الشعر

سماحة نفس

سَحَابٌ هَمَى بِالجُودِ أَغْرَقَنِي وَجْدَا = وَنَهْرٌ جَرَى بِالمَدْحِ أَعْجَزَنِي حَمْدَا
تَنَاهَى إِلى الأَرْوَاحِ بِالفَضْلِ بَيْنَنَا = وَأَهْدَى إِلى الإِحْسَاسِ مِنْ خَيرِ مَا يُهْدَى
أَنَاخَ نِيَاقَ الشِّعْرِ يُقْرِي بِبَعْضِهَا = وَبَعْضٌ بِهَدْيٍ فِي قَوَافِلهَا تُحْدَى
حَبَانَا بِصِدْقِ العَهْدِ وُدًّا مُعَبَّقًا = وَمَنْ يَحْتَفِلْ بِالوُدِّ يَسْتَخْلِفِ الوَرْدَا
وَسَاقَ لَنَا الإِكْرَامَ حَتَّى كَأَنَّهُ = حَسِيبٌ مِنَ الأَشْرَافِ سَاقَ لَهُ عَبْدَا
بِحَرْفٍ إِذَا مَا الوَجْدُ فِي العَينِ شَفَّهُ = تَجَلَّى عَلَى الأَنْفَاسِ مِنْ دُرِّهِ رَغْدَا
وَأَلْقَى عَلَى الأَكْبَادِ مِنْ دِفْءِ قَلْبِهِ = كَأَنَّ عَنِ الأَجْسَادِ قَدْ أَذْهَبَ البَرْدَا
هُوَ البَدْرُ قَدْ أَمْلَى عَلَى الكَوْنِ وَالوَرَى = سَمَاحَةَ نَفْسٍ مِنْ خَلائِقِهِ تُسْدَى
كَرِيمٌ عَظِيمُ القَدْرِ حُرٌّ وَرَاشِدٌ = إِذَا عَدَّدَ الأَخْيَارُ أَهْلَ النَّدَى عُدَّا
وَفَرْدٌ عَزِيزُ النَّفْسِ فِي النَّاسِ مَاجِدٌ = وَنِدٌّ لأَهْلِ العَزْمِ مِنْ غَامِدٍ نَدَّا
لَعَمْرُكَ مَا دَمْعِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ = وَلَكِنْ دُمُوعِي لِلوَفَاءِ سَقَتْ خَدَّا
هُوَ الدَّهْرُ مَا بَينَ السَّعَادَةِ وَالأَسَى = يَدُورُ فَلا صَابًا تَخَالُ وَلا شَهْدَا
لَكَمْ جَارَ بِي قَومِي وَأَسْرَفَ مَوْطِنِي = وَأُشْهِدُ أَنِّي مَا نَكثْتُ لَهُمْ عَهْدَا
وَكَمْ سَامَنِي بِالغَدْرِ فِي الظَّهْرِ صَاحِبٌ = مَتَى لاكَنِي لَمْ يُبْقِ لَحْمًا وَلا جِلْدَا
وَكَمْ عَاهَدَ المَعْرُوفَ مِنْهُمْ عَلَى الهُدَى = بِقَولٍ سَمَا وَالفِعْلُ مُخْتَلِفٌ جِدَّا
يَقُولُ مَتَى مَا أَرْجَفَ النَّفْسَ بِالهَوَى = حَدِيثٌ يَرُومُ الخَيرَ: جِئْتَ بِهِ إِدَّا
فَإِنْ قَدَّرَ الرَّحْمَنُ خَيْرًا لِغَارِسٍ = أَدَارُوا لِحَصْدِ الفَضْلِ أَلْسِنَةً لُدَّا
وَكُنْتُ أَفِيهمْ مَوْئِلَ الغَرْسِ وَالنَّدَى = لِيَبْرَأَ فِيهمْ مَا يُحُوكُ بِهِمْ حِقْدَا
فَكُلُّ وَفَاءٍ إِنْ شَفَى الغَيظَ نِحْلَةٌ = وَكُلُّ عَطَاءٍ لا يُعَدُّ بِهِ فَقْدَا
وَكُنْتُ إِذَا مَا الشَّوقُ أَذْكَى حُشَاشَتِي = تَجَهَّمَ مَنْ أَرْجُو وَأَوْرَثَنِي الصَدَّا
كَأَنَّ التَّصَافِي فَرَّ مِنْ مُرِّ نَفْسِهِ = وَأَنَّ التَّجَافِي مِنْ سَخِيمَتِهِ أَبْدَى
وَكُنْتُ إِذَا مَا سِرْتُ دَرْبًا إِلَى العُلا = تَمَلْمَلَ مَنْ حَولِي فَسِرْتُ بِهِ فَرْدَا
غَرِيبًا عَلَى الآلامِ أَسْرِي وَلَهْفَتِي = تَكَادُ مَعِ الأَيَّامِ تَهْصرُنَا وَجْدَا
أَعفُّ عَنِ الدُّنْيَا إِذَا الذُّلَّ رَاوَدَتْ = وَإِنْ لَمْ أَجِدْ لِي مِنْ مَوَارِدِهَا بُدَّا
وَأَسْعَى بِكُلِّ الجُهْدِ كَي أَحْصدَ الرِّضَا = وَيَسْعَى كَثِيرُ النَّاسِ كَي يَحْصدَ المَجْدَا
وَمَا يَسْتَوِي قَدْرًا نَفِيسٌ وَنَافِسٌ = وَلا الغَادِرُ القَالِي وَمَنْ يَحْفَظُ الوُدَّا
وَمَا يُجْتَبَى عِنْدَ الحَوَادِثِ سَادِرٌ = وَلا يُصْطَفَى مَنْ ظَنَّ فِي غِيِّهِ الرُّشْدَا
لإِنْسَانِ هَذَا الدَّهْرِ أُزْجِي يَدَ الشَّذَى = تُقَلِّدُ جِيدَ الشُّكْرِ مِنْ حَرْفِنَا عِقْدَا
وَتَغْرسُ فِي رَوْضِ المَحَبَّةِ زَهْرَةً = بِعَرْفٍ تَنَدَّى مِنْ مَشَاعِرِنَا رَنْدَا
فَيَا نَافِحَ الوُجْدَانِ صَفْوًا مِن الهَوَى = لَكَ البِّرُ وَالإِيثَارُ وَالمَجْدُ وَالسُّعْدَى
وَلِي بِالذِي أَوْلَيتَ عِرْفَانُ شَاعِرٍ = جَعَلْتُ بِهِ صَمْتِي عَلَى قَولِكُم رَدَّا
هُوَ العَهْدُ بَاقٍ بَيْنَنَا وَنَزِيدُكُمْ = عَلَى مَا عَهِدْتُمْ مِنْ مَوَدَّتِنَا رِفْدَا
فَطِبْ بِالذِي تُسْقَى مِنَ العِزِ هَانِئًا = وَدُمْ بِالذِّي تَلْقَى مِنَ العَيْشِ مُمْتَدَّا
سحاب همى بالجود أغرقني وجدا = ونهر جرى بالمدح أعجزني حمدا
تناهى إلى الأرواح بالفضل بيننا = وأهدى إلى الإحساس من خير ما يهدى
أناخ نياق الشعر يقري ببعضها = وبعض بهدي في قوافلها تحدى
حبانا بصدق العهد ودا معبقا = ومن يحتفل بالود يستخلف الوردا
وساق لنا الإكرام حتى كأنه = حسيب من الأشراف ساق له عبدا
بحرف إذا ما الوجد في العين شفه = تجلى على الأنفاس من دره رغدا
وألقى على الأكباد من دفء قلبه = كأن عن الأجساد قد أذهب البردا
هو البدر قد أملى على الكون والورى = سماحة نفس من خلائقه تسدى
كريم عظيم القدر حر وراشد = إذا عدد الأخيار أهل الندى عدا
وفرد عزيز النفس في الناس ماجد = وند لأهل العزم من غامد ندا
لعمرك ما دمعي علي بهين = ولكن دموعي للوفاء سقت خدا
هو الدهر ما بين السعادة والأسى = يدور فلا صابا تخال ولا شهدا
لكم جار بي قومي وأسرف موطني = وأشهد أني ما نكثت لهم عهدا
وكم سامني بالغدر في الظهر صاحب = متى لاكني لم يبق لحما ولا جلدا
وكم عاهد المعروف منهم على الهدى = بقول سما والفعل مختلف جدا
يقول متى ما أرجف النفس بالهوى = حديث يروم الخير: جئت به إدا
فإن قدر الرحمن خيرا لغارس = أداروا لحصد الفضل ألسنة لدا
وكنت أفيهم موئل الغرس والندى = ليبرأ فيهم ما يحوك بهم حقدا
فكل وفاء إن شفى الغيظ نحلة = وكل عطاء لا يعد به فقدا
وكنت إذا ما الشوق أذكى حشاشتي = تجهم من أرجو وأورثني الصدا
كأن التصافي فر من مر نفسه = وأن التجافي من سخيمته أبدى
وكنت إذا ما سرت دربا إلى العلا = تململ من حولي فسرت به فردا
غريبا على الآلام أسري ولهفتي = تكاد مع الأيام تهصرنا وجدا
أعف عن الدنيا إذا الذل راودت = وإن لم أجد لي من مواردها بدا
وأسعى بكل الجهد كي أحصد الرضا = ويسعى كثير الناس كي يحصد المجدا
وما يستوي قدرا نفيس ونافس = ولا الغادر القالي ومن يحفظ الودا
وما يجتبى عند الحوادث سادر = ولا يصطفى من ظن في غيه الرشدا
لإنسان هذا الدهر أزجي يد الشذى = تقلد جيد الشكر من حرفنا عقدا
وتغرس في روض المحبة زهرة = بعرف تندى من مشاعرنا رندا
فيا نافح الوجدان صفوا من الهوى = لك البر والإيثار والمجد والسعدى
ولي بالذي أوليت عرفان شاعر = جعلت به صمتي على قولكم ردا
هو العهد باق بيننا ونزيدكم = على ما عهدتم من مودتنا رفدا
فطب بالذي تسقى من العز هانئا = ودم بالذي تلقى من العيش ممتدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى