عندما يبكي القمر
لَيْسَ أَقْسَى عَلَى النَّفْسِ مِنْ لَحَظَاتِ الغِيَابِ حِينَ يَعْزِفُ نَايُ الشَّوْقِ لَحْنَهُ الشَّجِيَّ، وَتُطْلِقُ بَلَابِلُ التَّوْقِ فِي أَقْفَاصِ الصَّدْرِ أُنْشُودَةً يَتَعَانَقُ فِيهَا الأَلَمُ وَالأَمَلُ؛ فَلَا الوَجَعُ يَمْلِكُ أَنْ يَكْتَمِلَ فَيُرِيحَ، وَلَا الرَّجَاءُ يَمْلِكُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فَيُطْفِئَ جَمْرَةَ الانْتِظَارِ. وَيَكُونُ وَقْعُ الغِيَابِ أَشَدَّ حِينَ يَجِيءُ بِطَعْمِ الفَقْدِ، غَائِلَ البَوْحِ، مُسْتَتِرَ الجُرْحِ، كَأَنَّ القَلْبَ قَدْ تَعَلَّمَ أَنْ يَتَأَلَّمَ فِي وَقَارٍ، وَأَنْ يَعَضَّ عَلَى أَنِينِهِ كَيْلَا يَسْمَعَ المَارَّةُ صَرِيرَ انْكِسَارِهِ. وَتُسَافِرُ الأُمْنِيَاتُ عَلَى جَنَاحِ الذِّكْرَى تَارَةً، وَعَلَى رِيحِ الشَّكْوَى تَارَةً أُخْرَى، تَبْحَثُ فِي أَقَاصِي الرُّوحِ عَنْ مَرْفَأٍ دَافِئٍ، وَعَنْ وَطَنٍ حَنُونٍ تَحْتَمِلُ فِيهِ القُلُوبُ وَجِيبَهَا، وَتَغْسِلُ العُيُونُ بِمَائِهِ مَا عَلِقَ بِأَهْدَابِهَا مِنْ مِلْحِ الغِيَابِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الأَسْفَارِ لَا تَنْتَهِي إِلَى شَاطِئٍ، وَبَعْضَ الأُمْنِيَاتِ تَظَلُّ مُعَلَّقَةً بَيْنَ سَمَاءٍ لَا تُدْنِيهَا وَأَرْضٍ لَا تَتَّسِعُ لَهَا؛ كَأَنَّهَا طُيُورٌ هَاجَرَتْ مِنْ أَوْطَانِهَا، ثُمَّ نَسِيَتِ الطَّرِيقَ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَنْسَ العُشَّ، تَبْحَثُ فِي الأُفُقِ عَنْ مَرْفَأٍ دَافِئٍ وَوَطَنٍ حَنُونٍ يَحْتَوِي فِيهِ القُلُوبَ الوَاجِفَةَ، وَتَرْوِي مِنْهُ العُيُونَ الذَّارِفَةَ.
وَفِي اللَّيْلِ، إِذْ يَنْشُرُ الدَّيْجُورُ غَلَسَهُ رَسُولَ وَحْشَةٍ وَغُرْبَةٍ، يُفْتَقَدُ القَمَرُ؛ فَتَرْنُو إِلَيْهِ البَصَائِرُ قَبْلَ الأَبْصَارِ، وَتُفَتِّشُ عَنْهُ النُّفُوسُ قَبْلَ النَّوَافِذِ، كَأَنَّ فِي طَلَّتِهِ عَهْدًا قَدِيمًا بِالأَمَانِ. يَبْحَثُ السَّاهِرُونَ فِي الأُفُقِ عَنْ بَقِيَّةِ قَبَسٍ مِنْ وَجْهِهِ المُؤْنِسِ، وَعَنْ شُرْفَةٍ مِنْ فِضَّتِهِ تُطِلُّ عَلَى قُلُوبِهِمُ المُتْعَبَةِ؛ فَيَكُونُ نَدِيمَ المُسَهَّدِينَ، وَرَفِيقَ السَّارِينَ، وَدَلِيلَ التَّائِهِينَ فِي فَلَوَاتِ المَعْنَى، وَمُتْعَةَ الحَالِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا فِي صَخَبِ الأَرْضِ مَا يَكْفِيهِمْ، فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ نَحْوَ السَّمَاءِ.
وَلَكِنْ مَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ مِنَ القَمَرِ أَنْ يُضِيءَ، وَمَا أَقَلَّ الَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ عَمَّا أَظْلَمَ فِي دَاخِلِهِ! وَيْكَأَنَّ القَمَرَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ أَثْقَالَ البَشَرِ كُلَّهَا؛ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى أَسْرَارِ العُشَّاقِ، وَيَشْهَدَ انْكِسَارَاتِ الأَرَامِلِ، وَيُحْصِيَ دُمُوعَ الغَرِيبِ، وَيَرَى عَلَى الشُّرُفَاتِ وُجُوهًا تَدْعُو، وَعَلَى الطُّرُقَاتِ أَقْدَامًا تَضِلُّ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى مَدَارِهِ صَامِتًا كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا. وَيْكَأَنَّ قَدَرَهُ أَنْ يَحْتَمِلَ مِنْهُمُ الأَخْطَاءَ بَلْ وَالخَطَايَا، وَلَا يَزَالُ مَلُومًا مُؤَنَّبًا مَا أَتَى؛ إِنْ غَابَ سُئِلَ؛ وَإِنْ أَطَلَّ جُهِلَ؛ وَإِنْ خُسِفَ عُذِلَ؛ وَإِنْ طَلَبَ خُذِلَ؛ وَإِنِ اشْتَكَى يُلَامُ. كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَهُ بَدْرًا لَا يَحُولُ، وَمُوَاسِيًا لَا يَمَلُّ، وَحَاضِرًا لَا يَكِلُّ، وَمُضِيئًا وَإِنْ أَكَلَ الحُزْنُ مِنْ أَطْرَافِهِ مَا أَكَلَ. يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ سَمَاءً لِنَجَاتِهِمْ، ثُمَّ يَضِيقُونَ بِأَوَّلِ غَيْمَةٍ تَعْبُرُ وَجْهَهُ؛ يَسْتَعِيرُونَ فِضَّتَهُ لِيُزَيِّنُوا بِهَا لَيَالِيَهُمْ، فَإِذَا شَحَبَ مِنْ فَرْطِ مَا بَذَلَ، عَاتَبُوهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
أَيُّهَا القَمَرُ المُشْرِقُ فِي نُفُوسِ مَنْ أَدْمَنُوا بِكَ الضِّيَاءَ، وَعَرَفُوا فِيكَ الوَفَاءَ، وَاعْتَادُوا مِنْكَ العَطَاءَ، وَأَدْرَكُوا بِقُرْبِكَ مَعْنَى الاحْتِمَاءِ؛ أَيُّهَا المُعَلَّقُ بَيْنَ جَلَالِ السَّمَاءِ وَوَحْشَةِ المَدَارِ، أَمَا تَعِبْتَ مِنْ أَنْ تَكُونَ نَافِذَةً لِكُلِّ حَزِينٍ، وَلَا تَجِدُ حِينَ تَحْزَنُ نَافِذَةً تُطِلُّ مِنْهَا عَلَى أَحَدٍ؟ أَيُّهَا القَمَرُ الَّذِي أَتْقَنَ فَنَّ التَّفَانِي وَالتَّدَانِي، وَأَضَاءَ وَجْهَهُ بِابْتِسَامَةِ حُبٍّ وَبَذْلٍ، ثُمَّ طَوَى فِي تَجَاوِيفِ صَدْرِهِ أَنِينَهُ؛ كَمْ لَيْلَةً جَلَسْتَ فِيهَا عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مَلِكًا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَكُنْتَ فِي حَقِيقَةِ نَفْسِكَ أَسِيرًا لِمَدَارِكَ لَا تَمْلِكُ مُفَارَقَتَهَا! وَكَمْ رَأَوْكَ عَالِيًا، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ العُلُوَّ أَحْيَانًا أَشَدُّ أَنْوَاعِ الوَحْدَةِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ارْتَفَعَ نَجَا، وَلَا كُلُّ مَنْ أَضَاءَ سَلِمَ مِنَ الاحْتِرَاقِ.
أَيُّهَا القَمَرُ الَّذِي يَغْرِسُ فِي يَبَابِ شُجُونِهِ زَهْرَ البَنَفْسَجِ، وَيُعَرِّشُ فِي بَسَاتِينِ مَنْ حَوْلَهُ اليَاسَمِينَ وَالنَّرْجِسَ وَشَقَائِقَ النُّعْمَانِ؛ تَصْنَعُ لَهُمْ مِنْ أَوْجَاعِكَ رَبِيعًا، وَمِنْ تَعَبِكَ رَوَابِيَ عَاطِرَةً، وَمِنْ صَمْتِكَ مُوسِيقَى تَمْسَحُ عَنْ صُدُورِهِمْ كُلَّ لَأْيٍ وَكَدَرٍ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى عُزْلَتِكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الرَّبِيعِ إِلَّا رَائِحَةً عَابِرَةً عَلِقَتْ بِثِيَابِكَ. تَسْقِيهِمْ مِنْ يَنَابِيعِكَ، وَتَتْرُكُ عَطَشَكَ مُخْتَبِئًا فِي فُوَّهَاتِكَ العَمِيقَةِ. تُهْدِيهِمْ فِضَّتَكَ، وَتَدْفِنُ سَوَادَكَ فِي الجَانِبِ الَّذِي لَا يَرَوْنَهُ. تَعْرِضُ عَلَيْهِمْ وَجْهَكَ الصَّافِيَ، وَتُخَبِّئُ وَرَاءَهُ نُدُوبًا أَقْدَمَ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ؛ كَأَنَّمَا الجَمَالُ لَيْسَ إِلَّا حُزْنًا أَحْسَنَ تَرْتِيبَ مَلَامِحِهِ، وَكَأَنَّ الوَقَارَ دَمْعَةٌ تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ العَيْنِ دُونَ أَنْ تَسْقُطَ.
أَيُّهَا القَمَرُ الَّذِي لَا يَنَامُ وَإِنْ رَقَدَ، وَلَا يَضِنُّ وَإِنْ فَقَدَ، وَلَا يَشْتَكِي وَإِنْ وَجَدَ. فِي صَدْرِهِ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الجِبَالِ لَصَدَّعَ صَمْتَهَا؛ مَا زِلْتَ تَنْهَمِرُ يَنَابِيعَ مِنْ سُقْيَا عَذْبَةٍ لَا تَعْرِفُ نَضْبًا، وَمَصَابِيحَ مِنْ رُؤْيَا وَاعِيَةٍ تَهْدِي الدُّرُوبَ السَّالِكِينَ. إِنَّ العَطَاءَ الَّذِي لَا يَعُودُ إِلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ يُوشِكُ أَنْ يَصِيرَ اسْتِنْزَافًا، وَالوَفَاءَ الَّذِي لَا يَجِدُ وَفَاءً يُقَابِلُهُ يَتَحَوَّلُ فِي الأَعْمَاقِ إِلَى جُرْحٍ نَجِيبٍ، لَا يَصْرُخُ كَيْلَا يَخْدِشَ صُورَةَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَا يَنْدَمِلُ كَيْلَا يَنْسَى لِمَاذَا وُجِدَ. وَلَيْسَ أَشَدَّ عَلَى الكَرِيمِ مِنْ أَنْ يُسَاءَ فَهْمُ كَرَمِهِ؛ فَيُحْسَبُ حِلْمُهُ ضَعْفًا، وَصَمْتُهُ غَفْلَةً، وَثَبَاتُهُ عَادَةً، وَدَوَامُ حُضُورِهِ حَقًّا مُكْتَسَبًا لَا فَضْلَ فِيهِ وَلَا امْتِنَانَ.
أَلَمْ يَقُلْ يَعْقُوبُ، وَقَدِ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ: **«إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ»**؟ لَمْ يَنْقُصِ البُكَاءُ مِنْ مَقَامِ نَبِيٍّ، وَلَمْ تُسْقِطِ الدَّمْعَةُ عَنْ رَأْسِهِ تَاجَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ. فَلَيْسَ البُكَاءُ خِيَانَةً لِلقُوَّةِ، بَلْ عَوْدَتَهَا إِلَى حَقِيقَتِهَا الإِنْسَانِيَّةِ؛ وَلَيْسَ انْكِسَارًا لِلرُّوحِ، بَلِ انْفِتَاحُ نَافِذَةٍ فِي جِدَارِهَا كَيْلَا تَخْتَنِقَ بِمَا كَتَمَتْ.
أَيُّهَا القَمَرُ الَّذِي لَا يَحْتَوِي مُعْجَمُهُ إِلَّا مَعَانِيَ العَطَاءِ وَالوَفَاءِ، هَذَا قَدَرُكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ قَدَرُكَ أَنْ تُذْبَحَ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى مَذْبَحِ التَّجَلُّدِ. وَإِنْ حَانَ وَقْتُ البُكَاءِ؛ فَابْكِ، وَإِنْ أَبْكَانِي بُكَاؤُكَ، وَدَعْ فِضَّتَكَ تَسِيلُ عَلَى خَدِّ اللَّيْلِ أَنْهَارًا صَامِتَةً، وَدَعِ النُّجُومَ تَشْهَدُ أَنَّكَ، وَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَ السَّهَرِ، مَا كُنْتَ حَجَرًا مُعَلَّقًا فِي السَّمَاءِ، بَلْ قَلْبًا عَظِيمًا حَمَلَ مِنْ أَحْزَانِ الأَرْضِ مَا أَثْقَلَ مَدَارَهُ.
ابْكِ؛ فَإِنَّ لِلدَّمْعِ شَآبِيبَ تَغْسِلُ حُزْنَ الفُؤَادِ، وَتَمْسَحُ الأَنِينَ عَنِ الشِّغَافِ، وَتَفْتَحُ فِي جِدَارِ الصَّدْرِ كُوًى كَانَتْ مَسْدُودَةً بِحِجَارَةِ الصَّبْرِ. وَإِنَّ لَهُ لَصَوْلَةً تَجْتَثُّ عَرَاقِيبَ الأَسَى، لَا بِعُنْفِ السَّيْفِ، بَلْ بِلِينِ المَاءِ الَّذِي يُفَتِّتُ الصَّخْرَ قَطْرَةً قَطْرَةً. وَإِنَّ فِي الدَّمْعِ رَحْمَةً لَا يَعْرِفُهَا المُتَمَاسِكُ طَوِيلًا؛ يَهْبِطُ مِنَ العَيْنِ مُثْقَلًا بِالحُزْنِ، ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ خَفِيفًا كَالغُفْرَانِ. ابْكِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ البُكَاءِ نَوْحًا، وَلَا كُلُّ الدَّمْعِ هَزِيمَةً. فِي البُكَاءِ حَمَائِمُ سَلَامٍ، وَهَدِيلُ يَمَامٍ، وَنَسِيمُ صَفَاءٍ وَوِئَامٍ؛ وَفِيهِ رُجُوعُ الإِنْسَانِ مِنْ صَلَابَةِ التِّمْثَالِ إِلَى بَرَاءَةِ الإِنْسَانِ. وَرُبَّمَا كَانَتِ الدَّمْعَةُ هِيَ اللُّغَةَ الأَخِيرَةَ حِينَ تَخُونُ العِبَارَاتُ، وَهِيَ الاعْتِرَافُ النَّبِيلُ حِينَ يَعْجِزُ الكِبْرِيَاءُ عَنْ شَرْحِ مَا فَعَلَتْهُ الخَيْبَةُ.
ابْكِ عَنِ الَّذِينَ احْتَمَوْا بِكَ ثُمَّ تَرَكُوكَ عِنْدَ أَوَّلِ غَيْمَةٍ. ابْكِ عَنِ الَّذِينَ أَحَبُّوا وَجْهَكَ مُكْتَمِلًا، وَلَمْ يَحْتَمِلُوا مِنْكَ مَحَاقًا عَابِرًا. ابْكِ عَنِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ عَطَائِكَ عَادَةً، وَمِنْ وَفَائِكَ حَقًّا، وَمِنْ حُضُورِكَ يَقِينًا لَا يَخْشَوْنَ زَوَالَهُ. وَابْكِ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ عَنْ ذَلِكَ القَمَرِ الَّذِي ظَلَّ يُوَاسِي الجَمِيعَ، حَتَّى نَسِيَ أَنَّ لَهُ قَلْبًا يَسْتَحِقُّ المُوَاسَاةَ.
ابْكِ كَمَا بَكَتِ الأَنْدَلُسُ فِي آخِرِ لَيَالِيهَا، لَا جُبْنًا، بَلْ وَفَاءً لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَجْدٍ. وَابْكِ كَمَا بَكَى الشُّعَرَاءُ عَلَى الأَطْلَالِ، لَا لِأَنَّ الحِجَارَةَ أَغْلَى مِنَ البَشَرِ، بَلْ لِأَنَّ الأَمَاكِنَ تَحْفَظُ مَا يَخُونُهُ أَصْحَابُهَا. وَابْكِ كَمَا تَبْكِي المَآذِنُ عِنْدَ رَحِيلِ المُؤَذِّنِينَ؛ لَا يَسْمَعُ النَّاسُ بُكَاءَهَا، لَكِنَّ الصَّدَى فِي جَوْفِهَا يَظَلُّ يَتِيمًا زَمَنًا طَوِيلًا.
ابْكِ حَتَّى يَمَلَّكَ البُكَاءُ أَوْ تَمَلَّهُ، وَحَتَّى تَفْرُغَ الكُؤُوسُ المُتْرَعَةُ فِي صَدْرِكَ، وَحَتَّى تَشْعُرَ أَنَّ الحُزْنَ خَرَجَ مِنْكَ لَا مَهْزُومًا وَلَا مُنْتَصِرًا، بَلْ مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى الإِقَامَةِ. فَإِذَا هَدَأَتْ فِيكَ العَاصِفَةُ، وَغَسَلَتْ دُمُوعُكَ مَا تَرَاكَمَ عَلَى مَرَايَا رُوحِكَ مِنْ غُبَارِ الخَيْبَاتِ، فَارْفَعِ الرَّأْسَ فِي شَمَمٍ، لَا فِي كِبْرٍ، وَابْتَسِمْ لَا إِنْكَارًا لِمَا أَوْجَعَكَ، بَلِ انْتِصَارًا عَلَيْهِ. ثُمَّ ارْفَعِ الرَّأْسَ، وَقُلْ فِي شَمَمِ العَارِفِ بِقَدْرِهِ:
لَسْتُ نَادِمًا لِأَنَّنِي أَضَأْتُ، وَلَا خَجِلًا لِأَنَّنِي أَحْبَبْتُ، وَلَا آسِفًا لِأَنَّنِي كُنْتُ وَفِيًّا فِي زَمَنٍ يَتَبَدَّلُ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَتَبَدَّلُ ظِلَالُ المَسَاءِ. يَكْفِينِي فَخْرًا أَنَّنِي حِينَ أَعْطَيْتُ لَمْ أَحْسِبْ، وَحِينَ وَفَيْتُ لَمْ أُسَاوِمْ، وَحِينَ تَأَلَّمْتُ لَمْ أَجْعَلْ أَلَمِي سَوْطًا عَلَى ظُهُورِ مَنْ أَحْبَبْتُ. يَكْفِينِي فَخْرًا أَنْ أَكُونَ أَنَا القَمَرَ؛ أَنْ أَنْقُصَ وَلَا أَسْقُطَ، وَأَنْ أَغِيبَ وَلَا أَخُونَ مَدَارِيَ، وَأَنْ يَمُرَّ بِيَ المَحَاقُ فَلَا أَنْسَى أَنَّ البَدْرَ يَسْكُنُنِي، وَأَنْ أَبْكِيَ حِينَ يُثْقِلُنِي الحُزْنُ ثُمَّ أَعُودَ، لَا لِأَنَّ اللَّيْلَ اسْتَحَقَّنِي دَائِمًا، بَلْ لِأَنَّ طَبِيعَتِي أَنْ أُقَاوِمَ العَتَمَةَ بِمَا بَقِيَ فِي رُوحِي مِنْ فِضَّةٍ.
دَعْ دَمْعَكَ يَهْطِلْ مِنْ غَيْرِ اعْتِذَارٍ؛ فَالسَّمَاءُ لَا تَعْتَذِرُ حِينَ تُمْطِرُ، وَالبَحْرُ لَا يَخْجَلُ مِنْ مُلُوحَتِهِ، وَالجُرْحُ لَا يُلَامُ إِذَا نَزَفَ. وَمَا أَنْتَ إِلَّا سَمَاءٌ صَغِيرَةٌ حَمَلَتْ مَوَاسِمَ الآخَرِينَ، وَبَحْرٌ عَلِقَ فِي الأَعَالِي، وَجُرْحٌ دَائِرِيٌّ يَتَفَنَّنُ فِي إِخْفَاءِ نَزْفِهِ وَرَاءَ وَجْهٍ جَمِيلٍ. وَلَا تَنْتَظِرْ مِنَ الَّذِينَ اعْتَادُوا ضِيَاءَكَ أَنْ يَفْهَمُوا مَحَاقَكَ؛ فَالعَابِرُونَ لَا يَفْقَهُونَ أَسْرَارَ المَدَارَاتِ، وَمَنِ اعْتَادَ دِفْءَ العَطَاءِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اليَنْبُوعَ خُلِقَ لِيَجْرِيَ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ. حَسْبُكَ أَنَّكَ كُنْتَ وَفِيًّا لِجَوْهَرِ نَفْسِكَ، وَأَنَّكَ لَمْ تَجْعَلْ قَسْوَةَ الآخَرِينَ حُجَّةً لِتَتَعَلَّمَ القَسْوَةَ، وَلَا جُحُودَهُمْ ذَرِيعَةً لِتَجْحَدَ مَا فِيكَ مِنْ كَرَمٍ. إِنَّ القَمَرَ لَا يَفْقِدُ مَجْدَهُ حِينَ يَبْكِي؛ إِنَّمَا تَصِيرُ دُمُوعُهُ نَدًى عَلَى جَبِينِ السَّمَاءِ، وَتَغْدُو نُدُوبُهُ خَرَائِطَ يَهْتَدِي بِهَا التَّائِهُونَ. وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنِ القَمَرُ جَمِيلًا لِأَنَّهُ لَا يَحْزَنُ، بَلْ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ حُزْنَهُ عَالِيًا، ثُمَّ يَظَلُّ، رَغْمَ كُلِّ مَا انْكَسَرَ فِيهِ، قَادِرًا عَلَى أَنْ يَهَبَ بِضِيَائِهِ لِلنَّاظِرِينَ بَرِيقًا وَلِلعَابِرِينَ طَرِيقًا.
