الأدبوحي الخاطر

شوقي أكثر

كَمْ هُوَ عَجِيبٌ حَالُ المُحِبِّينَ! لَا يَزَالُونَ فِي وِفَاقٍ، وَتَمَامِ اتِّفَاقٍ، عَلَى كُلِّ مَا يَكُونُ مِنَ الأُمُورِ؛ جَلَائِلِهَا وَدِقَاقِهَا، وَظَوَاهِرِهَا وَأَعْمَاقِهَا. يَجْتَمِعُونَ عَلَى صَفْوِ الوُدِّ كَمَا تَجْتَمِعُ الجَدَاوِلُ فِي حِجْرِ نَهْرٍ وَاحِدٍ، وَيَأْتَلِفُونَ عَلَى الحُلْمِ كَمَا تَأْتَلِفُ النُّجُومُ عَلَى حِفْظِ هَيْبَةِ اللَّيْلِ؛ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي نَبْضَةٍ تَدْعُو إِلَى القُرْبِ، وَلَا فِي خَافِقَةٍ تُبَشِّرُ بِاللِّقَاءِ، وَلَا فِي دَمْعَةٍ تَحْمِلُ مِنْ مِلْحِ الغِيَابِ مَا يَكْفِي لِإِثْبَاتِ العَهْدِ وَالوَفَاءِ.

يَسْتَهِمُونَ فِي ذَاتِ الرَّوحِ، وَيُسْهِمُونَ فِي ظِلِّ الدَّوْحِ، وَيَسْتَلْهِمُونَ مِنْ ذَاتِ البَوْحِ؛ كَأَنَّمَا قُلُوبُهُمْ أَقْلَامٌ غُمِسَتْ فِي مِحْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا كَتَبَ أَحَدُهُمْ شَطْرًا مِنَ الحَنِينِ أَتَمَّهُ الآخَرُ، وَإِذَا غَنَّى أَحَدُهُمْ بَيْتًا مِنَ الشَّوْقِ رَدَّدَ الآخَرُ قَافِيَتَهُ فِي سِرِّهِ، وَإِذَا أَوْجَعَ الغِيَابُ أَحَدَهُمَا نَزَفَ الآخَرُ فِي المَوْضِعِ نَفْسِهِ مِنَ الرُّوحِ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ نَصِيبُ الحَدِيثِ نِصَابَ الشَّغَافِ، وَوَجَبَتْ عَلَى المَشَاعِرِ زَكَاةُ اعْتِرَافٍ، وَحَانَ لِكُلِّ قَلْبٍ أَنْ يُخْرِجَ مَا اكْتَنَزَهُ مِنْ ذَهَبِ المَوَدَّةِ وَفِضَّةِ الحَنِينِ، ارْتَدَّ عَنْ شَرْعِ ائْتِلَافِهِمَا عَرْشُ اخْتِلَافِهِمَا، وَنَكَصَ الرِّضَا عَلَى عَقِبَيْهِ، يَتْبَعُ خُطْوَ كُلِّ ذِي عِوَجٍ مِنْ حُرُوفِ العِشْقِ وَمَعَانِيهِ.

هُنَالِكَ يَقُومُ بَيْنَ القَلْبَيْنِ خِصَامٌ عَذْبٌ لَا يُرَادُ بِهِ قَطْعٌ وَلَا انْتِصَارٌ، وَتَنْعَقِدُ مَحْكَمَةٌ لَا قَاضِيَ فِيهَا إِلَّا الحَنِينُ، وَلَا شُهُودَ إِلَّا لَيَالِي السُّهْدِ وَأَيَّامَ الانْتِظَارِ. كُلٌّ يَزْعُمُ أَنَّهُ فِي رِيقِ العِشْقِ السُّلَافُ، وَفِي عَرِيقِ الشَّوْقِ اللُّؤْلُؤُ وَالأَصْدَافُ؛ وَكُلٌّ يَفْتَحُ دِيوَانَ صَبْرِهِ، وَيُقَلِّبُ صَفَحَاتِ حَنِينِهِ، وَيَسُوقُ مِنَ البَرَاهِينِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَرْفَعُهُ عَلَى عَرْشِ المَحَبَّةِ مُتَوَّجًا بِفَرَادَةِ التَّفَانِي. يَقُولُ هَذَا: أَنَا أَكْثَرُ شَوْقًا؛ لِأَنِّي أَعُدُّ مَا بَيْنَ نَفَسٍ وَنَفَسٍ مِنْ غِيَابِكَ دَهْرًا. وَتَقُولُ تِلْكَ: بَلْ أَنَا أَعْمَقُ حُبًّا؛ لِأَنِّي أَحْمِلُكَ فِيَّ حِينَ لَا يَحْمِلُكَ مَكَانٌ، وَأُصْغِي إِلَيْكَ حِينَ لَا تَقُولُ شَيْئًا. ثُمَّ يَطُولُ الجِدَالُ، وَيَنْسَى كِلَاهُمَا أَنَّ الحُبَّ الَّذِي يَتَنَافَسَانِ عَلَيْهِ لَا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وَأَنَّ النَّهْرَ لَا يَسْأَلُ أَيُّ ضِفَّتَيْهِ أَكْثَرُ اتِّصَالًا بِمَائِهِ.

وَلَئِنْ كَانَ فِي مِعْيَارِ العِشْقِ وَالشَّوْقِ بَعْضُ اخْتِلَافٍ، فَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِ الصِّدْقِ وَالذَّوْقِ ثَمَّةَ خِلَافٌ؛ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُحِبٍّ يَرَى بِعَيْنِ قَلْبِهِ، وَيَقْضِي بِحُكْمِ إِحْسَاسِهِ، وَيَسْعَى أَبَدًا إِلَى تَمَامِ العَطَاءِ، وَإِكْرَامِ الصَّفَاءِ، وَالْتِزَامِ الوَفَاءِ. وَمَا كَانَ صِدْقُ الحُبِّ مِمَّا يُوزَنُ بِمَوَازِينِ السُّوقِ، وَلَا مِمَّا يُقَاسُ بِطُولِ العِبَارَةِ وَكَثْرَةِ الدَّمْعِ؛ فَرُبَّ قَلْبٍ صَمَتَ فَأَفْصَحَ، وَرُبَّ عَيْنٍ جَفَّتْ وَفِي جَوْفِهَا بَحْرٌ لَوِ انْفَجَرَ لأَغْرَقَ شَوَاطِئَ العَالَمِينَ.

إِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لأَحْرَصُ عَلَى حَبِيبِهِ فِي حُضُورِهِ وَسُرُورِهِ وَظُهُورِهِ، خَلَا المَشَاعِرَ؛ فَهُوَ لَا يَنْفَكُّ يُنَافِسُهُ فِيهَا مُنَافَسَةَ الشَّمْسِ لِلقَمَرِ: أَيُّهُمَا فِي الحِسِّ أَسْبَقُ وَأَبْهَرُ، وَمُنَافَسَةَ النَّرْجِسِ لِليَاسَمِينِ: أَيُّهُمَا فِي النَّفْسِ أَعْبَقُ وَأَزْهَرُ. وَهِيَ مُنَافَسَةٌ لَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَصِّرَ الآخَرُ، بَلْ يَتَمَنَّى أَنْ يَفُوقَهُ، ثُمَّ يَفْرَحُ بِفَوْقِهِ؛ لِأَنَّ انْتِصَارَ الحَبِيبِ فِي الحُبِّ لَيْسَ هَزِيمَةً، بَلْ فَضْلٌ يَعُودُ عَلَى القَلْبَيْنِ مَعًا. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ؛ لَا فِي مَنْ يَأْخُذُ أَكْثَرَ، بَلْ فِي مَنْ يُعْطِي أَصْفَى، وَلَا فِي مَنْ يَسْتَأْثِرُ بِالقُرْبِ، بَلْ فِي مَنْ يَجْعَلُ القُرْبَ أَرْحَبَ، وَلَا فِي مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالحُبِّ، بَلْ فِي مَنْ يَرْفَعُ الحُبُّ خُلُقَهُ وَوَفَاءَهُ وَاحْتِمَالَهُ.

مَا أَوْحَشَ شَاطِئَ القَلْبِ المُغْرَمِ حِينَ تَعْصِفُ بِهِ أَنْوَاءُ الشَّوْقِ كُلَّ مَسَاءٍ! تَرْتَطِمُ بِصُخُورِ شِغَافِهِ أَمْوَاجُ الفَقْدِ لَاهِبَةً صَاخِبَةً بِهَدِيرِ اللَّهْفَةِ الهَارِبَةِ، وَتَسْرِي فِي رِمَالِهِ السَّاهِيَةِ رَعْشَةٌ بَارِدَةٌ مِنْ مَوْجَةٍ جَارِفَةٍ إِثْرَ مَوْجَةٍ جَارِفَةٍ، وَتَبْقَى فِي أُذُنِ حَبِيسِ الوَقْتِ الكَالِحِ بَقَايَا مِنْ هَسِيسِ مَاءِ الوَحْدَةِ المَالِحِ، كَأَنَّ البَحْرَ لَا يَكُفُّ عَنْ تَلْقِينِهِ دَرْسَ الغِيَابِ، وَلَا يَمَلُّ مِنْ إِعَادَةِ السُّؤَالِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ لَهُ جَوَابًا.

تَتَرَاجَعُ الأَمْوَاجُ قَلِيلًا، فَيَظُنُّ القَلْبُ أَنَّ العَاصِفَةَ قَدْ هَدَأَتْ، ثُمَّ تَعُودُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَشَدَّ هَدِيرًا، تَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِهَا حُطَامَ مَوَاعِيدَ لَمْ تَكْتَمِلْ، وَصَدَفَاتٍ فَارِغَةً مِنْ هَمْسٍ كَانَ يَسْكُنُهَا، وَبَقَايَا خُطًى مَحَتْهَا رِيحُ البُعْدِ عَنْ رَمْلِ اللِّقَاءِ. وَدَمْعَةٌ عَلَى خَدِّ فُؤَادٍ فَارِغٍ، لَمْ يَهُزَّهُ يَوْمًا أَمْرٌ مِثْلُ انْحِنَاءِ خَرِيفِ نَخْلٍ عَلَى عُشْبِ رَبِيعٍ، وَمِثْلُ انْحِنَاءِ زَيْتُونَةِ دَهْرٍ عَلَى قَارِعَةِ الإِهْمَالِ وَالتَّهْمِيشِ. دَمْعَةٌ لَا تَعْرِفُ أَهِيَ مَاءُ الحُزْنِ أَمْ مَا تَبَقَّى مِنْ نَدَى الأَمَلِ، وَلَا أَهِيَ تَرْثِي مَا فَاتَ أَمْ تَسْتَسْقِي مَا سَيَأْتِي؛ فَتَظَلُّ مُعَلَّقَةً عَلَى حَافَّةِ العَيْنِ كَوَطَنٍ بَيْنَ مَنْفَيَيْنِ، لَا هُوَ اسْتَقَرَّ فِي الذَّاكِرَةِ، وَلَا هُوَ عَادَ إِلَى خَرِيطَةِ الحَيَاةِ.

هُنَا أَتَّخِذُ مِنْ تَعَلُّقِي بِكِ مُتَّكَأً؛ هُنَا، حَيْثُ أَبْنِي بِحُلْمِ اللِّقَاءِ بِكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَنَّةَ انْتِظَارٍ وَارِفَةَ الظِّلَالِ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أَنْهَارُ أَلَمٍ وَأَمَلٍ، وَتَتَعَانَقُ فِي رَوَابِيهَا أَشْجَارُ الصَّبْرِ وَأَعْنَابُ الرَّجَاءِ. أَغْرِسُ فِي تُرْبَتِهَا مَوْعِدًا كُلَّ صَبَاحٍ، وَأَسْقِيهِ مِنْ مَاءِ اليَقِينِ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فِي المَسَاءِ فَأَجِدُهُ قَدْ أَوْرَقَ سُؤَالًا: مَتَى؟ وَيُحَلِّقُ فِي أُفُقِهَا الفَسِيحِ نَوَارِسُ يَقِينٍ؛ كُلَّمَا أَزَّهَا بَرْزَخُ الرِّيحِ صَاحَتْ مِنْ لَوْعَةِ الرُّوحِ، وَعَصَافِيرُ حَنِينٍ؛ كُلَّمَا هَزَّهَا الوَجْدُ غَنَّتْ بِلَحْنِهَا المَلَائِكِيِّ فِي أَيْكِ القَلْبِ قَصَائِدَ شَوْقٍ لِلقَمَرِ. وَمَا القَمَرُ إِلَّا وَجْهُكِ إِذَا أَبْعَدَتْهُ المَسَافَةُ، وَمَا النَّوَارِسُ إِلَّا أَفْكَارِي حِينَ تَعْجَزُ عَنِ السَّفَرِ إِلَيْكِ، فَتَسْتَعِيرُ مِنَ الخَيَالِ جَنَاحَيْنِ.

وَفِي تِلْكَ الجَنَّةِ أَجْلِسُ وَحْدِي، وَلَكِنَّ وَحْدَتِي لَا تَخْلُو مِنْكِ؛ أُحَدِّثُ مَقْعَدًا فَارِغًا كَأَنَّكِ تَجْلِسِينَ عَلَيْهِ، وَأَضَعُ لَكِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَأْسًا مِنَ النَّجْوَى، فَلَا تَشْرَبِينَ، وَلَكِنَّ العِطْرَ الَّذِي يَبْقَى فِي حَافَّتِهَا يُقْنِعُنِي أَنَّ طَيْفَكِ مَرَّ مِنْ هُنَا. أَجَلْ، إِنَّ حُبِّي أَكْبَرُ، وَإِنَّ شَوْقِي إِلَيْكِ أَكْثَرُ؛ لَا لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَغْلِبَكِ فِي مِضْمَارِ المَحَبَّةِ، وَلَا لأُقِيمَ لِنَفْسِي عَلَى قَلْبِكِ عَرْشًا، بَلْ لِأَنَّ هَذَا الحُبَّ يَمْلَؤُنِي حَتَّى لَا يَتْرُكَ فِيَّ مَوْضِعًا لِشَيْءٍ سِوَاهُ، وَيَتَّسِعُ فِي صَدْرِي حَتَّى أَضِيقَ أَنَا عَنْ حَمْلِهِ.

إِنَّ كُلَّ مَا فِي هَذِهِ الغُرْبَةِ الحَدْبَاءِ، المُـمْتَدَّةِ مِنْ دَهَالِيزِ وَحْشَةِ المَكَانِ إِلَى أَخَادِيدِ دَهْشَةِ الزَّمَانِ، يَقُودُنِي إِلَيْكِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ وَطَنًا لَا أَسْتَبْدِلُهُ بِكُلِّ أَطْيَافِ النَّعِيمِ، وَمَأْوًى أَرُدُّ إِلَيْهِ رُوحِي كُلَّمَا شَرَّدَتْهَا خُطُوبُ الحَيَاةِ. فَالأَمَاكِنُ بَعْدَكِ تَتَشَابَهُ، وَالوُجُوهُ تَمُرُّ بِلَا مَلَامِحَ، وَالأَيَّامُ تَتَعَاقَبُ كَصَفَحَاتٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُكْتَبْ فِيهَا شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْفَظَ. وَسَاعَةَ أَرَاكِ وَلَا أَجِدُكِ، وَأَشْعُرُ بِكِ وَلَا أَبْلُغُكِ، أَشْتَكِي إِلَى الرَّحْمَنِ لَوْعَةَ الحِرْمَانِ، وَأُطْرِقُ فِي صَمْتٍ مُوغِلٍ وَأَنِينٍ مُذْهِلٍ؛ فَمَا أَضْيَقَ أَنْ يَكُونَ المَحْبُوبُ مِلْءَ البَصِيرَةِ، ثُمَّ لَا تَمْلِكُ اليَدُ مِنْهُ إِلَّا السَّلَامَ عَلَى طَيْفِهِ! وَمَا أَقْسَى أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى قَلْبِكَ مِنْ نَبْضِكَ، وَأَبْعَدَ عَنْ خُطْوَتِكَ مِنْ آخِرِ الأُفُقِ!

وَأَبْتَسِمُ؛ وَقَدْ حَاكَ فِي النَّفْسِ إِثْمُ اللُّجُوءِ العَاطِفِيِّ إِلَيْكِ، وَوَهْمُ النَّهْلِ مِنْ سَرَابِ العِشْقِ الَّذِي كُلَّمَا تَدَانَى إِشْفَاقًا تَنَاءَى رَقْرَاقًا، ثُمَّ أَشْعَلَ ذُبَالَةَ القَلْبِ بِالأَنِينِ. أَبْتَسِمُ كَمَنْ يَعْتَذِرُ لِنَفْسِهِ عَنْ ضَعْفٍ جَمِيلٍ لَا يُرِيدُ الشِّفَاءَ مِنْهُ، وَكَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ السَّرَابَ لَا يُرْوِي، ثُمَّ يَمْضِي إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَمَعَانَهُ فِي البَعِيدِ أَرْحَمُ مِنْ قَفْرٍ لَا يَلْمَعُ فِيهِ شَيْءٌ. وَإِنِّي لَسْتُ أَعُدُّ لُجُوئِي إِلَيْكِ خَطِيئَةً إِلَّا لِأَنَّ القَلْبَ قَدْ أَفْرَطَ فِي تَعْلِيقِ نَجَاتِهِ عَلَى بَابٍ وَاحِدٍ، وَأَسْرَفَ فِي إِيدَاعِكِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْقِيَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ. وَلَكِنْ كَيْفَ يَقْتَصِدُ فِي الحُبِّ مَنْ خُلِقَ قَلْبُهُ سَحَابَةً، إِذَا امْتَلَأَتْ لَمْ تَعْرِفْ سَبِيلًا إِلَى الرَّاحَةِ إِلَّا أَنْ تُمْطِرَ؟

وَأَنَا لَا أَزَالُ هُنَا أَمَامَكِ؛ أُمَارِسُ فِي حَضْرَةِ الجَفَافِ طُقُوسَ ابْتِهَالٍ لِلْغَيْثِ وَالمَطَرِ، وَأُؤَدِّي فِي رِحَابِ العَفَافِ صَلَاةَ اسْتِسْقَاءٍ بِدِفْءٍ يُذِيبُ جَلِيدَ بَرَارِي صَبْرِي وَقِفَارِ دَهْرِي، وَبِرِفْقٍ يُحْيِي كَانُونَ عُمْرِي بِنَيْسَانِ حَنَانِكِ، وَيُحْيِي زُهُورَ أَحْلَامِي بِعَبِيرِ أَيَّامِكِ. أَرْفَعُ أَكُفَّ الرَّجَاءِ إِلَى سَمَاءِ عَيْنَيْكِ، وَأَقْرَأُ فِي صَمْتِكِ مَا يَقْرَأُهُ الفَلَّاحُ فِي جَبِينِ الغَيْمِ مِنْ وَعْدٍ بِالمَطَرِ؛ فَإِذَا مَرَّتْ بِي مِنْكِ نَظْرَةٌ، ظَنَنْتُهَا بَشِيرَةَ غَيْثٍ، وَإِذَا تَأَخَّرَتْ، عُدْتُ إِلَى يَقِينِي أُقَلِّبُ تُرْبَتَهُ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ السَّحَابَ يُعِدُّ لِلأَرْضِ مَطَرًا أَغْزَرَ مِمَّا تَنْتَظِرُ.

أَنَا لَا أَزَالُ هُنَا؛ أَنْسُجُ مِنْ حَرِيرِ تَوْقِي إِلَيْكِ عَبَاءَةً تُزَيِّنُ جِيدَ بَسْمَتِكِ، وَمِنْ وَثِيرِ حِرْصِي عَلَيْكِ مِلَاءَةً تُدَفِّئُ صَدْرَكِ وَتُدَثِّرُ ظَهْرَكِ. أَخِيطُهَا بِإِبْرَةِ الصَّبْرِ، وَأُطَرِّزُ حَوَاشِيَهَا بِخُيُوطِ الدُّعَاءِ، وَأَجْعَلُ فِي كُلِّ ثَنِيَّةٍ مِنْهَا وَعْدًا أَلَّا يَبْلُغَكِ البَرْدُ وَفِي قَلْبِي بَقِيَّةٌ مِنْ دِفْءٍ.

أَنَا لَا أَزَالُ هُنَا؛ أُطَرِّزُ مِنْ جَوَاهِرِ اللُّغَةِ ثَوْبَ خُلْدٍ لَكِ لَا يَبْلَى، وَأَغْسِلُ الحُرُوفَ مِنْ غُبَارِ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ أَنْ أُقَدِّمَهَا إِلَيْكِ؛ لِأَنَّكِ لَا تَلِيقُ بِكِ الكَلِمَاتُ الَّتِي تَنَاوَلَتْهَا أَلْسِنَةُ العَابِرِينَ حَتَّى بَلِيَتْ، وَلَا المَجَازَاتُ الَّتِي طَافَتْ عَلَى أَبْوَابِ الجَمِيعِ حَتَّى فَقَدَتْ دَهْشَتَهَا. أَبْحَثُ لَكِ عَنْ لُغَةٍ وُلِدَتْ هَذَا الصَّبَاحَ، وَعَنْ وَرْدَةٍ لَمْ تُسَمِّهَا البَسَاتِينُ بَعْدُ، وَعَنْ مَعْنًى لَا يَعْرِفُ سِوَاكِ مَوْطِنًا.

أَنَا لَا أَزَالُ هُنَا؛ لَا أُقِيمُ عَلَى بَابِكِ مُسْتَجْدِيًا، وَلَا أَقِفُ فِي رِحَابِكِ مُنْكَسِرًا، بَلْ أَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ الوَفَاءُ حِينَ تَضْطَرِبُ العُهُودُ، وَأَبْقَى كَمَا تَبْقَى الشَّجَرَةُ عَلَى وَعْدِهَا لِلرَّبِيعِ، وَإِنْ طَالَتْ عَلَيْهَا لَيَالِي الشِّتَاءِ. فَالبَقَاءُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ عَجْزٍ ذُلٌّ، أَمَّا البَقَاءُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةٍ وَاخْتِيَارٍ فَوَفَاءٌ وَسِيَادَةٌ.

أَنَا لَا أَزَالُ هُنَا؛ أَحْفَظُ لَكِ مَقَامَكِ فِي قَلْبِي، وَلَا أُحَمِّلُكِ وِزْرَ مَا يُثِيرُهُ البُعْدُ فِيَّ مِنْ أَشْبَاحِ الظُّنُونِ. أُقَاوِمُ تَأْوِيلَ الصَّمْتِ، وَأَرُدُّ عَنِ الوُدِّ مَخَالِبَ الشَّكِّ، وَأَقُولُ لِنَفْسِي كُلَّمَا أَرَادَ الخَوْفُ أَنْ يُشَوِّهَ صُورَتَكِ: إِنَّ بَعْضَ الغِيَابِ عَجْزٌ لَا جَفَاءٌ، وَبَعْضَ الصَّمْتِ تَعَبٌ لَا نُكْرَانٌ، وَبَعْضَ التَّأَخُّرِ مَسَافَةٌ يَصْنَعُهَا القَدَرُ لِيَمْتَحِنَ صِدْقَ الوُصُولِ.

وَسَأَظَلُّ، مَا عِشْتُ، أَبْحَثُ عَاكِفًا عَنْ كُلِّ سَبِيلٍ يُوصِلُنِي إِلَى مَدَارِ هُنَاكِ، وَعَنْ كُلِّ دَلِيلٍ يُرْشِدُنِي إِلَى مُسْتَقَرِّ رِضَاكِ. سَأَتْبَعُ فِي طَرِيقِي أَثَرَ نَجْمٍ مِنْ ذِكْرَاكِ، وَرَائِحَةَ يَاسَمِينَةٍ مَرَّتْ بِهَا يَدَاكِ، وَصَدَى كَلِمَةٍ قُلْتِهَا يَوْمًا فَمَا زَالَتْ تَدُلُّنِي عَلَيْكِ كَمَا يَدُلُّ الأَذَانُ الغَرِيبَ عَلَى مَوْضِعِ المَئْذَنَةِ. وَلَسْتُ أَطْلُبُ مِنْ رِضَاكِ أَنْ يَكُونَ صَكًّا بِمِلْكِيَّتِي لِقَلْبِكِ، بَلْ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ نَافِذَةً أَرَى مِنْهَا أَنَّ مَا زَرَعْتُهُ فِي رُوحِكِ لَمْ يَذْهَبْ جُفَاءً، وَأَنَّ الوُدَّ الَّذِي حَمَلْتُهُ إِلَيْكِ لَمْ يَسْقُطْ فِي أَرْضٍ لَا تَعْرِفُ الخِصْبَ. أَرْجُو مِنْ رِضَاكِ تِلْكَ السَّكِينَةَ الَّتِي تَجْعَلُ القَلْبَ يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةِ اليَقِينِ، وَيَنَامُ لَيْلَةً وَاحِدَةً دُونَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ عَلَى فَزَعِ الفَقْدِ.

فَإِنْ قُلْتِ إِنَّ حُبَّكِ أَكْبَرُ، ابْتَسَمْتُ، وَقُلْتُ: بَلْ حُبِّي. وَإِنْ أَقَمْتِ عَلَيَّ مِنْ شَوْقِكِ أَلْفَ دَلِيلٍ، أَقَمْتُ مِنْ صَبْرِي عَلَيْكِ أَلْفَيْ دَلِيلٍ. ثُمَّ نَخْتَلِفُ قَلِيلًا، وَنَضْحَكُ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ الحُبَّ الَّذِي يَتَنَازَعُهُ قَلْبَانِ لِيَنْسُبَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى نَفْسِهِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ حُبٌّ وَاحِدٌ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمَا مَعًا. وَعِنْدَهَا لَا يَبْقَى لِلسُّؤَالِ: «مَنْ يُحِبُّ أَكْثَرَ؟» مِنْ جَوَابٍ إِلَّا أَنْ نَقُولَ: كِلَانَا؛ كُلٌّ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَكُلٌّ بِقَدْرِ مَا يَتَّسِعُ لَهُ قَلْبُهُ، وَكُلٌّ بِمَا أَوْدَعَ اللهُ فِيهِ مِنْ سِرِّ المَوَدَّةِ وَطَاقَةِ الوَفَاءِ.

أَمَّا أَنَا، فَحَسْبِي أَنَّنِي لَا أَزَالُ هُنَا؛ فِي المَكَانِ نَفْسِهِ مِنَ العَهْدِ، وَفِي المَقَامِ نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، وَفِي الدَّهْشَةِ الأُولَى الَّتِي وَقَفْتُ فِيهَا أَمَامَكِ، فَشَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ الطُّرُقِ الَّتِي قَطَعْتُهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا مَقْدِمَةً لِهَذَا الوُصُولِ. أَنَا لَا أَزَالُ هُنَا؛ وَإِنْ بَعُدَتْ خُطَاكِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ سَاعَاتُ الانْتِظَارِ، وَإِنْ عَبَرَتْ عَلَى جَنَّةِ القَلْبِ مَوَاسِمُ مِنَ الجَفَافِ. هُنَا، أَحْرُسُ لَكِ فِي أَعْمَاقِي مَوْضِعًا لَا يَشِيخُ، وَأُبْقِي لَكِ مِصْبَاحًا لَا تُطْفِئُهُ رِيحُ الغِيَابِ، وَبَابًا لَا يَغْلِقُهُ طُولُ الطَّرِيقِ. هُنَا؛ لأَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُغَادِرُ مَا أَحَبَّتْ، لَا عَجْزًا عَنِ الرَّحِيلِ، بَلْ وَفَاءً لِمَا رَأَتْهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ الحُبِّ مِنْ مَعْنَى الوُجُودِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى