فتنة النقصان والكمال المتواري
عَلَى أَجْنِحَةِ الدَّهْشَةِ، حَيْثُ تَتَرَدَّدُ الأَشْيَاءُ بَيْنَ أَنْ تُدْرَكَ بِالعَيْنِ أَوْ تُسْتَنْطَقَ بِالـرُّوحِ، يَنْهَضُ الجَمَالُ مِنْ أَعْمَاقِهِ عَصِيًّا عَلَى قَوَالِبِ المَنْطِقِ البَارِدَةِ، كَأَنَّهُ نَبْضُ بَحْرٍ لَمْ يَتَعَلَّمْ طَاعَةَ الشَّوَاطِئِ، أَوْ نَغَمٌ سَمَاوِيٌّ اِنْفَلَتَ مِنْ قِيثَارَةِ الغَيْبِ لِيَسْتَقِرَّ فِي الكَوْنِ صَمْتًا مُدَوِّيًا. هُنَاكَ، فِي مَسَافَةِ الخَفِيَّةِ بَيْنَ التَّمَامِ وَالحَنِينِ إِلَيْهِ، تَنْبَثِقُ أَسْرَارُ البَهَاءِ لَا مِنَ الِاكْتِمَالِ المُطْبِقِ، بَلْ مِنْ ذَلِكَ النَّقْصِ الشَّفِيفِ الَّذِي يَفْتَحُ فِي جِدَارِ الأَشْيَاءِ كُوَّةً يَدْخُلُ مِنْهَا النُّورُ.
لَسْتُ أَرَى سِحْرَ الأَشْيَاءُ فِي اِكْتِمَالِهَا الَّذِي يُخْرِسُ الحَوَاسَّ، وَيُوصِدُ أَبْوَابَ الخَيَالِ بِمَغَالِيقِ التَّمَامِ العَقِيمِ، فَالاِكْتِمَالُ حِينَ يَسْتَبِدُّ بِالشَّيْءِ يَجْعَلُهُ وَثَنًا أَمْلَسَ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلشُّعُورِ، وَلَا مَمَرَّ فِيهِ لِرَعْشَةِ التَّأَوُّلِ. إِنَّمَا أُبْصِرُ فِتْنَتَهُ فِي ذَلِكَ النَّقْصِ المُتَمَرِّدِ، فِي تِلْكَ الفَجْوَةِ السِّرِّيَّةِ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنْهَا النُّورُ الأَزَلِيُّ لِيُعَانِقَ ظُلْمَةَ الطِّينِ، وَ…فِي ذَلِكَ الِانْثِلَامِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَجْعَلُ الشَّيْءَ أَقْرَبَ إِلَى القَلْبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَبَّرْ عَلَيْهِ بِبُرُودِ الكَمَالِ.
إِنَّ الأَرْوَاحَ العَالِيَةَ لَا تَقِفُ مُتَبَتِّلَةً أَمَامَ المِثَالِ الَّذِي لَا شَائِبَةَ فِيهِ، فَالمِثَالِيَّةُ، إِذَا خَلَتْ مِنْ أَثَرِ الحَيَاةِ، سَدٌّ أَصَمَّ يَرُدُّ نَظَرَ المُتَأَمِّلِ خَائِبًا قَدْ شَبِعَ مِنْ بَرْدِ الِانْتِظَامِ. أَمَّا العُيُوبُ الصَّغِيرَةُ فَهِيَ دَعْوَةٌ مُشْرَعَةٌ لِلْخَيَالِ كَيْ يُتِمَّ رَسْمَ اللَّوْحَةِ بِمِدَادِ الشَّغَفِ، وَيُدْخِلَ عَلَى صَلَابَةِ الشَّكْلِ لُيُونَةَ المَعْنَى. فَمَا كَانَ الِاكْتِمَالُ، حِينَ يُغْلِقُ كُلَّ الأَبْوَابِ، إِلَّا إِعْلَانًا لِلْمَوْتِ، وَانْقِطَاعًا لِلـرَّجَاءِ، وَمَا كَانَ النَّقْصُ إِلَّا إِشْرَاقَةً لِلْبَدْءِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ المُنْتَهَى، وَجَذْوَةً قُدُسِيَّةً اِنْفَلَتَتْ مِنْ كَفِّ الخُلُودِ لِتَتَرَاقَصَ حُلْمًا مُسْتَحِيلًا فِي مَحَاجِرِ العَيْنِ.
يَا أَيُّهَا المَعْنَى الهَارِبُ، كُلَّمَا حَاوَلَ البَيَانُ أَنْ يُحِيطَ بِكَ اِزْدَدْتَ تَمَنُّعًا، وَكُلَّمَا أَلْقَتْ عَلَيْكَ اللُّغَةُ ثَوْبًا خَرَجْتَ مِنْهُ كَالنُّورِ لَا يَلْبَسُ إِلَّا مَا يُشْبِهُهُ. فِي اِنْثِلَامِ الأَشْيَاءِ تَتَجَلَّى قَدَاسَتُهَا، وَفِي خَدْشِهَا الخَفِيِّ يَنْهَضُ بُرْهَانُهَا عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ، وَاحْتَرَقَتْ، وَمَرَّتْ عَلَيْهَا أَصَابِعُ الزَّمَنِ لَا لِتُفْنِيَهَا، بَلْ لِتُوقِظَ فِيهَا مَا لَا يُوقِظُهُ الصَّقْلُ البَارِدُ.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ تَتَعَاظَمُ فِتْنَةُ البَدْرِ حِينَ تَلْثُمُهُ سَحَابَةٌ دَاكِنَةٌ، فَتَخْطِفُ بَعْضَ نُورِهِ لِيَزْدَادَ فِي النُّفُوسِ مَهَابَةً وَجَلَالًا؟ وَكَيْفَ تَصِيرُ النَّجْمَةُ أَعْمَقَ فِي الـرُّوحِ حِينَ تَبْدُو عَلَى حَافَّةِ الغَيْمِ كَوَعْدٍ لَا يُسْلِمُ نَفْسَهُ كُلَّهُ؟ إِنَّ المَحَارَةَ لَا تَلِدُ دُرَّتَهَا النَّادِرَةَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ جُرْحٍ يُمَزِّقُ جَوْفَهَا، وَالشَّقُّ فِي صَخْرَةِ الجَبَلِ هُوَ الَّذِي يَسْمَحُ لِلزَّهْرَةِ البرِّيَّةِ أَنْ تَتَنَفَّسَ كِبْرِيَاءَ الشَّمْسِ. كَذَلِكَ هِيَ الأَشْيَاءُ الأَثِيرَةُ عِنْدَنَا؛ لَا تَبْلُغُ ذُرْوَةَ بَهَائِهَا إِلَّا بِمَا يَسْكُنُهَا مِنْ تَرَدُّدٍ، وَمَا يَشُوبُهَا مِنْ خَلَلٍ عَابِرٍ، فَفِي ذَلِكَ الخَلَلِ تَكْمُنُ حَيَوِيَّةُ الوُجُودِ، وَحَرَارَةُ النَّبْضِ، وَشَرَفُ العُبُورِ مِنْ صَلَابَةِ الصُّورَةِ إِلَى رَحَابَةِ الدَّلَالَةِ.
لَقَدْ تَرَفَّعْنَا عَنْ طِينِ الحَوَاسِّ النَّمَطِيَّةِ، وَأَدْرَجْنَا الجَمَالَ النَّاقِصَ فِي دِيوَانِ المُسْتَحِيلِ الجَمِيلِ، لَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنَ الكَمَالِ، بَل لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِنْسَانِيَّةً وَأَدْنَى إِلَى سِرِّ الـرُّوحِ. فَمَا كَانَ تَعَلُّقُنَا بِهَذِهِ النَّوَاقِصِ طَمَعًا فِي إِصْلَاحِهَا، وَلَا شَفَقَةً عَلَى مَا ظَنَّهُ النَّاسُ خَلَلًا، بَل كَانَ نُسُكًا صَادِقًا فِي مِحْرَابِ الجَلَالِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِيهَا. فَبَعْضُ النُّقْصَانِ لَيْسَ طَلَبًا لِيَدٍ تُتِمُّهُ، بَل دَعْوَةٌ لِبَصِيرَةٍ تَفْهَمُهُ، وَتُدْرِكُ أَنَّ الوُجُودَ لَا يَتَنَفَّسُ مِنْ أَجْزَائِهِ المُغْلَقَةِ، بَل مِنْ شُقُوقِهِ الحَيَّةِ.
وَلَئِنْ غُصْنَا فِي أَعْمَاقِ هَذَا الكِيَانِ البَشَرِيِّ المُعَقَّدِ، وَأَجَلْنَا البَصَرَ فِي خَفَايَا النَّفْسِ المُفْعَمَةِ بِالأَلَمِ وَالأَمَلِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الإِنْسَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يُوزَنُ بِمِعْيَارِ المَلَائِكَةِ المُسَبِّحِينَ فِي طُهْرٍ لَا يَعْرِفُ مِحْنَةَ الِاخْتِيَارِ، بَل يُقَاسُ بِتِلْكَ الرَّعْشَةِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ السُّقُوطِ وَالتَّسَامِي، وَبِذَلِكَ الجِهَادِ الخَفِيِّ الَّذِي يُقِيمُهُ القَلْبُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ نِدَاءِ الطِّينِ وَأَشْوَاقِ السَّمَاءِ.
مَا قِيمَةُ الـرُّوحِ إِنْ لَمْ تَتَمَزَّقْ أَشْرِعَتُهَا فِي عَوَاصِفِ التَّجْرِبَةِ لِتَعُودَ إِلَى مَرْفَأِ اليَقِينِ مَحْمُولَةً عَلَى نَوَارِسِ الحِكْمَةِ؟ وَمَا قَدْرُ القَلْبِ إِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الدَّمْعَةَ، حِينَ تَعْصِي كِبْرِيَاءَهُ، لَا تُسْقِطُهُ مِنْ عَرْشِهِ، بَل تُطَهِّرُهُ مِنْ غُبَارِ التَّصَلُّبِ؟ إِنَّنَا نُحِبُّ الإِنْسَانَ فِي ضَعْفِهِ النَّبِيلِ، وَفِي دَمْعَتِهِ الَّتِي لَا تُهِينُهُ، وَفِي لُثْغَةِ بَوْحِهِ حِينَ يَخُونُهُ التَّعْبِيرُ فَتَتَكَلَّمُ عَيْنَاهُ بِلُغَةٍ أَبْلَغَ مِنَ المَقَالِ. نُحِبُّهُ حِينَ لَا يَتَصَنَّعُ صَلَابَةً لَا تُشْبِهُهُ، وَحِينَ يَعْتَرِفُ، دُونَ اِنْكِسَارٍ، أَنَّ فِي دَاخِلِهِ مَوَاضِعَ تَحْتَاجُ إِلَى ضَوْءٍ، وَأَنَّ الشَّقَّ فِي الـرُّوحِ قَدْ يَكُونُ بَابَ دُخُولِ الرَّحْمَةِ.
إِنَّ تِلْكَ العُيُوبَ الَّتِي يَحْسَبُهَا السَّطْحِيُّونَ مَثْلَبَةً، هِيَ فِي عُرْفِ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ أَوْسِمَةُ شَرَفٍ لِمَعَارِكَ وُجُودِيَّةٍ خُضْنَاهَا بِصَدْرٍ مَكْشُوفٍ. فَلَيْسَتِ النُّدْبَةُ فِي الـرُّوحِ عَيْبًا يُدَارَى، بَل خَتْمُ نَجَاةٍ مِنْ عَاصِفَةٍ كَدَتْ تَجْتَثُّ الجُذُورَ، وَلَيْسَ الِارْتِجَافُ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِيقَةِ ضَعْفًا، بَل بَقِيَّةُ حَيَاةٍ تَرْفُضُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى حَجَرٍ. نَحْنُ الطِّينُ الَّذِي يَتَشَقَّقُ لِيَنْبُتَ مِنْ شُقُوقِهِ شَجَرُ اليَقِينِ، وَلَوْلَا هَذَا الشَّوَقُ المُرُّ لَمَا عَرَفْنَا حَلَاوَةَ الِانْتِظَارِ، وَلَوْلَا حِجَابُ المَسَافَةِ لَمَا أَبْصَرَتِ البَصِيرَةُ نُورَ الحَقِيقَةِ.
وَمَا أَعْجَبَ مَا يَقْتَرِفُهُ الزَّمَانُ بِالأَشْيَاءِ؛ يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ هَدْمًا وَفَنَاءً، وَيَرَاهُ صَاحِبُ الذَّوْقِ الأَثِيلِ نَقْشًا وَجَلَاءً. إِنَّ أَصَابِعَ الدَّهْرِ حِينَ تَمَسُّ مَلَامِحَ الوُجُوهِ الأَثِيرَةِ، أَوْ جُدْرَانَ القِلَاعِ المَهِيبَةِ، تَتْرُكُ خَلْفَهَا تَجَاعِيدَ هِيَ بِمَثَابَةِ نُقُوشٍ مُقَدَّسَةٍ تَقُصُّ حِكَايَةَ صُمُودٍ فِي وَجْهِ العَدَمِ. فَالْوَجْهُ الَّذِي لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ الزَّمَنُ يَبْقَى صَفْحَةً بَيْضَاءَ لَا ذَاكِرَةَ فِيهَا، أَمَّا الوَجْهُ الَّذِي خَطَّتْ عَلَيْهِ الأَيَّامُ حُرُوفَهَا، فَيَصِيرُ كِتَابًا لَا يُقْرَأُ إِلَّا بِعَيْنِ الرِّفْقِ وَالوَقَارِ.
السَّيْفُ المُثَلَّمُ الَّذِي خَاضَ عُبَابَ المَنَايَا، وَاقْتَحَمَ صُفُوفَ الرَّدَى، أَكْثَرُ هَيْبَةً مِنْ نَصْلٍ صَقِيلٍ غِرٍّ لَمْ يَخْتَبِرْ حَرَارَةَ المِحْنَةِ. وَالقَلْعَةُ الَّتِي خَدَشَتْهَا المَعَارِكُ أَكْثَرُ جَلَالًا مِنْ قَصْرٍ مُزَخْرَفٍ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ الرِّيحِ عَلَى أَبْوَابِهِ. وَكَذَلِكَ الأَشْيَاءُ العَتِيقَةُ، بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ تَشَقُّقَاتٍ وَأَلْوَانٍ بَاهِتَةٍ، تَسْتَقْطِبُ نَظَرَاتِ الِاعْتِزَازِ، وَتَلْتَحِفُ بِأُبَّهَةِ الوَقَارِ، تَارِكَةً فِي مَسَامِعِ الخَاطِرِ صَدَى حِكَايَاتٍ مَطْوِيَّةٍ، كَأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَسْلُبُ الجَمَالَ، بَل يُعَتِّقُهُ كَمَا يُعَتَّقُ العِطْرُ فِي أَوْعِيَتِهِ حَتَّى يَغْدُو أَشَدَّ نُفُوذًا فِي النَّفْسِ، وَأَبْقَى أَثَرًا فِي الوِجْدَانِ.
الزَّمَنُ هُوَ النَّحَّاتُ الأَكْبَرُ الَّذِي يُخَلِّصُ الكَائِنَاتِ مِنْ قِشْرَةِ زَيْفِهَا لِيُبْقِيَ عَلَى الجَوْهَرِ النَّابِضِ فِي صَمِيمِهَا، وَكُلَّمَا نَهَشَتِ السِّنُونَ مِنْ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، زَادَتْهُ الـرُّوحُ عُمْقًا حَتَّى يَتَعَالَى عَنْ مُجَرَّدِ المَادَّةِ لِيُصْبِحَ حَالَةً وُجْدَانِيَّةً مُجَرَّدَةً. إِنَّ الجَدَارَ الَّذِي اِسْوَدَّ مِنْ أَثَرِ السِّنِينَ قَدْ يَحْمِلُ مِنَ الدِّفْءِ مَا لَا تَحْمِلُهُ جُدْرَانُ الرُّخَامِ الجَدِيدِ، وَإِنَّ الكِتَابَ الَّذِي اِصْفَرَّتْ حَوَافُّهُ قَدْ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الـرُّوحِ مِنْ صَفْحَةٍ لَامِعَةٍ لَا عُمْرَ لَهَا. فَالْقِدَمُ، حِينَ يَتَّصِلُ بِالصِّدْقِ، لَا يَكُونُ بِلًى، بَل يَصِيرُ هَالَةً مِنْ شُهُودِ الزَّمَنِ.
إِنَّ الحِكْمَةَ الكَامِنَةَ فِي نُقْصَانِ الكَوْنِ هِيَ الفَلْسَفَةُ الَّتِي تَحْفَظُ عَلَى الـرُّوحِ سَيَلَانَهَا؛ فَلَوْ كَمُلَتْ كَأْسُ الوَصْلِ لَانْتَهَتْ سَكْرَةُ التَّوْقِ، وَلَوْ تَمَّتْ قَصِيدَةُ الوُجُودِ لَجَفَّ مِدَادُ الخَيَالِ. هَذَا الشَّتَاتُ العَاطِفِيُّ، وَتِلْكَ النَّوَاقِصُ المُنْتَثِرَةُ حَوْلَنَا، لَا تَدْعُونَا إِلَى اليَأْسِ، بَل إِلَى مُوَاصَلَةِ العُرُوجِ نَحْوَ سِدْرَةِ المَعْنَى دُونَ مَلَلٍ. فَمَا زَالَ الضَّوْءُ هُنَاكَ يَتَرَاقَصُ؛ يَدْنُو وَيَبْتَعِدُ، يُغْرِي بِالمَسِيرِ وَيَعْتَذِرُ عَنِ الحُلُولِ، وَيَتْرُكُنَا فِي تِيهِ اللِّقَاءِ المُرْتَقَبِ، حَيْثُ نَظَلُّ فِي عَالَمِنَا غُرَبَاءَ حَتَّى نَلْتَقِيَ بِالحَقِيقَةِ فِي نُقْطَةِ التَّجَلِّي.
نَحْنُ نَحْيَا بِمَا نَفْقِدُ كَثِيرًا مِمَّا نَحْيَا بِمَا نَمْلِكُ؛ فَمَنْ يَمْلِكُ الرِّيحَ أَوْ يَحْبِسُ العِطْرَ؟ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّوَقَ جِسْمًا فَيَضَعَهُ فِي صُنْدُوقٍ؟ إِنَّ بَعْضَ مَا يَهْرُبُ مِنَّا هُوَ الَّذِي يَحْفَظُنَا مِنَ الرُّكُودِ، وَبَعْضَ مَا لَا يَكْتَمِلُ هُوَ الَّذِي يُبْقِي فِينَا رَغْبَةَ الصُّعُودِ. كُلُّ مَا فِي هَذِهِ الغُرْبَةِ المُمْتَدَّةِ، مِنْ دَهَالِيزِ وَحْشَةِ المَكَانِ إِلَى أَخَادِيدِ دَهْشَةِ الزَّمَانِ، يَقُودُنَا إِلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ الجَمَالَ الحَقِيقِيَّ يَقْبَعُ فِي تِلْكَ المَسَافَةِ الشَّائِكَةِ بَيْنَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَمَا نَصْبُو إِلَيْهِ.
فَيَا لَهَا مِنْ مَلْحَمَةٍ مُذْهِلَةٍ تَخُوضُهَا النَّفْسُ الوَامِقَةُ فِي تَقَبُّلِ عُيُوبِهَا وَعُيُوبِ عَالَمِهَا، لَا تَقَبُّلَ الخَامِلِ الَّذِي يَرْضَى بِالدُّونِ، بَل تَقَبُّلَ السَّيِّدِ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يُدْخِلُ النُّورَ فِي الشَّقِّ، وَكَيْفَ يَجْعَلُ مِنَ الجُرْحِ مَوْضِعًا لِلـزَّهْرِ. لَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَغْرِسَ فِي جَدْبِ الوَاقِعِ بُذُورَ وُدٍّ لَا تَتَفَتَّقُ أَكْمَامُهَا إِلَّا عَلَى أَرِيجِ الصِّدْقِ، مُدْرِكًا أَنَّ كُلَّ نَدْبَةٍ فِي الـرُّوحِ هِيَ مَجْرًى لِنَهْرٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَعَثَّرْنَا فِيهِ قَدْ يَصِيرُ عَتَبَةً نَصْعَدُ مِنْهَا إِلَى فَهْمٍ أَكْبَرَ.
إِنَّنَا لَا نَسْتَجْدِي الكَمَالَ مِنْ زَمَانٍ مُتَقَلِّبٍ، وَ…لَا نَمُدُّ أَيْدِيَنَا إِلَى المِثَالِ كَمَنْ يَسْتَعْطِفُهُ أَنْ يَتَنَزَّلَ، بَل نَفْرِضُ عَلَى النَّقْصِ سِيَادَتَنَا بِحُسْنِ التَّأَمُّلِ وَعُمْقِ الِاحْتِوَاءِ. نَحْنُ مَنْ نَمْنَحُ الأَشْيَاءَ قِيمَتَهَا حِينَ نَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعَيْنِ العَاشِقِ الَّذِي يَصُوغُ مِنْ رَمَادِ الِاحْتِرَاقِ مَعَارِجَ مِنْ ضِيَاءٍ، وَيَقْتَاتُ عَلَى المَكَارِهِ لَا لِيَذِلَّ لَهَا، بَل لِيَجْعَلَ مِنْهَا عَرْشًا لِلْعِزَّةِ الشَّمَّاءِ. بِهَذَا الِاسْتِحْقَاقِ الرَّفِيعِ نَرَى نُقْصَانَ العَالَمِ كَمَا يُرَى الفَرَاغُ فِي لَوْحَةِ الرَّسَّامِ المُعْجِزَةِ؛ فَرَاغٌ لَا غِنَى عَنْهُ لِكَيْ تَتَنَفَّسَ الأَلْوَانُ، وَشُقُوقٌ ضَرُورِيَّةٌ لِكَيْ تَثْبُتَ هَيْبَةُ الجِدَارِ، وَصَمْتٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِكَيْ تَبْلُغَ النَّغْمَةُ أَقْصَى رَنِينِهَا.
سَتَبْقَى حَيَاتُنَا قَصِيدَةً كَتَبَهَا القَدَرُ بِمِدَادِ الحَيْرَةِ، تَبْحَثُ عَنْ قَافِيَةٍ لَا تَجِيءُ، لَا لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنِ المَجِيءِ، بَل لِأَنَّ فِي مَجِيئِهَا مَوْتَ الإِيقَاعِ. سَنَظَلُّ نُطَارِدُ هَذَا الكَمَالَ المُتَوَارِي خَلْفَ سُتُرِ النَّقْصِ، مُتَسَلِّحِينَ بِإِيمَانٍ رَاسِخٍ بِأَنَّ الجَمَالَ الأَصِيلَ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ المُعَانَاةِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ يَرْتَقِي بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَضِنُ مِنْ نَوَاقِصَ فِيهِ وَفِي وُجُودِهِ، لِيُحِيلَهَا بِقُوَّةِ العَاطِفَةِ وَصَفَاءِ البَصِيرَةِ إِلَى أَدِلَّةٍ سَاطِعَةٍ عَلَى صِدْقِ التَّجْرِبَةِ.
وَهَكَذَا، فِي كُلِّ شَيْءٍ نَاقِصٍ، يَتَجَلَّى نُورٌ لَا يُمْسَكُ، وَسِرٌّ لَا يُفَضُّ، وَحُلْمٌ يَتَأَبَّى عَلَى التَّفْسِيرِ. هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الغِيَابِ البَاهِرِ الَّذِي يَتْرُكُ لِلْخَيَالِ حَقَّهُ فِي الخَلْقِ، تَرْتَفِعُ المَادَّةُ الكَثِيفَةُ إِلَى رُتْبَةِ الجَمَالِ، وَيَصِيرُ النَّقْصُ لَيْسَ عَارًا فِي جَبِينِ الوُجُودِ، بَل خَتْمًا مِنْ أَخْتَامِ الحَيَاةِ عَلَى مَا لَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى الدَّهْشَةِ. فَلَا طُوبَى لِمَا اِكْتَمَلَ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ، بَل طُوبَى لِمَا بَقِيَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلـرِّيحِ، وَمَمَرٌّ لِلْنُورِ، وَمَسَافَةٌ صَغِيرَةٌ يَدْخُلُ مِنْهَا القَلْبُ لِيُتِمَّ، بِشَغَفِهِ، مَا تَعَمَّدَ الجَمَالُ أَنْ يَتْرُكَهُ نَاقِصًا.
