الأدبسرديات

رصاصة مؤجلة

قال وهو يُدير المقودَ بيدٍ، ويُرسلُ ابتسامته إلى امرأةٍ عبرت بمحاذاة السيّارة: المرأةُ تحتاجُ رجلًا واحدًا ليُلبّي لها كلَّ احتياج، أمّا الرجلُ فيحتاجُ كلَّ النساء ليُلبّين له احتياجًا واحدًا.

ضحكت في هدوء، ولم ترَ في عبارته أكثر من مزاحٍ ذكوريّ اعتاد أن يختبر به غيرتَها. كانت تعرفُ أثرَ وسامته وحضوره، وتلحظُ كيف تتبعه الأنظار حين يرتدي حُلّته الرسميّة ويخرج إلى مركز شرطة البلدة، غير أنّ الثقة التي بنتها معه خلال أعوام زواجهما كانت أصلبَ من ابتسامةٍ عابرة. قالت وهي تُعدّل حزام مقعدها:
أعرفُ يا حبيبي أثرَ جاذبيّتك، ولا أُنكر أنّ غيرتي تستيقظ حين تردّ الابتسامة لإحداهنّ، لكنّني أثق بك وبما بيننا. يكفيني أنّك لي وحدي من بينهنّ.

تلعثم قليلًا، كأنّ كلماتها أمسكت مزحته من موضعٍ لم يقصد أن تبلغه.
«أنا أحبّك كثيرًا… لم أقصد إلا…»
قاطعته برفق:
«أعلم. انتبه الآن إلى الطريق، وأسرع قليلًا كيلا أتأخّر عن العمل.»
أدار وجهه إلى الأمام، وبقيت ابتسامتها إلى جواره أكثرَ صفاءً ممّا يستحقّ.

دخلت سناءُ مكتبها بخطواتٍ رشيقةٍ واثقة، تستقبل صباحَ يومٍ جديد كما استقبلت أعوام عملها كلّها: بعزمٍ لا يضجّ، وأناقةٍ لا تتكلّف. كانت مديرةً ناجحةً لقسم التخطيط في شركةٍ محليّة، تولّت عملها بعد تخرّجها بتفوّق، ثم أثبتت في أعوامٍ قليلة أنّ الجِدّ لا يحتاج إلى عبوس، وأنّ المرأة تستطيع أن تجمع بين حزم الإدارة ورقّة الطبع من غير أن ينتقص أحدهما من الآخر.

بعد عامٍ من تخرّجها، التقت عصامًا في حفلٍ عام. جذبها بوسامته المتأنّقة، وابتسامته الواثقة، ونظراته الآسرة التي تشي بذكاءٍ فطريّ وحضورٍ لا يمرّ خافتًا. تعلّقت به، ثم تزوّجته، وقد رأت فيه ما ترجوه من شريك حياة، ووجدت له في قلبها حبًّا جمًّا، وإعجابًا يتجدّد كلّما رأته يخرج في زِيّه الرسمي، منتصب القامة، تحوطه مهابةُ المهنة وبريقُ الرجل الذي اختارته.

انقضى النهار وهي غارقةٌ في أوراقها، حتى طُرق البابُ بلطف، ودخلت انتصارُ تسبقها ابتسامتها الصافية. كانت تعمل معها منذ ثلاث سنوات، ثم تجاوزت الزمالةُ حدود المكاتب والملفّات، ورسخت بينهما صداقةٌ وثيقة لا يُكدّرها تنافسٌ ولا تعبرها مصلحة. نظرت انتصار إلى الساعة، ثم إلى الأوراق المتراكمة أمام سناء.
«أما زلتِ هنا؟ أوشك الدوامُ أن ينتهي، واليومُ ليس ككلّ يوم.»
رفعت سناء رأسها مستفهمة، فابتسمت انتصار واتّسعت عيناها:
«ذكرى زواجكما! ماذا أعددتِ لها؟»
لوّحت سناء بمظروفٍ صغيرٍ كانت تخفيه بين الملفات. انتزعت انتصارُه منها في فضولٍ محبّ، وما إن أبصرت تذكرتي الطائرة حتى شهقت: إلى باريس؟
أومأت سناءُ، وفي عينيها بريق طفلةٍ تُخفي هديّةً كبيرة.

كانت قد رتّبت أسبوعًا كاملًا في باريس تعويضًا عن رحلة العسل التي حرمتْهما منها ظروفُ العمل عند زواجهما. أرادت أن تُفاجئه، وأن تستعيد معه شيئًا من بداياتهما التي ابتلعتها المواعيد والواجبات. بقيت في مكتبها حتى المساء تُنهي ما قد يتعطّل في غيابها، ثم عانقت انتصار، وأوصتها ببعض الأوراق العالقة، وانطلقت تحمل إلى بيتها تذكرتين وقلبًا يسبقهما.

في الطريق، اشترت لعصام ساعةً كان قد أعجب بها منذ أشهر، ثم عدل عن شرائها لأنّ ثمنها بدا له مبالغًا فيه. وضعت العلبة في حقيبتها إلى جانب التذكرتين، وظلّت تتخيّل دهشته حين يفتحهما، وكيف سيضحك من قدرتها على إخفاء المفاجأة عنه. لم تكن تدري أنّ بعض الأبواب حين تُفتح قبل موعدها لا تكشف مفاجأةً سعيدة، بل تكشف عمرًا كاملًا كان يُعاش خلف صاحبه.

شعرت بخفقٍ عنيفٍ في صدرها حين أبصرت سيارة الشرطة واقفةً أمام المنزل. كان عصام لا يعود عادةً قبل السابعة مساءً، ولم يتجاوز الوقت الخامسة. قالت لعلّ طارئًا أعاده، أو أنّه جاء ليأخذ شيئًا نسيه. غير أنّ قلبها لم يطمئنّ إلى ما قاله عقلها، وظلّ يدقّ في أضلاعها كطائرٍ اصطدم فجأةً بزجاجٍ لا يراه.

دخلت البيت.
كان الصمتُ في الطابق الأرضيّ كثيفًا على نحوٍ غريب. وضعت حقيبتها فوق الطاولة، ثم لمحت على أولى درجات السُّلّم قطعةَ ثيابٍ ملقاةً في غير موضعها. رفعتها. كانت سترةَ امرأة.
رفعت رأسها نحو الأعلى، وكأنّ الدرج قد طال فجأةً حتى صار جبلًا لا تقدر قدماها على صعوده. وعلى الدرجة التالية ظهر حذاءٌ نسائيّ، ثم قميصُ عصام، ثم حزامُه، أشياءُ متناثرةٌ ترسم لها الطريقَ إلى الحقيقة قطعةً قطعة. كانت تسمع فوقها همساتٍ متقطّعة، وحركةً مكتومة، ثم صوت امرأةٍ تضحك.

تعلّقت المرأة برقبة عصام، وهمست له أن يستغلّا الوقت قبل عودة زوجته. لم تكن تعلم أنّ الزوجة تقف وراء الباب، تحمل في حقيبتها تذكرتين إلى باريس، وفي صدرها عشرات السنين التي لم تقع بعد.
دفعت سناءُ باب الغرفة. لم تعرف بعد ذلك كيف بقيت واقفة.
كان عِصامٌ أمامها عاريًا من كلّ شيء؛ من ثيابه، ومن صورته، ومن الرجل الذي عاش في قلبها أعوامًا. وإلى جواره زميلةٌ له من مركز الشرطة، تتراجع مذعورةً وتشدّ الغطاء إلى جسدها.

علا نشيجُ سناء، ثم تحوّل إلى صرخةٍ خرجت من موضعٍ أعمق من الحنجرة:
«اخرجا… اخرجا كلاكما من بيتي!»

هبّ عصام مرتبكًا، وأخذ يبحث عن كلماته بين الثياب المبعثرة. حاول أن يقترب منها، وأن يطلب منها الهدوء، لكنّها كانت قد لمحت مسدّسه الخدميّ فوق قميصه. اختطفته.
لم تُرِد قتلهما، ولم تكن قد فكّرت في قتل أحد. أرادت فقط أن تصنع بين جسدها المنهار وبينهما مسافةً لا يجرؤان على عبورها. صوّبت السلاح نحوهما، وكرّرت بصوتٍ يقطعه البكاء:
«اخرجا من هنا.»

رفع عصام يديه، وأخذ يحدّثها ببطء. كانت كلماته تتساقط عند قدميها بلا معنى؛ خطأ، ضعف، لحظة عابرة، لم يقصد، ما زال يحبّها. كلُّ لفظٍ منها كان يزيد المشهد قبحًا، كأنّه يريد أن يضع ستارةً لغويّةً رقيقةً على سريرٍ لا يزال دافئًا بالخيانة. وفي غفلةٍ من سناء، امتدّت يدُ المرأة الأخرى إلى حقيبتها، وأخرجت مسدّسها الخدميّ. صوّبته نحوها، وطلبت منها أن تلقي السلاح.

تجمّدت العيون الثلاث.

امرأتان تحمل كلٌّ منهما مسدّسًا، ورجلٌ يقف بين زوجته وعشيقته، عاجزًا عن حماية إحداهما من الكارثة التي صنعها بيديه. اندفع عصام نحو سناء يريد انتزاع السلاح. قاومته، وتعلّقت أصابعُهما بالقبضة، ثم انطلقت الرصاصة. كان صوتها أقصر من الخيانة، لكنّها أنهت ما بدأته الخيانة كلّه.
تراجعت سناءُ خطوةً، ونظرت إلى البقعة الحمراء تتفتّح فوق صدرها، كما لو أنّها تنظر إلى وردةٍ لم تضعها هي في هذا المساء. سقط المسدّس من يدها، ثم سقطت هي فوق الثياب الملقاة على الأرض. انفرجت حقيبتها. خرجت منها علبةُ الساعة، ثم انزلقت تذكرتا الطائرة حتى استقرّتا قرب يدها. جثا عصام إلى جوارها، يضغط كفّيه على الجرح ويصرخ باسمها. أمّا عيناها، فظلّتا معلّقتين لحظاتٍ بصورةٍ لم يرها سواه: باريس بعيدةً وبيضاء، وهو يسير إلى جوارها لا إلى جوار امرأةٍ أخرى.
ثم غابت الصورة.

قرّرت المحكمة أنّ الرصاصة انطلقت خطأً أثناء صراعٍ على السلاح، وأنّ عصامًا حاول نزع المسدّس اتّقاءً لخطرٍ وشيك. لم يثبت أنّه قصد قتل زوجته، ولم يكن القانون يحاكمه على الأحداث الذي سبقت الرصاصة، بل على اللحظة التي ضغطت فيها إصبعٌ، لا يعرف أحدٌ أيّها، الزناد.

قضى أقلّ من شهرٍ موقوفًا، ثم خرج بريئًا من تهمة القتل. كانت انتصارُ تجلس في آخر القاعة حين نطق القاضي بالحكم. لم تصرخ، ولم تعترض، لكنّ دمعتين انحدرتا فوق وجنتيها كخيطين من حريرٍ حارق. كانت تعرف أنّ القتل لا يردّ المقتول، وأنّ القصاص حقّ للدولة لا للأفراد، وأنّ الغضب إذا لبس ثوب العدالة ظلّ غضبًا. عرفت ذلك كلّه، وردّدته في نفسها لياليَ كثيرة، غير أنّ صورة سناء وهي تعرض عليها تذكرتي باريس لم تفارقها. كانت ترى ابتسامتها كلّما أغمضت عينيها، ثم تراها محمولةً في نعشٍ ضيّق، فيما الرجل الذي خانها وخرج من موتها حيًّا يستأنف أيامه كأنّ ما حدث عثرةٌ قانونيّةٌ وانتهت.

تزوّج عصامُ زميلتَه بعد شهور.
لم يكن الزواج خاتمةَ حبٍّ بقدر ما كان محاولةً لإلباس الخطيئة ثوبًا شرعيًّا متأخّرًا. انتقلت إلى البيت نفسه، ونامت في الغرفة نفسها، وأخذت تُزيح آثار سناء من زواياه رويدًا؛ ثوبًا من خزانة، وكتابًا من رفّ، وصورةً من جدار. بقيت في الحديقة شجرةٌ كبيرة، كان عصام وسناء قد حفرا في جذعها، يوم اشتريا المنزل، قلبًا صغيرًا يضمّ اسميهما.

لم تستطع المرأة الجديدة إزالةَ ذلك القلب. كلّما جلست في الحديقة رأته أمامها، شاهدًا لا يتكلّم، لكنه لا ينسى. حاولت أن تغطّيه بالطلاء، فتشقّق الطلاء وظهر الحفر من تحته. علّقت فوقه أصيصًا من الورد، فذبل الورد وبقي الاسمان. وفي عصر يومٍ ربيعيّ، كان عصام يقصّ حشائش الحديقة، فيما كانت زوجته ترتّب بعض الزهور في الجهة الأخرى.

خلف سورٍ قريب، وقفت انتصار. كانت تمسك مسدّسًا أخْرَس، وكفّها ترتجف بين الغيظ والخوف. راقبته طويلًا، ورأت في ظهره الرجل الذي أعادته المحكمة إلى الحياة، بينما بقيت صديقتها تحت التراب. رفعت السلاح، وصوّبته نحو قلبه. في اللحظة التي ضغطت فيها الزناد، تحرّك عصام خطوةً إلى الجانب ليلتقط أداةً من الأرض. عبرت الرصاصة الموضع الذي كان فيه صدره، واستقرّت عميقًا في جذع الشجرة، عند القلب المحفور الذي يضمّ اسمه واسم سناء.

لم يسمع أحدٌ شيئًا. ارتبكت انتصار، وأخفت السلاح في حقيبتها، ثم مضت مسرعةً، تحمل معها خيبةً أخرى وخطيئةً لم تكتمل.

في عصر اليوم التالي، كانت زوجة عصام تجلس في الحديقة، تتأمّل الشجرة في ضيق. وقعت عيناها مرّةً أخرى على القلب المحفور، فشعرت كأنّ سناء ما زالت تتقاسم معها البيت والرجل والهواء. قالت لعصام إنّها لم تعد تُطيق رؤية الشجرة، وإنّ الاسم المحفور عليها يطاردها كلّما خرجت إلى الحديقة. كان يستطيع أن يمحو الحفر، أو يزرع أمامه شجيرةً أخرى، لكنه أراد أن يطمئنها بأنّ الماضي لا يملك عنده جذرًا يستعصي على القطع.

أحضر المنشار الآليّ. جلسَت هي فوق مقعدٍ خشبيّ، تراقبُه في رضًا خفيّ، بينما علا صخبُ المنشار وهو ينهش الجذع. تناثرت نشارة الخشب في الهواء، وبدأ القلب المحفور يرتجف تحت أسنان السلسلة. انشطر اسمُ سناء أولًا، ثم اقترب النصلُ من اسم عصام. وفجأةً اصطدمت أسنان المنشار بجسمٍ معدنيّ مدفون في جوف الشجرة. صرخ الحديدُ في الحديد. انفجرت الرصاصة القديمة إلى شظيّةٍ حادّة، قذفها دورانُ السلسلة من قلب الجذع مباشرةً نحو صدره.

رفع عصام يده إلى الجهة اليسرى من صدره، ونظر إلى الدم الذي بدأ يتسرّب بين أصابعه. حاول أن يتكلّم، لكنّ ساقيه خانتاه، فتهاوى إلى الأرض قرب الشجرة التي أراد اقتلاعها. صرخت زوجته، وأسرعت تطلب الإسعاف. ظنّت أنّ قلبه انهار من أثر الجهد، ولم ترَ الثقب الصغير تحت كفّه، ولا تعرف أنّ رصاصةً نامت ليلةً كاملةً داخل شجرة، تنتظر أن يوقظها بيده.

وصل المسعفون، فوجدوه جثّةً هامدة. وفي جذع الشجرة، كان القلب المحفور قد تشقّق نصفين. اختفى اسم سناء تحت القطع، وبقي من اسم عصام حرفان مغموسان في الدم ونشارة الخشب.
قال تقرير الطبّ الشرعي إنّ شظيّةً معدنيّةً نافذة أصابت قلبه، وإنّ مصدرها رصاصةٌ قديمة استقرّت في الجذع قبل ساعات لا يعرف أحدٌ مَن أطلقها. وفي الحديقة، ظلّت الشجرة قائمةً تحمل في جوفها أثرَ رصاصة، وعلى جذعها بقايا قلب، وتحتها بقعةَ دمٍ جفّت ببطء. ولم تكن الرصاصة قد أخطأت قلبَ عصام. كانت فقط قد تأخّرت يومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى