الأدبوحي الخاطر

ألهثت خيلي

اليَوْمَ حَمَلَنِي الشَّوْقُ إِلَيْكِ عَلَى أَجْنِحَةٍ نَسَجَهَا شَفِيفَةً مِنْ ضِيَائِكِ، يَنْعَكِسُ نُورُهَا عَلَى مِرْآةِ رُوحِي، فَيَحُثُّهَا النَّبْضُ عَلَى المَسِيرِ، وَيَحْمِلُهَا الحَظُّ عَلَى التَّحْلِيقِ فِي مَدَارَاتِ سِرَاجِكِ الوَهَّاجِ، بِصِدْقِ حُبِّكِ وَعَبَقِ حَنَانِكِ. وَمَا كُنْتُ فِي رِحْلَتِي إِلَيْكِ عَابِرًا يَعْرِفُ مَبْدَأَ الطَّرِيقِ وَمُنْتَهَاهُ، بَلْ كُنْتُ طِفْلًا تَاهَ فِي غَابَةِ الحَنِينِ، فَلَمْ يَعُدْ يَهْتَدِي إِلَّا بِرَائِحَةِ خُطَاكِ، وَلَا يَسْتَدِلُّ عَلَى الجِهَاتِ إِلَّا بِمَا يَهُبُّ مِنْ نَاحِيَتِكِ مِنْ نَسِيمِ الوُدِّ وَوَعْدِ اللِّقَاءِ.

كَانَ الشَّوْقُ يَحْمِلُنِي، وَكُنْتُ أَحْمِلُهُ؛ يَرْفَعُنِي مَرَّةً فَوْقَ أَسْوَارِ المُسْتَحِيلِ، وَيَهْبِطُ بِي مَرَّةً فِي وَهَادِ الخَوْفِ، حَتَّى مَا عُدْتُ أَعْرِفُ أَنَا السَّائِرُ إِلَيْكِ أَمْ أَنَّكِ المَسِيرُ كُلُّهُ، وَلَا أَنَا الَّذِي يَطْلُبُ الوُصُولَ أَمْ أَنَّ الوُصُولَ نَفْسَهُ يَسْعَى لِيَبْلُغَنَا. فَإِنَّ القُلُوبَ إِذَا صَدَقَتْ فِي وِجْهَتِهَا، اخْتَصَرَتْ طُرُقَ الأَرْضِ، وَإِذَا تَعَارَفَتْ أَرْوَاحُهَا، صَدَقَ فِيهَا قَوْلُ النَّبِيِّ الكَرِيمِ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ». وَكَمْ شَعَرْتُ أَنَّ رُوحِي مَا جَاءَتْكِ اليَوْمَ أَوْ أَمْسِ، بَلْ عَرَفَتْكِ فِي زَمَنٍ لَا تَحْفَظُهُ السَّاعَاتُ، ثُمَّ ظَلَّتْ تَبْحَثُ عَنْكِ فِي وُجُوهِ السِّنِينَ حَتَّى اهْتَدَتْ إِلَيْكِ.

كُنْتُ أَمْتَطِي صَهْوَةَ الحَنِينِ خَيْلًا تَرْكُضُ بِي إِلَى قَصْرِكِ العَاجِيِّ، خَلْفَ صَحَارَى العُمْرِ المُوغِلِ فِي الحُلُمِ، السَّاجِي فِي سُكُونِ اليَأْسِ الجَاثِمِ فِي الوِجْدَانِ. وَكَانَتِ الصَّحَارَى تَمْتَدُّ أَمَامِي كَأَنَّهَا أَعْمَارٌ لَمْ نَعِشْهَا، وَأَبْوَابٌ لَمْ نَطْرُقْهَا، وَكَلِمَاتٌ ارْتَدَّتْ إِلَى حَنَاجِرِنَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تَخُونَهَا اللَّحْظَةُ. فَكُلَّمَا لَاحَ فِي البَعِيدِ سَرَابٌ، ظَنَنْتُهُ شُرْفَةً مِنْ شُرَفَاتِكِ، وَكُلَّمَا رَفْرَفَ طَائِرٌ فَوْقَ رَأْسِي، حَسِبْتُهُ رَسُولًا جَاءَ يَحْمِلُ إِلَيَّ مِنْكِ بَعْضَ بُشْرَى.

أَلْهَثْتُ خَيْلِي بِضَبْحِ اللَّهْفَةِ الجَامِحَةِ، وَأَلْهَبْتُ ظَهْرَ شَوْقِي بِسَوْطِ الرَّجْفَةِ اللَّامِحَةِ؛ لَا أَلْتَفِتُ إِلَى وَادٍ انْحَدَرَتْ فِيهِ خَيْبَاتِي، وَلَا إِلَى جَبَلٍ تَكَسَّرَتْ عَلَى سَفْحِهِ أَمَانِيَّ قَدِيمَةٌ. كُنْتُ أَسِيرُ كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَ آخِرِ التَّعَبِ رَاحَةً تَسْتَحِقُّ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ مَا فَتَحَ اللهُ لِلقُلُوبِ مِنْ رَحْمَةِ الوُدِّ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَإِنْ أَغْلَقَتِ الدُّنْيَا فِي وَجْهِهَا أَلْفَ بَابٍ.

حَتَّى إِذَا وَقَفْتُ بِبَابِ رِحَابِكِ، نَزَفَ الأَنِينُ مِنْ شَرَايِينِ العِشْقِ بَوْحًا، وَذَرَفَ الحَنِينُ مِنْ مَآقِي التَّوْقِ نَوْحًا. وَقَفْتُ هُنَاكَ لَا كَفَارِسٍ ظَفِرَ بِمَمْلَكَةٍ، بَلْ كَغَرِيبٍ عَادَ بَعْدَ عُمْرٍ إِلَى بَيْتِهِ الأَوَّلِ، فَوَجَدَ البَابَ يَعْرِفُ كَفَّهُ، وَالعَتَبَةَ تَذْكُرُ خُطْوَتَهُ، وَالجُدْرَانَ تُصْغِي إِلَى نَفَسِهِ كَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ صَوْتًا قَدِيمًا كَانَ نَائِمًا فِي مَسَامِّهَا. وَلَكِنَّ البَابَ ظَلَّ صَامِتًا، وَظَلَّتْ خُطُوَاتِي مُعَلَّقَةً بَيْنَ جُرْأَةِ الطَّرْقِ وَهَيْبَةِ الانْتِظَارِ. وَكَمْ يَكُونُ الصَّمْتُ قَاسِيًا حِينَ يَقِفُ بَيْنَ قَلْبَيْنِ يَمْتَلِئُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى قَوْلِهِ! إِنَّهُ لَا يَكُونُ فَرَاغًا، بَلْ يَصِيرُ غُرْفَةً مُكْتَظَّةً بِالأَسْئِلَةِ، وَمَمَرًّا ضَيِّقًا تَتَدَافَعُ فِيهِ الظُّنُونُ وَالرَّجَاءَاتُ، حَتَّى يَكَادُ القَلْبُ يَسْمَعُ صَرِيرَ مَا يَنْكَسِرُ فِي أَعْمَاقِهِ.

أَيَّتُهَا القَاطِنَةُ رُوحِي، المُسَافِرَةُ فِي أَوْرِدَتِي، المُتَخَلِّلَةُ ذَرَّاتِ وُجُودِي؛ صَمْتٌ مَا هُنَاكَ يَلُفُّ بَوَّابَةَ العَيْشِ الَّذِي رَجَوْتُ العُمْرَ أَنْ أَرْتَشِفَهُ بِوَصْلِكِ كُؤُوسَ سَعَادَةٍ وَأَمَلٍ. صَمْتٌ يَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِ الانْتِظَارِ كَقِنْدِيلٍ انْطَفَأَ زَيْتُهُ، وَلَمْ تَنْطَفِئْ فِي زُجَاجِهِ ذِكْرَى الشُّعْلَةِ؛ صَمْتٌ يَمْشِي فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ حَافِيًا، فَيُوقِظُ بِخُطْوَتِهِ كُلَّ مَا ظَنَنْتُهُ نَائِمًا مِنَ الحَنِينِ.

وَهُنَاكَ، خَلْفَ أَجَمَةِ الطَّيْشِ الَّذِي أَوْرَثَ القَلْبَ نَزَقًا وَقَلَقًا، يَدْفَعُ الأَيَّامَ دَفْعًا فِي انْتِظَارِ مِيلَادٍ جَدِيدٍ. فَأَيْنَ أَنْتِ؟ أَفِي آخِرِ السُّؤَالِ تَنْتَظِرِينَ أَنْ تَبْدَأَ الإِجَابَةُ؟ أَمْ فِي أَوَّلِ الحُلُمِ تَخْشَيْنَ أَنْ تُكْمِلِيَهُ فَيَسْتَيْقِظَ الوَاقِعُ عَلَيْنَا؟ أَمْ أَنَّكِ قَرِيبَةٌ حَتَّى لَا أَرَاكِ، كَمَا يَغِيبُ النَّبْضُ عَنِ العَيْنِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ مَا يَرَى؟ وَأَيْنَ أَنْتِ مِنْ قَلْبٍ أَعَدَّ لَكِ مَقَامًا لَا يُنَازِعُكِ فِيهِ أَحَدٌ، وَمِنْ رُوحٍ كَانَتْ كُلَّمَا أَغْلَقَتِ الأَيَّامُ نَافِذَةً فَتَحَتْ بِاسْمِكِ بَابًا؟ أَيْنَ أَنْتِ مِنْ يَدٍ مَا زَالَتْ مَمْدُودَةً إِلَيْكِ، لَا لِتَسْتَجْدِيَ قُرْبًا، بَلْ لِتَقُولَ: لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ مَا يُخِيفُ إِذَا سِرْنَا مَعًا، وَلَيْسَ فِي العُمْرِ مَا يَضِيعُ إِذَا أَدْرَكْنَا مَا بَقِيَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ذِكْرَى؟

هُوَ الفَرَحُ؛ صَامِتٌ يَرْقُبُ خَيْلَكِ المُسْرَجَةَ تَقْتَرِبُ، فَيَغِيبُ بُرْهَةً فِي أَعْمَاقِ شَوْقِكِ، يَصِيدُ الدُّرَّ وَيَجْنِي اللُّؤْلُؤَ، وَيَنْظِمُهُمَا قَلَائِدَ عَلَى نَحْرِ انْتِظَارِهِ. وَكَأَنَّ الفَرَحَ نَفْسَهُ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الدُّخُولِ قَبْلَكِ؛ يَقِفُ خَلْفَ البَابِ مُتَأَدِّبًا، يُهَيِّئُ لِقُدُومِكِ مَجَالِسَ البَهْجَةِ، وَيَنْفُضُ عَنْ مَقَاعِدِ العُمْرِ غُبَارَ السِّنِينَ، وَيَضَعُ فِي زَوَايَا القَلْبِ أَوَانِيَ مِنْ رَيْحَانٍ وَيَاسَمِينٍ. وَهُوَ الأَمَلُ يُشْرِقُ مِنْ عُيُونِ الغَدِ مُورِقَ الوَعْدِ بِالفَرَجِ بَعْدَ طُولِ انْتِظَارٍ؛ يَأْتِي لَا كَصَيْحَةٍ تَقْلِبُ الوُجُودَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ كَنَدًى خَفِيٍّ يَنْزِلُ عَلَى وَرَقَةٍ يَابِسَةٍ، فَيُعِيدُ إِلَيْهَا ذَاكِرَةَ الاخْضِرَارِ. فَلَيْسَ الأَمَلُ أَنْ نُنْكِرَ مَا انْكَسَرَ، بَلْ أَنْ نُؤْمِنَ أَنَّ فِي القَلْبِ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يُعِيدَ تَرْتِيبَ شَظَايَاهُ فِي صُورَةٍ أَجْمَلَ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ نُدُوبِهِ نُقُوشًا تَحْكِي أَنَّهُ نَجَا.

فَتَعَالَيْ نَنْسُجِ النَّجْوَى قُطُوفًا مِنْ زُهُورِ اليَاسَمِينِ، وَنُطَوِّقْ هَامَاتِ الأَمَانِي بِأَكَالِيلَ غَرَسْنَاهَا وُدًّا فِي حَنَايَا القُلُوبِ، وَجَنَيْنَاهَا أَزَاهِرَ فِي سَجَايَا الرُّوحِ. تَعَالَيْ نَجْعَلْ مِنَ الكَلِمَاتِ مَقَاعِدَ لِلرَّاحَةِ، وَمِنَ الصَّمْتِ فُسْحَةً لِلإِصْغَاءِ، وَمِنَ العِتَابِ جِسْرًا نَعْبُرُهُ نَحْوَ الفَهْمِ، لَا سَيْفًا يَفْصِلُ بَيْنَ قَلْبَيْنِ مَا خُلِقَا إِلَّا لِيَتَقَارَبَا.

تَعَالَيْ نَجْلِسْ فِي ظِلِّ مَا نَجَا مِنْ حُلُمِنَا، وَنُحْصِي لَا مَا أَضَاعَتْهُ السِّنُونُ، بَلْ مَا أَبْقَتْهُ لَنَا مِنْ فُرَصٍ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي تَأَخُّرِ اللِّقَاءِ نُضْجُهُ، وَفِي مَسَافَاتِ الغِيَابِ مَا عَلَّمَ القَلْبَ قِيمَةَ القُرْبِ. وَرُبَّ أُمْنِيَةٍ تَأَخَّرَتْ، لَا لأَنَّهَا نُسِيَتْ، بَلْ لأَنَّ القَدَرَ كَانَ يُعِدُّ لَهَا وَقْتًا أَرْحَبَ وَقَلْبَيْنِ أَكْثَرَ اسْتِعْدَادًا.

تَعَالَيْ نُسَابِقِ الزَّمَنَ الَّذِي سَبَقَ قَدَرَنَا، فَأَلْبَسَنَا عَبَاءَةَ النَّدَمِ عَلَى دَهْرٍ تَوَلَّى، وَخَلَعَ عَنَّا أَثْوَابَ سُرُورٍ بِكَفِّ مَنْ اسْتَكْثَرَ عَلَيْنَا بَهْجَةً بَعْدَ العَنَاءِ. تَعَالَيْ نُدْرِكْ مَا بَقِيَ مِنَ الفَصْلِ قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ الرِّيحُ كِتَابَهُ، وَنَكْتُبْ فِي هَامِشِ العُمْرِ مَا يُصَحِّحُ مَا أَخْطَأَتْهُ المُقَدِّمَاتُ. لَا أُرِيدُ أَنْ نَعُودَ إِلَى المَاضِي؛ فَالمَاضِي مَاءٌ غَادَرَ النَّهْرَ وَلَنْ تَرُدَّهُ الأَكُفُّ. وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ نَسْتَعِيدَ مِنْهُ مَا سَرَقَهُ مِنَّا، وَأَنْ نَنْتَزِعَ مِنْ فَمِهِ ضَحْكَةً حَبَسَهَا، وَمَوْعِدًا أَخَّرَهُ، وَكَلِمَةً كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ قَبْلَ أَنْ يَشِيبَ فِي الحَنَاجِرِ صَدَاهَا.

