الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

متى يصبح الدفاع عن الحق ضررا عليه؟

إشكالية الانفعال والجمود في الخطاب وكيف تضر في دفاعها عن الحق.

ليس كلُّ مَن وقف في صفِّ الحقّ خادمًا له، ولا كلُّ مَن رفع صوته باسمه زاده ظهورًا، ولا كلُّ سيفٍ سُلَّ دفاعًا عنه أصاب عدوَّه دون أن يجرح جسده. فقد تكون الفكرة صافيةً كالماء، ثمّ تحملها يدٌ مضطربة فتريقها قبل أن تبلغ العطاش؛ وقد يكون الحقّ شمسًا لا عيب في نورها، ثمّ يقف المدافع أمامها بجسد غروره، فيحجبها عن الناس وهو يظنّ أنه يدلهم عليها. ومن أشدّ مفارقات التاريخ الإنسانيّ إيلامًا أنّ بعض الحقائق لمْ يضعفها خصومها بقدر ما أضعفها أنصارٌ أساؤوا تمثيلها، حتّى صارت وجوههم المتجهّمة ستارًا على رحمتها، وصراخهم حاجزًا دون برهانها، وتعصّبهم شاهدًا كاذبًا عليها.

إنّ الحقّ لا يصير باطلًا لأنّ مدافعًا عنه أخطأ، كما لا يفقد الذهب قيمته لأنّ يدًا قذرةً حملته؛ غير أنّ الناس لا يتلقّون الأفكار في فراغٍ عقليٍّ معقّم، بل يرونها مُجسّدةً في أصحابها، ويسمعونها من خلال نبراتهم، ويختبرون صدقها في أخلاقهم. ولذلك قدْ يبقى الحقّ صحيحًا في ذاته، لكنّه يضعف في الوعي العامّ، لا لعجز حجته، بل لأنّ من حمله جعل الوصول إليه شاقًا، أو ربطه بالقسوة، أو خلطه بذاته، أو صادر باسم الدفاع عنه حق الآخرين في السؤال والفهم. وهنا يُصبح المدافع كمن أراد حماية نافذةٍ يدخل منها الضوء، فبنى أمامها جدارًا غليظًا خوفًا عليها من الحجارة؛ حفظ الزجاج، لكنّه حبس النور.

والدفاع عن الحقّ ليس مذمومًا في ذاته؛ بل هو من أشرف الأعمال حين يقوم على علمٍ وعدلٍ وحكمةٍ وتجرّد. فالحقّ الذي لا يجد من يشهد له قدْ يختنق تحت ضجيج الباطل، والظلم الذي لا يواجهه أحد يتمدّد حتّى يظنّ نفسه نظامًا طبيعيًا، والفكرة الصحيحة التي لا يُحسن أصحابها بيانها قدْ تُترك نهبًا للتشويه. لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل المدافع من خدمة الحقّ إلى استخدامه، ومن الغيرة عليه إلى الغيرة من كلّ من يقترب منه بغير طريقته، ومن إقامة البرهان له إلى إقامة ذاته فوقه. عندها لا يعود الحقّ غايةً يقصدها، بل رايةً يتقوّى بها، وهويةً يتضخّم داخلها، وسلاحًا يَمنحه شعورًا بالتفوّق على الآخرين.

وقد يسأل الإنسان نفسه: متى ينقلب الدفاع عن الحقّ من حمايةٍ له إلى ضررٍ عليه؟ يحدث ذلك حين يُصبح حضور المدافع أكبر من حضور الفكرة؛ وحين يُطلب من الناس أن يخضعوا لشخصه بدل أن يقتنعوا بحجته؛ وحين يتحوّل كلّ سؤالٍ إلى اتهام، وكل مراجعةٍ إلى خيانة، وكل اختلافٍ في الوسيلة إلى حربٍ على الأصل. يحدث حين يظنّ المدافع أنّ صدق القضيّة يَمنحه عصمةً في كلّ ما يقول ويفعل، وأنّ نبل المقصد يطهّر الوسائل مهما كانت جائرة، وأنّ خصومة الباطل تبيح له أن يستعير من الباطل أخلاقه وأدواته.

فالحقّ لا يحتاج إلى أن نكذب من أجله؛ لأنّ الكذب لا يحرس الحقيقة، بل يزرع في جسدها بذرة الشك. ولا يحتاج إلى أن نظلم خصومه؛ لأنّ الظلم لا يُصبح عدلًا حين يُمارس تحت رايةٍ عادلة. ولا يحتاج إلى أن نَبْتَسِر كلام المخالف أو نُشَوِّه مقصده أو ننسب إليه ما لمْ يُقَل؛ لأنّ الفكرة التي لا تنتصر إلا على خصمٍ مصنوعٍ من القش ليست منتصرة، بل هاربةٌ من المواجهة الحقيقيّة. وقد يكون المدافع مخلصًا في أصل غيرته، لكنّه حين يسمح لانفعاله أن يزوّر التفاصيل، يُصبح كمن يحاول غسل ثوبٍ أبيض بحبرٍ أسود.

“فالحقّ لا يحتاجُ إلى أن نكذبَ من أجلِه؛ لأنّ الكذبَ لا يحرسُ الحقيقةَ، بل يزرعُ في جسدِها بذرةَ الشكّ.”

ومن أخطاء المدافعين أنّهم يخلطون بين قوّة الحقّ وارتفاع الصوت. يظنّون أن الحجّة التي لا تصرخ ضعيفة، وأن الهدوء علامة تردد، وأن من لمْ يغضب بالطريقة نفسها لا يحمل الغيرة نفسها. فيستبدلون البرهان بالانفعال، ويقيسون صدق الناس بحرارة نبراتهم، ويجعلون النقاش حلبةً لاختبار القوّة النفسيّة، لا مائدةً لطلب الحقيقة. وربما خرج المتلقّي من المجلس وهو يَعرف مقدار غضب المتحدث، لكنّه لا يَعرف لماذا كانت فكرته صحيحة. سمع الرعد ولم يرَ المطر، ورأى النار ولم يجد الضوء.

الانفعال طاقةٌ إنسانيّة لا ينبغي احتقارها؛ فهناك ظلمٌ يستحق الغضب، ومواقف يكون البرود فيها نوعًا من موت الضمير. لكن الغضب إذا تقدّم على البرهان أفسده، وإذا قاد اللغة بدل أن تخدمه اللغة، جعل صاحبه يرد على ما لمْ يُقل، ويعمم من واقعة، ويهين بدل أن يجيب، ويستعرض غيرته بدل أن يكشف الحقيقة. والانفعال لا يكون دليلًا على صحة الموقف؛ فقد يغضب صاحبُ الحقّ وصاحبُ الباطلِ، وقد يعلو صوت المظلوم والظالم، وقد يرتجف الصادق والمتوهم. الحقّ لا يُعرَف بدرجة حرارة صاحبه، بل بقوة دليله وعدالة تنزيله واتساقه مع الواقع.

والمدافع المنفعل لا يُخاطب عقل المخالف غالبًا، بل يستدعي دفاعاته النفسيّة. فإذا أهانه أغلق عليه باب الفهم، وإذا اتّهم نيّته نقله من مقام البحث إلى مقام الدفاع عن كرامته، وإذا سخر منه جعله متعلّقًا برد الإهانة أكثر من تعلّقه بمراجعة الفكرة. وهكذا قدْ يكون أمام المدافع إنسانٌ مستعدٌ لأنّ يسمع، فيحوله بسوء أسلوبه إلى خصمٍ عنيد. لا لأنّ البرهان لمْ يبلغه، بل لأنّ الإهانة وصلت قبله وجلست على الباب تمنعه من الدخول. إن الكلمة القاسية قدْ تكون صحيحةً في معناها، لكنّها إذا قُدِّمت في غير موضعها صارت كدواءٍ صائبٍ صُبَّ في عين المريض بدل أن يوضع في موضع الجرح.

وكثيرًا ما يُبرّر المدافع قسوته بقوله: “الحقّ لا يحتاج إلى مجاملة”. وهذه جملةٌ صحيحةٌ في أصلها، لكنّها قدْ تتحوّل إلى ستارٍ لسوء الخلق. فالحقّ لا يحتاج إلى نفاق، لكنّه يحتاج إلى حكمة. ولا يحتاج إلى تزييف، لكنّه يحتاج إلى بيان. ولا يطلب من صاحبه أن يداهن الباطل، لكنّه لا يبيح له أن يهين الإنسان. والفرق عظيم بين أن تصارح المخطئ بخطئه، وأن تستعمل خطأه فرصةً لإذلاله؛ وبين أن تكشف تناقض الفكرة، وأن تشمت بصاحبها؛ وبين أن ترفض الباطل، وأن تنزع عن قائله كلّ قيمةٍ إنسانيّة.

إنّ بعض المدافعين لا يريدون إقناع المخالف أصلًا، بل يريدون هزيمته أمام الجمهور. لا يخاطبونه ليعود إلى الصواب، وإنّما يستعملونه منصّةً لإظهار تفوقهم. يلتقطون زلّته، ويُضخّمونها، ويطيلون الوقوف عليها، ثمّ يخرجون من المشهد بشعور المنتصر، ولو خرج الحقّ نفسه خاسرًا. فالخصم أُهين، والجمهور استمتع، والمدافع نال التصفيق؛ لكن أحدًا لمْ يقترب من الحقيقة. وهنا تتحوّل المناظرة من جسرٍ إلى الحقّ إلى مسرحٍ للأنا، ويصبح البرهان حارسًا لسمعة صاحبه لا خادمًا للمعنى.

ومن أخطاء الدفاع أيضًا التعصّب للوسيلة. قدْ تكون الغاية حقًّا، لكن صاحبها يربطها بطريقةٍ واحدةٍ في البيان أو العمل أو التنظيم، ثمّ يجعل هذه الطريقة جزءًا من الحقّ نفسه. فإذا اختار غيره وسيلةً أخرى اتّهمه بالتفريط، وإذا تغيّر الزمن وظلت وسيلته عاجزةً أصر عليها باسم الثبات، وإذا أظهرت التجربة قصورها عدّ الاعتراف بذلك هزيمةً للقضية. وهكذا تنتقل القداسة من الأصل إلى الأداة، ويصبح الدفاع عن وسيلةٍ تاريخيّة دفاعًا عن الحقيقة ذاتها، ولو كانت الوسيلة قدْ تحوّلت من مركبٍ يحمل الفكرة إلى مرساةٍ تمنعها من الحركة.

قدْ تكون الخطبة وسيلةً نافعة، لكنّها ليست الشكل الوحيد للبيان. وقد يكون الاحتجاج وسيلةً مشروعة، لكنّه ليس الطريق الوحيد إلى الإصلاح. وقد تكون مؤسسةٌ ما خدمت الفكرة في مرحلة، لكنّها ليست الفكرة نفسها. وقد تكون عبارةٌ مأثورةٌ بليغةً، لكنّها لا تعفي صاحبها من شرح معناها بلغة الناس. ومن لا يُفرّق بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والطريق إليه، يجعل الحقّ أسير تجربته الشخصيّة. إنّه يشبه من يريد نقل الماء إلى قريةٍ عطشى، لكنّه يرفض كلّ وعاءٍ غير الإناء الذي استعمله آباؤه، حتّى لو انكسر الإناء وتسرب الماء في الطريق.

“مَن لا يُفرّقُ بين الثابتِ والمتغيّرِ، وبين المقصدِ والطريقِ إليه، يجعلُ الحقَّ أسيرَ تجربتِه الشخصيّةِ.”

والتعصّب للوسيلة قدْ ينشأ من الخوف؛ لأنّ تغيير الأداة يحتاج إلى مراجعة، والمراجعة توهم بعض الناس أنّ الماضي كان مخطئًا كله. وقد ينشأ من الكسل؛ فابتكار وسيلةٍ جديدة يحتاج إلى فهم الواقع وتعلم لغته. وقد ينشأ من حب السيطرة؛ فصاحب الوسيلة القديمة قدْ بنى حولها نفوذًا ومكانة، ويخشى أن يفتح التجديد الباب لفاعلين جدد. عندها يُلبس مصلحته ثوب الوفاء، ويُصوّر كلّ تطويرٍ كأنّه مؤامرة على الأصل، مع أنّ ما يحميه في الحقيقة ليس الحقّ، بل موقعه بوصفه بوّابًا وحيدًا إليه.

ومن أخطر ما يصيب المدافع أن يخلط بين الحقّ ونفسه. يبدأ الطريق وهو يقول: “أنا أخدم هذه الفكرة”. ثمّ لا يشعر إلا وهو يقول في أعماقه: “أنا الفكرة، ومن نقدني فقد اعتدى عليها”. فإذا كُشِف خطؤه الشخصي عدّه تشويهًا للقضية، وإذا نُصِح راح يُدافع عن نفسه بلغة الدفاع عن الحقّ، وإذا خالفه شريكٌ في الأصل اتّهمه بالانحراف. عندها تصير الفكرة درعًا للأنا، ويصبح الاعتراف مستحيلًا؛ لأنّ قول المدافع إنّه أخطأ يبدو له كأنّه إقرارٌ بأنّ الحقّ أخطأ.

لكن الحقّ أكبر من مدافعيه، ولا تُختصر الحقيقة في حاملٍ واحد، ولا يمتلكها شخصٌ كما يمتلك بيتًا أو أرضًا. الإنسان قدْ يهتدي إلى جانبٍ منها ويغيب عنه جانب، وقد يصيب في أصلٍ ويخطئ في تنزيله، وقد يُخلِص في مقصده ويعجز في وسيلته. ومن عرف هذا تَواضع للحقّ، ولم يجعل نفسه شرطًا لقبوله. أما من احتكره، فإنّه يضيق ما كان واسعًا، ويحول الحقيقة من أفقٍ يدعو الناس إلى السير إلى بوابةٍ ضيقة لا تُفتح إلا بإذنه.

واحتكار الحقّ لا يظهر فقط في قول الإنسان إنّه وحده مصيب؛ بل يظهر في رفضه أن تأتي الحقيقة من خصمه، وفي عجزه عن الاعتراف بصواب من يخالفه، وفي شعوره بالخطر إذا قدم غيره خدمةً أفضل للقضية. المدافع المخلص يفرح إذا انتصر الحقّ على لسان سواه، أما المحتكر فيحزن سرًّا؛ لأنّ انتصار الحقّ من غير طريقه يقلّل من مركزيّة ذاته. وهنا ينكشف الفرق بين من يحب الحقيقة ومن يحب مكانه في صفوفها. الأول يريد لها أن تظهر ولو غاب اسمه، والثاني يريد لاسمه أن يظهر ولو غابت بعض الحقيقة.

ومن الأخطاء المتكررة أن يظنّ المدافع أنّ حسن قصده يعفيه من محاسبة أثره. يقول لنفسه: “أنا أردت نصرة الحقّ”. ثمّ لا يسأل ماذا صنع أسلوبه في الناس، ولا هلْ قربهم أم نفرهم، ولا هلْ كشف الفكرة أم غطاها، ولا هلْ أنصف خصمه أم زاد الظلم ظلمًا. والنيّة الصالحة عظيمة، لكنّها ليست إذنًا مفتوحًا لسوء الأداء. فالطبيب الذي يريد إنقاذ المريض لكنّه يستعمل أداةً ملوثةً لا يُعفى من مراجعة فعله لمجرّد نُبل قصده. والمربي الذي يريد صلاح ابنه لكنّه يهينه كلّ يوم قدْ يصنع فيه عاهةً نفسيةً باسم الحب. وكذلك المدافع؛ قدْ يريد الخير، لكنّه إذا رفض التعلم من الأثر ظل يكرّر الضرر وهو يطلب الأجر.

إنّ أثر السلوك على صدقية الفكرة من أكثر القضايا دقة. فمن جهة العقل، لا يجوز رد الحقيقة لأنّ صاحبها ناقضها؛ فقول الصادق يبقى صدقًا ولو خان قائله نفسه. لكن من جهة النفس والاجتماع، السلوك بابٌ أساسي من أبواب التصديق. فالناس يسألون بوعيٍ أو بغير وعي: إذا كانت هذه الفكرة تصنع الخير، فأين خيرها في حاملها؟ وإذا كانت تدعو إلى الرحمة، فلماذا امتلأ خطاب أهلها بالقسوة؟ وإذا كانت تُقدّس العدل، فلماذا يبررون ظلم أتباعهم؟ وإذا كانت تحرر الإنسان، فلماذا لا يحتملون حريته في السؤال؟

قدْ تكون هذه الأسئلة أحيانًا خلطًا بين صحة المبدأ وخطأ التطبيق، لكنّها لا تُعالج بالاستعلاء على أصحابها. فالناس من حقهم أن ينتظروا من الفكرة أثرًا فيمن يؤمن بها. وحين يتكرر التناقض بين الخطاب والسلوك، لا يعود الأمر زلةً فرديةً معزولة، بل يُصبح سؤالًا عن طريقة الفهم والتربية والبنية التي أنتجت هذا التناقض. فإذا كان المدافعون عن قيمةٍ ما يمارسون نقيضها باستمرار، فعليهم أن يسألوا هلْ يحملونها فعلًا، أم يحملون اسمها فقط.

ومن أمثلة ذلك أبٌ يُدافع عن طاعة الوالدين، لكنّه لا يُقدّم لأبنائه إلا الاستبداد؛ فيربط في وعيهم البر بالقهر. ومعلمٌ يُدافع عن العلم، لكنّه يسخر من السؤال؛ فيجعل المعرفة مرتبطةً بالخوف. وواعظٌ يُدافع عن الأخلاق، لكنّه يفضح المخطئين ويتلذذ بسقوطهم؛ فيجعل الفضيلة تبدو سلاحًا للتعالي. وناشطٌ يُدافع عن الحرية، لكنّه يقمع كلّ رأيٍ داخل جماعته؛ فيحول الحرية إلى شعارٍ موجّهٍ ضد الخصوم فقط. وسياسيٌّ يتحدث عن السيادة، لكنّه يهين المواطن؛ فيجعل الوطن سلطةً فوق الإنسان لا بيتًا لكرامته.

في هذه النماذج لا يكون السلوك خطأً جانبيًا منفصلًا عن الدعوة، بل يصير تفسيرًا عمليًا لها في أذهان الناس. فالطفل لا يفصل بسهولةٍ بين قيمة الطاعة وطريقة أبيه، والطالب لا يفصل بين العلم وهيئة معلمه، والجمهور لا يفصل بين الحرية وأخلاق من يرفع شعارها. لذلك يتحمل المدافع مسؤوليّةً مضاعفة؛ مسؤوليّة أن يقول الحقّ، ومسؤوليّة ألا يجعل نفسه حجابًا دونه.

“مسؤوليّةُ المدافعِ مضاعفةٌ: أن يقولَ الحقَّ، وألّا يجعلَ نفسَه حجابًا دونَه.”

والسلوك السيّئ لا يضر القضيّة فقط لأنّه ينفر الناس، بل لأنّه يَمنح خصومها مادةً حقيقيةً يستعملونها في التشويه. فقد يكون الخصم عاجزًا عن نقض الفكرة، فيكتفي بعرض تناقض أصحابها، ثمّ يقول للناس إنّ هذه هي ثمرتها. وإذا كان التناقض واسعًا ومزمنًا، وجد قوله آذانًا مفتوحة. وهكذا يُقدّم المدافع السيّئ للباطل ذخيرةً لمْ يكن يملكها، ويهدم في يومٍ من الثقة ما قدْ تحتاج الفكرة إلى سنواتٍ لإعادة بنائه.

ومن أخطاء الدفاع كذلك المبالغة في حماية الحقّ من الأسئلة. بعض الناس يتصرفون كأنّ السؤال سهمٌ يصيب الحقيقة في مقتل، وكأنّ الشبهة إن سُمعت هدمت الأصل، وكأنّ السماح بالنقاش تفريطٌ في اليقين. فيقمعون الأسئلة، ويخوّفون السائل، ويجعلونه يختار بين الصمت والانتماء. لكن الحقيقة التي لا تحتمل السؤال تتحوّل في وعي الناس إلى سلطةٍ خائفة، ولو كانت في ذاتها قوية. والأسئلة التي تُدفن لا تموت، بل تنزل إلى الأقبية النفسيّة، وتتغذى من الصمت، ثمّ تعود أشدّ التباسًا وأقل قابليةً للحوار.

المدافع الحكيم لا يخاف من قول السائل: “لمْ أفهم”. ولا يساوي بين الشك الباحث والعناد المستكبر. ولا يجيب عن الحيرة بالإهانة. يَعرف أنّ بعض الأسئلة أبوابٌ إلى اليقين، وأن الإنسان قدْ يحتاج إلى أن يُفكّك معنىً قديمًا في ذهنه قبل أن يستقبل الحقيقة في صورتها الصحيحة. أما المدافع المرتبك فيرى السؤال طعنًا في مكانته؛ لأنّه لمْ يفصل بين احترام الحقّ واحترامه الشخصي. فإذا لمْ يَعرف الجواب، هاجم السؤال، وإذا عجز عن الإقناع، اتّهم قلب السائل.

والدفاع عن الحقّ يضره أيضًا حين يتحوّل إلى حربٍ دائمة. بعض الناس لا يعرفون الحقّ إلا في ساحة الخصومة؛ لا يتحدثون عنه بوصفه بناءً وجمالًا ورحمةً وحياة، بل بوصفه سلاحًا دائمًا ضد عدو. يحتاجون إلى خصمٍ كي يشرحوا الفكرة، وإلى معركةٍ كي يشعروا بقيمتها. ومع الزمن تتشكّل أجيالٌ لا تعرف من الحقّ إلا وجهه القتالي، ولا ترى فيه طريقًا لبناء الذات والعالم، بل رايةً لتصنيف الناس. والحقيقة التي تُقدَّمُ دائمًا داخل الخندق تفقد أفقها الإنسانيّ؛ يُصبح أتباعها جنودًا قبل أن يكونوا بناة، ويتعلمون كيف يرفضون الباطل أكثر مما يتعلّمون كيف يجسدون الخير.

ليس معنى هذا أن نتجاهل الصراع أو نسوي بين الحقّ والباطل؛ فهناك معارك لا بد منها، ومظالم لا تسقط بالمجاملات. لكن الحقّ لا يُختصر في المقاومة، كما أنّ الطب لا يُختصر في محاربة المرض؛ إنّه أيضًا بناءٌ للصحة. والعدل ليس مجرد إدانة الظالم، بل تأسيسٌ لنظامٍ يحفظ الحقوق. والحرية ليست مجرد إسقاط قيد، بل تربيةٌ على المسؤوليّة. والأخلاق ليست فقط فضح الرذيلة، بل صناعة بيئةٍ تُيسّر الفضيلة. من يَعرف الحقّ في صورة الحرب وحدها قدْ ينتصر على خصمٍ ثمّ يعجز عن بناء ما بعد الانتصار.

ومن الضروري التمييز بين الدفاع عن الحقّ والدفاع عن الجماعة التي تنتسب إليه. فكثيرًا ما يقع الخطأ داخل جماعةٍ ترفع شعارًا صحيحًا، فيندفع أبناؤها إلى تبريره خوفًا على صورة القضيّة. يظنّون أنّ الاعتراف بخطأ واحدٍ من أهلها خدمةٌ لخصومها، فيخفون الخلل، ويهاجمون الناقد، ويطالبون الناس بالنظر إلى المقصد الكبير لا إلى التجاوز الصغير. لكن التجاوزات التي تُحمى باسم المقاصد تكبر حتّى تلتهمها. وما يبدأ خطأً فرديًا قدْ يتحوّل، بفعل الدفاع الأعمى، إلى ثقافةٍ مؤسسيّة.

إنّ الحقّ لا يُحمى بإخفاء أخطاء أهله، بل بتنقيتهم منها. والاعتراف لا يَمنح الباطل نصرًا، بل يمنع الباطل من أن يجد فينا شبهًا منه. المدافع الصادق يقول: “هذه قضيتنا عادلة، وهذا الفعل الصادر من بعض أهلها ظالم، ولا يجوز لنا أن نصير نسخةً مما نقاومه”. أما المتعصب فيقول: “لا وقت للنقد الآن”. ثمّ يظل الوقت غير مناسبٍ إلى أن يستوطن الخلل، ويصبح الناقد عدوًا، ويصير الظلم الداخلي ثمنًا مطلوبًا لوحدة الصف. وأي حقٍّ هذا الذي لا يعيش إلا إذا سكتنا عن الباطل داخله؟

“إنّ الحقَّ لا يُحمى بإخفاءِ أخطاءِ أهلِه، بل بتنقيتِهم منها.”

والحقيقة لا تُخدَم بازدواجية المعايير. لا يجوز أن ندين الفعل حين يصدر من الخصم، ثمّ نخفف اسمه إذا صدر من الحليف. لا يُصبح الكذبُ منّا مناورةً، ومنهم خيانةً. ولا يُصبح القمع عند جماعتنا ضرورة، وعند غيرنا استبدادًا. ولا تصير الإهانة التي توجه إلينا جريمةً، وتلك التي نوجهها إليهم صراحةً محمودة. إنّ المدافع الذي يغيّر ميزانه بتغير الفاعل لا يُدافع عن الحقّ، بل عن الانتماء. فالحقّ ثابتٌ في ذاته، ويختبر صدقنا حين يكون الحكم على من نحب، لا حين يكون على من نكره.

ومن أكثر ما يضر الحقّ أن يتحوّل الدفاع عنه إلى مصدرٍ للهوية النفسيّة والتفوّق الأخلاقيّ. يشعر الإنسان أنه من أهل النور لأنّ خصومه في نظره أهل ظلام، وأنه طاهرٌ لأنّه يكثر الحديث عن فسادهم، وأنّ انتماءه إلى القضيّة يعفيه من محاسبة نفسه. فيستمد قيمته من موقعه في الصف، لا من صدق سلوكه، ويستعمل الحقّ مرآةً يرى فيها جماله هو. وهذا لونٌ دقيقٌ من عبادة الذات؛ لأنّ الفكرة تصبح سلّمًا يصعد به الإنسان فوق الناس، لا طريقًا ينزل به إلى خدمتهم.

الحقّ الذي يزيد صاحبه كبرًا لمْ يدخل قلبه كما ينبغي، ولو ملأ لسانه. والمعرفة التي لا تورث تواضعًا قدْ تحوّلت إلى زينةٍ للأنا. والمدافع الذي يرى نفسه أفضل من كلّ من يخاطبهم سيعجز عن هدايتهم؛ لأنّه لا يمد إليهم يدًا، بل ينظر إليهم من أعلى. وقد يشعر الناس قبل أن يفهموا كلامه أنه لا يريد نجاتهم، بل يريد اعترافهم بتفوقه. عندها تصبح مقاومة خطابه مقاومةً للإذلال الذي يشعرون به، لا للفكرة وحدها.

فكيف يَخدم الإنسان الحقّ دون أن يحتكره؟ يبدأ ذلك بأن يَعرف أنّ الحقيقة أوسع منه، وأنّ إصابته فيها فضلٌ يحتاج إلى شكر، لا ملكيةٌ تمنحه السيادة على العقول. وأنه قدْ يحمل جزءًا منها ويغيب عنه جزء، وقد يُحسن فهم الأصل ويسيء التطبيق، وقد يصدق المقصد ويخطئ الوسيلة. هذا الوعي لا يضعف يقينه، بل يُنقّيه من الغرور. فالتواضع ليس شكًّا دائمًا في كلّ شيء، بل إدراكٌ للحدود البشرية في حمل ما نعتقد أنه صواب.

ويخدم الحقّ بأن يفرّق بين الثبات عليه والتعصّب لنفسه. الثبات يقول: “لن أتنازل عن الدليل إرضاءً لأحد”. أما التعصّب فيقول: “لن أراجع فهمي ولو ظهر لي دليل”. الثبات قوةٌ أخلاقية، والتعصّب خوفٌ متصلب. الثابت يستطيع أن يعترف بخطئه الجزئيّ لأنّه لا يرى الاعتراف هدمًا للأصل؛ أما المتعصب فيشعر أنّ كلّ مراجعةٍ انهيار، فيحرس آراءه كما يحرس الإنسان جدارًا متصدّعًا يخاف أن يلمسه أحد.

ويخدم الحقّ بأن يُقدّم البرهان قبل الإدانة. أن يشرح لماذا يرى، لا أن يكتفي بإعلان ما يرى. وأن يَمنح المخالف فرصةً كاملةً لعرض حجته، لا أن يصنع له قولًا ضعيفًا ثمّ يهزمه. وأن يُميّز بين الجاهل والمتعمد، وبين المتسائل والمكابر، وبين صاحب الشبهة وصاحب المصلحة. فالناس لا يُخاطَبون بقالبٍ واحد، والعدل في الدعوة جزءٌ من عدالة الفكرة نفسها. من جاء يسأل لا يُعامَل كمن جاء يعتدي، ومن أخطأ بحثًا لا يُعامَل كمن كذب عمدًا.

ويخدم الحقّ بأن يصون كرامة المخالف. ليس لأنّ كلّ الأفكار متساوية، ولا لأنّ الخطأ لا يستحق النقد، بل لأنّ الإنسان لا يفقد حقه في العدل حين يخطئ. قدْ ترد فكرته بقوة، وتكشف تناقضها، وترفض أثرها، وتضع حدودًا لها؛ لكنك لا تحتاج إلى اختراع نقائص في شخصه، ولا إلى السخرية من خِلْقَته أو أصله أو ماضيه، ولا إلى تحميله ما لمْ يُقَل. الإنصاف مع المخالف ليس هديةً له، بل وفاءٌ للحقّ الذي تزعم الدفاع عنه. ومن ظلم خصمه فقد شهد عليه دون أن يشعر؛ شهد أنّ انتماءه أقوى من عدله.

“الإنصافُ مع المخالفِ ليس هديّةً له، بل وفاءٌ للحقّ الذي تزعمُ الدفاعَ عنه.”

ويخدم الحقّ بأن يسمح بتعدد الوسائل والاجتهادات ما دامت لا تهدم الأصل. فالقضيّة الكبيرة لا تحتاج إلى نسخةٍ واحدةٍ من المدافعين، بل إلى أصواتٍ ومهاراتٍ وأدوار. هناك من يخدمها بالبحث، ومن يخدمها بالتعليم، ومن يجسدها في مؤسسة، ومن يترجمها إلى فن، ومن يُدافع عنها في القانون، ومن يربي عليها أبناءه. احتكار الطريق يفقّر الفكرة، أما تنوع الطرق المنضبطة فيمنحها حياةً واتساعًا. ليس كلّ من لمْ يحمل سلاحك تاركًا للمعركة؛ ربما كان يبني المستشفى الذي سيعالج جرحاها.

ويخدم الحقّ بأن يراجع أثره دون أن يعبد النتائج. فقد يُقدّم الإنسان الفكرة بحكمة ثمّ يرفضها آخر لهوىً فيه؛ فلا ينبغي أن يجعل قبول الناس معيار الحقّ. لكن عليه في الوقت نفسه أن يسأل بصدقٍ إن كان أسلوبه حاجزًا، وإن كانت لغته مفهومة، وإن كان سلوكه يؤيد قوله، وإن كانت وسيلته ما تزال صالحة. المراجعة ليست بيعًا للحقيقة، بل تطهيرٌ للطريق إليها. ومن يرفض مراجعة أدائه بحجة ثبات الأصل يشبه رسولًا أضاع الرسالة في الطريق ثمّ اتّهم المرسل إليهم لأنّهم لمْ يقرؤوها.

ويخدم الحقّ بأن يجسده قبل أن يطالب الآخرين به. من دعا إلى العدل فليكن عادلًا مع خصمه، ومن دعا إلى الرحمة فلتظهر رحمته عند القدرة، ومن دعا إلى الحرية فليحتمل اختلاف أتباعه، ومن دعا إلى الصدق فليعترف بخطئه قبل أن يطالب غيره بالاعتراف. السلوك ليس بديلًا عن البرهان، لكنّه يَمنح البرهان جسدًا يُرى. والحقيقة حين تمشي على قدمين أبلغ من ألف خطابٍ يصف جمالها.

كما يخدمه بأن يدرك أنّ هدايةَ الناس ليست انتصارًا شخصيًّا ينبغي له أن ينسبه إلى نفسه. قدْ يقول الكلمة ثمّ تنبت بعد سنوات، وقد يفتح بابًا ويكمل غيره الطريق، وقد يعجز عن إقناع إنسانٍ يقتنع لاحقًا بسبب تجربة أو شخصٍ آخر. من احتكر الثمرة استعجلها، ومن استعجلها قدْ يلجأ إلى الضغط والإهانة والتلاعب. أما من خدم الحقّ حقًا، فإنّه يضع البذرة في موضعها، ويسقيها بما يستطيع، ثمّ لا يشترط أن تخرج الشجرة باسمه.

وفي المجال العامّ، تحتاج القضايا العادلة إلى أخلاق دفاعٍ بقدر حاجتها إلى قوّة موقف. تحتاج إلى خطابٍ يُميّز بين الحزم والعدوان، وبين التوضيح والتشهير، وبين مقاومة الظلم وإنتاج ظلمٍ مضاد، وبين بناء الوعي وتعبئة الغضب الأعمى. فالجمهور الذي يُربّى على الانفعال وحده قدْ يَخدم القضيّة لحظة، ثمّ ينقلب عليها حين يتغيّر مزاجه؛ لأنّه لمْ يفهمها، بل استُثير باسمها. أما الجمهور الذي بُني وعيه على البرهان والعدل، فإنّه يصير شريكًا في الحقّ، لا وقودًا لمعاركه.

والقضيّة التي تستعمل الأكاذيب لتعبئة الناس تزرع في داخلها ساعة انهيارها؛ لأنّ الكذبة حين تنكشف لا تسقط وحدها، بل تسحب معها الثقة في كثيرٍ من الحقائق. والقضيّة التي تحرض على كراهية الناس بدل نقد أفعالهم قدْ تنتصر سياسيًا وتفشل أخلاقيًا. والقضيّة التي تربي أتباعها على الطاعة العمياء لقادتها قدْ تحارب استبدادًا في الخارج، وهي تحمل بذوره في الداخل. لذلك ينبغي أن نسأل لا فقط عن عدالة الغاية، بل عن الإنسان الذي تصنعه وسائل الدفاع عنها. هلْ تصنع فيه وعيًا وعدلًا وشجاعة، أم غضبًا أعمى وولاءً مغلقًا وقابليةً لاستبدادٍ جديد؟

“ينبغي أن نسألَ لا عن عدالةِ الغايةِ وحدَها، بل عن الإنسانِ الذي تصنعُه وسائلُ الدفاعِ عنها.”

وفي النهاية، يُصبح الدفاع عن الحقّ ضررًا على الحقّ حين يغيب عنه شيءٌ من روح الحقّ؛ حين يستعمل الكذب لحماية الصدق، والظلم لحماية العدل، والقمع لحماية الحرية، والقسوة لحماية الرحمة، والتعصّب لحماية اليقين. يُصبح ضررًا حين يتضخّم المدافع حتّى يحجب الفكرة، وحين يصير انتصاره الشخصي أهمّ من ظهور الحقيقة، وحين يتعصّب للوسيلة حتّى يخنق الغاية، وحين يناقض سلوكه ما يدعو إليه، وحين يحتكر الحقّ فيجعل المرور إليه مشروطًا بالانتماء إليه.

ليس خادم الحقّ من يرفع رايته أعلى فحسب، بل من يمنع ظل ذاته من أن يسقط عليها. ومن يخدمه لا يخاف البرهان، ولا يهرب من المراجعة، ولا يظلم المخالف، ولا يُقدّس الوسيلة، ولا يُبرّئ جماعته من الخطأ، ولا يحول الغيرة إلى رخصةٍ للبطش. يَعرف أنّ الحقّ لا يحتاج إلى حارسٍ يكذب من أجله، بل إلى شاهدٍ يصدق له؛ ولا إلى مالكٍ يحتكره، بل إلى إنسانٍ يتواضع أمامه؛ ولا إلى صراخٍ يغطي معناه، بل إلى عقلٍ يُبيّنه، وخُلُقٍ يُجسّده، وعدلٍ يشهد أنّ النور الذي يدعو إليه قدْ بدأ فعلًا يضيء داخله.

فقد يهزم المدافع خصمه ويهزم معه مِصداقيّة فكرته، وقد يكسب المناظرة ويخسر القلب، وقد يحفظ الوسيلة ويقتل الغاية، وقد يرفع الحقّ على رأس رمحٍ حتّى لا يراه الناس إلا مقرونًا بالجرح. أما المدافع الناضج فيعرف أن مهمته ليست أن يجعل الحقيقة ملكًا له، بل أن يجعل نفسه أهلًا لخدمتها؛ وأنّ أعظم انتصارٍ للحقّ ليس أن يصمت المخالف خوفًا، بل أن يرى الإنسان نور البرهان، ويشعر في الوقت نفسه أن كرامته لمْ تُذبح على عتبته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى