الشعر

لوعة البين

أَعَادَكِ العِيدُ أَمْ عَادَتْ عَوَادِينَا = أَمِ اسْتَعَادَتْ مِنَ الذِّكْرَى دَوَاعِينَا
أَمْ جَدَّكِ الوَجْدُ يَا نَفْسًا أَذُوبُ بِهَا = أَمْ أَوْهَنَ القَلْبَ مَا أَفْشَتْ مَآقِينَا
أَشْجَاكِ مِنْ مُهْجَتِي نَجْوَى أُرَدِّدُهَا = شِعْرًا يَفِيضُ بِغَيْرِ السَّعْدِ تَلْحِينَا
فَصِرْتِ لِلأَلَمِ المَكْتُوبِ مُدْمِنَةً = وَصِرْتِ بِالأَمَلِ المَكْذُوبِ تُغْرِينَا
قَدْ كَانَ عَهْدٌ مِنَ الفِرْدَوسِ نَفْحَتُهُ = بِأُمْسِيَاتٍ كَسَوْنَا سَمْتَهَا لِينَا
وَأُمْنِيَاتٍ بَتُولٍ مِنْ سُلافَتِهَا = نَسْقِي الرَّجَاءَ بِكَأْسٍ مِنْ تَصَافِينَا
فَتَسْبَحُ الرُّوحُ نَشْوَى وَالهَوَى ثَمِلٌ = وَيَقْطِفُ القَلْبُ بِالشَّوْقِ الرَّيَاحِينَا
لَكَمْ سُقِينَا بِدَارِ السَّعْدِ هَمْسَ فَمٍ = وَاليَوْمَ يَسْكُنُ جَفْنَ العَيْنِ سَاقِينَا
وَكَمْ قَطَفْنَا نَوَاصِي كُلِّ دَانِيَةٍ = مِنَ الغَرَامِ وَضَمَّتْنَا أَمَانِينَا
الزَّهْرُ بَسْمَتُنَا وَالطَيْرُ هَمْسَتُنَا = وَالصَمْتُ رَبْوَتُنَا وَالشِّعْرُ وَادِينَا
وَرَوْضَةُ الطُّهْرِ فِي أَسْمَى مَشَاعِرِنَا = كَطَلْعَةِ الفَجْرِ فِي أَدْجَى لَيَالِينَا
فِيهَا رَسَمْتُكِ أَحْلامًا أَطُوفُ بِهَا = بَيْنَ النُّجُومِ بِنَجْوَى مِنْ قَوَافِينَا
أَبُثُّهَا الشَّوْقَ لا تَخْبُو لَوَاعِجُهُ = وَأَنْثُرُ الأُفْقَ عِطْرًا مِنْ مَعَانِينَا
أَعَانِقُ الفَجْرَ فِي عَيْنَيكِ مُبْتَسِمًا = وَأَلْثِمُ الزَّهْرَ فِي خَدَّيْكِ وَالتِّينَا
وَأَعْصُرُ الوَجْدَ آهَاتٍ مُعَتَّقَةً = وَأَمْلأُ الكَأْسَ مِمَّا أَوْدَعَتْ فِينَا
يَا رَاحَةَ النَّفْسِ إِنْ ضَاقَتْ بِنَا سُبُلٌ = وَمُتْعَةَ القَلْبِ فِي أَقْصَى تَدَانِينَا
لَقَدْ تَصَرَّمَ حُلْوُ العَيْشِ بَعْدَكُمُ = وَكَانَ مِنْكُمْ كَفَافُ العَيْشِ يَكْفِينَا
وَكُنْتُ فِي اللُجَّةِ الزَّرْقَاءِ مَرْكَبَةً = تَأْوِي إِلَيْكِ وَقَدْ شَطَّتْ مَرَافِينَا
يَا نَفْسُ لا تَعْذِلِي المَلْهُوفَ مِنْ شَرَقٍ = فَالشَّرْقُ مَطْلَعُهَا وَالغَرْبُ يُغْوِينَا
أَلا وَقَدْ غَابَ عَنْ عَيْنَيكِ مَبْسَمُهَا = فَلَيْسَ إِلا الدُّجَى فِي عَيْنِ نَاعِينَا
وَلَيْسَ إِلا الذِي قَدْ أَنْهَكَتْ يَدُهُ = قَلْبًا يَذُوبُ أَسَىً لَوْلا تَأَسِينَا
تِلْكَ التِي فِي رُبُوعِ النَّبْضِ مَسْكَنُهَا = وَكَفُّ مَقْدِسِهَا فِي الخَطْبِ يَشْفِينَا
يَا لَوْعَةَ البَيْنِ هَلَّا غِبْتِ عَنْ أُفُقِي = غُلْتِ الفُؤَادَ وَقَطَّعْتِ الشَّرَايِينَا
جَفَّتْ سَوَاقِي عُيُونِ الوَجْدِ وَاحْتَقَنَتْ = عَيْنُ الغَمَامِ وَمَا جَفَّتْ سَوَاقِينَا
وَهَزَّتِ الخَافِقَ الأَشْوَاقُ فَارْتَجَفَتْ = مِنْهُ الضُّلُوعُ وَجَافَتْنَا بَوَاقِينَا
كُنَّا وَكَانَتْ لَنَا الأَسْبَابُ سَانِحَةً = وَاليَوْمَ نَرْجُو اللِقَا وَالوَصْلُ قَالِينَا
كَأَنَّ بَاسِمَ أَيَّامِي وَقَدْ عَبَسَتْ = وَجْهُ المَنُونِ بِثَغْرِ اليَأْسِ يُشْقِينَا
مَنْ عَاَش فِي أَمَلٍ عَاشَتْ مُشَعْشِعَةً = فِيهِ الحَيَاةُ وَأَوْفَى العَهْدَ وَالدِّينَا
وَمَنْ تَمَطَّى عَلَى خَرْجِ القُنُوطِ قَضَى = وَأَصْبَحَ التِّبْرُ فِي أَحْزَانِهِ طِينَا
سَقَى المُهَيْمِنُ أَيَّامًا بِكُمْ أَنُسَتْ = وَلَيْسَ تَعْرِفُ أُنْسًا فِي تَجَافِينَا
لَئِنْ قَضَى الدَّهْرُ قَسْرًا فِي تَشَتُّتِنَا = فَنُورُكِ المُقْتَدَى فِي القَلْبِ يَهْدِينَا
وَاللهِ مَا انْصَرَفَتْ عَنْكُمْ ضَمَائِرُنَا = يَوْمًا وَلا رَغِبَتْ عَنْكُمْ أَمَانِينَا
مَا كُلُّ مَنْ فَارَقَ الأَحْبَابَ مُفْتَرِقٌ = بَعْضُ الفِرَاقِ يَزِيدُ الحُبَّ تَمْكِينَا
لَيْتَ التِي أُوْدِعَتْ رُوحِي تَرِقُّ لَهَا = وَلَيْتَهَا مِنْ لَذِيذِ الوَصْلِ تُحْيِينَا
وَلَيْتَ أَنَّا وَمَا أَبْقَى الزَّمَانُ بِنَا = نَعُودُ نَمْرَحُ صَفْوًا فِي رَوَابِينَا
هُنَاكَ حَيْثُ رُبُوعِ الأَهْلِ عَابِقَةٌ = بِكُلِّ صِرْفٍ مِنَ التَّحْنَانِ يُنْشِينَا
نُعَاقِرُ الرُّوحَ حِيْنًا مِنْ غَضَارَتِهَا = مِنَ القُلُوبِ وَنَسْقِي وُدَّهَا حِينَا
لَوْلا تَعَلُّلِ مُشْتَاقٍ لَمَا خَفَقَتْ = فِي القَلْبِ مِنْ خَفْقَةٍ بِالشَّوْقِ تُرْدِينَا
إِنِّي أَمُوتُ بِهَذَا البَيْنِ فَاجْتَهِدِي = أَنْ لا أَمُوتَ بَعِيدًا عَنْ أَرَاضِينَا
لا زِلْتِ أَنْتِ شَذَا الأَنْفَاسِ فِي مِقَـةٍ = وَلا يَزَالُ لَكِ الإِحْسـاسُ يُدْنِينَـا
حَبِيبَةً بِالحَنِينِ العَـذْبِ تَسْكُنُنِـي = وَفِي الشَّغَافِ أَرَى فِيهَا فِلِسْطِينَا
أعادك العيد أم عادت عوادينا = أم استعادت من الذكرى دواعينا
أم جدك الوجد يا نفسا أذوب بها = أم أوهن القلب ما أفشت مآقينا
أشجاك من مهجتي نجوى أرددها = شعرا يفيض بغير السعد تلحينا
فصرت للألم المكتوب مدمنة = وصرت بالأمل المكذوب تغرينا
قد كان عهد من الفردوس نفحته = بأمسيات كسونا سمتها لينا
وأمنيات بتول من سلافتها = نسقي الرجاء بكأس من تصافينا
فتسبح الروح نشوى والهوى ثمل = ويقطف القلب بالشوق الرياحينا
لكم سقينا بدار السعد همس فم = واليوم يسكن جفن العين ساقينا
وكم قطفنا نواصي كل دانية = من الغرام وضمتنا أمانينا
الزهر بسمتنا والطير همستنا = والصمت ربوتنا والشعر وادينا
وروضة الطهر في أسمى مشاعرنا = كطلعة الفجر في أدجى ليالينا
فيها رسمتك أحلاما أطوف بها = بين النجوم بنجوى من قوافينا
أبثها الشوق لا تخبو لواعجه = وأنثر الأفق عطرا من معانينا
أعانق الفجر في عينيك مبتسما = وألثم الزهر في خديك والتينا
وأعصر الوجد آهات معتقة = وأملأ الكأس مما أودعت فينا
يا راحة النفس إن ضاقت بنا سبل = ومتعة القلب في أقصى تدانينا
لقد تصرم حلو العيش بعدكم = وكان منكم كفاف العيش يكفينا
وكنت في اللجة الزرقاء مركبة = تأوي إليك وقد شطت مرافينا
يا نفس لا تعذلي الملهوف من شرق = فالشرق مطلعها والغرب يغوينا
ألا وقد غاب عن عينيك مبسمها = فليس إلا الدجى في عين ناعينا
وليس إلا الذي قد أنهكت يده = قلبا يذوب أسى لولا تأسينا
تلك التي في ربوع النبض مسكنها = وكف مقدسها في الخطب يشفينا
يا لوعة البين هلا غبت عن أفقي = غلت الفؤاد وقطعت الشرايينا
جفت سواقي عيون الوجد واحتقنت = عين الغمام وما جفت سواقينا
وهزت الخافق الأشواق فارتجفت = منه الضلوع وجافتنا بواقينا
كنا وكانت لنا الأسباب سانحة = واليوم نرجو اللقا والوصل قالينا
كأن باسم أيامي وقد عبست = وجه المنون بثغر اليأس يشقينا
من عاش في أمل عاشت مشعشعة = فيه الحياة وأوفى العهد والدينا
ومن تمطى على خرج القنوط قضى = وأصبح التبر في أحزانه طينا
سقى المهيمن أياما بكم أنست = وليس تعرف أنسا في تجافينا
لئن قضى الدهر قسرا في تشتتنا = فنورك المقتدى في القلب يهدينا
والله ما انصرفت عنكم ضمائرنا = يوما ولا رغبت عنكم أمانينا
ما كل من فارق الأحباب مفترق = بعض الفراق يزيد الحب تمكينا
ليت التي أودعت روحي ترق لها = وليتها من لذيذ الوصل تحيينا
وليت أنا وما أبقى الزمان بنا = نعود نمرح صفوا في روابينا
هناك حيث ربوع الأهل عابقة = بكل صرف من التحنان ينشينا
نعاقر الروح حينا من غضارتها = من القلوب ونسقي ودها حينا
لولا تعلل مشتاق لما خفقت = في القلب من خفقة بالشوق تردينا
إني أموت بهذا البين فاجتهدي = أن لا أموت بعيدا عن أراضينا
لا زلت أنت شذا الأنفاس في مقة = ولا يزال لك الإحساس يدنينا
حبيبة بالحنين العذب تسكنني = وفي الشغاف أرى فيها فلسطينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى