الشعر

جنون النرجسية

تَهْذِي وَتَحْسَبُ فِيمَا تَهْرِفُ الرَّشَدَا = وَتَجْعَلُ المَيْنَ عَوْنًا وَالمُنَى سَنَدَا
تَخْتَالُ فِي صَلَفِ الطَّاوُوسِ مُنْتَفِجًا = وَمَا بَلَغْتَ مِنَ الصُّرْصَارِ بَعْضَ صَدَى
مَا زَالَ يَدْفَعُكَ الإِسْرَافُ فِي خَطَلٍ = حَتَّى غَدَوْتَ مَعَ الإِسْفَافِ حَيْثُ غَدَا
وَبِتَّ إِذْ حَطَّمَ الأَصْنَامَ أَهْلُ هُدَى = كَأَنَّكَ اللَّاتُ تَسْتَجْدِي الَّذِي عَبَدَا
لَنْ يَرْحَمَ الدَّهْرُ مَنْ بَاعُوا ضَمَائِرَهُمْ = وَمَنْ أَذَاقُوا العِبَادَ القَهْرَ وَالصَّفَدَا
كَمْ حُرَّةٍ صَرَخَتْ مِنْ ظُلْمِ مُسْتَلِبٍ = فَأَوْرَثَتْكَ شَقَاءَ الدَّهْرِ وَالكَمَدَا
أَزَلَّكَ الطَّيْشُ حَدَّ البَطْشِ مُجْتَرِمًا = وَغَرَّكَ العَرْشُ حَتَّى خِلْتَهُ صَمَدَا
تُصَعِّرُ الخَدَّ كِبْرًا تَافِهًا سَمِجًا = وَتَرْفَعُ الرَّأْسَ زَهْوًا أَسْقَمَ الصَّيَدَا
هُوَ الغُرُورُ عَدُوُّ العَقْلِ يُذْهِلُهُ = فَأَيُّ نُصْحٍ لِمَغْرُورٍ يَضِيعُ سُدَى
وَكَيْفَ يُنْصَحُ مَنْ تَعْمَى بَصِيرَتُهُ = وَمَنْ يَرَى شَطَطًا دَرْبَ الضَّلَالِ هُدَى
مَنْ عَاشَ يَغْرِسُ شَوْكَ الجَوْرِ فِي أُمَمٍ = فَلَا يَلُومَنَّ مَا أَدْمَى مَتَى حَصَدَا
يَا ظَالِمًا غَرَّهُ سُلْطَانُهُ صَلَفًا = غَدًا تَرَى مُلْكَكَ المَوْهُومَ مُبْتَعِدَا
شَعْبُ الأُبَاةِ إِذَا مَا زَمْجَرَتْ دِمُهُ = أَحَالَ عَرْشَكَ بِالبُرْكَانِ مُفْتَقَدَا
مَا نَفْعُ جَيْشِكَ إِنْ خَانَتْكَ سَطْوَتُهُ = وَالشَّعْبُ أَقْبَلَ مِثْلَ السَّيْلِ مُحْتَشِدَا
أَسْرَفْتَ فِي غَيِّكَ الأَعْمَى بِلَا وَجَلٍ = وَمَا وَجَدْتَ لِيَوْمِ الرَّوْعِ مُعْتَمَدَا
تِلْكَ القُصُورُ الَّتِي شَيَّدْتَ قَدْ خَرِبَتْ = وَلَمْ تَدَعْ لَكَ فِي سَاحَاتِهَا عَمَدَا
تَظُنُّ أَنَّ عُرُوشَ المُسْتَبِدِّ تَقِي = ضَرْبَ السُّيُوفِ إِذَا مَا الشَّعْبُ قَدْ حَرَدَا
خَمْسُونَ عَامًا بَذَرْتَ الجَهْلَ فَاصْطَبَرُوا = وَمَا ارْعَوَيْتَ وَهَذَا صَبْرُهُمْ نَفَدَا
طَفِقْتَ تُورِدُهُمْ بِالقَهْرِ كُلَّ أَذَى = وَتَنْشُرُ الفَقْرَ وَالإِذْلَالَ وَالنَّكَدَا
وَمَا فَرَكْتَ ضَلَالًا أَنْتَ تَعْرِفُهُ = وَلَا تَرَكْتَ مَجَالًا لِلْهُدَى أَبَدَا
حَتَّى بَلَغْتَ جُنُونَ النَّرْجِسِيَّةِ لَا = يُثْنِيكَ عَنْ فِتْنَةِ التَّأْلِيهِ أَيُّ مَدَى
لَا المَجْدُ أَنْتَ وَلَا التَّارِيخُ لَسْتَ سِوَى = غِرٍّ تَسَلَّلَ فِي الأَجْنَادِ وَانْفَرَدَا
كَالقِرْدِ حِينَ بَدَا كَالجَحْشِ حِينَ أَدَا = كَالْهِرِّ حِينَ غَدَا كَالجُرْذِ حِينَ عَدَا
إِذَا اسْتَمَعْتُ فَأُذْنِي غَيْرُ وَاعِيَةٍ = وَإِنْ نَظَرْتُ فَإِنِّي لَا أَرَى أَحَدَا
مَا انْفَكَّ يَرْبَأُ حَرْفِي عَنْكَ مُحْتَقِرًا = حَتَّى صَبَبْتَ عَلَيْهِ الغَيْظَ فَاتَّقَدَا
أَتَحْرِقُ الأَرْضَ يَا نِيرُونُ مُنْتَقِمًا = مِنَ الأُبَاةِ وَتُفْنِي المَالَ وَالوَلَدَا
أَتَزْعُمُ الزُّهْدَ فِيمَا لَسْتَ تَمْلُكُهُ = وَأَنْتَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ تَسْرِقُ البَلَدَا
مَنْ أَنْتَ مَنْ أَنْتَ حَتَّى تَدَّعِي حَذَقًا = وَتَمْتَرِي فِي الكِتَابِ الأَخْضَرِ السَّدَدَا
مَنْ أَنْتَ مِنْ عُمَرِ المُخْتَارِ تَذْكُرُهُ = كَأَنَّكَ الوَارِثُ الأَعْلَى يَدًا وَنَدَى
إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ لِلنَّجْلَاءِ مُبْهِرَةً = فَكَيْفَ يَرْنُو لَهَا مَنْ يَشْتَكِي الرَّمَدَا
مَا أَقْبَحَ الدَّهْرَ يَعْلُو فِيهِ ذُو سَفَهٍ = مِنَ الرِّعَاعِ وَيُؤْذِي الثَّعْلَبُ الأَسَدَا
طَوَى الزَّمَانُ سِجِلَّاتِ الخَنَا بِيَدٍ = وَصَاغَ لِلْعِزِّ مَجْدًا بَاتَ مُؤْتَلِدَا
فَاهْرُبْ بِنَفْسِكَ إِنَّ الأَرْضَ هَائِجَةٌ = لَنْ تَقْبَلَ اليَوْمَ مَنْ خَانُوا وَمَنْ جَحَدَا
أَوْ عِشْ كَمَا أَنْتَ مَفْتُونًا وَمُرْتَعِدًا = وَعِثْ كَمَا شِئْتَ إِفْسَادًا وَكَفَّ رَدَى
فَلَيْسَ ثَمَّةَ إِلَّا الخِزْيَ تَجْرَعُهُ = وَلَيْسَ ثَمَّةَ إِلَّا الصَّبْرَ وَالجَلَدَا
وَإِنْ ظَنَنْتَ الَّذِي أَثْخَنْتَ يُرْهِبُهُمْ = فَإِنَّ لِلرُّوحِ عَزْمًا يُقْلِقُ الجَسَدَا
عُقْبَى الفَسَادِ عَلَيْكَ الشَّنْقُ مُنْقَلَبًا = وَيُصْلِحُ اللهُ بِالأَحْرَارِ مَا فَسَدَا
وَلِيبِيَا حُرَّةٌ مَهْمَا سَفَكْتَ دَمًا = سَيُولَدُ النَّصْرُ مِنْ رَحِمِ الصُّمُودِ غَدَا
تهذي وتحسب فيما تهرف الرشدا = وتجعل المين عونا والمنى سندا
تختال في صلف الطاووس منتفجا = وما بلغت من الصرصار بعض صدى
ما زال يدفعك الإسراف في خطل = حتى غدوت مع الإسفاف حيث غدا
وبت إذ حطم الأصنام أهل هدى = كأنك اللات تستجدي الذي عبدا
لن يرحم الدهر من باعوا ضمائرهم = ومن أذاقوا العباد القهر والصفدا
كم حرة صرخت من ظلم مستلب = فأورثتك شقاء الدهر والكمدا
أزلك الطيش حد البطش مجترما = وغرك العرش حتى خلته صمدا
تصعر الخد كبرا تافها سمجا = وترفع الرأس زهوا أسقم الصيدا
هو الغرور عدو العقل يذهله = فأي نصح لمغرور يضيع سدى
وكيف ينصح من تعمى بصيرته = ومن يرى شططا درب الضلال هدى
من عاش يغرس شوك الجور في أمم = فلا يلومن ما أدمى متى حصدا
يا ظالما غره سلطانه صلفا = غدا ترى ملكك الموهوم مبتعدا
شعب الأباة إذا ما زمجرت دمه = أحال عرشك بالبركان مفتقدا
ما نفع جيشك إن خانتك سطوته = والشعب أقبل مثل السيل محتشدا
أسرفت في غيك الأعمى بلا وجل = وما وجدت ليوم الروع معتمدا
تلك القصور التي شيدت قد خربت = ولم تدع لك في ساحاتها عمدا
تظن أن عروش المستبد تقي = ضرب السيوف إذا ما الشعب قد حردا
خمسون عاما بذرت الجهل فاصطبروا = وما ارعويت وهذا صبرهم نفدا
طفقت توردهم بالقهر كل أذى = وتنشر الفقر والإذلال والنكدا
وما فركت ضلالا أنت تعرفه = ولا تركت مجالا للهدى أبدا
حتى بلغت جنون النرجسية لا = يثنيك عن فتنة التأليه أي مدى
لا المجد أنت ولا التاريخ لست سوى = غر تسلل في الأجناد وانفردا
كالقرد حين بدا كالجحش حين أدا = كالهر حين غدا كالجرذ حين عدا
إذا استمعت فأذني غير واعية = وإن نظرت فإني لا أرى أحدا
ما انفك يربأ حرفي عنك محتقرا = حتى صببت عليه الغيظ فاتقدا
أتحرق الأرض يا نيرون منتقما = من الأباة وتفني المال والولدا
أتزعم الزهد فيما لست تملكه = وأنت من نصف قرن تسرق البلدا
من أنت من أنت حتى تدعي حذقا = وتمتري في الكتاب الأخضر السددا
من أنت من عمر المختار تذكره = كأنك الوارث الأعلى يدا وندى
إن كانت الشمس للنجلاء مبهرة = فكيف يرنو لها من يشتكي الرمدا
ما أقبح الدهر يعلو فيه ذو سفه = من الرعاع ويؤذي الثعلب الأسدا
طوى الزمان سجلات الخنا بيد = وصاغ للعز مجدا بات مؤتلدا
فاهرب بنفسك إن الأرض هائجة = لن تقبل اليوم من خانوا ومن جحدا
أو عش كما أنت مفتونا ومرتعدا = وعث كما شئت إفسادا وكف ردى
فليس ثمة إلا الخزي تجرعه = وليس ثمة إلا الصبر والجلدا
وإن ظننت الذي أثخنت يرهبهم = فإن للروح عزما يقلق الجسدا
عقبى الفساد عليك الشنق منقلبا = ويصلح الله بالأحرار ما فسدا
وليبيا حرة مهما سفكت دما = سيولد النصر من رحم الصمود غدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى