اقْتَرَبَ النَّهارُ مِن مُنتصفِه، وكانت شمسُ الصَّيف تضغطُ على مبنى الإدارة العامّة للمشاريع ككفٍّ محمومة. تسلّلت الحرارة إلى الممرّات، واختلطت برائحة الورق العتيق وعرق المراجعين، فيما ظلّ مُكيّف الهواء يلفظُ أنفاسًا فاترةً، كأنّه يعتذر عن عجزه ولا يكفّ عنه. كان الطابور أمام قسم التوثيق والتدوين يطول، والمعاملات فوق مكتب المدير تتكاثر في صمتٍ خبيث. كلّ حزمةٍ تُرفع من فوقها تكشف عن حزمةٍ أخرى، حتى بدا المكتب مقبرةً صغيرةً لأعمار الناس؛ طلباتٌ معلّقة، وشكاوى مطويّة، وموافقاتٌ تنتظر انحناءة قلم.
كان عليه أن يوقّع باستلام كلّ معاملةٍ تصل إلى الإدارة، ثم يُحيلها إلى القسم المختصّ. عملٌ لا يحتاج من روحه شيئًا، لكنّه يستهلكُ منها كلّ شيء. يوقّع ما لا يقرأ، ويُحيل ما لا يعنيه، ويترك اسمه فوق الأوراق شاهدًا على مرورها، لا على معرفته بها. نظر إلى المراسل الذي دخل بحزمةٍ جديدة، فانفجر فيه ضيقٌ ظلّ يتخمّر منذ الصباح. ارتجفت الأوراق بين يدي الرجل، ثم استقرّت فوق بقيّة أخواتها. أمّا المدير، فعاد إلى قلمه كمن يعود إلى أداة تعذيبه.
لم يكن يرضيه شيء.
كان يرى في النظام قفصًا، وفي الموعد قيدًا، وفي القاعدة إهانةً خفيّةً للعقل. منذ صباه، اعتاد أن يخلط بين حريّته ومخالفة ما حوله. ضاق بنصائح جدّه لأنّها جاءت من زمنٍ سابق، ومقتَ معلّم النحو لأنّ للكلمات عنده مواقع لا يجوز لها أن تتعدّاها، وكره جرس المدرسة لأنّه كان يأمر النهار متى يبدأ ومتى ينتهي. وحين كبر، لم تتغيّر فيه تلك الخصومة، وإن غيّرت أسماءها؛ صارت اللوائح بدل الوصايا، ومواعيد الدوام بدل جرس المدرسة، والتسلسل الإداري بدل قواعد النحو.
كان يؤمن أنّ كلّ ما سبقه قد شاخ، وأنّ كلّ ما خالفه قد تحرّر. ولم يخطر له أنّ المرء قد يخرج من باب الجماعة ليقع أسيرًا لصورته عن نفسه.
دخل المراسل بعد قليل بورقةٍ واحدة تحمل خَتْم مكتب المدير العام. تناولها متبرّمًا، ثم ما لبثت ملامحه أن لانَت. كان الكتاب يُعلن موعد الحفل السنوي للإدارة بعد أسبوعين، بحضور الوزير وكبار المسؤولين والصحفيين، على أن يعرض مديرو الأقسام خططهم وإنجازاتهم، ثم تُمنح جائزة التميّز لأفضلهم أداءً وتطويرًا.
قرأ العبارة الأخيرة أكثر من مرّة. رأى في الحفل نافذةً واسعةً فُتحت أخيرًا بينه وبين المجد. سيقف أمام الجميع، لا بوصفه مدير قسمٍ يوقّع المعاملات، بل عقلًا سبق عصره وأساءت المؤسسة وضعه. وسيرى المدير العام، أمام الوزير والصحافة، أنّ الرجل الذي أبقاه في الظلّ كان أحقّ بالمكان من مدير التخطيط والتطوير الذي يُدنيه ويستشيره ويثق به. كان ذلك المدير يؤلمه دون أن يؤذيه. هادئًا، دقيقًا، لا يرفع صوته ولا يكثر من الحديث عن نفسه. يُصلح إجراءً بعد أن يدرسه، ويغيّر قاعدةً بعد أن يعرف لماذا وُضعت، ويمضي في عمله من غير أن يعلن كلّ صباح أنّه مختلف.
ولذلك بدا له تقليديًّا إلى حدّ الكراهية.
انصرف مدير التوثيق خلال الأسبوعين إلى إعداد كلمته. ترك أرقام القسم في أدراجها، واستبعد تقارير الإنجاز لأنّها، في رأيه، لغةٌ تصلح للمحاسبين لا للمبدعين. وحين عرض عليه موظفوه مشروع الأرشفة الإلكترونيّة وتقليص مراحل الإحالة، لم يرَ فيهما إلا إصلاحًا صغيرًا لا يليق بالمنصّات الكبرى كأنه كان يريد فكرةً تهدم، لا خُطّةً تبني.
كتب عن تحرير الموظف من المقاييس، وعن إطلاق الطاقات من أسر الضوابط، وعن جعل الإنسان حَكَمًا على أدائه، لأنّ الرقابة في نظره بقايا خوفٍ قديم، والمعايير جدرانٌ يعجز الضعفاء عن تجاوزها. كلّما عجز عن تحديد وسيلة، وسّع العبارة. وكلّما افتقرت الفكرة إلى بُرهان، أغرقها في المجاز.
واختار للحفل قميصًا أبيض قصير الأكمام. لم يكن الأمر بسبب الحرّ وحده؛ أراد لمظهره أن يسبق كلمته، وأن يدخل القاعة معترضًا قبل أن يتكلّم.
في يوم الحفل، ازدحمت القاعة بالمسؤولين والصحفيين، واصطفّ مديرو الأقسام خلف المنصّة ببدلاتهم الداكنة وربطات أعناقهم الهادئة. وقف بينهم بقميصه المفتوح عند العنق، وشعر أنّه بقعةٌ من ضوءٍ في جدارٍ من الرتابة. التفتت إليه عيونٌ كثيرة، وتبادلت بعض الوجوه ابتساماتٍ سريعة. تلقّى النظرات كما يتلقّى المديح، ولم يتنبّه إلى أنّ قميصه قد تجعّد عند الخصر، وأنّ العرق رسم تحت إبطيه هلالين داكنين، وأنّ الاختلاف قد يلفت الأبصار قبل أن يمنح صاحبه منزلةً فيها.
توالت العروض. تحدّث المديرون عن أرقام الإنجاز، واختصار زمن المعاملات، وضبط الإنفاق، ومعالجة مواضع الخلل. وكان كلّ واحدٍ منهم يربط اقتراحه بسبب، ووسيلته بنتيجة، ومسؤوليته بموعد. أمّا هو، فكان ينظر إليهم في شيءٍ من الشفقة المتعالية؛ يسمع في الأرقام خشخشة القيود، وفي الخطط خوفًا من القفز، وفي وضوح اللغة عجزًا عن التحليق.
وحين نودي اسمه، تقدّم إلى المنصّة وقد أحسّ أنّ اللحظة خُلقت لتعيد ترتيب مكانه في العالم. لكنّ الضوء فوق المنصّة كان أشدّ بياضًا من خياله، والوجوه أمامه أكثر صمتًا ممّا توقّع. تلعثمت عباراته الأولى، ثم اندفع يُعلن رفضه للأطر والمقاييس، ويدعو إلى أن يضع كلّ موظفٍ معيار عمله بنفسه، وأن تتحرّر الكفاءة من رقابة الأرقام، وينطلق الإبداع من غير وصايةٍ أو قيد. أنهى كلمته منتظرًا أن تقوم القاعة له، لكن التصفيق جاء قليلًا، متردّدًا، من المقاعد الخلفيّة. التفت فرأى موظفي قسمه، وقد ارتدوا جميعًا قمصانًا قصيرة الأكمام تشبه قميصه. كانوا يصفّقون له بإخلاصٍ خائف، كأنّهم يؤدّون واجبًا لم يُكتب في اللوائح.
بدأت الأسئلة؛ فسُئل عن كيفية حماية حقوق المراجعين إذا صار الموظف حَكَمًا على نفسه، وعن المعيار الذي يُقاس به الإنجاز، وعن الجهة التي تتحمّل الإخفاق. فتكسّرت عباراته الكبيرة عند الأسئلة الصغيرة. حاول أن يسدّ فراغ التفاصيل بمزيدٍ من الحديث عن الثقة والوعي والتحرّر، لكنّ الكلمات التي بدت في مكتبه أجنحةً، بدت فوق المنصّة دخانًا لا يحمل شيئًا.
عاد إلى مقعده، فيما تحوّلت الابتسامات التي أحاطته أول الحفل إلى وجوهٍ مشغولةٍ عمّا يقول. صعد مدير التخطيط والتطوير بعده. لم يعلن حربًا على النظام، ولم يركع له. عرض مواضع الخلل في ثلاثة إجراءات قديمة، ثم بيّن كيف اختُبرت بدائلها، وكيف أُلغي منها ما تعطّل معناه، وبقي ما يحفظ الحقوق ويمنع العبث. لم يكن في عرضه بريقٌ كثير، لكنّ كلّ كلمةٍ كانت تستقرّ في موضعها، كحجرٍ يعرف ما يحمل فوقه.
وحين أُعلنت الجائزة، كان اسم مدير التخطيط والتطوير هو الذي ملأ القاعة. نهض وسط التصفيق، وتقدّم ببدلته الرسميّة وربطة عنقه التقليديّة. غير أنّ الثياب التي سخر منها مدير التوثيق لم تبدُ قيدًا عليه؛ كانت تزيده حضورًا لأنّ الرجل في داخلها لم يحتج إليها كي تثبت وجوده. اشتعل الغضب في صدر الخاسر. ارتفع صوته محتجًّا، واتّهم الحفل بمكافأة الطاعة وتقديس المألوف. لم يلتفت إليه إلا موظفو قسمه. أمّا صاحب الجائزة، فظلّ يجيب عن أسئلة الصحفيين بهدوء، كأنّ الصخب الآتي من طرف القاعة عطلٌ صغير لا يستحقّ إيقاف العمل.
غادر مدير التوثيق القاعة، وتبعه موظفوه. في الردهة، قابلتهم مرآةٌ عريضة. وقف أمامها لحظةً، فرأى قميصه القصير يتكرّر خلفه في صفٍّ من القمصان المتشابهة، والياقات المفتوحة نفسها، والأكمام المنتهية عند الموضع نفسه، والوجوه التي استعار كلٌّ منها غضبه وطريقته في السخرية. بدا بينهم أقلّ اختلافًا من جميع الرجال الذين تركهم في القاعة.
صرف وجهه عن المرآة قبل أن يكتمل المعنى.
في صباح اليوم التالي، عاد إلى مكتبه. كانت الشمس حارّة، والمكيّف واهنًا، والطابور أطول من الأمس. وعلى الطاولة انتظرته المعاملات في صمتها القديم. دخل المراسل بالحزمة الأولى، وفوقها محضر الحفل وتقرير لجنة التقييم. وقعت عينه على عبارةٍ قصيرة في أسفل الصفحة:
«رؤيةٌ إنشائيّة لا تتضمّن آليّةً، ولا معيارًا، ولا مسؤولية.»
طوى الورقة بعنف، ثم أمسك قلمه. وقّع بالاستلام، وأحالها إلى الأرشيف. بعدها وقّع المعاملة التالية، ثم التي بعدها. ظلّ توقيعه يهبط في الموضع نفسه، بالميل نفسه، والانحناءة نفسها، حتى امتلأت الأوراق باسمه كما تمتلئ المرايا بأشباه الوجه الواحد. وحين رفع رأسه، رأى في زجاج النافذة موظفيه مصطفّين خلف الباب بقمصانهم القصيرة، ينتظرون أن يأذن لهم بالدخول.
