في أعلى بُرْجِ الأسماءِ، حيثُ يَخِفُّ الهواءُ حتّى يُشْبِهَ نَفَسًا خارجًا من قَبْرٍ مفتوحٍ، وقفَ إلياسُ أمامَ الضَّريحِ الذي أَفْنى فيه عُمْرَهُ. كان الرُّخامُ أبيضَ لا يكادُ يَحْتَمِلُ ظِلَّهُ، وكانتْ عروقُ الذَّهَبِ تَمْضي في جَسَدِهِ كأنَّها شرايينُ ضوءٍ تحتَ جِلْدٍ باردٍ. لم يكن الضريحُ مدفنًا، بل حيلةً عظيمةً ضدَّ النسيان؛ أسماءُ الملوكِ والنُّبلاءِ محفورةٌ فيه بحروفٍ صاغها إلياسُ كما تُصاغُ الصلاةُ الأخيرةُ على فمِ رجلٍ يَعرفُ أنَّ الكلامَ لا يَهْزِمُ الموتَ، لكنَّهُ قَدْ يَجعلُهُ أهْوَنَ قليلًا.
كانَ إلياسُ قد جاوَزَ الثمانينَ، ولم يَبْقَ في جَسَدِهِ إلا ما يَكفي لِضَرْبةِ إزميلٍ أخيرةٍ. يداهُ اللتان أخرجتا الوجوهَ من الحجرِ، والأجنحةَ من الخشبِ، والأسماءَ من العَدَمِ، صارتا تَرْتَجِفانِ ارتجافةً خفيّةً لا يراها إلا مَنْ طالَتْ صُحبتُهُ للموتِ. ومع ذلك، لم تكن الرَّعشةُ تُخطئُ الحرفَ؛ كانتْ تَمُرُّ به كما تَمُرُّ الريحُ بأعلى السيفِ، تزيدُهُ حِدَّةً ولا تَكْسِرُهُ.
بقيَ موضعٌ صغيرٌ في أسفلِ اللوحِ الأخيرِ. هناكَ كانَ ينبغي أن يُنقَشَ اسمُ الصانعِ، كما جَرَتْ عادةُ القصرِ مع مَنْ بَلَغَ الغايةَ في صَنْعَتِهِ. مدَّ إلياسُ الإزميلَ، ثم توقَّفَ. لم يَخَفْ من الخطأ، فقد عاشَ عُمْرَهُ كلَّهُ فوقَ حافَّةِ الدقّةِ. كانَ يخافُ من اسمِهِ. شعرَ فجأةً أنَّ الحروفَ التي طالما أطاعَتْهُ صارتْ تَسْأَلُهُ: مَنْ رفعَكَ إلى هنا؟
أخرجَ من صدرِ ثوبِهِ خِرْقةً صغيرةً باليةً. كانتْ حافَّتُها محروقةً، وفي زاويتِها خيطٌ أزرقُ باهتٌ. لم يَكُنْ يَعرِفُ منها إلا رائحةَ دخانٍ قديمٍ، وصوتَ امرأةٍ تترنَّمُ قريبًا من أذنِ طفلٍ، ثم صراخًا بعيدًا، ثم فراغًا طويلًا. حملَها منذُ وعيَهُ الأولِ كما يَحمِلُ المرءُ شاهدًا على جريمةٍ لا يَعرِفُ قاتلَها. كلُّ ما قيلَ له إنَّ أُمَّهُ أُخذتْ في عامِ الحرائقِ إلى مناجمِ الشمالِ، حيثُ يذهبُ الناسُ أحياءً ويعودُ الخبرُ عنهم ميتًا.
دوَّتِ الأبواقُ في أسفلِ البرجِ، ثم انفتحتِ الأبوابُ العاليةُ. دخلَ الملكُ وحولَهُ قادةُ الجندِ ورجالُ البلاطِ. كانوا قد جاؤوا ليروا العملَ قبلَ كشفِهِ للمدينةِ في الصباحِ. وما إنْ وقعَتْ أبصارُهم على الضريحِ حتّى خَفَتَتْ خطاهُم. في حضرةِ الجمالِ الكاملِ، يَنْسى الإنسانُ ضجيجَهُ قليلًا. اقتربَ الملكُ من اللوحِ الأخيرِ، وتأمَّلَ العروقَ الذهبيَّةَ وهي تلتفُّ حولَ الأسماءِ، ثم قالَ: «لقد غَلَبْتَ الزمنَ يا إلياسُ». لم يلتفتِ الشيخُ إلى الثناءِ. كانَ ينظرُ إلى موضعِ اسمِهِ الفارغِ. قالَ الملكُ: «لكَ ما تَشاءُ». رفعَ إلياسُ رأسَهُ، وكانَ في عينَيْهِ تعبٌ لا يشبهُ تعبَ الصُّنّاعِ بعد الفراغِ، بل تعبُ مَنْ وصلَ إلى القمّةِ فاكتشفَ أنَّها مبنيّةٌ على بئرٍ. قالَ: افتحوا مناجمَ الشمالِ.
سادَ صمتٌ شديدٌ. أضافَ: وأخرجوا مَنْ بقيَ فيها حيًّا. ثم قالَ بعدَ سكونٍ قصيرٍ: ابحثوا عن رايا.
لم يَسألِ الملكُ مَنْ رايا. كانَ الاسمُ عاريًا بما يكفي. رأى القادةُ القلقَ في عينَيْهِ، فالمناجمُ الشماليَّةُ لم تكن مكانًا من أملاكِ المملكةِ، بل كانت قلبَها المُظلمَ. منها يخرجُ الذهبُ الذي يُلَبِّسُ المعابدَ، والحجرُ الذي يُتوِّجُ الملوكَ، والكبريتُ الذي يُشعِلُ الحروبَ. إغلاقُها لم يكن عَفْوًا، بل قطعُ عِرْقٍ من عروقِ العرشِ. لكنَّ الملكَ كان قد وَعَدَ أمامَ الضريحِ، والوعودُ إذا قيلتْ في حضرةِ الخلودِ صارتْ أخطرَ من القَسَمِ. أومأَ برأسِهِ. خرجَ الفرسانُ في الليلِ.
في الشمالِ، كانتِ الأرضُ سوداءَ من شدّةِ البردِ، وكانتِ المناجمُ أفواهًا مفتوحةً في الجبلِ، لا تُشْبِهُ أبوابَ العملِ، بل مداخلَ نسيانٍ مُحْكَمٍ. في النفقِ الثامنَ عشرَ، كانتْ رايا تَهْوي بمِعْولِها على الصخرِ. لم تكن تضربُ بقوّةٍ، بل بعنادِ مَنْ تَحوَّلَ عيشُهُ إلى عادةٍ قاسيةٍ. ظهرُها انحنى حتّى صارَ أقربَ إلى ظلٍّ مكسورٍ، ورئتَاها امتلأتا بغبارِ الكبريتِ حتّى صارَ نَفَسُها خَشْخَشةً صغيرةً في صدرِها. لم تَبْكِ منذُ سنينَ. الدموعُ تحتاجُ إلى ماءٍ داخليٍّ، وقد جفَّ كلُّ شيءٍ فيها إلا الذكرى.
كانتْ تُخفي تحتَ ثوبِها سِوارًا حديديًّا صغيرًا، لا يساوي في سوقِ العاصمةِ شيئًا، لكنَّهُ عندَها أثمنُ من كلِّ ما أخرجتْهُ من بطنِ الجبلِ. ربطتْ به قطعةَ قماشٍ محترقةً، لها خيطٌ أزرقُ باهتٌ. النصفُ الآخرُ بقيَ مع طفلِها حينَ انتزعَهُ الجندُ من ذراعَيْها في عامِ النارِ. لم تَعُدْ تَذكُرُ وجهَهُ كاملًا؛ الزمنُ يأكلُ الملامحَ أوّلًا، ثم يتركُ الصوتَ ليُعذِّبَ القلبَ. كانتْ تذكرُ أنَّهُ لم يَبْكِ طويلًا. كانَ ينظرُ إلى اللهبِ بعينَيْنِ ساكنَتَيْنِ، كأنَّهُ يَتَعَلَّمُ من النارِ كيفَ تُضيءُ وهي تلتهمُ ما حولَها.
في ذلكَ اليومِ سمعَتْ رايا في الصخرِ صوتًا غريبًا. لم يكن صدى المِعْولِ، ولا أزيزَ الكبريتِ، بل رنّةً عميقةً تُشْبِهُ اسمًا يُنادى من تحتِ الأرضِ. توقَّفَتْ، ثم ضربَتْ موضعَ الصوتِ. انشقَّ الجدارُ بخطٍّ أزرقَ، باردٍ، صافٍ، لا يشبهُ ذهبَ الملوكِ ولا نارَ المناجمِ. تراجعَتِ النساءُ، وتعلَّقَتِ المشاعلُ بأيدي الحراسِ. قالَ أحدُهم بصوتٍ مخنوقٍ: قلبُ الأرضِ. ولم تكن الجملةُ دهشةً فقط؛ كانتْ جشعًا وذعرًا.
عرفتْ رايا ما يعنيه ذلكَ العِرْقُ. سيزيدُ القيدُ قيدًا، وسيُبنى فوقَهُ قصرٌ آخرُ، وسيُضافُ إلى أسماءِ الملوكِ لمعانٌ جديدٌ. نظرتْ إلى الضوءِ الخارجِ من الصخرِ، ثم ابتسمَتْ ابتسامةً ضئيلةً، كأنَّها تَرى سخريةَ الأرضِ من كلِّ الذين حَفَروا فيها بحثًا عن المجدِ. مدَّتْ يدَها، واقتطعتْ شظيّةً صغيرةً من الحجرِ الأزرقِ قبلَ أنْ يقتربَ الحراسُ، ثم ضمَّتْها إلى السوارِ تحتَ ثوبِها. كان جسدُها يبردُ، لكنَّ أصابعَها بقيَتْ مشدودةً على الأمانةِ.
لم تَمُتْ في تلكَ اللحظةِ. الموتُ لا يُسْرِعُ دائمًا إلى مَنْ انتظرَهُ طويلًا. عاشتْ يومَيْنِ بعدَ انكشافِ العِرْقِ، تسمعُ الحراسَ يتحدَّثونَ عن رسلٍ قادمينَ من العاصمةِ، وعن أمرٍ ملكيٍّ بفتحِ الأنفاقِ. لم تسألْ عن الملكِ. قالتْ للمرأةِ التي كانتْ تسندُ رأسَها: إنْ خرجتِ، فخُذي هذا إلى مَنْ فتحَ البابَ. لم تَقُلْ: إلى ابني. بعدَ نصفِ قرنٍ من العتمةِ، صارَ الأملُ يستحي من اسمِهِ.
وصلَ الفرسانُ بعدَ ثمانيةِ أيامٍ. كان جزءٌ من النفقِ الثامنَ عشرَ قد انهارَ، وكانتِ الأجسادُ تُخرَجُ مغطاةً بغبارٍ أزرقَ، كأنَّ السماءَ سُحِقَتْ فوقَهنَّ. قرأَ القائدُ مرسومَ العتقِ، فتردَّدَ صوتهُ بينَ الجدرانِ كما تتردَّدُ نكتةٌ ثقيلةٌ في بيتِ عزاءٍ. خرجَ مَنْ بقيَ حيًّا. أمّا رايا، فقد كانتْ قد سبقتْهم إلى ضوءٍ آخرَ. سلَّمتِ المرأةُ السوارَ والشظيّةَ إلى القائدِ، وقالتْ: للرجلِ الذي فتحَ البابَ. لم تَزِدْ، فَقَدْ كانتِ المناجمُ قد علَّمتْ أهلَها أنَّ الكلامَ الكثيرَ لا يُحرِّرُ أحدًا.
حينَ عادَ الفرسانُ إلى العاصمةِ، كانَ الصباحُ مُعَدًّا للاحتفالِ. الأقمشةُ الذهبيَّةُ تتدلّى من الشرفاتِ، والناسُ يملأونَ الساحاتِ، والملكُ ينتظرُ ساعةَ كشفِ الضريحِ. أمّا إلياسُ فكانَ في غرفتِهِ العليا، على سريرٍ قريبٍ من النافذةِ، كأنَّ جسدَهُ يريدُ أنْ يَرى السماءَ قبلَ أنْ يتنازلَ عن الأرضِ. لم يَعُدْ في صوتِهِ ما يكفي للأسئلةِ، لكنَّ عينَيْهِ ظلّتا معلَّقتَيْنِ بالبابِ.
دخلَ القائدُ، ووضعَ الصُّرَّةَ أمامَهُ. فتحَها إلياسُ ببطءٍ. ظهرَ السوارُ الحديديُّ أوّلًا. لم يكن الاسمُ المحفورُ عليه واضحًا من الصدأِ، لكنَّهُ قرأهُ قبلَ أنْ يراهُ: إلياسُ. ثم رأى قطعةَ القماشِ، ورأى الخيطَ الأزرقَ الباهتَ، فارتجفَتِ الخِرْقةُ القديمةُ في يدِهِ كأنَّها وجدتْ نصفَها المقطوعَ بعدَ عمرٍ كاملٍ. لم يَبْكِ. كانتِ الدهشةُ أعمقَ من البكاءِ. وضعَ النصفَيْنِ أحدَهما إلى جانبِ الآخرِ، فإذا الحرقُ القديمُ يلتئمُ في شكلِ مهدٍ صغيرٍ.
ثم رأى الشظيّةَ الزرقاءَ.
لم تكن كبيرةً، لكنَّ ضوءَها كانَ كافيًا ليُظلمَ الذهبُ كلُّهُ في عينَيْهِ. هناكَ، في ذلكَ الحجرِ الصغيرِ، فهمَ ما لم يَقُلْهُ أحدٌ له. الذهبُ الذي مَدَّهُ في الرخامِ، والرخامُ الذي رفعَ عليه أسماءَ السادةِ، والحجرُ الذي زيَّنَ تاجَ الملكِ، كلُّهُ مرَّ من ظلامٍ يشبهُ صدرَ أُمِّهِ. لم يكن فَنُّهُ بريئًا كما ظنَّ. كان جميلًا، نعم؛ لكنَّ الجمالَ إذا لم يعرفْ مَنْ دفعَ ثمنَهُ، صارَ وجهًا آخرَ للقسوةِ.
أشارَ إلياسُ إلى الإزميلِ. ناولهُ القائدُ إيّاهُ، فقبضَ عليه كما يقبضُ الغريقُ على آخرِ عودٍ. طلبَ أن يُحمَلَ إلى الضريحِ. لم يُجادلْهُ أحدٌ؛ كانَ في الوجهِ المحتضرِ أمرٌ لا يحتاجُ إلى صوتٍ. حينَ وصلوا إلى القاعةِ، كانَ الملكُ واقفًا عندَ البابِ ينتظرُ بدء الافتتاحِ. رأى إلياسَ محمولًا، وفي يدِهِ السوارُ والشظيّةُ، فتنحّى دونَ أنْ يسألَ.
أجلسوهُ أمامَ اللوحِ الأخيرِ، عندَ الفراغِ الذي تُرِكَ لاسمِهِ. ظلَّ ينظرُ إليه طويلًا. ثم وضعَ السوارَ الحديديَّ فوقَ الذهبِ، وأخذَ الشظيّةَ الزرقاءَ بدلًا من الإزميلِ، وبدأَ يَحُكُّ الحرفَ الأوّلَ من اسمِهِ الذي لم يُكتَبْ بعدُ. لم يكن يمحو شيئًا ظاهرًا، بل يجرحُ مكانًا كان مُعَدًّا للمجدِ. احتكَّ الحجرُ الأزرقُ بالذهبِ، فخرجَ صوتٌ رفيعٌ نافذٌ، كأنَّ الضريحَ نفسهُ يصرُّ على أسنانِهِ.
لم يكتبْ إلياسُ اسمَ رايا كاملًا. لم يَشَأْ أنْ يُدخِلَها في سجلٍّ صنعَهُ للأسيادِ. حفرَ بدلًا من ذلكَ خطًّا صغيرًا نازلًا من عروقِ الذهبِ إلى أسفلِ الرخامِ، ثم ثبَّتَ السوارَ الحديديَّ في نهايتِهِ. صارَ الذهبُ كلُّهُ يبدو كأنَّهُ يصبُّ في حلقةٍ سوداءَ صدئةٍ. عندها فقط انكشفَ المعنى الذي كانَ مختبئًا في الحجرِ: لم تكنِ الأسماءُ معلَّقةً في السماءِ، بل مربوطةً بمعصمٍ في العتمةِ.
في الخارجِ ارتفعتِ الأبواقُ معلنةً فتحَ الضريحِ. دخلَ الناسُ، فوجدوا الملكَ واقفًا بلا تاجِ كلامٍ، ووجدوا إلياسَ ساكنًا عندَ أسفلِ اللوحِ، ويدُهُ لا تزالُ على السوارِ. لم يكن على الفراغِ اسمُ الصانعِ، ولا توقيعُهُ، ولا عبارتهُ الأخيرةُ. كانَ هناكَ أثرُ خطٍّ واحدٍ، عميقٍ وصامتٍ، يهبطُ من الذهبِ إلى الحديدِ. كَانَتْ جَفَّتِ الكَلِمَاتُ فِي حَلْقِهِ، وَامْتَزَجَتْ دُمُوعُ العَجْزِ بِغُبَارِ الذَّهَبِ الـمَنْثُورِ عَلَى لِحْيَتِهِ البَيْضَاءِ، فَضَمَّ السِّوَارَ الحَدِيدِيَّ إِلَى صَدْرِهِ بِقُوَّةٍ حَتَّى انْغَرَزَتْ حَوَافُّهُ فِي لَحْمِهِ، وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، بَيْنَمَا كَانَ جَسَدُهُ يَهْوِي نَحْوَ السُّكُونِ الأَبَدِيِّ، لِيَلْتَقِيَ بِرُوحِ أُمِّهِ فِي مَكَانٍ لا ذَهَبَ فِيهِ وَلا أَغْلالَ، بَلْ فِيهِ نَقَاءُ الضِّيَاءِ الَّذِي لا يَغِيبُ.
اقتربَ الملكُ، فقرأَ ما لا يُقرأُ. ولمّا سألهُ أحدُ القادةِ ماذا يُفعَلُ بجثمانِ الصانعِ، قالَ بعدَ طولِ صمتٍ: لا ترفعوهُ. ثم أشارَ إلى البابِ، وأمرَ أنْ تُكْسَرَ العتبةُ السفلى من الضريحِ، وأنْ يُفْتَحَ منها ممرٌّ إلى الأرضِ لا إلى القاعةِ. في ذلكَ اليومِ لم يَصِرْ ضريحُ الأسماءِ قبرًا للنبلاءِ وحدَهم. صارَ أوّلَ بناءٍ في العاصمةِ يهبطُ إليه الناسُ ليروا من أينَ جاءَ لمعانُهم.
بعدَ أعوامٍ، لم يَعُدِ الزائرونَ يقفونَ طويلًا أمامَ أسمَاءِ الملوكِ. كانوا ينزلونَ إلى أسفلِ اللوحِ، حيثُ حلقةٌ حديديَّةٌ صغيرةٌ مُثبَّتةٌ في قلبِ الذهبِ. لم يَعرِفْ أكثرُهم وجهَ رايا، ولا صوتَها، ولا كم ضربةَ مِعْولٍ احتاجَتْ كي ترفعَ هذا العالمَ فوقَها. لكنَّهم كانوا يلمسونَ السوارَ بأطرافِ أصابعِهم، ثم يخرجونَ صامتينَ.
أمّا اسمُ إلياسَ، فلم يُنقَشْ في الضريحِ قطّ. ومع ذلك، لم يَنْسَهُ أحدٌ. فقد تركَ في موضعِ اسمِهِ بابًا، وكانتْ تلكَ أصدقَ حروفِهِ.
