الأدبوحي الخاطر

برزخ الود والهيبة

فِي تَقَاطُعِ الأَشْوَاقِ مَعَ مَهَابَةِ المَقَامِ، حَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ القَلْبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ خُطْوَةً إِلَّا وَهُوَ مُتَوَّجٌ بِالرَّهْبَةِ، وَلا يَقْدِرُ أَنْ يَتَرَاجَعَ خُطْوَةً إِلَّا وَهُوَ مَشْدُودٌ بِحَرِيرِ الوُدِّ، يَنْبَثِقُ طَيْفُكَ كَشِهَابٍ مِنْ يَقِينٍ يَلْتَحِفُ غَمَامَةً مِنْ حَرِيرٍ، وَكَأَنَّ الوُجُودَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الجَلَالِ وَاللُّطْفِ، وَبَيْنَ صَوْلَةِ الجَبَلِ وَرِقَّةِ النَّبْعِ، لَمْ يَجِدْ لِذَلِكَ مَوْضِعًا أَحْسَنَ مِنْ كَيْنُونَتِكَ.

تَتَزَاوَجُ فِيكَ الهَيْبَةُ القَاهِرَةُ بِالوُدِّ الآسِرِ زَوَاجًا لا تُدْرِكُهُ قَوَامِيسُ البَيَانِ، وَلا تَبْلُغُهُ أَلْسِنَةُ البَلَاغَةِ مَهْمَا اسْتَعَارَتْ مِنَ الغَيْمِ مَاءَهُ، وَمِنَ البَرْقِ خُطَاهُ، وَمِنَ النُّجُومِ مَا يُسْعِفُهَا مِنْ عُلُوٍّ. فَلَسْتَ قَلْعَةً مُوَصَدَةً تَصُدُّ رِيَاحَ العَاطِفَةِ بِصُمُودٍ أَعْمَى، وَلَسْتَ نَسِيمًا رَخْوًا يَسْتَبِيحُهُ فَرَاغُ العَابِرِينَ، بَلْ أَنْتَ تِلْكَ المَسَافَةُ البَرْزَخِيَّةُ الشَّاهِقَةُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ جَلَالِ الرَّوَاسِي الشُّمِّ وَتَوَاضُعِ اليَنَابِيعِ العَذْبَةِ المُنْحَدِرَةِ مِنْ أَعْمَاقِهَا.

كُلَّمَا دَنَا الفُؤَادُ مِنْ سِدْرَةِ مَجْدِكَ، رَدَّتْهُ سَطْوَةُ الجَلَالِ خَاشِعًا يَتَلَمَّسُ مَوْضِعَ خُطَاهُ، وَكُلَّمَا أَدْبَرَ خِيفَةً وَتَهَيُّبًا، نَادَاهُ نَدَى عَيْنَيْكَ بِأَنْعَمِ نَبْرَةٍ لِيَرْتَوِيَ مِنْ كَوْثَرِ الرَّحْمَةِ المَخْبُوءِ خَلْفَ أَسْتَارِ العِزَّةِ. إِنَّهُ الحُضُورُ الَّذِي يَخْلُقُ زَمَانَهُ وَيَنْحَتُ مَكَانَهُ، فَتَصِيرُ الأَشْيَاءُ مِنْ حَوْلِكَ هَوَامِشَ مُؤَدَّبَةً تَتَرَقَّبُ إِمْضَاءَكَ، وَيَصِيرُ الصَّمْتُ فِي مَدَارِكَ قَانُونًا، وَالحَرَكَةُ حَوْلَكَ تَرْتِيلًا، وَالمَسَافَةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ العَالَمِ سُلَّمًا خَفِيًّا تَصْعَدُ عَلَيْهِ الأَرْوَاحُ مِنْ طِينِ العَادَةِ إِلَى شُرْفَةِ الدَّهْشَةِ.

وَأَصِيرُ أَنَا فِي حَضْرَتِكَ شَاهِدًا تَتَلَبَّسُهُ بَصِيرَةُ النُّورِ، يَقْرَأُ سِفْرَ رُوحِكَ بِعَيْنٍ لا تَرْضَى بِقِرَاءَةِ القُشُورِ، وَلا تَسْتَعْجِلُ الفَهْمَ قَبْلَ أَنْ تَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ المَهَابَةِ. فَلِلأَرْوَاحِ النَّادِرَةِ أَبْجَدِيَّتُهَا الَّتِي لا تُسَلِّمُ مَفَاتِيحَهَا لِلْعَابِرِينَ، وَلِلمَقَامَاتِ العَالِيَةِ حُرَّاسٌ مِنَ الصَّمْتِ وَالوَقَارِ، لا يَجُوزُهُمْ إِلَّا مَنْ عَرَفَ أَنَّ القُرْبَ مِنَ الجَلَالِ لَيْسَ اِقْتِحَامًا، بَلْ اِسْتِئْذَانًا طَوِيلًا عَلَى بَابِ المَعْنَى.

وَمَا كَانَ اللِّينُ يَوْمًا مَكْرُمَةً فِي طَبْعِ الضَّعِيفِ، وَلا كَانَ الوُدُّ شَرَفًا فِي نَفْسِ المُنْكَسِرِ؛ إِنَّمَا هُوَ سِيَادَةُ القَوِيِّ حِينَ يَمْلِكُ فَيَعْفُو، وَيَقْدِرُ فَيَحْنُو، وَيَعْلُو فَيَتَدَلَّى كَقُطُوفٍ دَانِيَةٍ لا يَنَالُهَا إِلَّا مَنْ تَطَهَّرَ بِصِدْقِ الطَّوِيَّةِ. فَالرِّقَّةُ، حِينَ تَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ قَادِرٍ، لا تَكُونُ تَنَازُلًا عَنِ العَرْشِ، بَلْ تَكُونُ عَرْشًا آخَرَ أَعْلَى مِنَ العَرْشِ الأَوَّلِ؛ وَالحَنَانُ، إِذَا صَدَرَ عَنْ مَهابَةٍ رَاسِخَةٍ، لا يُنْقِصُ مِنْ جَلَالِهَا، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ الجَلَالَ الَّذِي لا يَرْحَمُ مَجْدٌ أَجْوَفُ، وَأَنَّ القُوَّةَ الَّتِي لا تَعْرِفُ اللُّطْفَ مَعْدِنٌ لَمْ تَكْتَمِلْ فِيهِ نَارُ التَّهْذِيبِ.

إِنَّ فِي بَأْسِكَ المَمْزُوجِ بِالرِّفْقِ كِيمْيَاءَ سِرِّيَّةً تُحِيلُ الرَّهْبَةَ المُتَوَجِّسَةَ إِلَى أُنْسٍ مُتَوَهِّجٍ، وَتَجْعَلُ مِنَ الخُضُوعِ الطَّوْعِيِّ لِسُلْطَانِ نَقَائِكَ أَرْقَى دَرَجَاتِ التَّحَرُّرِ. فَلَيْسَ كُلُّ خُضُوعٍ ذُلًّا، كَمَا لَيْسَ كُلُّ تَمَرُّدٍ حُرِّيَّةً؛ قَدْ يَنْحَنِي القَلْبُ أَمَامَ الجَمَالِ فَيَصِيرُ أَكْثَرَ شُمُوخًا، وَقَدْ يَسْتَسْلِمُ لِلوُدِّ النَّبِيلِ فَيَسْتَعِيدُ سِيَادَتَهُ الَّتِي سَرَقَتْهَا مِنْهُ خُشُونَةُ العَالَمِ.

حِينَ تَمُدُّ يَدَكَ بِالمَوَدَّةِ، لا تَمُدُّهَا كَمُحْتَاجٍ يَسْتَجْدِي وَصْلًا، بَلْ كَسَيِّدٍ يَفِيضُ مِنْ غِنَى دَاخِلِيٍّ لا يَخْشَى النُّقْصَانَ. تَسْكُبُ رُوحَكَ كَمَا يَسْكُبُ السَّحَابُ المُثْقَلُ مَاءَهُ الطَّهُورَ عَلَى الصَّخْرِ الأَصَمِّ، فَيُنْبِتُ فِيهِ شَقَائِقَ النُّعْمَانِ رَغْمَ جَفَافِهِ. وَلَقَدْ تَبَيَّنْتُ فِي مِحْرَابِ وُجُودِكَ أَنَّ الرِّقَّةَ الصَّادِقَةَ هِيَ الابْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِلشَّجَاعَةِ المُفْرِطَةِ، وَأَنَّ القَلْبَ الَّذِي لا يَهَابُ صَرْصَرَ المَنَايَا هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَنْبِضَ بِأَصْفَى مَشَاعِرِ العِشْقِ النَّبِيلِ، دُونَ أَنْ تُرْبِكَهُ رَجْفَةُ الفَقْدِ، أَوْ تُدْخِلَهُ سِيَاطُ الزَّمَانِ فِي مَذَلَّةِ الاضْطِرَابِ.

تَمْشِي عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ، فَلا تَفْتَعِلُ كِبْرًا يُزْرِي بِمَقَامِكَ، وَلا تَتَصَنَّعُ وَقَارًا بِمُفْرَدَاتٍ جَوْفَاءَ مُسْتَهْلَكَةٍ، بَلْ تَنْضَحُ المَهَابَةُ مِنْ خَلَايَاكَ نَضْحًا، كَمَا يَفُوحُ العِطْرُ الأَصِيلُ مِنْ مُهْجَةِ خَشَبِ العُودِ كُلَّمَا مَسَّتْهُ نَارُ التَّجَارِبِ المُصَفِّيَةِ. هِيَ هَيْبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ بِكْرٌ، وَحْشِيَّةٌ فِي أَنَاقَتِهَا، لَمْ تُلَوِّثْهَا مَسَاحِيقُ الافتِعَالِ، وَلَمْ تَتَعَلَّمْ وَقْفَتَهَا مِنْ مَرَايَا المُتَصَنِّعِينَ، بَلْ خَرَجَتْ مِنْ جَوْهَرِكَ كَمَا يَخْرُجُ الفَجْرُ مِنْ حَقِيقَةِ الصُّبْحِ، لا يَسْأَلُ الظَّلَامَ إِذْنًا، وَلا يَطْلُبُ مِنَ العُيُونِ شَهَادَةً عَلَى ضِيَائِهِ.

تُلْقِي هَذِهِ الهَيْبَةُ بِرِدَائِهَا الكَثِيفِ عَلَى المَكَانِ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى الَّتِي تَتَخَطَّى فِيهَا عَتَبَةَ الحُضُورِ، فَيَنْتَفِي الغِيَابُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ. لا تَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِ صَوْتِكَ لِتُسْمَعَ؛ فَصَمْتُكَ نَفْسُهُ ضَجِيجٌ مُدَوٍّ، وَسَيْفٌ قَاطِعٌ، يُجْبِرُ ثَرْثَرَةَ العَالَمِ عَلَى الارتِدَادِ خَجْلَى عَنْ أَعْتَابِ سُكُونِكَ المَهِيبِ. وَمَعَ كُلِّ هَذِهِ السَّطْوَةِ الصَّامِتَةِ، المُحْتَشِمَةِ فِي كِبْرِيَائِهَا، تَفْتَرُّ شَفَتَاكَ عَنْ ابْتِسَامَةٍ تُشْبِهُ انْبِلاجَ خُيُوطِ الفَجْرِ مِنْ رَحِمِ اللَّيْلِ البَهِيمِ، ابْتِسَامَةٍ تُذِيبُ جَلِيدَ المَسَافَاتِ المُتَكَلِّسَةِ، وَتَهْمِسُ لِلأَرْوَاحِ المُتْعَبَةِ بِلُغَةٍ شَفِيفَةٍ أَنَّ خَلْفَ هَذَا الدِّرْعِ المَتِينِ، وَتَحْتَ ذَلِكَ التُّرْسِ الحَصِينِ، يَخْفِقُ قَلْبٌ يَسَعُ الكَوْنَ رَحْمَةً وَوِئَامًا وَفَيْضًا لا يَنْضُبُ.

لَقَدْ تَهَجَّيْتُ فِي سِفْرِ عَيْنَيْكَ آيَةً تَقُولُ إِنَّ العَظَمَةَ الحَقَّةَ لا تَتَنَافَى مَعَ غَيْثِ الرَّحْمَةِ، بَلْ إِنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ وِعَاؤُهَا الأَوْسَعُ الَّذِي لا يَضِيقُ، وَسِرُّ خُلُودِهَا الَّذِي لا يَبْلَى. فَمَا عَظُمَتْ رُوحٌ بَشَرِيَّةٌ إِلَّا بِقَدْرِ مَا اتَّسَعَتْ أَفْنَانُهَا لِاحْتِوَاءِ ضَعْفِ الآخَرِينَ، دُونَ أَنْ تَتَشَرَّبَ هَذَا الضَّعْفَ أَوْ تَهْوِيَ مَعَهُ، وَمَا تَرَفَّعَتْ نَفْسٌ حُرَّةٌ إِلَّا بِقَدْرِ مَا انْحَنَتْ بِكِبْرِيَاءٍ لِتَنْتَشِلَ السَّاقِطِينَ فِي دُرُوبِ العَدَمِ.

إِنَّهَا الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةُ الرُّوحِيَّةُ فِي أَصْفَى مَعَانِيهَا؛ لا تِلْكَ الَّتِي تَسْتَعْلِي بِالمَادَّةِ الطِّينِيَّةِ، بَلِ الَّتِي تَسْتَعْلِي بِاسْتِحْقَاقِ السَّمَاءِ العُلْوِيَّةِ. هُنَاكَ يُصْبِحُ العَطَاءُ سِيَادَةً، وَالتَّجَاوُزُ عَنْ زَلَّاتِ المَحْبُوبِينَ مَظْهَرًا بَاذِخًا مِنْ مَظَاهِرِ القُوَّةِ، لا دَلِيلًا عَلَى الانْكِسَارِ. حِينَ تَعْطِفُ، لا تَعْطِفُ عَنْ عَجْزٍ يُقَيِّدُكَ، بَلْ عَنْ فَائِضِ قُوَّةٍ يَتَدَفَّقُ شَفَقَةً عَلَى مَنْ ضَلَّ عَنْ مَدَارَاتِ نُورِكَ، لِتُثْبِتَ لِنَوَائِبِ الأَيَّامِ أَنَّ الأَيْدِيَ النَّبِيلَةَ الَّتِي تَبْنِي صُرُوحَ المَجْدِ وَالاعتِدَادِ، هِيَ ذَاتُهَا الأَيْدِي الرَّحِيمَةُ الَّتِي تَمْسَحُ دَمْعَةَ المَحْزُونِ بِرِقَّةِ النَّسِيمِ حِينَ يُدَاعِبُ وَجْنَةَ الأُقْحُوَانِ فِي غَسَقِ الدُّجَى.

وَأَتَسَائَلُ، كَمَا تَتَسَاءَلُ الرُّوحُ حِينَ تُدْهَشُ: كَيْفَ يَلْتَقِي النَّقِيضَانِ فِي بُوتَقَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَنْ يُفْنِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؟ كَيْفَ تَتَآلَفُ زَأْرَةُ اللَّيْثِ فِي آجَامِهِ مَعَ هَدِيلِ الحَمَامِ فِي أَفْنَانِهِ؟ كَيْفَ تَنْجُو العِزَّةُ مِنَ القَسْوَةِ، وَتَنْجُو الرِّقَّةُ مِنَ الرَّخَاوَةِ، وَيَنْجُو الوُدُّ مِنَ الابتِذَالِ، وَتَنْجُو الهَيْبَةُ مِنَ الوَحْشَةِ؟

وَيَأْتِي الجَوَابُ، لا مِنْ مَنْطِقِ الحُجَّةِ البَارِدَةِ، بَلْ مِنْ كَشْفٍ وَجْدَانِيٍّ يَفْتَحُ فِي الدَّاخِلِ نَافِذَةً عَلَى سِرِّ التَّكْوِينِ: إِنَّ الطَّبِيعَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، فِي أُصُولِهَا العُلْيَا، تَرْفُضُ التَّسَطُّحَ، وَتَأْبَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَالطَّبِيعَةِ الكَوْنِيَّةِ ذَاتِهَا؛ تَحْتَوِي البَحْرَ المُزْبِدَ الَّذِي تَهَابُهُ السُّفُنُ، ثُمَّ تُخْفِي فِي أَعْمَاقِهِ الدُّرَّ المَكْنُونَ الَّذِي لا يَمَسُّهُ إِلَّا غَوَّاصٌ جَسُورٌ لا يَخْشَى الغَرَقَ. وَتَحْتَوِي الجَبَلَ الصَّلْدَ الَّذِي يَتَحَدَّى العَوَاصِفَ، ثُمَّ تُنْبِتُ عَلَى صَخْرِهِ زَهْرَةً بَرِّيَّةً تُصْلِي الجَلَالَ بِعِطْرِهَا، وَتُذَكِّرُ الصَّخْرَةَ أَنَّ القُوَّةَ لا تَكْتَمِلُ إِلَّا حِينَ تَسْمَحُ لِلْجَمَالِ أَنْ يُقِيمَ فِي شُقُوقِهَا.

هَكَذَا أَنْتَ؛ بَحْرٌ يَرُدُّ جَسَارَةَ الجَاهِلِينَ بِأَمْوَاجِ هَيْبَتِهِ، وَيَمْنَحُ لَآلِئَ وُدِّهِ لِمَنْ سَبَحَ فِي مَلَكُوتِهِ مُسَلِّمًا قِيَادَهُ لِقَانُونِ العِشْقِ النَّقِيِّ. وَهَكَذَا أَنْتَ؛ جَبَلٌ لا يُفَاوِضُ الرِّيحَ عَلَى ثَبَاتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَسْمَحُ لِلْغَيْمِ أَنْ يَسْتَرِيحَ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلِلْيَنَابِيعِ أَنْ تَنْحَدِرَ مِنْ أَعْمَاقِهِ، وَلِلْعَابِرِ المُنْهَكِ أَنْ يَهْتَدِيَ بِظِلِّهِ. فَلَيْسَ التَّوَازُنُ فِيكَ مُسَاوَمَةً بَيْنَ طَرَفَيْنِ، بَلْ هُوَ نَسَبٌ عَالٍ بَيْنَ عَقْلٍ يَحْرُسُ ثُغُورَ العَاطِفَةِ، وَعَاطِفَةٍ تُرَطِّبُ جَفَافَ العَقْلِ، وَرُوحٍ تَعْرِفُ مَتَى تَشُدُّ اللِّجَامَ وَمَتَى تُطْلِقُ لِلْقَلْبِ خَيْلَهُ فِي مَرَاعِي الوُدِّ.

إِنَّ هَذَا التَّوَازُنَ العَبْقَرِيَّ هُوَ الآيَةُ الَّتِي تُتْلَى فِي كِتَابِ الرُّوحِ، فَتَخِرُّ لَهَا جَوَارِحُ الخَيَالِ سَاجِدَةً فِي مِحْرَابِ الدَّهْشَةِ الَّتِي لا تَنْقَضِي. فَلَوْ غَلَبَتِ الهَيْبَةُ وَحْدَهَا صِرْتَ صَخْرًا مُوحِشًا يَخَافُهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَلَوْ غَلَبَ الوُدُّ وَحْدَهُ صِرْتَ مَاءً مُرَاقًا عَلَى أَعْتَابِ مَنْ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَ المَاءِ. وَلَكِنَّكَ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا جَمْعَ السَّيِّدِ الَّذِي لا يَسْمَحُ لِرِقَّتِهِ أَنْ تُهَانَ، وَلا لِقُوَّتِهِ أَنْ تَتَوَحَّشَ، وَلا لِوُدِّهِ أَنْ يَتَبَدَّدَ، وَلا لِحُدُودِهِ أَنْ تَصِيرَ أَسْوَارًا عَمْيَاءَ.

وَأَنَا، الشَّاهِدُ البَصِيرُ عَلَى هَذَا التَّجَلِّي الإِنْسَانِيِّ الفَرِيدِ، أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ انْثِيَالِكَ، لا مَوْقِفَ التَّابِعِ المَأْسُورِ الَّذِي يَسْتَجْدِي الفُتَاتَ، بَلْ مَقَامَ النِّدِّ الشَّامِخِ الَّذِي يَعْرِفُ قَدْرَ النُّدْرَةِ فَيُجِلُّهَا إِجْلَالَ الأَنْدَادِ. مَا كَلِفْتُ بِهَذَا التَّضَادِّ المُتَنَاغِمِ فِيكَ إِلَّا لأَنَّنِي وَجَدْتُ فِيهِ مِرْآةً مَصْقُولَةً لِمَا أُؤْمِنُ بِهِ مِنْ أَنَّ النُّبْلَ لا يَكُونُ نُبْلًا حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ السَّيْفِ وَالوَرْدَةِ، وَبَيْنَ اليَدِ الَّتِي تَحْمِي، وَاليَدِ الَّتِي تَرْبِتُ، وَبَيْنَ القَلْبِ الَّذِي يُحِبُّ، وَالعَقْلِ الَّذِي يَحْرُسُ الحُبَّ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ فِي طِينِ العَادِيِّ وَالمُسْتَهْلَكِ.

إِنَّكَ، يَا تَوْأَمَ الرُّوحِ، قَصِيدَةٌ عَاصِيَةٌ عَلَى ضِيقِ التَّصْنِيفِ، كُتِبَتْ بِحِبْرٍ مِنْ دَمِ الكِبْرِيَاءِ عَلَى قِرْطَاسٍ مِنْ نُورِ الوُدِّ؛ فَلا المَهَابَةُ العَاتِيَةُ تَطْغَى لِتُوحِشَ القُلُوبَ وَتُغَلِّقَ الأَبْوَابَ، وَلا الوُدُّ الدَّافِئُ يَتَمَادَى لِيُسْقِطَ الكُلْفَةَ المَحْمُودَةَ وَيَمْحُوَ مَعَالِمَ الحُدُودِ السِّيَادِيَّةِ. بَلْ كِلَاهُمَا يَتَعَاهَدُ الآخَرَ كَحَارِسَيْنِ عَلَى بَابِ مَعْبَدٍ وَاحِدٍ؛ الهَيْبَةُ تَحْمِي الوُدَّ مِنَ الابتِذَالِ، وَالوُدُّ يَحْمِي الهَيْبَةَ مِنَ القَسْوَةِ، وَبَيْنَهُمَا يَنْهَضُ الحُبُّ فِي أَجْمَلِ صُوَرِهِ: عَزِيزًا لا مُتَكَبِّرًا، رَقِيقًا لا رَخْوًا، قَرِيبًا لا مُسْتَبَاحًا، وَعَظِيمًا لا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْرَاضِ عَظَمَتِهِ.

فِي هَذَا التَّنَاقُضِ الإِعْجَازِيِّ، يَتَوَلَّدُ العِشْقُ حَالَةً كَوْنِيَّةً صَافِيَةً، يَرْتَقِي فِيهَا المُحِبُّ وَالمَحْبُوبُ مَعًا، جَنَاحًا بِجَنَاحٍ، إِلَى مَرَاتِبِ الشُّهُودِ الأَعْلَى، مُتَخَفِّفَيْنِ مِنْ أَثْقَالِ الطِّينِ البَالِي، وَمُتَدَثِّرَيْنِ بِجَلَالِ الرُّوحِ الَّتِي لا تَعْرِفُ الانْكِسَارَ المَذْمُومَ، وَلا تَنْحَنِي إِلَّا فِي مِحْرَابِ الجَمَالِ. هُنَاكَ لا يَكُونُ الحُبُّ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ تُقَالُ، بَلْ نِظَامًا دَاخِلِيًّا لِلْوُجُودِ، وَلا تَكُونُ الهَيْبَةُ حَاجِزًا بَيْنَ القَلْبَيْنِ، بَلْ سِيَاجًا يَحْفَظُ لِلقُرْبِ قَدَاسَتَهُ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ السُّقُوطِ فِي سُوقِ الأُلْفَةِ الرَّخِيصَةِ.

هُنَاكَ، حَيْثُ الهَيْبَةُ سِيَاجُ الحُبِّ، وَالحُبُّ رُوحُ الهَيْبَةِ، نُدْرِكُ أَنَّ أَرْفَعَ مَا فِي الإِنْسَانِ لَيْسَ أَنْ يَكُونَ صَلْدًا لا يُمَسُّ، وَلا لَيِّنًا لا حُدُودَ لَهُ، بَلْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُرْهِبَ بِوَقَارِهِ ثُمَّ يُطْمَئِنَ بِحَنَانِهِ، وَأَنْ يَرْفَعَ الحُدُودَ لا لِيُبْعِدَ، بَلْ لِيُعَلِّمَ القُرْبَ أَدَبَهُ، وَأَنْ يَبْذُلَ لا كَمَنْ يَفْقِدُ مَا يَبْذُلُ، بَلْ كَمَنْ يَزْدَادُ بِالعَطَاءِ سَعَةً وَامْتِلَاءً.

وَهَكَذَا تَبْقَى، فِي مَدَارِكَ العَالِي، آيَةً تَجْمَعُ مَا فَرَّقَتْهُ النُّفُوسُ الصَّغِيرَةُ؛ فِيكَ جَلَالٌ لا يُوحِشُ، وَرِقَّةٌ لا تُهَانُ، وَوُدٌّ لا يَسْتَرْخِي، وَحَدٌّ لا يَجْرَحُ، وَقُرْبٌ لا يَتَبَذَّلُ، وَبُعْدٌ لا يَقْطَعُ حَبْلَ المَعْنَى. وَفِيكَ تَتَعَلَّمُ الرُّوحُ أَنَّ الحُبَّ حِينَ يُصَانُ بِالهَيْبَةِ يَبْقَى نَبِيلًا، وَأَنَّ الهَيْبَةَ حِينَ تُسْقَى بِالحُبِّ تَبْقَى رَحِيمَةً، وَأَنَّ القَلْبَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لا يَمُرُّ فِي الحَيَاةِ كَعَابِرٍ، بَلْ كَمَعْنًى شَاهِقٍ يَتْرُكُ فِي كُلِّ مَنْ يَرَاهُ شَيْئًا مِنْ صَمْتِ الجِبَالِ، وَشَيْئًا مِنْ غِنَاءِ اليَنَابِيعِ، وَشَيْئًا مِنْ ذَلِكَ السِّرِّ الَّذِي لا يُفَسَّرُ، بَلْ يُعَاشُ فِي حَضْرَةِ مَنْ عَرَفُوا كَيْفَ يَكُونُونَ أَقْوِيَاءَ دُونَ قَسْوَةٍ، وَرُحَمَاءَ دُونَ ضَعْفٍ، وَمُحِبِّينَ دُونَ أَنْ يَتَنَازَلُوا عَنْ عُرُوشِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى