بين جسارة الطين ولطافة الروح
تَتَجَلَّى فِي مَلَكُوتِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ أَسْرَارٌ عِصِيَّةٌ لَا يُفَضُّ خِتَامُهَا بِصَخَبِ العُقُولِ العَجْلَى، وَلَا تُسْتَخْرَجُ دُرَرُهَا مِنْ قَاعِ الرُّوحِ إِلَّا بِصَمْتٍ بَلِيغٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَغُوصُ فِي لُجَّةِ المَعْنَى دُونَ أَنْ يُكَدِّرَ صَفَاءَهَا بِمِجْدَافِ الفُضُولِ. فَفِي حَنَايَا الصَّدْرِ مُضْغَةٌ صِيغَتْ فِي بَادِئِ الأَمْرِ مِنْ كَثَافَةِ الطِّينِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهَا مِنْ رُوحِ الجَلَالِ العُلْوِيِّ مَا جَعَلَهَا أَعْجَبَ مِنَ الطِّينِ وَأَرْفَعَ مِنَ المَادَّةِ، فَإِذَا هِيَ قَلْعَةٌ شَمَّاءُ تَسْتَعْصِي عَلَى عَوَاصِفِ العَدَمِ، وَمِشْكَاةٌ خَفِيَّةٌ تُوقِدُ فِي دَاخِلِهَا مَا لَا تَرَاهُ العُيُونُ مِنْ أَقْمَارِ البَصِيرَةِ وَشُمُوسِ اليَقِينِ، وَتَقِفُ كَالطَّوْدِ الأَشَمِّ فِي وَجْهِ صُرُوفِ الدَّهْرِ العَاتِيَةِ.
وَبَيْدَ أَنَّ هَذَا الحِصْنَ المَنِيعَ، عَلَى مَا أُوتِيَ مِنْ بَأْسٍ وَصَلَابَةٍ، لَا يَبْلُغُ كَمَالَهُ حِينَ يَتَحَجَّرُ، وَلَا يَسْتَكْمِلُ سِيَادَتَهُ حِينَ يَغْلِقُ أَبْوَابَهُ فِي وَجْهِ النَّدَى، بَلْ حِينَ تَعْتَرِيهِ رَجْفَةٌ قُدْسِيَّةٌ تُحِيلُ صَخْرَهُ الأَصَمَّ إِلَى مَاءٍ مَعِينٍ يَتَدَفَّقُ بِزُلَالِ الحَيَاةِ، وَتُذِيبُ جَلِيدَ صَرَامَتِهِ الكَأْدَاءِ فِي مَشَارِقِ النُّورِ المُمَدَّدِ إِلَى أَقَاصِي الأَبَدِ. هُنَاكَ، وَهُنَاكَ وَحْدَهُ، تَنْبَثِقُ الرِّقَّةُ لَا كَضَعْفٍ يُرْثَى لَهُ، بَلْ كَسِرِّ_ مِنْ أَسْرَارِ القُوَّةِ حِينَ تَتَطَهَّرُ مِنْ غِلْظَتِهَا، وَكَتَاجٍ مِنْ تِيجَانِ السِّيَادَةِ حِينَ تَتَخَلَّى عَنْ صَلَفِهَا لِتَصِيرَ أَنْبَلَ وَأَبْهَى وَأَبْقَى.
إِنَّهَا الرِّقَّةُ؛ تِلْكَ الحَالَةُ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةِ البَاذِخَةُ الَّتِي لَا تَحُلُّ فِي نَفْسٍ إِلَّا زَانَتْهَا بِتَاجِ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ، وَلَا تَمَسُّ قَلْبًا إِلَّا رَفَعَتْهُ مِنْ رَسْفِ المَادَّةِ الخَرْقَاءِ إِلَى شَفَافِيَّةِ الأَثِيرِ العُلْوِيِّ الأَنْقَى. وَلَيْسَتِ الرِّقَّةُ، فِي قَامُوسِ السِّيَادَةِ الشُّعُورِيَّةِ، اِنْكِسَارًا يَعْتَرِي وُجْدَانَ الضُّعَفَاءِ، وَلَا اِسْتِجْدَاءً مَهِينًا يُرِيقُ مَاءَ المَهَابَةِ وَالوَقَارِ فِي دُرُوبِ العَاجِزِينَ، بَلْ هِيَ اِسْتِحْقَاقٌ سِيَادِيٌّ عَمِيقٌ يَتَجَلَّى فِيهِ الكِيَانُ البَشَرِيُّ فِي أَبْهَى صُوَرِ كَمَالِهِ، حِينَ يُدْرِكُ المَرْءُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ أَنَّ الخُضُوعَ لِسَطْوَةِ الجَمَالِ هُوَ قِمَّةُ التَّعَالِي عَلَى القُبْحِ، وَأَنَّ اللِّينَ النَّبِيلَ فِي مَوَاطِنِ الشُّعُورِ هُوَ جَوْهَرُ القُوَّةِ البَاطِنِيَّةِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ وَلَا تُضَامُ.
كَأَنَّ القَلْبَ المُرْهَفَ بِهَذَا الصَّفَاءِ كَوْكَبٌ ضَائِيٌّ يَدُورُ فِي مَدَارَاتِ النُّورِ الخَفِيِّ، يَلْتَقِطُ بِحَسَاسِيَّتِهِ النَّبِيلَةِ مِنْ شُعَاعِ الكَوْنِ مَا يَصْقُلُ بِهِ مَرَايَاهُ الدَّاخِلِيَّةَ، لِيَعْكِسَ وَجْهَ الحَقِيقَةِ لَا كَمَا تُشَوِّهُهَا مَطَامِعُ الحِسِّ، بَلْ كَمَا تَتَجَلَّى لِلـرُّوحِ حِينَ تَغْتَسِلُ فِي مَاءِ الصِّدْقِ الأَوَّلِ. ذَلِكَ أَنَّ القَلْبَ الَّذِي لَا يَرِقُّ لَا يَكُونُ قَوِيًّا، بَلْ يَكُونُ مَحْجُوبًا عَنْ جَوْهَرِ قُوَّتِهِ؛ وَالنَّفْسَ الَّتِي لَا تَهْتَزُّ لِلْجَمَالِ لَا تَكُونُ مُتَعَالِيَةً، بَلْ تَكُونُ مَحْرُومَةً مِنْ أَشْرَفِ مَا يُؤَهِّلُهَا لِلْعُلُوِّ.
وَمَا أَعْجَبَ صَنِيعَ المُؤَثِّرَاتِ الخَفِيَّةِ حِينَ تَتَسَلَّلُ فِي هُدُوءٍ مُرِيبٍ إِلَى مِحْرَابِ الفُؤَادِ السَّاهِرِ مُحَمَّلَةً بِأَسْرَارِهَا العَمِيقَةِ؛ فَهِيَ لَا تَقْرَعُ بَابًا مُغْلَقًا، وَلَا تَسْتَأْذِنُ حَارِسًا مُتَيَقِّظًا، بَلْ تَنْفُذُ نُفُوذَ الأَرْوَاحِ المُجَنَّحَةِ فِي الأَجْسَادِ البَالِيَةِ فَتُحْيِيهَا بَعْدَ مَوَاتٍ، وَتَمُرُّ عَلَى الجَفَاءِ المُوحِشِ فَتُحِيلُهُ وِدَادًا عَابِقًا يَمْلأُ الرَّحَابَ، وَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى الوَحْشَةِ الخَرْقَاءِ فَتَسْتَحِيلُ أُنْسًا مُقِيمًا يَنْفِي كُلَّ رَهْبَةٍ. قَدْ تَكُونُ اللَّحْظَةُ فِي ظَاهِرِهَا صَغِيرَةً لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا العَابِرُونَ، فَإِذَا هِيَ فِي بَاطِنِهَا مَفْصِلٌ مِنْ مَفَاصِلِ المَصِيرِ الدَّاخِلِيِّ؛ نَظْرَةٌ رَحِيمَةٌ، أَوْ لَحْنٌ شَجِيٌّ، أَوْ ذِكْرَى مُضَاءَةٌ، أَوْ رَائِحَةُ أَرْضٍ اِبْتَلَّتْ بِالمَطَرِ، أَوْ أَثَرُ حُبٍّ صَادِقٍ يَمُرُّ عَلَى الرُّوحِ فَيُعِيدُ تَرْتِيبَ فَوْضَاهَا كَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً مِنَ العِنَايَةِ أَعَادَتْ نَظْمَ كَوَاكِبِهَا.
إِنَّهَا مَفَاتِيحُ الغَيْبِ الوِجْدَانِيِّ الَّتِي أُودِعَتْ كَوَدَائِعَ مُقَدَّسَةٍ فِي خَزَائِنِ الوُجُودِ، نَتَلَمَّسُهَا فِي لَيْلِ التِّيهِ البَشَرِيِّ، فَتُضِيءُ لَنَا قَنَادِيلَ السَّلْوَى، وَتُعِيدُ بِهَنْدَسَةٍ سِرِّيَّةٍ تَرْتِيبَ فَوْضَى المَشَاعِرِ بِنَسَقٍ عُضْوِيٍّ مُعْجِزٍ؛ يَتَوَلَّدُ فِيهِ المَعْنَى مِنْ صُلْبِ المَعْنَى كَمَا يَنْبَثِقُ الفَجْرُ مِنْ كَبِدِ الظَّلَامِ، وَتَنْبَثِقُ الصُّورَةُ مِنْ رَحِمِ الصُّورَةِ، وَيَتَدَلَّى الإِحْسَاسُ كَعُنْقُودِ كَرْمٍ فِي جَنَّةٍ خَفِيَّةٍ يَقْطُرُ مِنْهُ شَهْدُ البَيَانِ المُصَفَّى لِيُسْكِرَ لُبَّ السَّالِكِينَ فِي دُرُوبِ العِشْقِ الإِنْسَانِيِّ النَّبِيلِ. وَهَذِهِ المَفَاتِيحُ الآسِرَةُ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَظَاهِرُهَا وَتَلَوَّنَتْ أَشْكَالُهَا فِي عُيُونِ النَّاظِرِينَ، فَإِنَّهَا تَتَوَحَّدُ كُلُّهَا فِي غَايَةٍ جَلِيلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ أَلَا وَهِيَ رَفْعُ كِيَانِ الذَّاتِ عَنْ مُسْتَنْقَعِ طِينِ الحَوَاسِّ الكَثِيفِ، وَالطَّيَرَانُ بِهَا إِلَى فَضَاءِ الإِحْسَاسِ الرَّهِيفِ الأَرْحَبِ، حَيْثُ تَتَنَفَّسُ المَعَانِي المُجَرَّدَةُ كَأَنَّهَا كَائِنَاتٌ حَيَّةٌ مَلْمُوسَةٌ، لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ رِضًا تُحَلِّقُ بِهَا فِي سَمَاوَاتِ النَّقَاءِ، وَمَخَالِبُ مِنْ لَهْفَةٍ تَنْهَشُ قُشُورَ التَّبَلُّدِ، وَتَحْرُسُ هَيْكَلَ الرُّوحِ أَبَدَ الدَّهْرِ مِنْ غَوَائِلِ العَادَةِ وَسَأَمِ التَّكْرَارِ الَّذِي يَغْتَالُ بَكَارَةَ الشُّعُورِ.
فَإِذَا مَا طُفْنَا فِي مَقَامَاتِ هَذَا البَهَاءِ المَمْدُودِ نَسْتَجْلِي صُوَرَهُ، تَبَدَّتْ لَنَا الرَّحْمَةُ كَأَوَّلِ غَيْثٍ سَمَاوِيٍّ يَغْسِلُ جَدْبَ الصُّدُورِ العَطْشَى، وَأَوَّلِ رَذَاذٍ مِنْ جَلَالٍ قُدْسِيٍّ يَمَسُّ شِغَافَ النَّفْسِ فَيُحِيلُهَا مِنْ صَحْرَاءَ لَاهِبَةٍ إِلَى رَوْضَةٍ غَنَّاءَ تَفُوحُ بِالنَّدَى. الرَّحْمَةُ، فِي عُمْقِهَا الوِجْدَانِيِّ، لَيْسَتْ عَبْرَةً بَاهِتَةً يَتَصَدَّقُ بِهَا قَوِيٌّ مُسْتَعْلٍ عَلَى ضَعِيفٍ مُسْتَكِينٍ فِي اِسْتِعْرَاضٍ أَجْوَفَ، وَلَا إِحْسَانًا بَارِدًا تُلْقِيهِ يَدٌ مُتَفَضِّلَةٌ مِنْ عَلُ، بَلْ هِيَ اِنْكِشَافٌ وُجُودِيٌّ مُذْهِلٌ، وَزِلْزَالٌ نَفْسِيٌّ عَمِيقٌ يُزِيلُ الحُجُبَ الصَّفِيقَةَ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الذَّوَاتِ البَشَرِيَّةِ، فَتَرَى فِي اِنْكِسَارِ غَيْرِكَ صَدًى لِشَرْخٍ قَدِيمٍ فِيكَ، وَفِي دَمْعَةِ المَكْسُورِ قَطْرَةً سَقَطَتْ مِنْ غَيْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الكُبْرَى.
الرَّحْمَةُ أَنْ تَرَى اِنْكِسَارَ العَالَمِ يَتَهَاوَى حَوْلَكَ فَتَسْعَى بِكُلِّ جَوَارِحِكَ لِتَجْبُرَهُ بِأَضْلَاعِكَ، وَأَنْ تُبْصِرَ دَمْعَةَ الكَوْنِ الحَزِينِ تَتَسَاقَطُ فِي صَمْتٍ فَتَتَلَقَّاهَا بِمَآقِيكَ الحَارَّةِ لِتَحْرِقَ بِهَا مَسَافَاتِ العُزْلَةِ، وَأَنْ تَسْمَعَ أَنِينَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الشَّكْوَى فَتُجِيبَهُ بِحَنَانٍ لَا يَسْأَلُهُ عَنْ بُرْهَانِ وَجَعِهِ. وَحِينَ تَتَنَزَّلُ سَكِينَةُ الرَّحْمَةِ بِلُطْفِهَا العَجِيبِ عَلَى القَلْبِ البَشَرِيِّ، يَنْخَلِعُ عَنْهُ، فِي مَحْضِ إِرَادَتِهِ، سِرْبَالُ الأَنَانِيَّةِ المُوحِشِ الَّذِي كَانَ يَعْزِلُهُ فِي زِنْزَانَةِ ذَاتِهِ عَنْ وُجُودِهِ الأَوْسَعِ، وَيَلْبَسُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ الكَرِيمِ بُرْدَةَ الحُلُولِ الإِنْسَانِيِّ الأَكْبَرِ. فَتَرَاهُ يَهْتَزُّ، فِي وَقَارٍ ثَابِتٍ وَهَيْبَةٍ سَاطِعَةٍ، لِأَنَّةِ طَائِرٍ مَكْسُورِ الجَنَاحِ كَأَنَّهَا ضَرْبَةٌ قَاصِمَةٌ تَقْصِمُ ظَهْرَ أَمَانِهِ الشَّخْصِيِّ، وَيَرِقُّ لِعَبْرَةِ يَائِسٍ تَقَطَّعَتْ بِهِ حِبَالُ الأَسْبَابِ حَتَّى لَيَوَدُّ فِي صِدْقِ نَجْوَاهُ لَوْ صَاغَ مِنْ خُيُوطِ رُوحِهِ خَيْمَةً خَضْرَاءَ تُظِلُّهُ وَتَقِيهِ لَفْحَ الأَيَّامِ الكَالِحَةِ.
فِي هَذَا المَمْشَى الأَرُسْتُقْرَاطِيِّ لِلْعَطَاءِ وَالبَذْلِ الرُّوحِيِّ، يَصِيرُ القَلْبُ مَلِكًا يَتَوَّجُهُ الإِيثَارُ بِتَاجِهِ، فَلَا يَسْتَعْلِي بِمَا يَمْلِكُ مِنْ سَطْوَةٍ عَلَى الخَلْقِ، بَلْ يَسْتَمِدُّ سِيَادَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ مِنْ قُدْرَتِهِ الفَائقَةِ عَلَى هَذَا الِاحْتِوَاءِ الجَلِيلِ. إِنَّهَا الرَّحْمَةُ، تِلْكَ الآيَةُ الَّتِي لَا تُفَسَّرُ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تُعَاُش، وَلَا تُفْهَمُ إِلَّا حِينَ تَصِيرُ نَبْضًا فِي اليَدِ، وَضَوْءًا فِي العَيْنِ، وَأَدَبًا فِي القُوَّةِ، وَسَكِينَةً فِي القُدْرَةِ. تُحِيلُ الرَّحْمَةُ وَحْشِيَّةَ الإِنْسَانِ الجَشِعِ إِلَى أَنَاقَةٍ مَلَائِكِيَّةٍ، وَتَجْعَلُ مِنْ نَبْضِهِ تَرْتِيلًا سِرِّيًّا يَتَّسِقُ مَعَ إِيقَاعِ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ فِي صَدْرِ الوُجُودِ الرَّحِيبِ، صَانِعَةً مِنْهُ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى أَنَّ الجَمَالَ الإِنْسَانِيَّ لَا يَسْتَقِيمُ عُودُهُ إِلَّا فِي مِحْرَابِ الرِّفْقِ، وَأَنَّ صَلَابَةَ العَقْلِ لَا تَكْتَمِلُ سِيَادَتُهَا إِلَّا بِنَدَى العَاطِفَةِ المِعْطَاءِ.
وَمِنْ مِشْكَاةِ الرَّحْمَةِ، يَنْبَلِجُ فِي سَمَاءِ الرُّوحِ سَنَاءُ الفَنِّ الرَّفِيعِ؛ ذَلِكَ السِّحْرُ الحَلَالُ الَّذِي يَسْتَنطِقُ الجَمَادَ الأَبْكَمَ بِلُغَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَرْجُمَانٍ، وَيَنْفُخُ فِي رَوْعِ الصَّمْتِ السَّاكِنِ أَبْجَدِيَّةَ الدَّهْشَةِ الَّتِي لَا تُحَدُّ بِأُفُقٍ. وَلَيْسَ الفَنُّ الأَصِيلُ فِي عُرْفِ البَصَائِرِ مُجَرَّدَ لَوْنٍ يُسْكَبُ عَبَثًا عَلَى قُمَاشٍ أَصَمَّ لِيَخْدَعَ العَيْنَ، أَوْ لَحْنًا سَاذَجًا يَتَبَدَّدُ فِي جَوْفِ الفَضَاءِ الخَالِي بِلَا أَثَرٍ، أَوْ حَرْفًا يُزَيِّنُ صَفْحَةً عَابِرَةً ثُمَّ يَذْبُلُ فِي عَيْنِ القَارِئِ، بَلْ هُوَ فِيزْيَاءُ المَجَازِ حِينَ تَتَجَسَّدُ العَوَاطِفُ كَائِنَاتٍ بَصَرِيَّةً وَسَمْعِيَّةً تَمْلِكُ قُوَّةَ التَّأْثِيرِ وَالِاخْتِرَاقِ، تُحَلِّقُ بِالخَيَالِ إِلَى ذُرَا العَبْقَرِيَّةِ، وَتُضَمِّخُ ذَاكِرَةَ الزَّمَانِ بِعُطُورِ الخُلُودِ الَّتِي لَا تَتَبَخَّرُ.
فَإِذَا وَقَفَ القَلْبُ بِتَبَتُّلٍ خَاشِعٍ فِي مِحْرَابِ الفَنِّ، تَمَزَّقَتْ سُتُرُ المَادَّةِ الخَرْقَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُغَلِّفُ حَوَاسَّهُ كَشَرْنَقَةٍ خَانِقَةٍ، وَشَفَّ الكِيَانُ ذَاتُهُ حَتَّى لَيَكَادُ يُضِيءُ بِلَا نَارٍ تَمَسُّهُ كَمِشْكَاةٍ مُبَارَكَةٍ. حِينَ تَسْمَعُ أُذُنُ الوِجْدَانِ لَحْنًا شَجِيًّا صِيغَ بِمِدَادِ الحَيْرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الكُبْرَى لِيَشْرَحَ غُرْبَةَ الرُّوحِ فِي سِجْنِهَا الطِّينِيِّ، أَوْ حِينَ تَقْرَأُ بَصِيرَتُكَ حَرْفًا أَدَبِيًّا شَامِخًا بُنِيَ كَقَلْعَةٍ مِنْ بَلُّورٍ صَافٍ يَتَحَدَّى هَشَاشَةَ العَصْرِ، يَنْتَفِضُ القَلْبُ اِنْتِفَاضَةَ العُصْفُورِ الَّذِي بَلَّلَتْ رِيشَهُ قَطَرَاتُ النَّدَى فِي صَبَاحٍ بَاكِرٍ؛ لَا خَوْفًا مِنْ بَرْدِ الحَقِيقَةِ العَارِيَةِ الَّتِي تَتَجَلَّى لَهُ، بَلْ شَوْقًا جَارِفًا وَتَوْقًا لَاهِبًا إِلَى مَوْطِنِهِ الأَوَّلِ فِي عَالَمِ المُثُلِ العُلْيَا.
إِنَّ الفَنَّ الصَّادِقَ يُمَسِّدُ تَجَاعِيدَ المَشَاعِرِ المُتْعَبَةِ بِكَفٍّ خَفِيَّةٍ مِنْ نُورٍ رَحِيمٍ، وَيَسْتَلُّ خَنَاجِرَ الكَمَدِ المَغْرُوسَةَ بِعُمْقٍ فِي صَدْرِ الأَيَّامِ الغَوَابِرِ، لِيَزْرَعَ مَكَانَهَا شَقَائِقَ نُعْمَانٍ تَتَنَفَّسُ مِسْكَ الصِّدْقِ وَعَبَقَ الجَلَالِ. وَفِي حَضْرَةِ هَذَا الفَنِّ السَّيِّدِ المُطَاعِ، يَتَخَلَّى المَرْءُ عَنْ قَسْوَتِهِ طَوَاعِيَةً وَبِكِبْرِيَاءٍ عَجِيبٍ لَا مَذَلَّةَ فِيهِ؛ فَيَبْكِي بِلَا هَوَانٍ، وَيَبْتَسِمُ بِلَا سَبَبٍ ظَاهِرٍ يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ، وَيَشْعُرُ أَنَّ فِي أَعْمَاقِهِ طِفْلًا قَدِيمًا مَا زَالَ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الدَّهْشَةِ الأُولَى. هُنَاكَ تَمْتَزِجُ صَلَابَةُ العَقْلِ بِعُذُوبَةِ الإِلْهَامِ الرَّوْحَانِيِّ، لَا لِتُبْطِلَ الأُولَى الثَّانِيَ، وَلَا لِيُرْخِيَ الثَّانِي عَزْمَ الأُولَى، بَلْ لِيُصْبِحَ المَرْءُ مُشَاهِدًا بَصِيرًا يَرَى مَا وَرَاءَ الأَشْيَاءِ، وَصَائِغًا عَبْقَرِيًّا لِأَسْرَارِ النَّفْسِ، لَا مُجَرَّدَ صَدًى خَافِتٍ يَتَرَدَّدُ فِي وِدْيَانِ العَدَمِ المُقْفِرَةِ.
إِنَّ الفَنَّ لَا يُرَقِّقُ القَلْبَ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ حُدُودَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ يُعَلِّمُهُ أَنَّ لِلْحُدُودِ نَوَافِذَ، وَلِلْحَوَادِثِ أَرْوَاحًا، وَلِلْأَشْيَاءِ البَكْمَاءِ لُغَةً لَا يُحْسِنُ سَمَاعَهَا إِلَّا مَنْ جَلَسَ فِي مَدْرَسَةِ الحُسْنِ خَاشِعًا لَا مُتَكَبِّرًا. فَفِي ضَرْبَةِ رِيشَةٍ قَدْ تَنْفَتِحُ مَمْلَكَةٌ، وَفِي اِنْكِسَارِ نَغْمَةٍ قَدْ يَنْهَضُ عُمْرٌ كَامِلٌ مِنْ رُكَامِهِ، وَفِي بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ قَدْ يَجِدُ الإِنْسَانُ مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي مَجَالِسِ الحِكْمَةِ كُلِّهَا. فَالفَنُّ، فِي أَرْفَعِ مَقَامَاتِهِ، لَا يُزَيِّنُ الحَيَاةَ فَحَسْبُ، بَلْ يَرُدُّهَا إِلَى أَصْلِهَا الجَمِيلِ، وَلَا يُلَهِّي الرُّوحَ عَنْ جِدِّيَّةِ الوُجُودِ، بَلْ يَكْشِفُ لَهَا أَنَّ أَعْمَقَ الجِدِّ قَدْ يَأْتِي مُتَوَّجًا بِزَهْرَةٍ وَنَغْمَةٍ وَدَمْعَةٍ لَا تَسْتَأْذِنُ.
وَلَا يَقِفُ مَدَارُ التَّرْقِيقِ الوِجْدَانِيِّ وَهَنْدَسَةِ الرِّقَّةِ عِنْدَ خَوَارِجِ الأَشْيَاءِ المَرْئِيَّةِ وَالمَسْمُوعَةِ الحَاضِرَةِ فَقَطْ، بَلْ يَغُوصُ نَصْلُهُ مُتَوَغِّلًا بِجُرْأَةِ المُقَاتِلِ فِي مَتَاهَاتِ الزَّمَانِ السَّالِفِ الَّذِي اِنْقَضَى وَلَمْ يَفْنَ، هُنَاكَ حَيْثُ تَقْبَعُ الذِّكْرَيَاتُ الجَمِيلَةُ فِي صَنَادِيقِ الذَّاتِ المُغْلَقَةِ بِمَشِيئَةِ الحِفْظِ لَا الإِهْمَالِ، مَحْفُوظَةً بِخَتْمِ الحَنِينِ السِّرِّيِّ العَصِيِّ عَلَى الكَسْرِ كَلُؤْلُؤٍ مَكْنُونٍ فِي مَحَارِهِ الأَصِيلِ. إِنَّهَا أَطْيَافٌ لَطِيفَةٌ تَأْبَى أَنْ تَغِيبَ تَامًّا، تَلُوحُ مِنْ خَلْفِ سُجُوفِ الغَيْبِ الغَائِرِ فِي قَاعِ النَّفْسِ، تَتَرَاقَصُ بِبَهَاءٍ فِي مَحَاجِرِ العَيْنِ كَجَذْوَةٍ قُدْسِيَّةٍ اِنْفَلَتَتْ فِي غَفْلَةٍ مِنْ كَفِّ الخُلُودِ، لَا لِتُحْرِقَ القَلْبَ، بَلْ لِتُدَفِّئَ مَا بَرَدَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتُضِيءَ عَثَرَاتِ الطَّرِيقِ حِينَ تَغْشَاهُ العَتَمَةُ.
حِينَ يَخْتَلِي المَرْءُ ذُو الكِبْرِيَاءِ بِنَفْسِهِ بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ التَّفَاهَةِ، وَيَفْتَحُ دِيوَانَ العُمْرِ بِيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ بِالوَقَارِ، تَهُبُّ نَسَائِمُ ذِكْرَى صَافِيَةٍ كَمَاءِ المُزْنِ؛ ضِحْكَةُ صَدِيقٍ صَادِقٍ عَزَّ نَظِيرُهُ، أَوْ لَمْسَةُ كَفٍّ حَانِيَةٍ طَوَاهَا الرَّدَى فِي تُرَابِ النِّسْيَانِ المُتَوَهَّمِ، أَوْ صَبَاحٌ قَدِيمٌ كَانَتْ فِيهِ الأَرْضُ أَخَفَّ عَلَى القَدَمَيْنِ، وَالسَّمَاءُ أَقْرَبَ إِلَى الجَبِينِ، وَالكَلِمَاتُ أَطْهَرَ مِنْ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ المَحَبَّةِ. هُنَالِكَ يَذُوبُ جَلِيدُ الوَاقِعِ الصَّلْدِ تَحْتَ حَرَارَةِ ذَلِكَ البَوْحِ الصَّامِتِ الَّذِي يَعْصِفُ بِالجَوَانِحِ، وَيَكْتَشِفُ القَلْبُ أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَرِدَّ كُلَّ مَا أَعْطَاهُ، وَأَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ تَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ السَّاعَةِ لِتَدْخُلَ فِي حِرَاسَةِ الرُّوحِ.
وَلَيْسَتِ الذِّكْرَى هُنَا نُكُوصًا سَلْبِيًّا إِلَى المَاضِي هَرَبًا مِنْ حَاضِرٍ بَائِسٍ يَعْجِزُ عَنْ تَلْبِيَةِ طُمُوحِ الرُّوحِ، وَلَا هِيَ اِسْتِجْدَاءٌ مَرِيضٌ لِلْأَسَى المَاضِي لِيَقْتَاتَ عَلَى مَا تَبَقَّى مِنْ نَبْضٍ، بَلْ هِيَ اِنْتِصَارٌ سِيَادِيٌّ مُطْلَقٌ لِلَحْظَةٍ زَمَنِيَّةٍ فَارِقَةٍ تَأَبَّتْ بِأَنَفَةٍ وَشُمُوخٍ عَلَى مَنَاجِلِ الفَنَاءِ، فَنَحَتَتْ نَفْسَهَا عَنْوَةً وَبِاقْتِدَارٍ فِي صَخْرَةِ الوِجْدَانِ لِتَبْقَى حَيَّةً أَبَدَ الدَّهْرِ. الذِّكْرَى الرَّفِيعَةُ لَا تُرَجِعُ الإِنْسَانَ إِلَى الوَرَاءِ، بَلْ تَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ؛ تُذَكِّرُهُ أَنَّ فِي دَاخِلِهِ مَسَاحَاتٍ بَيْضَاءَ لَمْ تُلَوِّثْهَا صَرَامَةُ الأَيَّامِ، وَأَنَّ العُمْرَ، مَهْمَا أَثْقَلَتْهُ الخُطُوبُ، يَحْتَفِظُ فِي قَاعِهِ بِحَبَّاتٍ مِنْ ذَهَبِ الشُّعُورِ الأَوَّلِ.
هَذِهِ الذِّكْرَيَاتُ الوَضَّاءَةُ تُشِيعُ الرِّقَّةَ فِي القَلْبِ المُقْفِرِ لِأَنَّهَا تُذَكِّرُهُ دَوْمًا بِعَظَمَةِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي عَاشَهَا، وَبِمَسَافَاتِهِ البَيْضَاءِ الشَّاسِعَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تُدَنِّسَهُ خُطُوبُ الحَيَاةِ. تَبْدُو تِلْكَ الذِّكْرَيَاتُ كَأَنَّهَا أَقْحُوَانُ المُرُوجِ حِينَ يَسْتَلْقِي بِخُيَلَاءَ عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ النَّدِيِّ فَيَنْفِي عَنْهَا خَبَثَهَا الخَبِيءَ، وَيُطَهِّرُ سَاحَتَهَا مِنْ دَنَسِ التَّبَلُّدِ. حِينَهَا يَعُودُ النَّبْضُ طِفْلًا بَرِيئًا يَلْهُو فِي حِضْنِ وُرُودِ المَاضِي العَابِقِ بِلَا تَكَلُّفٍ أَوْ تَصَنُّعٍ، وَتَتَأَلَّقُ البَصِيرَةُ بِصِدْقِ الشُّعُورِ الأَوَّلِ الَّذِي لَمْ يُلَوَّثْ، لِأَدْرَكَ المُتَأَمِّلُ العَمِيقُ أَنَّ مَا بَقِيَ رَاسِخًا فِي قَرَارَةِ النَّفْسِ إِنَّمَا هُوَ جَوْهَرُ الحَقِيقَةِ المُصَفَّى، لَا تَبْلِيهِ تَقَلُّبَاتُ الأَيَّامِ، وَلَا تُدَنِّسُهُ قَسْوَةُ الخُطُوبِ المُتَلَاحِقَةِ فِي مِضْمَارِ العَيْشِ.
وَإِذَا كَانَتِ الذِّكْرَى تُرَقِّقُ الدَّاخِل، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ القَلْبُ، مَهْمَا تَسَرْبَلَ بِدُرُوعِ الجَفَاءِ وَاحْتَمَى بِخَنَادِقِ المَنْطِقِ الصَّارِمِ، أَنْ يُقَاوِمَ نِدَاءَ الطَّبِيعَةِ البِكْرِ حِينَ تَتَجَلَّى لَهُ آيَةً نَاطِقَةً مِنْ آيَاتِ الجَلَالِ المُبِينِ، وَسِفْرًا مَقْرُوءًا مِنْ أَسْفَارِ الرَّوَاءِ الإِلَهِيِّ؟ إِنَّ الطَّبِيعَةَ، فِي عُرْفِ السِّيَادَةِ البَيَانِيَّةِ وَالعُمْقِ الوِجْدَانِيِّ، لَيْسَتْ مَحْضَ أَشْجَارٍ صَامِتَةٍ تَتَمَايَلُ بِلَا مَعْنًى، وَلَا أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ تَقْطَعُ الفَيَافِيَ بِلَا وِجْهَةٍ تُدْرِكُهَا، وَلَا جِبَالٍ رَاسِيَةٍ لَا تَعْرِفُ مَسَارَهَا، بَلْ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا الكِتَابُ الكَوْنِيُّ المَسْطُورُ الَّذِي يَعْكِسُ كَمِرْآةٍ ضَخْمَةٍ حَالَاتِ الرُّوحِ الإِنْسَانِيَّةِ المُعَقَّدَةِ، وَيُحَاكِي تَقَلُّبَاتِهَا فِي أَطْوَارِهَا المُخْتَلِفَةِ، وَيُعَلِّمُهَا بِالصَّمْتِ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ خُطَبُ الوَاعِظِينَ.
حِينَ يَقِفُ الإِنْسَانُ الأَرِيبُ فِي حَضْرَةِ بَحْرٍ لُجِّيٍّ هَائِجٍ يَتَمَوَّجُ بِلَوْعَةِ المَدِّ الطَّاغِي كَأَنَّهُ يَشْتَاقُ لِمُعَانَقَةِ السَّمَاءِ فِي لَحْظَةِ عِشْقٍ جُنُونِيَّةٍ، ثُمَّ يَنْكَفِئُ ذَاتُ البَحْرِ بِحَسْرَةِ الجَزْرِ مُذْعِنًا لِنَوَامِيسِهِ القَاهِرَةِ فِي طَاعَةٍ صَارِمَةٍ، يَعْرِفُ أَنَّ الشَّوَقَ لَا يَنْقُصُ مِنْ هَيْبَةِ البَحْرِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يُفْسِدُ مَجْدَ المَدِّ. وَحِينَ يَرْنُو بِبَصَرِهِ المُتْعَبِ إِلَى نَجْمٍ قَصِيٍّ يَسْهَرُ وَحِيدًا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، مُشْفِقًا مِنْ عُلَاهُ الأَبَدِيِّ عَلَى هُمُومِ التُّـرَابِيِّينَ الغَارِقِينَ فِي صِغَائِرِ مَادَّتِهِمْ، يُدْرِكُ أَنَّ الضِّيَاءَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قُرْبٍ لِيُؤَثِّرَ، وَأَنَّ البُعْدَ قَدْ يَكُونُ أَطْهَرَ أَشْكَالِ الحُضُورِ.
وَحِينَ يَتَنَفَّسُ الإِنْسَانُ بِمِلْءِ صَدْرِهِ العَطْشَانِ عَبَقَ الأَرْضِ البِكْرِ حِينَ تَتَصَاعَدُ أَنْفَاسُهَا بَعْدَ مُصَافَحَةِ المَطَرِ لِأَدِيمِهَا الأَوَّلِ فِي عِنَاقٍ عُضْوِيٍّ مُذْهِلٍ يَبْعَثُ الحَيَاةَ فِي الرَّمِيمِ، هُنَالِكَ، وَهَنَالِكَ فَقَطْ، تَتَحَطَّمُ فِي دَاخِلِهِ أَصْنَامُ الكِبْرِيَاءِ المَادِّيِّ الزَّائِفِ خَرَائِبَ مُتَنَاثِرَةً لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا بَقَاءَ. تَعُودُ الرُّوحُ الشَّارِدَةُ حِينَئِذٍ إِلَى مَعْدَنِهَا الفِطْرِيِّ المُشِعِّ الَّذِي خُلِقَتْ عَلَيْهِ، تَتَذَوَّقُ المَعْنَى العَمِيقَ لِلتَّنَاغُمِ الكَوْنِيِّ؛ مُتَنَاغِمَةً فِي وُدَاعَتِهَا مَعَ السَّنَابِلِ الذَّهَبِيَّةِ المَلْأَى الَّتِي تَحْنِي رُؤُوسَهَا وَقَارًا لَا ضَعْفًا أَمَامَ الرِّيحِ، وَمُتَّسِقَةً مَعَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الَّتِي تَتَوَاضَعُ لِعَظَمَةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ رَغْمَ شُمُوخِهَا الأَشَمِّ الَّذِي يَنْطَحُ السَّحَابَ كِبْرِيَاءً.
فِي هَذِهِ العُزْلَةِ النَّبِيلَةِ مَعَ الطَّبِيعَةِ، وَفِي هَذَا التِّيهِ المُقَدَّسِ بَيْنَ جَنَبَاتِهَا، يَتَشَرَّبُ القَلْبُ صَفَاءَ اليَنَابِيعِ الجَبَلِيَّةِ الدَّافِقَةِ، وَيَكْتَسِي بِنَقَاءِ الغَمَامِ المُسَافِرِ بِلَا قُيُودٍ تَأْسِرُهُ، وَتَنْبُتُ فِي صَحْرَاءِ كِيَانِهِ الجَدْبَاءِ أَزَاهِيرُ قُدْسِيَّةٌ تَتَنَفَّسُ مِسْكَ اليَقِينِ. هُنَاكَ يَعْلَمُ بِيَقِينٍ لَا يُخَالِطُهُ رَيْبٌ أَنَّ قَسْوَةَ العَيْشِ وَجَفَافَ المَشَاعِرِ إِنَّمَا هُمَا عَرَضٌ طَارِئٌ وَمَرَضٌ عَابِرٌ كَغَيْمَةِ صَيْفٍ، وَأَنَّ رِقَّةَ السَّجِيَّةِ النَّاصِعَةِ وَلِينَهَا هِيَ قَانُونُ الكَوْنِ الأَعْظَمُ؛ ذَلِكَ القَانُونُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يَنْسَابُ بِسَلَاسَةٍ مَعَ طُلُوعِ الغَزَالَةِ البَاسِمَةِ كُلَّ فَجْرٍ جَدِيدٍ، وَمَعَ نَسِيمِ السَّحَرِ العَلِيلِ الَّذِي يَمْسَحُ عَنِ الوُجُودِ أَثَرَ الكَدْحِ، وَمَعَ خُشُوعِ الظِّلِّ حِينَ يَمُدُّ كَفَّهُ عَلَى التُّـرَابِ كَأَنَّهُ يُبَارِكُ مَسِيرَةَ الحَيَاةِ.
وَيَبْقَى التَّاجُ المُرَصَّعُ بِدُرَرِ المَعَانِي عَلَى هَامَةِ هَذَا الوُجُودِ البَشَرِيِّ، وَمُخُّ الصَّفَاءِ الخَالِصِ الَّذِي يُرْتَجَى فِي مَحَارِيبِ العُمْرِ المُتَوَلِّي، هُوَ بِبَهَائِهِ السَّاطِعِ أَثَرُ الحُبِّ الصَّادِقِ؛ ذَلِكَ النَّهْرُ الكَوْثَرِيُّ المُتَدَفِّقُ الَّذِي يَسْرِي بِمَائِهِ الزُّلَالِ فِي أَوْرِدَةِ الرُّوحِ الظَّامِئَةِ لِحَقِيقَتِهَا، فَيُحْيِي مَوَاتَهَا الكَئِيبَ بِخَفْقَةٍ سِحْرِيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَيَبْعَثُ مِنْ رَمَادِ التَّشَظِّي وَالقَلَقِ الوُجُودِيِّ الحَارِقِ نُسْخَةً سَمَاوِيَّةً مُبْهِرَةً لِلإِنْسَانِ، قَادِرَةً عَلَى التَّحْلِيقِ فَوْقَ سَفَاسِفِ الأُمُورِ. إِنَّ الحُبَّ الحَقِيقِيَّ، فِي مِيزَانِ السِّيَادَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالِاعْتِدَادِ الذَّاتِيِّ النَّبِيلِ، لَيْسَ لَوْعَةً مَذَلَّةً تَلْوِي أَعْنَاقَ العُشَّاقِ، وَلَا صَبَابَةً رَخِيصَةً تُهِينُ مَقَامَ المُتَيَّمِينَ عَلَى أَعْتَابِ الِاسْتِجْدَاءِ، بَلْ هُوَ وِلَادَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فِي ضِيَاءِ الطُّهْرِ، وَاِرْتِقَاءٌ شَاهِقٌ فِي مَدَارِ الجَلَالِ.
عَظِيمٌ هُوَ الحُبُّ، وَأَعْظَمُ مِنْ لَذَّتِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا ذَلِكَ الهَنَاءُ المُقِيمُ فِيهِ، وَالتَّنَعُّمُ بِمَا يَهَبُ النَّفْسَ القَلِقَةَ مِنْ سَكِينَةٍ طَالَمَا نَشَدَتْهَا، وَطُمَأْنِينَةٍ عَزَّ وُجُودُهَا فِي زِحَامِ المَادَّةِ. الحُبُّ الصَّادِقُ يَنْسُجُ مِنْ حَرِيرِ الحُنُوِّ المُتَبَادَلِ شَالَ دِفْءٍ وَثِيرًا يُوَشِّي بَارِدَ المَشَاعِرِ بِزُمُرُّدِ الحَنِينِ الرَّاقِي، وَيَغْرِسُ مِنْ خَرِيرِ الصَّفْوِ الدَّائِمِ أَزَاهِيرَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، وَبَسَاتِينَ أُنْسٍ ذَاتَ ظِلٍّ وَارِفٍ وَثَمَرٍ دَانٍ قُطُوفُهُ. إِنَّهُ البَلْسَمُ السِّرِّيُّ النَّادِرُ الَّذِي يَجْعَلُ الصَّخْرَ الصَّلْدَ المُتَحَجَّرَ فِي أَقْفَاصِ الصُّدُورِ يَتَفَتَّقُ بِلِينٍ عَنْ عُيُونِ السَّلْسَبِيلِ المَعِينِ، وَيُعَلِّمُ القَلْبَ أَنَّ أَقْوَى مَا فِيهِ لَيْسَ قُدْرَتَهُ عَلَى الاِمْتِلَاكِ، بَلْ قُدْرَتُهُ عَلَى العَفْوِ وَالـرُّقِيِّ وَالِاحْتِوَاءِ.
وَإِنَّ المُحِبَّ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّ الكَرِيمَ السَّجِيَّةِ، الَّذِي أَنْضَجَتْهُ مَعَارِفُ الوِجْدَانِ، لَا يَكْسِرُ عَمُودَهُ الفِقْرِيَّ ظَمَأُ العِشْقِ اللَّاهِبُ، وَلَا تَلْهِيهِ طُقُوسُ التَّمَلُّكِ الصِّبْيَانِيَّةِ عَنْ غَايَتِهِ الكُبْرَى، بَلْ يَصُوغُهُ هَذَا الهَوَى الشَّرِيفُ صِيَاغَةً جَدِيدَةً فِي بَوْتَقَةِ النُّبْلِ الشَّامِخِ، لِيُصْبِحَ مِنْ جَرَّائِهِ أَرْحَمَ النَّاسِ بِعَثَرَاتِ النَّاسِ كَافَّةً، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَرَى فِي الهَفْوَةِ جُزْءَهَا البَشَرِيَّ قَبْلَ أَنْ يَرَى فِيهَا وَجْهَهَا القَاسِي. يَنْظُرُ إِلَى هَفَوَاتِ مَنْ أَحَبَّ بِعَيْنِ الرِّضَا، فَيَغْسِلُ زَلَّاتِهِ بِمَاءِ العَفْوِ البَارِدِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا بِنَارِ العَتَبِ اللَّافِحَةِ، وَيَجْعَلُ مِنْ جَمَالٍ فَرْدِيٍّ مَحْدُودٍ مِفْتَاحًا سِحْرِيًّا ذَهَبِيًّا لِعِشْقِ الجَمَالِ الكَوْنِيِّ المُطْلَقِ المَبْثُوثِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
فَيَغْدُو القَلْبُ المُرْهَفُ بِصِدْقِ الحُبِّ بَوْصَلَةً حَسَّاسَةً دَقِيقَةً لَا تُخْطِئُ أَبَدًا مَدَارَاتِ النُّورِ الهَارِبِ الَّذِي طَالَمَا رَاوَغَ السَّالِكِينَ، يَلْثُمُ ثَغْرَ الرِّفْقِ طَوَاعِيَةً بِلَا إِكْرَاهٍ وَاِشْتِهَاءً بِلَا شَبَعٍ، وَيَقْتَرِفُ صَنَائِعَ المَعْرُوفِ الطَّاهِرَةَ اِنْتِمَاءً عُضْوِيًّا مُتَأَصِّلًا إِلَى دِينِ الفَضِيلَةِ النَّقِيَّةِ الَّتِي لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى. وَالحُبُّ، إِذَا صَفَا، لَا يُخْرِجُ الإِنْسَانَ مِنْ سِيَادَتِهِ، بَلْ يَرُدُّهُ إِلَيْهَا فِي أَبْهَى صُوَرِهَا؛ يَجْعَلُهُ رَقِيقًا لَا رَخْوًا، وَحَانِيًا لَا مُسْتَجْدِيًا، وَمُتَفَتِّحًا لَا مُبَاحًا، وَقَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْنَحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَبَدَّدَ، وَأَنْ يَشْتَاقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْهَارَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِي دَاخِلِهِ وَرْدَةً مِنْ دُونِ أَنْ يَكْسِرَ سَيْفَ كَرَامَتِهِ.
هَكَذَا هُوَ القَلْبُ الإِنْسَانِيُّ الكَبِيرُ حِينَ تَجْتَمِعُ لَهُ هَذِهِ المَفَاتِيحُ السِّرِّيَّةُ فِي رِحْلَتِهِ الوُجُودِيَّةِ الكُبْرَى؛ يَصِيرُ كَائِنًا مُمْتَدًّا بَيْنَ جَسَارَةِ الطِّينِ السُّفْلِيِّ الَّذِي يَشُدُّهُ إِلَى المَادَّةِ، وَلَطَافَةِ الرُّوحِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي تَرْفَعُهُ إِلَى المُطْلَقِ. إِنَّهُ نَهْرٌ مُدِيدٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَنْبَعٌ يَقِينِيٌّ إِلَّا فِي غَيْبِ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مَصَبٌّ يَنْتَهِى إِلَيْهِ إِلَّا فِي بِحَارِ المَعْنَى الشَّاسِعَةِ المَفْتُوحَةِ الَّتِي لَا تَحُدُّهَا شُطْآنُ اللُّغَةِ. تَتَعَاهَدُهُ الرَّحْمَةُ بِبَرْدِ زُلَالِهَا المُذْهِبِ لِكُلِّ قَسْوَةٍ يَوْمِيَّةٍ، وَيَصْقُلُ مَرَايَاهُ الفَنُّ الجَمِيلُ بِسِحْرِهِ العَجِيبِ المُذِيبِ لِكُثَافَةِ الحَوَاسِّ، وَتُؤْنِسُ وَحْشَتَهُ الذِّكْرَيَاتُ الطَّيِّبَةُ بِعَبَقِهَا الأَصِيلِ الَّذِي يَحْرُسُهُ مِنْ ضَيَاعِ الهُوِيَّةِ وَاِنْدِثَارِهَا فِي زِحَامِ العَابِرِينَ، وَتُطَهِّرُ سَاحَاتِهِ الطَّبِيعَةُ الآسِرَةُ بِطُهْرِهَا البِكْرِ المُعِيدِ لِنَقَاءِ الفِطْرَةِ الأُولَى، ثُمَّ يَتَوَّجُهُ الحُبُّ الصَّادِقُ بِسِيَادَتِهِ النَّاصِعَةِ وَسُلْطَانِهِ القَاهِرِ لِلْكِبْرِ، الَّذِي يَضَعُهُ بِاسْتِحْقَاقٍ جَلِيلٍ فِي مَصَافِّ الأَنْجُمِ الزَّوَاهِرِ الَّتِي تُهْدَى بِهَا السُّفُنُ التَّائِهَةُ.
فَلَا غَرْوَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبْدُو هَذَا القَلْبُ، وَقَدْ تَرَقَّقَ جِدَارُهُ حَتَّى صَارَ شَفَّافًا كَالزُّجَاجَةِ، وَصَفَا مَاؤُهُ كَالسَّلْسَبِيلِ، كَنَجْمٍ هَادٍ لَا يُضِلُّ نُورُهُ السَّارِينَ فِي لَيْلِ الحَيَاةِ المُتَلَاطِمِ الأَمْوَاجِ، تَنْبِضُ فِي أَعْمَاقِهِ السَّحِيقَةِ الخَفِيَّةِ أَعْظَمُ حَقَائِقِ الوُجُودِ الجَمِيلِ؛ فَيَقِفُ فِي حَضْرَةِ الحَيَاةِ شَاهِدًا بَصِيرًا يَقْرَأُ دَلَالَاتِ الأَشْيَاءِ بِعَيْنِ الحِكْمَةِ لَا أَسِيرًا أَعْمَى لِشَهَوَاتِهَا، وَصَائِغًا عَبْقَرِيًّا لِأَسْرَارِهَا العَمِيقَةِ بِأَنَامِلِ الوَجْدِ المُشْتَعِلِ لَا مَفْعُولًا بِهِ يُصَبُّ كَالْمَاءِ المَيِّتِ فِي قَوَالِبِهَا الجَامِدَةِ.
إِنَّهُ القَلْبُ الَّذِي لَا تَخْدَعُهُ قَسْوَةُ العَالَمِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَلَا تُغْرِيهِ صَلَابَةُ الظَّاهِرِ بِأَنْ يَكْفُرَ بِرِقَّةِ البَاطِنِ؛ قَلْبٌ يَعْرِفُ أَنَّ الجَبَلَ لَا يَنْقُصُ مِنْ جَلَالِهِ أَنْ تَسْكُنَ فِي شُقُوقِهِ زَهْرَةٌ، وَأَنَّ البَحْرَ لَا يَفْقِدُ هَيْبَتَهُ حِينَ يَحْمِلُ عَلَى سَطْحِهِ قَمَرًا مُرْتَجِفًا، وَأَنَّ المَاءَ، عَلَى لِينِهِ، قَدْ يَنْحَتُ فِي الصَّخْرِ مَا لَا تَنْحَتُهُ المَعَاوِلُ، وَأَنَّ النَّسِيمَ، عَلَى خِفَّتِهِ، قَدْ يُعَلِّمُ الغُصْنَ رَقْصَةَ البَقَاءِ. فَالْقُوَّةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الحَنَانَ حَجَرٌ أَصَمُّ، وَالحَنَانُ الَّذِي لَا تَحْرُسُهُ العِزَّةُ مَاءٌ مُرَاقٌ عَلَى تُرَابِ العَابِرِينَ؛ أَمَّا الرِّقَّةُ الشَّمَّاءُ فَهِيَ ذَلِكَ السِّرُّ المُعْجِزُ الَّذِي يَجْمَعُ صَلَابَةَ الأَصْلِ إِلَى شَفَافِيَّةِ النُّورِ، وَيَجْعَلُ القَلْبَ حَانِيًا دُونَ أَنْ يَخِفَّ، وَعَزِيزًا دُونَ أَنْ يَقْسُوَ، وَقَرِيبًا دُونَ أَنْ يَبْتَذِلَ، وَمُشِعًّا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ العَالَمِ شَهَادَةً عَلَى ضِيَائِهِ.
تِلْكَ هِيَ الرِّقَّةُ الشَّمَّاءُ؛ لَا دَمْعَةٌ مُسْتَجْدِيَةٌ عَلَى خَدِّ الهَوَانِ، وَلَا لِينٌ مَسْفُوكٌ عَلَى عَتَبَاتِ الِابْتِذَالِ، بَلْ بَصِيرَةٌ تَعْرِفُ مَتَى تَرِقُّ وَمَتَى تَثْبُتُ، وَنُبْلٌ يَعْرِفُ أَنَّ القُوَّةَ إِذَا خَلَتْ مِنَ الحَنَانِ صَارَتْ عُتُوًّا أَجْوَفَ، وَأَنَّ الحَنَانُ إِذَا خَلَا مِنَ الكَرَامَةِ صَارَ تَبَدُّدًا لَا يَلِيقُ بِمَقَامِ الرُّوحِ. إِنَّهَا أَنْ تَبْقَى كَبِيرًا دُونَ قَسْوَةٍ، وَقَرِيبًا دُونَ اِبْتِذَالٍ، وَحَانِيًا دُونَ ضَعْفٍ، وَمُتَوَّجًا حَتَّى وَأَنْتَ تُطِلُّ مِنْ شُرْفَةِ الدَّمْعِ عَلَى حَدَائِقِ النُّورِ.
وَهَكَذَا يَبْقَى القَلْبُ المُتَوَّجُ بِالـرِّقَّةِ سَيِّدًا عَلَى عَرْشِهِ الدَّاخِلِيِّ، يَنْثُرُ مِنْ فَيْضِهِ سَلَامًا يَمْسَحُ جِرَاحَ العَالَمِ، وَمِنْ صَفَائِهِ نُورًا كَوْنِيًّا مُمَدَّدًا إِلَى أَقَاصِي الرُّوحِ، وَمِنْ حُنُوِّهِ مَعْنًى تَقْتَبِسُ مِنْهُ الحَيَاةُ رِقَّتَهَا، وَيَقْتَبِسُ مِنْهُ الزَّمَانُ سِرَّ خُلُودِهِ الأَبَدِيِّ. فَمَنْ ظَنَّ الرِّقَّةَ اِنْكِسَارًا فَقَدْ جَهِلَ سِرَّ المَاءِ حِينَ يَنْحَتُ الصَّخْرَ، وَمَنْ حَسِبَ اللِّينَ ضَعْفًا فَقَدْ عَمِيَ عَنْ سُلْطَانِ النَّسِيمِ حِينَ يُرَوِّضُ عُنْفَ الفُصُولِ. أَمَّا القَلْبُ الكَبِيرُ، فَيَعْلَمُ أَنَّ أَرْفَعَ مَا فِي الإِنْسَانِ لَيْسَ أَنْ يَكُونَ صَلْدًا لَا يُمَسُّ، بَلْ أَنْ يَكُونَ رَفِيعًا إِذَا مُسَّ، نَبِيلًا إِذَا رَقَّ، وَمُتَوَّجًا حَتَّى فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِ حُنُوِّهِ، كَأَنَّهُ آيَةٌ بَيِّنَةٌ تُتْلَى بِتَرْتِيلٍ طَوِيلٍ فِي سِفْرِ الخُلُودِ.
