الشعر
رحيق مختوم
عَلَى ظَمَأٍ وَرِيقُ المَاءِ صَالِ = أَصُبُّ لَهَا الزُّلَالَ وَلَا تُبَالِي أَمُدُّ يَدِي فَتَرْغَبُ عَنْ مدَادِي = وَأَسْأَلُهَا فَتَهْرُبُ مِنْ سُؤَالِي وَأُغْدِقُ بِالنَّدَى فَتَجِفُّ ورْدًا = وَأُسْعِدُ بَالَهَا فَتُغِصُّ بَالِي وَأُذْهِلُ شَاطِئِي فَتَمِيسُ تِيهًا = كَحَافِيَةٍ تَسِيرُ عَلَى الرِّمَالِ وَمَا انْفَكَّتْ تَجُورُ عَلَيَّ مَهْمَا = لَهَا ضَحَّى الفُؤَادُ بِكُلِّ غَالِ وَلَوْلَا أَنَّ فِي الوِجْدَانِ تَقْوَى = لَعَانَفَ مَا لَهَا وَلَعَافَ مَا لِي وَكَيْفَ أَمِيلُ لِلدُّنْيَا وَفِيهَا = تَهَيَّأَ مَا اسْتَطَبْتُ إِلَى الزَّوَالِ فَأَيْمَنُ مَا يُقَالُ: مَضَى بِخَيْرٍ = وَأَيْسَرُ مَا يُنَالُ جَنَى الجِدَالِ هَجَرْتُ تَعَتُّبِي وَوَأَدْتُ شَوْقِي = وَجَرَّدْتُ المَنَالَ مِنَ المحَالِ وَمِنْ أقْصَى العَزِيمَةِ جِئْتُ أَسْعَى = لِأَمْلَأَ بِالثَّنَاءِ فَمَ الوِصَالِ وَقُمْتُ بِوَاحَةٍ يَرْتَاحُ فِيهَا = أُولُو الذَّوْقِ المُحَلِّقِ لِلْجَلَالِ خَتَمْتُ رَحِيقَهَا مِنْ كُلِّ مَعْنًى = يَفِيضُ بِهِ الجَمَالُ عَنِ المَجَالِ لَهَا أُذُنٌ تُشَنِّفُ كُلَّ حَرْفٍ = بِشَعْرٍ يَنْتَقِي أَغْلَى اللَّآلِي وَعَيْنٌ لَا تَرَى الشُّعَرَاءَ إِلَّا = مَصَابِيحَ ارْتَقَتْ سُدَفَ اللَّيَالِي بَذَلْتُ لِقَدَرِهَا مِنْ قَدْرِ نَفْسِي = وَهَانَ لِأَجْلِهَا وَقْتِي وَمَالِي يُقِرُّ بِدَوْرِهَا الفُضَلَاءُ مَدْحًا = وَيَجْحَدُ فَضْلَهَا أَهْلُ الضَّلَالِ وَمَا فَتِئَتْ رِيَاحُ الرَّيْبِ تُودِي = بِأَحْبَابٍ مَتَى عَصَفَتْ بِبَالِ وَكُنْتُ أَبَا البَرَاءَةِ وَابْنَ قَوْمٍ = كِرَامٍ لَا يَرَى إِلَّا المَعَالِي فَكَيْفَ يَخُونُ مَنْ يُوفِي المُعَادِي = وَكَيْفَ يَهُونُ مَنْ يُصْفِي المُوَالِي وَكَيْفَ يَصُبُّ فِي الإِدْرَاكِ كَأْسًا = بِهَا امْتَزَجَ اليَقِينُ مَعَ الخَيَالِ وَإِنَّ الظَّنَّ إِنْ أَقْعَى بِرَأْسٍ = يَصُبُّ لَهَا الهَوَى كَأْسَ الخَبَالِ صَبَرْتُ عَلَى الأَذَى فِي كُلِّ خَطْبٍ = فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنْ أَسْمَى الخِصَالِ وَكَمْ جَادَتْ يَمِينِي دُونَ مَنٍّ = وَلَمْ أَقْصِدْ بِذَلِكَ مِنْ نَوَالِ وَكَمْ أَظْمَأْتُ نَفْسِي فِي هَجِيرٍ = لِأَسْقِيَ رِيقَ غَيْرِي بِالزُّلَالِ فَمَا أَرْخَيْتُ فِي عَبَثٍ وَزَيْفٍ = وَلَا أَلْقَيْتُ فِي لُؤْمٍ رِحَالِي وَمَا هَابَ الفُؤَادُ لَظَى المَنَايَا = وَلَا خَشِيَ التَّلَعْثُمَ فِي السِّجَالِ أَصُونُ الرُّوحَ عَنْ إِسْفَافِ قَوْمٍ = وَأَرْفَعُ نَبْضَهَا نَحْوَ الأَعَالِي إِذَا مَا العَجْزُ أَقْعَدَ كُلَّ غِرٍّ = سَمَوْتُ بِهِمَّتِي نَحْوَ الكَمَالِ أُدَاوِي دَاءَ أُمَّتِنَا بِحَرْفِي = وَإِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ كَالعُضَالِ وَإِنْ هَجَمَ الخُطُوبُ سَلَلْتُ حَرْفِي = وَأَمْطَرْتُ العِدَا سَيْلَ النِّبَالِ تَزَيَّلَ مَا بِنَا فَالْعَيْشُ مُرٌّ = عَلَى الأَشْرَافِ فِي زَمَنِ السَّفَالِ بِأَدْرَانٍ مِنَ اللَذَّاتِ تُخْزِي = وَآمَالٍ تَشِطُّ بِغَيرِ وَالِ وَأَوْطَانٍ تُذَلُّ بِمَنْ تَوَلَّوْا = وَتَرْمِي الثَّائِرِينَ بِالِاحْتِلَالِ زَمَانٍ غَلَّ فِيهِ الصِّدْقَ مَيْنٌ = وَأَوْغَلَ فِي الفُحُولِ أَذَى البِغَالِ بِهِ سَخِرَ العَلِيلُ مِنَ المُعَّلَى = وَأَشْبَاهُ الرِّجَالِ مِنَ الرِّجَالِ وَفَخْرُ الفَاسِقِينَ بِمَا أَصَابُوا = وَدَحْرُ عُرَى العَفَافِ بِالِابْتِذَالِ وَعُجْبُ الرَّأْيِ فِي بَرٍّ وَغِرٍّ = وَغَبْنٌ مِنْ بَنِي عَمٍّ وَخَالِ وَلِي قَلْبٌ سَلِيمٌ لَيْسَ يَقْلَى = وَلَا يَنْسَى الكَرِيمَ مِنَ الفِعَالِ وَيَأْبَى أَنْ يُضَامَ بِهِ جِوَارٌ = وَأَنْ يَحْيَا الفُصُولَ بِلَا اكْتِمَالِ حَمَلْتُ بِالِاحْتِسَابِ هُمُومَ قَوْمِي = كَمَنَ حَمَلَ الجِبَالَ عَلَى الجِمَالِ إِذَا عَقَرُوا الجَمِيلَ أَنَخْتُ حِلْمِي = وَإِنْ هَادُوا الجَلِيلَ بِهِمْ هَدَى لِي وَقَالَ القَوْمُ مَا لَكَ؟ كَيْفَ تَرْضَى = بِمَا خَتَرَ المَقَامَ؟ فَقُلْتُ مَا لِي؟ أَرَانِي أَسَتَتِبُّ عَلَى مَدَارٍ = عَلِيٍّ لَا يُرَى إِلَّا بِعَالِ وَأَدْرِي أَنَّنِي فِيهُمْ غَرِيبٌ = كَغُرْبَةِ ذِي السَّنَا بَيْنَ الظِّلَالِ وَأَنِّي الصَّوْتُ فِي ظَهْرِ اشْتِغَالٍ = وَأَنِّي السَّوْطُ فِي صَدْرِ انْشِغَالِ وَذَا أَرَبٍ وَإِنْ نَكرُوا مَقَامِي = وَذَا أَدَبٍ وَإِنْ حَقرُوا مَقَالِي وَلَكِنْ بِالتَّعَفُّفِ صُنْتُ قَدَرِي = وَيَحْسبُهُ العِيَالُ مِنَ التَّعَالِي وَإِنِّي لَمْ أَزُغْ وَاللَّهِ يَوْمًا = وَلَا ابْتَعْتُ الحَلَالَ بِالانْحِلَالِ وَإِنِّي لِلْوَفَاءِ أَبٌ بَرِيءٌ = كَأَنَّكِ يَا بَرَاءَةُ بَعْضُ آلِى سَيَبْقَى نُورُ أَخْلَاقِي دَلِيلًا = لِيَهْدِيَ بِالتَّسَامُحِ كُلَّ قَالِ وَأَمْضِي مَا حَيِيتُ عَلَى سَبِيلِي = أُطَهِّرُ حِيلَتِي وَأَبَرُّ حَالِي أَزِيدُ العُمْرَ مِنْ شَرَفٍ وَنُبْلٍ = وَأَطْلُبُ بِالهُدَى حُسْنَ المَآلِ
على ظمأ وريق الماء صال = أصب لها الزلال ولا تبالي أمد يدي فترغب عن مدادي = وأسألها فتهرب من سؤالي وأغدق بالندى فتجف وردا = وأسعد بالها فتغص بالي وأذهل شاطئي فتميس تيها = كحافية تسير على الرمال وما انفكت تجور علي مهما = لها ضحى الفؤاد بكل غال ولولا أن في الوجدان تقوى = لعانف ما لها ولعاف ما لي وكيف أميل للدنيا وفيها = تهيأ ما استطبت إلى الزوال فأيمن ما يقال: مضى بخير = وأيسر ما ينال جنى الجدال هجرت تعتبي ووأدت شوقي = وجردت المنال من المحال ومن أقصى العزيمة جئت أسعى = لأملأ بالثناء فم الوصال وقمت بواحة يرتاح فيها = أولو الذوق المحلق للجلال ختمت رحيقها من كل معنى = يفيض به الجمال عن المجال لها أذن تشنف كل حرف = بشعر ينتقي أغلى اللآلي وعين لا ترى الشعراء إلا = مصابيح ارتقت سدف الليالي بذلت لقدرها من قدر نفسي = وهان لأجلها وقتي ومالي يقر بدورها الفضلاء مدحا = ويجحد فضلها أهل الضلال وما فتئت رياح الريب تودي = بأحباب متى عصفت ببال وكنت أبا البراءة وابن قوم = كرام لا يرى إلا المعالي فكيف يخون من يوفي المعادي = وكيف يهون من يصفي الموالي وكيف يصب في الإدراك كأسا = بها امتزج اليقين مع الخيال وإن الظن إن أقعى برأس = يصب لها الهوى كأس الخبال صبرت على الأذى في كل خطب = فإن الصبر من أسمى الخصال وكم جادت يميني دون من = ولم أقصد بذلك من نوال وكم أظمأت نفسي في هجير = لأسقي ريق غيري بالزلال فما أرخيت في عبث وزيف = ولا ألقيت في لؤم رحالي وما هاب الفؤاد لظى المنايا = ولا خشي التلعثم في السجال أصون الروح عن إسفاف قوم = وأرفع نبضها نحو الأعالي إذا ما العجز أقعد كل غر = سموت بهمتي نحو الكمال أداوي داء أمتنا بحرفي = وإن كان التخلف كالعضال وإن هجم الخطوب سللت حرفي = وأمطرت العدا سيل النبال تزيل ما بنا فالعيش مر = على الأشراف في زمن السفال بأدران من اللذات تخزي = وآمال تشط بغير وال وأوطان تذل بمن تولوا = وترمي الثائرين بالاحتلال زمان غل فيه الصدق مين = وأوغل في الفحول أذى البغال به سخر العليل من المعلى = وأشباه الرجال من الرجال وفخر الفاسقين بما أصابوا = ودحر عرى العفاف بالابتذال وعجب الرأي في بر وغر = وغبن من بني عم وخال ولي قلب سليم ليس يقلى = ولا ينسى الكريم من الفعال ويأبى أن يضام به جوار = وأن يحيا الفصول بلا اكتمال حملت بالاحتساب هموم قومي = كمن حمل الجبال على الجمال إذا عقروا الجميل أنخت حلمي = وإن هادوا الجليل بهم هدى لي وقال القوم ما لك؟ كيف ترضى = بما ختر المقام؟ فقلت ما لي؟ أراني أستتب على مدار = علي لا يرى إلا بعال وأدري أنني فيهم غريب = كغربة ذي السنا بين الظلال وأني الصوت في ظهر اشتغال = وأني السوط في صدر انشغال وذا أرب وإن نكروا مقامي = وذا أدب وإن حقروا مقالي ولكن بالتعفف صنت قدري = ويحسبه العيال من التعالي وإني لم أزغ والله يوما = ولا ابتعت الحلال بالانحلال وإني للوفاء أب بريء = كأنك يا براءة بعض آلى سيبقى نور أخلاقي دليلا = ليهدي بالتسامح كل قال وأمضي ما حييت على سبيلي = أطهر حيلتي وأبر حالي أزيد العمر من شرف ونبل = وأطلب بالهدى حسن المآل
