صوت دعاك
صَوْتٌ دَعَاكْ
وَاللَّيلُ يُوشِكُ أَنْ يَغُصَّ فَلا يَرَاكْ
وَعَلَى شِفَاهِ الصُّبْحِ بَسْمَةُ حَالِمٍ بِالغَيبِ
يَحْتَرِفُ اقْتِرَافَ الحُبِّ فِي سِفْرِ الفَضِيلَةْ
وَيَضُمُّ أَعْوَادَ الزَّنَابِقِ
كَي يُكَنِّسَ مِنْ قُلُوبِ الحِقْدِ أَدْرَانَ الرَّذِيلَةْ
وَكِتَابُ فَلْسَفَةِ الهُنُودِ وَحِكْمَةِ الإِغْرِيقِ لا تَكْفِي وَسِيلَةْ
يَا مَنْ تَوَرَّعَ بِالمَحَجَّةِ عَنْ تَهَاوِيمٍ بَدِيلَةْ
فَعَلامَ تُنْكِرُ مَا اعْتَرَاكْ؟!
وَإِلامَ تَحْتَ ظِلالِ حَرْفِكَ تَسْتَرِيحْ؟!
كُلُّ العَوَارِضِ فِي سَمَائِكَ مَحْضُ رِيحْ
مَهْمَا نَسَجْتَ حَرِيرَ حِسِّكَ فِي المَدَى
سَتَظَلُّ تُطْعَنُ بِالمُدَى
سَتَظَلُّ فِي نُطَفِ التَّوَجُّسِ مُضْغَةً
مِنْ أَلْفِ شَاكٍ
أَلْفِ بَاكٍ
أَلْفِ مُتَّهَمٍ بِذَاكْ
فَإِذَا تَنَاسَلَ فِي رُؤَاكَ سُؤَالُهُمْ
وَتَنَاهَبَتْكَ ظُنُونُهُمْ فِي كُلِّ دَرْبٍ لَا يُشَاكْ
فَاصْعَدْ إِلَى مِحْرَابِ صَوْتِكَ وَانْتَصِبْ
فَالحَرْفُ حِينَ يَضِيقُ صَدْرُ الكَوْنِ أَوْلَى أَنْ يَرَاكْ
لا تَنْتَظِرْ مِنْ غَيمِهِمْ مَطَرًا
وَلا مِنْ صَخْرِهِمْ نَبْعًا يُجِيبُ إِلَى نِدَاكْ
أَنْتَ الَّذِي لَوْ أَطْبَقَتْ دُنْيَا الظُّنُونِ عَلَى خُطَاهُ
رَأَى الطَّرِيقَ، وَلَمْ تَخَفْ مِمَّا ابْتَلَاكْ
أَنَا ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمْ
وَأَنَا الخِضَمْ
وَأَنَا ذُرَا الأَمَلِ المُحَلِّقِ وَالأَلَمْ
أَنَا كُلُّ مَا خَلَقَ المُهَيمِنُ مِنْ نَدَى قَلْبٍ وَفَمْ
أَنَا كُلُّ عَزْمٍ كُلُّ حَزْمٍ كُلُّ حُكْمٍ كُلُّ هَمْ
لَكِنَّنِي الإِنْسَانُ مِنْ لَحْمٍ وَدَمْ
لِي رَجْفَةُ الشَّوْقِ المُعَطَّرِ لِلحُقُولِ وَلِلأَزَاهِرْ
وَعَلَى مُتُونِ الشِّعْرِ أُنْشِدُ عَاشِقًا مَا لاحَ فِيَّ
وَلا أُكَابِرْ
مَهْمَا تَصَاخَبَتِ البَنَادِقُ فِي الفَضَاءِ مَعَ القَنَابِلْ
وَادَّارَكَتْ عَادٌ عَلَى حَرَضٍ وَبَابِلْ
سَتَظَلُّ تَصْدَحُ فِي الرُّبَى تِلكَ البَلابِلْ
وَيَظَلُّ حَرْفِي مُشْعِلًا لُغَةَ القَصِيدَةِ مَا حَنِقْ
وَمَتَى جَمَعْتُ رَحِيقَهُ ثَمِلَ الخَيَالُ بِغَيرِ زِقْ
وَيَفِرُّ رِيقُ الشِّعْرِ مِنْ جَدْبِ المَشَاعِرِ كَي يَرِقْ
وَلا يَفِرُّ إِلَى سِوَاكْ
لَمْ أَرْتَدِ الآفَاقَ زِينَةَ عَابِرٍ
لَمْ أَشْتَكِ الآمَاقَ مِنْ فَرطِ القُنُوطْ
كَلا، وَلا حَمَلَتْ يَدَايَ القَوْلَ مِنْ خَوْفِ السُّقُوطْ
إِنِّي إِذَا ضَجَّتْ قُرُونُ الخَوْفِ فِي دَمِهَا
وَتَنَاكَرَتْ لُغَةُ الحُرُوفِ عَلَى شِفَاهِ القَانِطِينْ
أَمْشِي عَلَى وَجَعِ اليَقِينِ كَأَنَّنِي
نَذْرٌ تَقَدَّمَ فِي ضَمِيرِ السَّالِكِينْ
وَأَصُونُ فِي جُرْحِي كَرَامَةَ أُمَّةٍ
مَا بَاعَهَا شِعْرِي لِتَنْجُوَ مِنْ هَلاكْ
بَلْ قُلْتُ لِلعُمْرِ المُحَاصَرِ: لا تَخَفْ
مَا دَامَ فِي صَدْرِ القَصِيدَةِ مَنْ يُنَادِي مَنْ هُنَاكْ
أَنَا ذَلِكَ الصُّوفِيُّ فِي نُسُكِ التَّأَصُّلِ
لَيْسَتْ تُغْرِينِي اشْتِهَاءَاتُ الفُصُولْ
أَنْجُو إِلَى صِفَةِ التَّسَرُّبِ فِي ثُقُوبِ الذَّاكِرَةْ
وَأَكَادُ أَغْرَقُ فِي تَفَاصِيلِ التَّبَتُّلِ
فِي احْتِضَانِ الآصِرَةْ
مَا بَينَ فَارِسِ هِمَّةٍ سَرَجَ الحُرُوفَ عَلَى السُّيُوفِ
وَبَينَ شَاعِرِ أُمَّةٍ يَدْرِي بِأَنَّ العِشْقَ فِطْرَتُهَا التِي مَادَتْ بِهَا
حَتَّى كَأَنَّ الطُّهْرَ بُشْرَى السُّوءِ قَدْ وُئِدَتْ عَلَى هُونٍ
وَآلِهَاتُ الذَّاتِ قَدْ عُبِدَتْ مِنْ دُونٍ
فَأَرْسَلْتُ النُّبُوءَةَ فِي تَرَاتِيلِ القَصِيدَةْ
تُتْلَى، وَفِي وَحْيِ التَّأَمُّلِ مَنْهَجٌ لِلسَّالِكِينْ
وَيُطِلُّ مِنْهَا لِلفَرَادِيسِ العَفِيفَةِ نَخْلُهَا المَرْوِيُّ مِنْ حَاءٍ وَسِينْ
هَذِي انْثِيَالاتُ التَّشَكُّلِ فَوْقَ عُشْبِ الذَّاتِ فِي القِيَمِ التَّلِيدَةْ
وَبَرَاءَةٌ مِنْ قَدِّ أَثْوَابِ الفَضِيلَةِ مِنْ قُبُلْ
وَهُنَا عَلَى كَتِفِ الجِهَادِ قَضِيَّةٌ
تَحْكِي مَوَاجِعَهَا تَبَارِيحُ السِّنِينِ العَابِرَةْ
وَالأَرْضُ لَيْسَتْ كُلَّهَا تَرِبَتْ يَدَاكْ!
وَالقُدْسُ لَيْسَتْ ذِكْرَيَاتٍ فِي فَمِ الخُطَبَاءِ
لا،
لَيْسَتْ شِعَارًا يُسْتَبَاحُ عَلَى شِفَاهِ الأَدْعِيَاءِ
هِيَ جُرْحُ مِئْذَنَةٍ يُنَادِي فِي دَمِي
وَحِصَانُ رُوحٍ لا تُرَوِّضُهُ الدِّمَاءْ
هِيَ حِينَ أَكْتُبُهَا تَصِيرُ مَلِيحَةَ الأَوْجَاعِ
تَغْسِلُ وَجْهَ أُمَّتِهَا بِدَمْعِ الكِبْرِيَاءْ
وَإِذَا سَأَلْتَ: أَمَا تَعِبْتَ؟
أَجَبْتُ: إِنَّ الحَقَّ لا يَشْكُو المَسِيرَ إِلَى مَدَاكْ
وَالشَّاعِرُ المَفْتُونُ بِالقُدْسِ الَّتِي فِي رُوحِهِ
لا يَسْتَرِيحُ وَلا يَفِرُّ مِنَ الهَلاكْ
عُدْ فَارِسًا؟
أَنَا مَا ذَهَبْتُ لِكَي أَعُودَ
وَمَا ضَنَنْتُ لِكَي أَجُودَ
أَنَا شَاعِرُ القُدْسِ المُعَنَّى مَا أَزَالْ
مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنْ رِجَالْ
مَا زِلْتُ عِنْوَانَ التَّحَدِّي وَالنِّضَالِ
لَنْ يَسْلِبُوا مِنِّي الحُلْمْ
لَنْ يَصْلِبُوا فِيَّ النَّدَمْ
لَنْ يَجْلِبُوا خَيْلِي بِمَدْحٍ أَوْ بِذَمْ
مَا زَالَ هَمِّي فَوْقَ صَهْوَةِ هِمَّتِي
تَعْدُو بِهِ صَوْبَ التُّخُومِ المُوغِلَةْ
وَأُحِسُّ فِي ظَهْرِي السِّهَامَ فَلا أَقِفْ
أَنَا مَا التَفَتُّ إِلَى الوَرَاءِ لِكَي أَصِفْ
فَمَتَى تُصَوَّبُ مِنْ أَمَامْ؟!
هَاتِي الزِّمَامْ!
لأَخُوضَ حَرْبِي مَعَ عَدُوِّ اللهِ مِنْ أَجْلِ السَّلامِ
وَأَرَى البَرَاءَةَ فِي عُيُونِ الطِّفْلِ تُشْرِقُ بِابْتِسَامْ
فَأَمُدُّ كَفِّي حِينَها
وَأَضُمُّ طَرْفِي قَائِلًا:
صِفْ مَا هُنَاكْ!
وَأَرِحْ خُطَاكْ!
