الأدبوحي الخاطر

أسفر فجر الوفاء

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
أَسْفَرَ عَنْ مَعَانٍ لَمْ يَطْمِثْهَا بُرْثُنُ غَدْرٍ، وَلَمْ يَحْرُثْهَا لِسَانُ عُذْرٍ، وَلَمْ تَنْلْ مِنْ نَقَائِهَا أَصَابِعُ التَّأْوِيلِ حِينَ تَعْبَثُ بِمَرَايَا الحَقِيقَةِ، فَتُرِي العَيْنَ مَا لَيْسَ فِيهَا، وَتَحْجُبُ عَنِ القَلْبِ مَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ نَبْضِهِ. أَسْفَرَ الفَجْرُ، فَبَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ مَعَالِمُ عَهْدٍ قَدِيمٍ، لَا تُبْلِيهِ السِّنُونُ، وَلَا تَأْكُلُهُ أَرْضَةُ الجُحُودِ، وَلَا تُغَيِّرُهُ رِيحٌ تَأْتِي مِنْ جِهَةِ المَصْلَحَةِ ثُمَّ تَمْضِي حِينَ تَنْقَضِي المَصَالِحُ.

كَأَنَّ فِي نَسِيمِهِ السَّرْمَدِيِّ أَصْدَاءَ أَوْفِيَاءَ مَرُّوا مِنْ هُنَا، وَتَرَكُوا فِي التُّرَابِ خُطَاهُمْ، وَفِي القُلُوبِ عُهُودَهُمْ، وَفِي الذَّاكِرَةِ نُدُوبًا جَمِيلَةً لَا تَشْفَى؛ لِأَنَّ شِفَاءَهَا نِسْيَانٌ، وَالنِّسْيَانُ فِي مَذْهَبِ الوَفَاءِ خِيَانَةٌ أُخْرَى. وَكَأَنَّ مِنْ وَرَاءِ الأُفُقِ غَيَايَاتٍ مِنْ ظُنُونٍ، وَتَهَاوِيمَ مِنْ خُيُوطِ رُؤًى، تُرِيدُ أَنْ تُقَيِّدَ أَشْطَانَ القُلُوبِ الوَاثِقَةِ، وَأَنْ تَشْنُقَ عَلَى أَهِلَّةِ الأَثَرَةِ ذِكْرَيَاتِ الوُدِّ وَالصِّدْقِ وَالوَفَاءِ؛ وَلَكِنَّ الوَفَاءَ، حِينَ يَكُونُ أَصِيلًا، لَا تُرْهِبُهُ المَشَانِقُ، وَلَا تَسْتَوْحِشُ رُوحُهُ مِنَ الغُرْبَةِ، فَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا تَفْقِدُ نَسَبَهَا إِلَى الأَرْضِ إِنْ عَبَثَتِ الرِّيحُ بِأَغْصَانِهَا.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
أَسْفَرَ مُخْضَرًّا بِخِصْبِ المَشَاعِرِ، مُثْقَلًا بِبَشَائِرِ المَاءِ، كَأَنَّ النَّوَاعِيرَ، وَقَدْ أَضْنَاهَا الدَّوَرَانُ عَلَى جُرْحٍ وَاحِدٍ، مَدَّتْ أَكُفَّهَا إِلَى نَهْرِ الخُلْدِ، وَعَادَتْ بِقَبْضَةٍ مِنْ مَائِهِ، تَنْثُرُهَا فِي فَيَافِي الصَّبْرِ كَوْثَرًا لِيَوْمِ نَقَاءٍ، وَتَسْقِي بِهَا مَا يَبِسَ مِنْ أَغْصَانِ الرَّجَاءِ. فَمَا كُلُّ صَبْرٍ جَدْبٌ، وَلَا كُلُّ انْتِظَارٍ مَوْتٌ؛ فَرُبَّمَا كَانَتِ البِذْرَةُ تَشُقُّ فِي العَتَمَةِ طَرِيقَهَا إِلَى الحَيَاةِ، وَالنَّاسُ يَحْسَبُونَهَا قَدْ فَنِيَتْ تَحْتَ التُّرَابِ.

وَعَلَى جَبِينِ اللَّيْلِ كَتَبَ الفَجْرُ بِمِدَادٍ مِنْ يَقِينٍ: سَتَظَلُّ، يَا لَيْلَ التَّأَوُّلِ وَالتَّلَوُّنِ، مُثْقَلًا بِدَيْجُورِ حِقْدٍ أَسْوَدَ، وَسَتَظَلُّ تَخْلِطُ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالجُبْنِ، وَبَيْنَ الصَّفْحِ وَالعَجْزِ، وَبَيْنَ الحِلْمِ وَالغَفْلَةِ؛ وَلَكِنَّ قَمَرَ الصَّفْحِ سَيَمْسَحُ عَنْ جَبِينِكَ مَلَامِحَ الأَرَقِ وَالرَّهَقِ، وَسَيَنْزِعُ مِنْ صَدْرِ انْبِعَاثِكَ أَكْدَارَ الحَيَاةِ، وَأَدْرَانَ التَّأَثُّرِ وَالأَثَرِ، وَأَسْبَابَ الانْكِفَاءِ. فَلَيْسَ الصَّفْحُ أَنْ تَنْسَى مَا جَرَى، بَلْ أَنْ تَذْكُرَهُ دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ تَشْكِيلَكَ عَلَى صُورَةِ مَنْ آذَاكَ.

إِنَّ الوَفِيَّ لَا يَصْفَحُ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْرَحْ، بَلْ لِأَنَّ جُرْحَهُ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يَصِيرَ سِكِّينًا فِي يَدِهِ. وَلَا يَغْفِرُ لِأَنَّ الخَطَأَ صَغِيرٌ، بَلْ لِأَنَّ رُوحَهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَسْكُنَ فِي زَنْزَانَةِ الكَرَاهِيَةِ. يَحْمِلُ ذِكْرَى الأَذَى كَمَا تَحْمِلُ المَآذِنُ أَصْدَاءَ الحَرَائِقِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا؛ تَحْفَظُهَا فِي جَوْفِهَا، ثُمَّ تَظَلُّ تَرْفَعُ النِّدَاءَ، كَأَنَّ النَّارَ لَمْ تَسْلُبْهَا قُدْرَتَهَا عَلَى الدَّلَالَةِ.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
أَسْفَرَ فِي وَقْتٍ ظَنَّ فِيهِ النَّاسُ أَنَّ الوَفَاءَ خُرَافَةٌ قَدِيمَةٌ، وَأَنَّ العُهُودَ أَوْرَاقٌ تُحْرَقُ فِي مَوَاقِدِ المَصْلَحَةِ، وَأَنَّ القُلُوبَ مَحَطَّاتٌ مُؤَقَّتَةٌ، يَنْزِلُ فِيهَا العَابِرُونَ حَتَّى إِذَا دَنَا مَوْعِدُ الرَّحِيلِ أَغْلَقُوا حَقَائِبَهُمْ وَمَضَوْا، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا تَرَكُوهُ عَلَى المَقَاعِدِ مِنْ دِفْءٍ وَعِطْرٍ وَذِكْرَى.

لَكِنَّ الوَفَاءَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا تَعَلُّقًا أَعْمَى بِمَنْ يَسْتَحِقُّ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، وَلَا ذُلًّا يَتَدَثَّرُ بِثَوْبِ المَحَبَّةِ، وَلَا قَيْدًا يُبْقِي القَلْبَ عَلَى بَابٍ أُغْلِقَ فِي وَجْهِهِ. إِنَّهُ أَنْ تَظَلَّ وَفِيًّا لِمَا كُنْتَهُ حِينَ أَحْبَبْتَ، وَأَنْ لَا تَسْمَحَ لِجُحُودِ الآخَرِينَ أَنْ يَسْرِقَ مِنْكَ نُبْلَكَ، وَلَا لِتَلَوُّنِهِمْ أَنْ يُعَلِّمَكَ التَّلَوُّنَ، وَلَا لِخِيَانَتِهِمْ أَنْ تَجْعَلَ الخِيَانَةَ فِي عَيْنِكَ حِكْمَةً وَحَذَرًا.

