حين يغدو الوقار هندسة للهيبة
إِنَّ الوَقَارَ لَيْسَ قِنَاعًا يُسْتَعَارُ مِنْ خِزَانَةِ المَظَاهِرِ، وَلَا مِشْيَةً مُتَعَلَّمَةً عَلَى أَرْصِفَةِ التَّصَنُّعِ، وَلَا انْكِمَاشًا رَاهِبِيًّا يَعْزِلُ المَرْءَ عَنْ دَفْقِ الحَيَاةِ، كَأَنَّ الرَّصَانَةَ قَطِيعَةٌ مَعَ النَّبْضِ، أَوْ كَأَنَّ الهَيْبَةَ جَفَافٌ يَطْرُدُ مِنَ الرُّوحِ مَاءَهَا الحَيَّ. إِنَّ الوَقَارَ، فِي جَوْهَرِهِ الأَعْمَقِ، عِمَارَةٌ نُورَانِيَّةٌ يُشَيِّدُهَا العَقْلُ فِي صَمِيمِ الرُّوحِ، ثُمَّ يُحِيطُ بِهَا الكِيَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَغْدُوَ الحُضُورُ الإِنْسَانِيُّ شِبْهَ مَعْبَدٍ دَاخِلِيٍّ، تَتَنَاغَمُ فِيهِ السَّكِينَةُ مَعَ الجَلَالِ، وَيَتَحَوَّلُ فِيهِ الصَّمْتُ مِنْ فَرَاغٍ عَابِرٍ إِلَى قُوَّةٍ ضَارِبَةٍ تَعْدِلُ فِي وَزْنِهَا صَخَبَ العَالَمِينَ.
لَا يَنْشَأُ الوَقَارُ مِنْ فَقْرِ العَاطِفَةِ، بَلْ مِنْ تَهْذِيبِهَا، وَلَا مِنْ بُرُودِ القَلْبِ، بَلْ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُحِبَّ دُونَ أَنْ يَسْتَبِيحَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَقْتَرِبَ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ مُتَاحٍ، وَأَنْ يَبْذُلَ دُونَ أَنْ يَذُوبَ فِي مَنْ بَذَلَ لَهُ. هُوَ جَمَالٌ رَصِينٌ لَا يَتَوَسَّلُ الدَّهْشَةَ، وَهَيْبَةٌ لا تَحْتَاجُ إِلَى قَسْوَةٍ كَيْ تُحْتَرَمَ، وَمَسَافَةٌ مُقَدَّسَةٌ يَضَعُهَا المَرْءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ مَا هُوَ دُونَ قَامَتِهِ الرُّوحِيَّةِ، لِيَحْمِيَ نَقَاءَ جَوْهَرِهِ مِنْ أَنْ يَتَلَطَّخَ بِغُبَارِ الِابْتِذَالِ. فَلَيْسَ كُلُّ قُرْبٍ أُلْفَةً، وَلَا كُلُّ أُلْفَةٍ مَحَبَّةً، وَلَا كُلُّ مَحَبَّةٍ تُجِيزُ لِلآخَرِ أَنْ يَدْخُلَ حَرَمَكَ الدَّاخِلِيَّ بِحِذَاءِ العَادَةِ وَصَخَبِ الِاعْتِيَادِ.
الوَقَارُ هَنْدَسَةُ المَسَافَةِ، وَفَنُّ تَوْزِيعِ الحُضُورِ، وَعِلْمُ الحُدُودِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الكَرَمِ وَالِاسْتِبَاحَةِ، وَبَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالتَّبَذُّلِ، وَبَيْنَ الوُدِّ وَتَلَاشِي الهَيْبَةِ. هُوَ أَنْ تَكُونَ قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي لِيَشْعُرَ الآخَرُونَ بِدِفْئِكَ، بَعِيدًا بِمَا يَكْفِي لِيَعْرِفُوا أَنَّ الدِّفْءَ لَيْسَ حَقًّا مُشَاعًا لِكُلِّ عَابِرٍ. وَمَنْ لَا يُحْسِنُ هَنْدَسَةَ مَسَافَاتِهِ يَفْقِدُ أَثْمَنَ مَا فِي الحُضُورِ مِنْ سِرٍّ؛ فَإِنِ اقْتَرَبَ حَتَّى الاسْتِهْلَاكِ تَحَوَّلَ إِلَى عَادَةٍ بَاهِتَةٍ، وَإِنِ ابْتَعَدَ حَتَّى الجَفَاءِ تَحَوَّلَ إِلَى جَدَارٍ بَارِدٍ، وَإِنَّمَا الرِّفْعَةُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ البُعْدِ المُنِيرِ الَّذِي يُبْقِي لِلرُّوحِ حُرْمَتَهَا، وَلِلْعَلَاقَةِ مَاءَهَا، وَلِلْحُضُورِ لَمْعَةَ السِّرِّ.
وَحِينَ نَتَأَمَّلُ رَصَانَةَ الكِيَانِ، نُدْرِكُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُكُونًا خَامِلًا، وَلَا عَطَالَةً مُغَلَّفَةً بِمَظْهَرِ الحِكْمَةِ، بَلْ طَاقَةٌ كَامِنَةٌ تُشْبِهُ قُوَّةَ الجِبَالِ الرَّاسِيَةِ، الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى صُرَاخٍ لِتُثْبِتَ شُمُوخَهَا، وَلَا إِلَى إِيمَاءَةٍ تُذَكِّرُ الوَادِي بِمَوْضِعِهَا. فَالأَشْيَاءُ العَظِيمَةُ فِي هَذَا الكَوْنِ لَا تُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهَا بِالضَّجِيجِ، بَلْ تَفْرِضُ حُضُورَهَا بِقُوَّةِ الجَاذِبِيَّةِ؛ فَالبَحْرُ لَا يَشْرَحُ عُمْقَهُ، وَالسَّمَاءُ لَا تَعْتَذِرُ عَنِ اتِّسَاعِهَا، وَالشَّمْسُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا كَيْ يُصَدِّقَ النَّاسُ أَنَّهَا تُضِيءُ. وَهَكَذَا يَكُونُ الوَقَارُ بَصْمَةً وُجُودِيَّةً، لَا تَزْيِينًا خَارِجِيًّا؛ إِذْ لَا يَصِيرُ الحُضُورُ جَمِيلًا إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَّزِنًا، وَلَا يَصِيرُ المَوْقِفُ بَلِيغًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْزُونًا بِمِيزَانِ التَّرَفُّعِ وَالأَدَبِ وَالسِّيَادَةِ عَلَى النَّفْسِ.
هَذِهِ الرَّصَانَةُ هِيَ مَنْفَذُ الخَلَاصِ لِلنُّفُوسِ الَّتِي أَتْعَبَهَا لَهَاثُ الأَصْدَاءِ، وَأَنْهَكَتْهَا حُمَّى الظُّهُورِ، وَجَرَّدَهَا العَصْرُ مِنْ حَقِّهَا فِي الخَفَاءِ النَّبِيلِ. فَفِي زَمَنٍ يُرِيدُ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوضًا دَائِمًا، وَمُتَاحًا دَائِمًا، وَمُفَسَّرًا دَائِمًا، يَأْتِي الوَقَارُ كَعِصْيَانٍ جَمِيلٍ عَلَى مَنْطِقِ السُّوقِ، وَكَرَفْضٍ فَخِيمٍ لِأَنْ تَتَحَوَّلَ الرُّوحُ إِلَى وَاجِهَةٍ زُجَاجِيَّةٍ يَتَطَلَّعُ فِيهَا كُلُّ عَابِرٍ، أَوْ مَادَّةٍ لِلْفُرْجَةِ، أَوْ صَوْتٍ يُطَارِدُ الانْتِبَاهَ كَمَنْ يُطَارِدُ ظِلَّهُ فِي شَمْسٍ مَائِلَةٍ. إِنَّ الوَقَارَ هُوَ اسْتِرْدَادُ الحَقِّ فِي الخُصُوصِيَّةِ المُقَدَّسَةِ، وَفِي الصَّمْتِ المُثْمِرِ، وَفِي الِامْتِلَاءِ الَّذِي لَا يَتَسَوَّلُ مِصْدَاقِيَّتَهُ مِنْ تَصْفِيقِ المَارَّةِ.
وَلَعَلَّ أَبْلَغَ مَظَاهِرِ هَذَا الجَمَالِ يَتَجَلَّى فِي العَلَاقَاتِ الَّتِي تَجْمَعُ النُّفُوسَ النَّبِيلَةَ؛ فَهُنَاكَ لَا يَكُونُ الوَقَارُ بُرُودًا يَقْطَعُ دَمَ العَاطِفَةِ، وَلَا جَفَاءً يُفْسِدُ لَيَانَ الوُدِّ، بَلْ بَرْزَخًا مُضِيئًا يَصُونُ المَوَدَّةَ مِنْ خَطَرِ التَّطَاوُلِ، وَيَحْمِي الأُلْفَةَ مِنْ أَنْ تَنْحَدِرَ إِلَى اعْتِيَادٍ يَأْكُلُ دَهْشَتَهَا. إِنَّ العَلَاقَةَ الَّتِي تَفْتَقِدُ سُورَ الوَقَارِ تَتَآكَلُ بِالاعْتِيَادِ، فَمَتَى سَقَطَتِ الكُلْفَةُ إِلَى دَرَكَةِ الِابْتِذَالِ، تَلَاشَى الجَمَالُ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ السَّأَمُ، وَصَارَتِ الرُّوحُ الَّتِي كَانَتْ مَحْرَابًا مَطْرُوقَةً بِأَقْدَامِ العَادَةِ.
إِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ الرَّفِيعَ فِي العَلَاقَاتِ يَقْتَضِي أَنْ يَبْقَى الحُضُورُ لُغْزًا جَمِيلًا، لَا لِيَتَعَذَّبَ بِهِ الآخَرُونَ، بَلْ لِيَتَعَلَّمُوا أَنَّ القُرْبَ مِنَ الأَرْوَاحِ الكَبِيرَةِ لَيْسَ حَقًّا يَنْتَزِعُهُ الفُضُولُ، بَلْ شَرَفٌ يَهَبُهُ الاسْتِحْقَاقُ. الوَقَارُ هُنَا إِعْلَانٌ عَنْ حُرْمَةِ الذَّاتِ؛ فَمَنْ يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ لَا يَمْنَحُ لِكُلِّ عَابِرٍ مِفْتَاحَ حَرَمِهِ الدَّاخِلِيِّ، وَلَا يَفْتَحُ أَبْوَابَ سِرِّهِ لِمَنْ يَدْخُلُ بِخِفَّةٍ وَيَخْرُجُ بِغَيْرِ وُدَاعٍ. وَهَذَا الحَجْبُ المَقْصُودُ لَيْسَ قَسْوَةً، بَلْ عَدْلٌ مَعَ المَعْنَى؛ إِذْ لَا يَنْبَغِي لِمَا صُنِعَ فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَرْصِفَةِ الأَمْزِجَةِ المُتَقَلِّبَةِ.
وَحِينَ نَنْتَقِلُ بِالوَقَارِ إِلَى مِحْرَابِ اللُّغَةِ، نَجِدُ أَنَّهُ المِصْفَاةُ الَّتِي تُحَوِّلُ اللَّفْظَ مِنْ مُجَرَّدِ أَدَاةٍ لِلتَّوَاصُلِ إِلَى عِمَارَةٍ بَيَانِيَّةٍ شَاهِقَةٍ. فَاللُّغَةُ البَاهِتَةُ الَّتِي تَمْلَأُ فَضَاءَاتِ هَذَا الزَّمَنِ ابْنَةُ الِاسْتِعْجَالِ وَخِفَّةِ الرُّوحِ، أَمَّا لُغَةُ الوَقَارِ فَابْنَةُ الصَّمْتِ المُتَأَمِّلِ؛ لَا تَنْطِقُ الكَلِمَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَخُوضَ مَعَارِكَ التَّهْذِيبِ فِي غُرْفَةِ الفِكْرِ، وَتُقَلَّبَ عَلَى جَمْرِ التَّأَمُّلِ، وَتُغْسَلَ مِنْ رَغْوِ المُبَالَغَةِ، وَتُصْقَلَ حَتَّى تَخْرُجَ كَالسَّيْفِ الدِّمَشْقِيِّ؛ لَامِعَةً بِغَيْرِ زِينَةٍ زَائِدَةٍ، حَادَّةً بِغَيْرِ عُنْفٍ، ثَقِيلَةً بِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنًى لَا بِمَا فِيهَا مِنْ حُشُوٍ.
إِنَّ المُتَكَلِّمَ الوَقُورَ لَا يُثَرْثِرُ، بَلْ يَنْحِتُ جُمَلَهُ نَحْتًا؛ فَكُلُّ كَلِمَةٍ عِنْدَهُ مَوْقِعٌ مَحْصُونٌ، وَكُلُّ صُورَةٍ لَهَا حَقُّهَا مِنَ الضَّوْءِ وَالظِّلِّ، وَكُلُّ سَكْتَةٍ فِي بَيَانِهِ لَيْسَتْ فَرَاغًا، بَلْ جُزْءٌ مِنَ الإِيقَاعِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى المُوسِيقَى النَّثْرِيَّةُ الَّتِي تُجْبِرُ السَّامِعَ عَلَى التَّصَنُّتِ، لَا لِأَجْلِ المَعْلُومَةِ وَحْدَهَا، بَلْ لِأَجْلِ إِيقَاعِ القُوَّةِ الكَامِنِ فِي نَبْرَاتِهَا. فَالوَقَارُ اللُّغَوِيُّ هُوَ التَّرْجَمَةُ الأَمِينَةُ لِلوَقَارِ الرُّوحِيِّ؛ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ مُتَّزِنًا، جَاءَ حَرْفُهُ رَزِينًا، وَمَنْ كَانَ فِكْرُهُ مُبَعْثَرًا، خَرَجَ نَثْرُهُ هَشِيمًا تَذْرُوهُ رِيَاحُ العَدَمِ.
وَإِذَا مَا نَظَرْنَا إِلَى القِيَادَةِ بِمِجْهَرِ الوَقَارِ، أَدْرَكْنَا أَنَّ القَائِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ يَمْتَلِكُ أَعْلَى صَوْتٍ، بَلْ مَنْ يَمْتَلِكُ أَثْقَلَ حُضُورٍ. هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَدْخُلُ القَاعَةَ فَيُحِيلُ صَخَبَهَا سُكُونًا، لَا لِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ هَيْبَتَهُ تَعْمَلُ كَمِغْنَاطِيسٍ يَسْحَبُ الأَبْصَارَ وَالآذَانَ نَحْوَ مَرْكَزِ ثِقَلِهِ. القِيَادَةُ الوَقُورَةُ لَيْسَتْ مَسْرَحًا لِرَدَاتِ الفِعْلِ، وَلَا حَلْبَةً لِاسْتِعْرَاضِ السُّلْطَةِ، بَلْ مُمَارَسَةٌ لِلْحِكْمَةِ وَسَطَ العَاصِفَةِ؛ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ تَبْقَى ثَابِتًا حِينَ يَمِيدُ الآخَرُونَ، وَأَنْ تَظَلَّ مُتَمَاسِكًا حِينَ تَتَشَظَّى الأُمُورُ، وَأَنْ تَرَى الطَّرِيقَ حِينَ تُصِيبُ الضَّبَابَةُ عُيُونَ المُسْتَعْجِلِينَ.
إِنَّ الوَقَارَ فِي القِيَادَةِ جِدَارُ حِمَايَةٍ يَمْنَعُ الفَوْضَى مِنْ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى نِظَامِ الجَمَاعَةِ، وَيَمْنَحُ المُحِيطِينَ شُعُورًا بِالأَمَانِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَمَامَهُمْ نَفْسًا لَا تَتَخَبَّطُ، وَلَا تُقَادُ بِأَعْصَابِهَا، وَلَا تَبِيعُ قَرَارَهَا لِمَزَاجِ اللَّحْظَةِ. وَالقَائِدُ الوَقُورُ لَا يَصْنَعُ هَيْبَتَهُ بِإِذْلالِ مَنْ حَوْلَهُ، بَلْ بِرَفْعِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ، وَتَقْوِيمِ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْوِيمِ، وَحِفْظِ المَقَامِ مِنْ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى مَهَاتَرَاتِ الصِّغَارِ. إِنَّهُ لا يَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ حِينَ يَتَبَيَّنُ لَهُ الوَجْهُ الصَّحِيحُ لِلْحَقِّ، وَلَا يَفْتَعِلُ القَسْوَةَ كَيْ يُصَدِّقَ النَّاسُ أَنَّهُ قَوِيٌّ؛ فَالقُوَّةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَمْثِيلٍ لَيْسَتْ قُوَّةً، وَالهَيْبَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى صُرَاخٍ لَيْسَتْ هَيْبَةً.
وَفِي العُمْقِ الوِجْدَانِيِّ، يَظَلُّ الوَقَارُ دِرْعَ النَّفْسِ الأَخِيرَ أَمَامَ طُغْيَانِ الزَّمَنِ وَتَسْلِيعِ الإِنْسَانِ. فَهَذَا العَصْرُ يَدْفَعُ المَرْءَ دَفْعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا فَوْقَ مَا يَنْبَغِي، مَكْشُوفًا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُ، مُتَاحًا فَوْقَ مَا يَحْفَظُ لَهُ مَاءَ رُوحِهِ. يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِضَ حُزْنَهُ وَفَرَحَهُ وَمَائِدَتَهُ وَوَحْشَتَهُ وَجُرْحَهُ وَانْتِصَارَهُ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي دَاخِلِهِ مِحْرَابٌ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ العُيُونُ. وَهُنَا يَأْتِي الوَقَارُ كَإِعْلَانِ حَرْبٍ عَلَى التَّفَاهَةِ، وَكَرَفْضٍ لِأَنْ يَتَحَوَّلَ الإِنْسَانُ إِلَى مَعْرَضٍ جَائِلٍ لِانْفِعَالَاتِهِ، أَوْ إِلَى نَافِذَةٍ مُضَاءَةٍ لِمَنْ لَا يَمْلِكُونَ أَدَبَ النَّظَرِ.
النَّفْسُ الَّتِي تَعِي قِيمَتَهَا تَعْلَمُ أَنَّ الجَمَالَ الحَقِيقِيَّ يَنْبَعُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ، وَأَنَّ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَخَبِ الآخَرِينَ لِيُؤَكِّدَ وُجُودَهُ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ فِعْلًا نَاصِيَةَ حَيَاتِهِ. فَالوَقُورُ لَا يَخْتَفِي جُبْنًا، وَلَا يَحْضُرُ اسْتِعْرَاضًا، بَلْ يَظْهَرُ حِينَ يَكُونُ لِلظُّهُورِ مَعْنًى، وَيَغِيبُ حِينَ يَكُونُ الغِيَابُ أَصْوَنَ لِلْمَقَامِ. هُوَ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الرُّوحِ لَا يُقَالُ، وَأَنَّ بَعْضَ الأَسْرَارِ إِذَا غَادَرَتْ مَحَارِيبَهَا مَاتَتْ، وَأَنَّ الخُصُوصِيَّةَ لَيْسَتْ كِتْمَانًا مَرَضِيًّا، بَلْ شَرَفٌ دَاخِلِيٌّ يَحْمِي المَعْنَى مِنْ أَنْ يَتَبَخَّرَ فِي هَوَاءِ التَّفْسِيرِ الزَّائِدِ.
وَلِذَلِكَ فَالوَقَارُ الأَبَدِيُّ لَيْسَ خَصْلَةً جَزْئِيَّةً تُضَافُ إِلَى الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ مِعْرَاجٌ نَحْوَ كَمَالِ الإِنْسَانِ؛ بِهِ يَتَحَوَّلُ العَمَلُ إِلَى عِبَادَةٍ، وَالخِطَابُ إِلَى بَيَانٍ، وَالحُضُورُ إِلَى نُورٍ، وَالصَّمْتُ إِلَى حُجَّةٍ، وَالمَسَافَةُ إِلَى فَنٍّ، وَالحُدُودُ إِلَى أَخْلَاقٍ. مَنْ شَيَّدَ وَقَارَهُ شَيَّدَ مَمْلَكَتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ تَحَوَّلَ، مَهْمَا كَثُرَتْ زِينَتُهُ الخَارِجِيَّةُ، إِلَى بَيْتٍ بِلَا أَبْوَابٍ، تَدْخُلُهُ الرِّيحُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَعْبَثُ بِأَثَاثِهِ كُلُّ عَابِرٍ.
فَلْيَكُنْ وَقَارُكَ وَجْهَكَ الَّذِي تُقَابِلُ بِهِ القَدَرَ، لَا عُبُوسًا يُنَفِّرُ القُلُوبَ، وَلَا لِينًا يُرَخِّصُ المَقَامَ، بَلْ سَكِينَةً تَعْرِفُ مَتَى تَحْنُو وَمَتَى تَتَرَفَّعُ، وَمَتَى تُصْغِي وَمَتَى تَصْمُتُ، وَمَتَى تَفْتَحُ البَابَ وَمَتَى تُبْقِيهِ مُغْلَقًا لِحِفْظِ الحُرْمَةِ. وَلْتَكُنْ رَصَانَتُكَ هِيَ المِسْطَرَةَ الَّتِي تَقِيسُ بِهَا مَسَافَاتِكَ مَعَ الخَلْقِ، حَتَّى إِذَا وَقَفْتَ أَمَامَ المَعْنَى الكَبِيرِ، لَمْ تَقِفْ كَشَاهِدِ زُورٍ عَلَى حَيَاةٍ خَاوِيَةٍ، بَلْ كَسَيِّدٍ عَارِفٍ بَنَى مَمْلَكَةً مِنَ المَعْنَى عَلَى أَدِيمِ الوُجُودِ، وَمَضَى وَهُوَ مُتَوَّجٌ بِتَاجِ الهَيْبَةِ الَّتِي لَمْ تَنْحَنِ لِعَاصِفَةٍ، وَلَمْ تَلِنْ لِضَغْطِ السُّوقِ، وَلَمْ تُسَلِّمْ سِرَّهَا لِضَجِيجِ العَابِرِينَ.
هَكَذَا يَبْقَى الوَقَارُ، فِي أَرْفَعِ مَعَانِيهِ، جَمَالًا شَاهِقًا لَا يَشِيخُ، وَسِيَادَةً هَادِئَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَانٍ، وَمِيثَاقًا بَيْنَ الإِنْسَانِ وَرُوحِهِ أَلَّا يَخُونَ مَقَامَهَا فِي زَحْمَةِ التَّبَدُّلِ. فَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَعِيشَ المَرْءُ وَفِي حُضُورِهِ مَعْبَدٌ، وَفِي صَمْتِهِ بَيَانٌ، وَفِي خُطْوَتِهِ مِيزَانٌ، وَفِي مَسَافَتِهِ رَحْمَةٌ، وَفِي هَيْبَتِهِ ضَوْءٌ يُذَكِّرُ العَالَمَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكْتَمِلُ حِينَ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ حِينَ يَحْفَظُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَجْعَلُ ظُهُورَهُ، كُلَّمَا ظَهَرَ، حَدَثًا مِنْ أَحْدَاثِ الجَلَالِ.