تَعَالَيْ نَخْلَعْ عَنْ قُلُوبِنَا ثِيَابَ الحَذَرِ الَّتِي أَبْلَاهَا الانْتِظَارُ، وَنَمْشِ فِي حَدَائِقِ المَوَدَّةِ بِخُطًى لَا تَخْشَى أَنْ تَطَأَ شَوْكَةً؛ فَمَا مِنْ وَرْدَةٍ عَظِيمَةٍ إِلَّا وَحَرَسَهَا شَوْكٌ، وَمَا مِنْ حُبٍّ صَادِقٍ إِلَّا وَامْتُحِنَ بِالخَوْفِ وَالتَّرَدُّدِ وَطُولِ الطَّرِيقِ. وَلَكِنَّ القَلْبَيْنِ، إِذَا تَعَاهَدَا عَلَى الصِّدْقِ، صَارَ الجُرْحُ فِيهِمَا مَوْضِعًا لِلتَّعَافِي، لَا ذَرِيعَةً لِلرَّحِيلِ.

تَعَالَيْ نُذَلِّلْ عَقَابِيلَ السَّبِيلِ، وَنَلْوِ أَعْنَاقَ المُسْتَحِيلِ، وَنَعِشِ العُمْرَ رَغْمًا عَنْهُ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً بِمَا بَقِيَ لَنَا فِيهِ مِنْ أَيَّامٍ، وَمَرَّةً بِمَا سَنَسْتَرِدُّهُ مِنْ أَيَّامٍ ضَاعَتْ وَلَمْ نَعِشْهَا كَمَا كَانَ يَنْبَغِي. نَعِيشُهُ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ كَتَمْنَاهَا ثُمَّ قُلْنَاهَا، وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ تَرَدَّدْنَا فِيهَا ثُمَّ مَشَيْنَاهَا، وَفِي كُلِّ بَابٍ خِفْنَا أَنْ نَطْرُقَهُ ثُمَّ وَجَدْنَا خَلْفَهُ مَنْ كَانَ يَنْتَظِرُنَا.

تَعَالَيْ، فَمَا عَادَ فِي العُمْرِ مُتَّسَعٌ لِأَنْ نُرَبِّيَ الحَنِينَ فِي أَقْفَاصِ الصَّمْتِ، أَوْ نَتْرُكَ الوُدَّ يَشِيخُ عَلَى عَتَبَاتِ التَّرَدُّدِ. تَعَالَيْ كَمَا تَأْتِي الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ فَتُنْقِذُ القَصِيدَةَ مِنَ النُّقْصَانِ، وَكَمَا تَأْتِي القَطْرَةُ بَعْدَ يَأْسِ السَّحَابِ، فَتَرُدُّ إِلَى الأَرْضِ إِيمَانَهَا بِالمَطَرِ.

تَعَالَيْ، فَإِنَّ القَلْبَ الَّذِي قَطَعَ كُلَّ هَذِهِ الصَّحَارَى لَا يَطْلُبُ مِنْكِ مُعْجِزَةً؛ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ يَدًا تُصَافِحُ يَدَهُ، وَصَوْتًا يَقُولُ لَهُ إِنَّ الطَّرِيقَ لَمْ يَكُنْ عَبَثًا، وَأَنَّ الخَيْلَ الَّتِي أَدْمَاهَا الرَّكْضُ لَمْ تَأْتِ إِلَى بَابٍ مُغْلَقٍ، بَلْ إِلَى وَطَنٍ كَانَ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَفْتَحُ ذِرَاعَيْهِ. فَإِنْ كَانَتِ الأَيَّامُ قَدْ أَخَذَتْ مِنَّا مَا أَخَذَتْ، فَلَنْ تَأْخُذَ مِنَّا القُدْرَةَ عَلَى البَدْءِ، وَلَنْ تَمْلِكَ أَنْ تَمْنَعَ قَلْبَيْنِ عَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ مِنْ أَنْ يَكْتُبَا، فِي آخِرِ السِّفْرِ، أَجْمَلَ مَا فِي الحِكَايَةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى