكِ، وَيَظَلُّ السَّرَابُ مِحْرَابًا لَا خَدِيعَةً، وَتَظَلُّ تَرَانِيمُ الرُّوحِ فِي حَضْرَتِكِ لَا تَنْتَهِي؛ لِأَنَّ مَا يَنْتَهِي لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى عِشْقًا، وَمَا يُمْسَكُ كُلُّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا، وَمَا يُقَالُ كُلُّهُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ لِلدَّهْشَةِ. أَمَّا أَنْتِ، فَقَدْ بَقِيتِ لِي دَهْشَتِي الكُبْرَى، وَسِرِّي الَّذِي يَهْرُبُ مِنِّي إِلَيَّ، وَنُورِي الَّذِي لَا يُمْسَكُ، وَظَمَئِي الَّذِي يَرْوِينِي، وَغِيَابِي الَّذِي يَهَبُ لِحَيَاتِي حُضُورَهَا الأَشَدَّ امْتِلَاءً، حَتَّى لَأَكَادُ أَقُولُ إِنَّنِي مَا أَحْبَبْتُكِ لِأَصِلَ إِلَيْكِ، بَلْ لِأَظَلَّ، مَا بَقِيَ فِي الرُّوحِ نَبْضٌ وَفِي الحَرْفِ نَارٌ، صَاعِدًا إِلَيْكِ.