الوَفَاءُ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الحِكَايَةِ نَقِيًّا، وَإِنْ خَرَجَ غَيْرُكَ مِنْهَا مُثْقَلًا بِالدَّنَسِ. أَنْ تُغْلِقَ البَابَ بِهُدُوءٍ إِذَا اسْتَحَالَ البَقَاءُ، وَلَا تُحَوِّلَ عَتَبَةَ الرَّحِيلِ إِلَى مَذْبَحٍ لِلذِّكْرَيَاتِ. أَنْ تَقُولَ لِمَنْ أَوْجَعَكَ: لَنْ أَبْقَى فِي مَكَانٍ يُهِينُ قَلْبِي، وَلَكِنِّي لَنْ أَحْمِلَ مَعِي مِنْكَ سِوَى مَا كَانَ جَمِيلًا؛ لِأَنَّ الجَمَالَ الَّذِي صَدَقَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ كَذِبًا لِأَنَّ نِهَايَتَهُ آلمَتْنَا.

وَمَا أَرْفَعَ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ وَفِيًّا دُونَ أَنْ يَكُونَ أَسِيرًا، وَصَافِحًا دُونَ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا، وَرَحِيمًا دُونَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَبَاحًا. فَالوَفَاءُ لَيْسَ أَنْ تَبْقَى حَيْثُ يُذْبَحُ قَدْرُكَ، بَلْ أَنْ تَرْحَلَ دُونَ أَنْ تَذْبَحَ فِي نَفْسِكَ مَا بَقِيَ مِنْ نُبْلٍ وَنَقَاءٍ.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
وَسَيُسْفِرُ مُشْرِقًا بِالرُّوحِ، سَابِقًا بِالصَّفْحِ، عَابِقًا بِالنَّفْحِ، نَاطِقًا بِالمَدْحِ، مَهْمَا أَغْمَضَتِ العُيُونُ وَأَنْكَرَتِ السُّنُونُ. سَيُشْرِقُ؛ لِأَنَّ مَا فِي جُعْبَةِ الأَيَّامِ مِنْ مَسَاحَاتٍ بَيْضَاءَ أَغْلَبُ وَأَطْيَبُ، وَمَا فِي فَرَادِيسِ التَّآخِي مِنْ أَزَاهِيرَ فَيْحَاءَ أَحَبُّ وَأَجْدَرُ بِالبَقَاءِ مِمَّا تَنْبُتُهُ مَسَاقِطُ الحِقْدِ مِنْ أَشْوَاكٍ. سَيُشْرِقُ؛ لِأَنَّ الحَيَاةَ، عَلَى مَا فِيهَا مِنْ تَقَلُّبٍ وَتَغَلُّبٍ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغْلِقَ أَبْوَابَهَا كُلَّهَا فِي وَجْهِ القَلْبِ النَّقِيِّ. وَلِأَنَّ نَامُوسَهَا أَدَقُّ وَأَرَقُّ وَأَشَقُّ وَأَدْوَمُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الحَقَّ مَذْبُوحًا عَلَى عَتَبَةِ البَاطِلِ، أَوْ يَجْعَلَ الغَادِرَ يَمْضِي بِغَدْرِهِ دُونَ أَنْ يَرَى فِي مَرْآةِ الأَيَّامِ وَجْهَ مَا اقْتَرَفَ.

رُبَّمَا لَا يَأْتِي العَدْلُ فِي صُورَةِ انْتِقَامٍ صَاخِبٍ، وَلَا يَطْرُقُ البَابَ وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي أَحْيَانًا فِي صُورَةِ نَدَمٍ هَادِئٍ يَسْكُنُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، حِينَ يَخْلُو الإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يُخَادِعُهُ سِوَاهَا. وَرُبَّمَا يَأْتِي فِي صُورَةِ ذِكْرَى تَنْهَضُ مِنْ رَمَادِهَا بَعْدَ سِنِينَ، فَتَقُولُ لِمَنْ فَرَّطَ: كَانَ لَكَ قَلْبٌ وَفِيٌّ، فَمَاذَا صَنَعْتَ بِهِ؟

وَرُبَّمَا كَانَ أَقْسَى العِقَابِ أَنْ يَعِيشَ الغَادِرُ طَوِيلًا بَعْدَ مَنْ غَدَرَ بِهِ، فَيَبْحَثَ فِي الوُجُوهِ عَنْ صِدْقِهِ، وَفِي الأَصْوَاتِ عَنْ دِفْئِهِ، وَفِي الأَيَّامِ عَنْ يَوْمٍ يُشْبِهُ أَيَّامَهُ، ثُمَّ لَا يَجِدَ إِلَّا صَدًى يُعِيدُ إِلَيْهِ مَا فَقَدَ، وَلَا يُعِيدُ إِلَيْهِ مَنْ فَقَدَ.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
فَانْفَتَحَ صَدْرُ اللِّقَاءِ كَمِحْرَابٍ غَسَلَتْهُ دُمُوعُ التَّائِبِينَ، وَارْتَفَعَتْ أَكُفُّ الدُّعَاءِ لَا تَسْأَلُ رَدَّ الغَائِبِينَ فَحَسْبُ، بَلْ تَسْأَلُ أَنْ يَعُودَ كُلُّ قَلْبٍ إِلَى أَصْلِهِ، وَأَنْ يَسْتَرِدَّ كُلُّ وَفِيٍّ مَا سَرَقَهُ الحُزْنُ مِنْ سَكِينَتِهِ، وَأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ جَاحِدٍ قِيمَةَ اليَدِ الَّتِي أَمْسَكَتْ بِهِ حِينَ تَرَكَتْهُ الأَيْدِي.

وَلَنْ يَمَلَّ الفَجْرُ مِنَ النِّدَاءِ، وَلَا مِنَ الغِنَاءِ، وَلَا مِنْ أَنْ يَطْرُقَ نَوَافِذَ الغَافِلِينَ بِأَصَابِعَ مِنْ نَدًى، وَيَقُولَ لَهُمْ: أَفِيقُوا؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ بَقِيَ لَكُمْ بَاقِيًا إِلَى الأَبَدِ، وَلَا كُلُّ مَنْ غَفَرَ لَكُمْ قَادِرًا عَلَى غُفْرَانٍ جَدِيدٍ، وَلَا كُلُّ قَلْبٍ يَمْلِكُ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ أَنْ تُهْدَمَ فِيهِ جُسُورُ الأَمَانِ.

إِنَّ الوَفَاءَ لَا يَمُوتُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَصْمُتُ. وَقَدْ يَنْسَحِبُ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَعُدْ يَلِيقُ بِهِ، كَمَا يَنْسَحِبُ المَاءُ مِنْ إِنَاءٍ مَشْقُوقٍ، لَا بُخْلًا بِالمَاءِ، بَلْ صَوْنًا لَهُ مِنَ الضَّيَاعِ. وَقَدْ يَغِيبُ الوَفِيُّ، لَا لِأَنَّهُ نَسِيَ، بَلْ لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ نَفْسَهُ أَخِيرًا، وَعَرَفَ أَنَّ مِنَ الوَفَاءِ أَنْ يَكُونَ وَفِيًّا لِكَرَامَتِهِ أَيْضًا.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
فَسَلَامٌ عَلَى القُلُوبِ الَّتِي لَمْ تُفْسِدْهَا الخَيْبَةُ، وَلَمْ تُعَلِّمْهَا الخِيَانَةُ أَنْ تَخُونَ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا الجُحُودُ تَجْحَدُ. سَلَامٌ عَلَى الَّذِينَ يَمْضُونَ مِنَ الحِكَايَاتِ وَأَيْدِيهِمْ نَقِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُثْقَلَةً بِالجِرَاحِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ يَحْفَظُونَ الوُدَّ فِي غِيَابِ أَهْلِهِ، وَيَذْكُرُونَ الجَمِيلَ حِينَ يُغْرِيهِمُ الأَلَمُ بِالتَّشْوِيهِ، وَيَصُونُونَ الأَسْرَارَ حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَنْقَطِعَ بَيْنَهُمْ سُبُلُ القُرْبِ. وَسَلَامٌ عَلَى مَنْ يَعْرِفُونَ أَنَّ الوَفَاءَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ فِي مَوَاسِمِ الصَّفَاءِ، بَلْ مَوْقِفٌ يُمْتَحَنُ حِينَ تَضِيقُ الطُّرُقُ، وَتَتَغَيَّرُ الوُجُوهُ، وَتَسْقُطُ الأَقْنِعَةُ، وَيَبْقَى الإِنْسَانُ وَحْدَهُ أَمَامَ مِرْآةِ ضَمِيرِهِ.

سَيُسْفِرُ الفَجْرُ بَعْدَ اللَّيْلِ، صُبْحًا يَفْتَحُ صَدْرَ لِقَاءٍ، وَيَرْفَعُ أَكُفَّ دُعَاءٍ، وَيُرَتِّلُ عَلَى أَسْمَاعِ القُلُوبِ أَنَّ العُسْرَ لَا يُقِيمُ فِي الدُّنْيَا أَبَدًا، وَأَنَّ «وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ» لَيْسَ قَسَمًا بِانْبِلَاجِ النَّهَارِ فَحَسْبُ، بَلْ بُشْرَى لِكُلِّ رُوحٍ كَتَمَتْ أَنِينَهَا حَتَّى ظَنَّتْ أَنَّ اللَّيْلَ خُلِقَ لَهَا وَحْدَهَا. وَعِنْدَهَا، سَيَعْرِفُ كُلُّ مَنْ أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ عَنِ الحَقِيقَةِ أَنَّ الفَجْرَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِذْنِهِ لِيُشْرِقَ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَهَادَتِهِ لِيَكُونَ وَفَاءً. فَالنُّورُ لَا يَسْتَمِدُّ نُورَهُ مِنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، وَالقِيمَةُ لَا تَنْتَظِرُ اعْتِرَافَ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِدْرَاكِهَا. وَسَيَبْقَى الفَجْرُ يُسْفِرُ، وَالوَفَاءُ يُزْهِرُ، وَالصَّفْحُ يَعْبُرُ، وَالقَلْبُ النَّقِيُّ يَنْهَضُ مِنْ رَمَادِ خَيْبَتِهِ أَشَدَّ صَفَاءً، لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ الأَلَمَ، بَلْ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يَجْعَلَهُ سَيِّدًا عَلَيْهِ.

أَسْفَرَ فَجْرُ الوَفَاءِ.
وَسَيُسْفِرُ مَا بَقِيَ فِي الرُّوحِ نَبْضٌ يَعْرِفُ أَنَّ الوُدَّ لَيْسَ عَابِرًا، وَأَنَّ العَهْدَ لَيْسَ كَلِمَةً، وَأَنَّ الوَفَاءَ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ قُوَّةٌ نَجِيبَةٌ تَعْرِفُ كَيْفَ تَصْفَحُ دُونَ أَنْ تَذِلَّ، وَكَيْفَ تَرْحَلُ دُونَ أَنْ تَخُونَ، وَكَيْفَ تَبْقَى نَقِيَّةً وَإِنْ مَرَّتْ بِهَا كُلُّ أَوْحَالِ الطَّرِيقِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى