الأدبوحي الخاطر

قبضة من اثر الشوق

فِي خِضَمِّ نَدَمٍ يُعَاتِبُ دَوَائِرَ الأَمْسِ، وَفِي حِضْنِ حُلْمٍ يُدَاعِبُ ضَفَائِرَ الشَّمْسِ، أَرْسُمُ عَلَى جَبِينِ قَصِيدَةٍ عَذَارَى احْتِفَالٍ مِنْ مَلَامِحِ طَيْفِكِ الهَارِبِ مِنْ مَيَاسِمِ الوَرْدِ إِلَى مَوَاسِمِ الشَّهْدِ، وَأُعَلِّقُ فِي أُذُنِ اللَّيْلِ قَلَائِدَ مِنْ هَمْسٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قَبْلَ أَنْ يَشِيبَ فِي الحَنَاجِرِ صَدَاهُ. أَرْسُمُكِ كَمَا يَرْسُمُ الغَرِيبُ عَلَى جِدَارِ مَنْفَاهُ نَافِذَةً تُطِلُّ عَلَى وَطَنٍ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ مِنْهُ إِلَّا رَائِحَةَ التُّرَابِ وَرَجْفَةَ الحَنِينِ؛ فَكُلَّمَا أَتْمَمْتُ خَطًّا مِنْ مَلَامِحِكِ، مَحَاهُ الدَّمْعُ، وَكُلَّمَا رَدَدْتُهُ إِلَى اللَّوْحَةِ، سَرَقَهُ الخَيَالُ لِيُزَيِّنَ بِهِ وَجْهَ الغِيَابِ.

وَأَمْلَأُ مِنْ عُصَارَةِ الحَنِينِ كَأْسَ شَوْقٍ، أَنْثُرُهُ عَلَى وَجْنَةِ القَمَرِ، وَأَحْتَسِيهِ عَلَى حِينِ بَغْتَةٍ مِنْ مَسَاءٍ وَاجِمٍ، يُعْلِنُ النَّفِيرَ إِلَى لَيْلَةِ سُهْدٍ وَانْتِظَارٍ. فَلَا القَمَرُ يَسْتَرُ عُرْيَ الوَحْشَةِ، وَلَا الكَأْسُ يُرْوِي ظَمَأَ السُّؤَالِ، وَلَا المَسَاءُ يَمْضِي كَمَا تَمْضِي سَائِرُ الأَمْسِيَاتِ؛ بَلْ يَتَمَهَّلُ فِي عُرُوقِ الوَقْتِ، كَأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِإِطَالَةِ مَا بَيْنَ نَبْضَةٍ تَنْتَظِرُكِ وَأُخْرَى تَيْأَسُ مِنْ إِيَابِكِ. وَبَيْنَ الرَّشْفَةِ وَالرَّشْفَةِ تَتَنَهَّدُ رِئَةُ المَعْنَى الحَائِرِ عَلَى شَفَةِ السُّؤَالِ السَّاهِرِ، تَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ يَدُلُّ سَبِيلَ الإِيَابِ، وَتَسْتَهْدِي مِنْ رَحِيقِ اليَقِينِ دُرُوبَ الوِصَالِ الَّتِي أُجْفِلَ مِنْ خَلَايَا شَهْدِهَا نَحْلُ الحِوَارِ. وَمَا أَقْسَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَلْبَيْنِ كُلُّ هَذَا العَسَلِ، ثُمَّ تَفِرَّ مِنْ خَلَايَاهِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تُعِيدَ لِلشَّهْدِ طَعْمَهُ، وَلِلزَّهْرِ رَبِيعَهُ، وَلِلرُّوحِ ثِقَتَهَا بِمَا كَانَ.

ثَمَّةَ صَمْتٌ نَاطِقٌ يَعْتَلِي شُرُفَاتِ اللَّهْفَةِ وَالأَنِينِ؛ يَحْتَطِبُ فِي لَيْلِ الوَحْشَةِ ظُنُونَ فَرَقٍ وَأَشْوَاكَ أَرَقٍ، وَيُوقِدُ مِنْ غَضَى الكُثْبَانِ جَمْرَ عَتْبٍ، حَتَّى يُشْرِقَ الفَجْرُ بِدَمْعٍ حَرِيرِيٍّ يَنْسَابُ عَلَى خَدِّ السُّهْدِ فِي رِفْقٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ فِي الصَّدْرِ مَا اسْتَغْرَقَ العُمْرُ كُلَّهُ فِي تَهْدِئَتِهِ. هُوَ صَمْتٌ لَا يَخْلُو مِنَ الكَلَامِ، بَلْ تَزْدَحِمُ فِيهِ أَلْفُ عِبَارَةٍ خَائِفَةٍ، كُلٌّ مِنْهَا تَمُدُّ يَدَهَا إِلَى بَابِ البَوْحِ ثُمَّ تَرْتَدُّ، خَشْيَةَ أَنْ تَفْتَحَ مِنَ الجُرْحِ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِغْلَاقِهِ. وَرُبَّ صَمْتٍ لَمْ يَكُنْ جَفَاءً، بَلْ كَانَ فَضِيلَةَ قَلْبٍ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الكَلِمَاتِ إِذَا خَرَجَتْ فِي سَاعَةِ الغَضَبِ عَاشَتْ أَطْوَلَ مِنَ الغَضَبِ، وَظَلَّتْ تُؤْذِي بَعْدَ أَنْ يَبْرَأَ سَبَبُهَا.

وَإِذَا نَظَرْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ دَهْشَةً مِنْ وُجُومِ الرَّهْبَةِ، تَحْمِلُ تَابُوتَ السَّكِينَةِ عَلَى أَكْتَافِ الجَزَعِ لَوْعَةَ فِرَاقٍ، وَتَمْشِي بِهَا فِي جَنَازَةٍ لَا يَشْهَدُهَا إِلَّا قَلْبَانِ تَفَرَّقَا فِي الظَّاهِرِ، وَظَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا مَدْفُونًا فِي الآخَرِ. وَتَرَى يَدَ الذِّكْرَى تُلْقِي عَلَى بَصَرِ القَلْبِ قَمِيصَ المَوَدَّةِ، لَعَلَّهُ يَرْتَدُّ بَصِيرًا بَعْدَ عَمًى مِنَ التَّأْوِيلِ، وَلَعَلَّ رِيحَ الوُدِّ تَفْعَلُ فِي حُزْنِهِ مَا فَعَلَتْ رِيحُ يُوسُفَ فِي قَلْبِ أَبٍ طَالَ بُكَاؤُهُ حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ.

وَيَعْلَمُ القَلْبُ، بَعْدَ طُولِ مُكَابَدَةٍ، أَنَّ حُوبَ الحُبِّ بَرِيءٌ مِنْ غُرْبَةِ الدَّرْبِ وَحَيْرَةِ اللُّبِّ، وَأَنَّ المَوَدَّةَ لَا تُدَانُ بِجَرِيرَةِ مَا يَصْنَعُهُ الخَوْفُ فِي نُفُوسِ المُحِبِّينَ حِينَ يُعَلِّقُونَ مَآلَ الحِكَايَةِ عَلَى مِقْصَلَةِ سُؤَالٍ، ثُمَّ يَتْرُكُونَ لِلظَّنِّ أَنْ يَكُونَ القَاضِيَ وَالجَلَّادَ وَالشَّاهِدَ الوَحِيدَ.

وَأَنَا هُنَا مُهْجَةٌ تَتَلَظَّى بِمَا يُسَجِّرُ النَّبْضَ مِنْ حَنِينٍ وَأَنِينٍ، وَتُصَافِحُ أَكُفَّ الوَرْدِ النَّاضِحِ وَالوُدِّ الوَاضِحِ فِي أَفَانِينِ بُسْتَانٍ لَا يَزَالُ فِي عَيْنَيَّ أَخْضَرَ يَانِعًا، وَإِنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مَوَاسِمُ الجَفَافِ، وَعَبَرَتْ فِي مَمَرَّاتِهِ رِيَاحٌ كَانَتْ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنْثُرُ الوَرَقَ، وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَقْتَلِعُ الجُذُورَ. وَإِنَّ نَايَ العِطْرِ لَا يَزَالُ بِالغَرَامِ الصِّرْفِ يَصْدَحُ، وَنَهْرَ الغَيْمِ بِالوِئَامِ المُسْتَكِينِ يُغَنِّي؛ كَأَنَّمَا الحَدِيقَةُ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ أَنَّكِ رَحَلْتِ، وَكَأَنَّ الزَّهْرَ يَظَلُّ يَفْتَحُ نَوَافِذَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، انْتِظَارًا لِخُطْوَةٍ حَفِظَ تُرَابُ المَمَرِّ إِيقَاعَهَا، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ كَيْفَ يَنْسَاهَا.

مُشْرِقٌ بِالبَهَاءِ حُضُورُكِ، وَمُورِقٌ بِالحَيَاءِ أَثِيرُكِ. نَلْتَقِي عَلَى ضِفَّةِ البَوْحِ الحَالِمِ، نُمَارِسُ فِي مِحْرَابِ الشَّوْقِ طُقُوسَ الرَّحِيلِ إِلَى مَوَاسِمِ الدِّفْءِ؛ إِلَى عُشٍّ تُغَرِّدُ فِيهِ تَرَاتِيلَ اللِّقَاءِ قُلُوبٌ لَا تَعْرِفُ مُرُوجُهَا إِلَّا سَنَابِلَ وَأَزَاهِيرَ، وَلَا يَعْبُرُ سَمَاءَهَا طَائِرٌ إِلَّا وَحَمَلَ فِي جَنَاحَيْهِ بُشْرَى، وَفِي مِنْقَارِهِ غُصْنًا مِنْ سَلَامٍ. وَقَلْبُكِ، يَا حَبِيبَةُ، أُقْحُوَانُ فِرْدَوْسٍ يَقَقٌ؛ لَا يُفْتَحُ لِكُلِّ عَابِرٍ، وَلَا يَبْذُلُ عِطْرَهُ لِكُلِّ رِيحٍ، بَلْ يَحْفَظُ فِي بَيَاضِهِ سِرَّ النَّقَاءِ، وَفِي وَسَطِهِ الذَّهَبِيِّ دِفْءَ الحَنَانِ، وَفِي جُذُورِهِ عَهْدًا لَا تَنْقُضُهُ مَوَاسِمُ البُعْدِ، وَلَا تُبْلِيهِ عَوَادِي السِّنِينَ. وَلَا تَبْرَحُ نِيَاطُ قَلْبِي المُعَلَّقَةُ بَيْنَ السَّحَابِ وَالسَّرَابِ تَمْتَدُّ فِي جُيُوبِ الغَيْبِ، تَذْرَأُ رُوحِي فِي مَدَارِكِ، وَتَكْلَأُ خَفْقِي فِي انْتِظَارِكِ. فَإِنْ لَاحَتْ غَمَامَةٌ ظَنَنْتُهَا رَسُولَكِ، وَإِنْ لَمَعَ فِي الأُفُقِ سَرَابٌ قُلْتُ: لَعَلَّهُ طَرِيقٌ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَصِيرُ مَاءً، وَلَعَلَّ الخَيَالَ الَّذِي خَدَعَ العَيْنَ طَوِيلًا يَصْدُقُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَرُدُّكِ إِلَيَّ.

أَحْلَامُنَا، أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ، نَافِذَةٌ بَيْضَاءُ تُطِلُّ مِنْ رِبْقَةِ أَمْسِنَا الغَابِرِ عَلَى ضِفَّةِ غَدِنَا الزَّاهِرِ، تُلَمْلِمُ مَا بَعْثَرَتْهُ أَنَامِلُ الزَّمَنِ فِي طِينِ الغُرْبَةِ مِنْ تَبَارِيحِ الفُصُولِ، وَتَغْسِلُ مَا عَلِقَ بِمَلَامِحِ الذِّكْرَى مِنْ غُبَارِ العَتَبِ، ثُمَّ تَنْشُرُهَا عَلَى حَبْلِ الرَّجَاءِ لِتَجِفَّ فِي نَسِيمِ المُصَالَحَةِ. وَمَا أَحْلَامُنَا بِهَرَبٍ مِنَ الحَيَاةِ، بَلْ هِيَ مَخْزَنُ مَا عَجَزَتِ الحَيَاةُ عَنْ تَحْقِيقِهِ فِي أَوَانِهِ، وَمَشْتَلُ مَا تَأَخَّرَ مِنْ بُذُورِ الفَرَحِ عَنْ مَوْسِمِهِ. فَرُبَّ حُلْمٍ تَأَخَّرَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ مَاتَ، وَمَا كَانَ إِلَّا يَمُدُّ جُذُورَهُ فِي الظُّلْمَةِ، اسْتِعْدَادًا لِوِلَادَةٍ أَكْثَرَ خُضْرَةً وَأَشَدَّ ثَبَاتًا.

وَحِينَ تُبْكِينَ قَلْبِي وَتَبْكِينَ قَبْلِي، تَتَضَاءَلُ فِي عَيْنِ المَعَانِي فَصَاحَةُ الأَمَلِ، وَتَتَعَاظَمُ فِي كَوْنِ الأَمَانِي عُجْمَةُ الأَلَمِ. كَأَنَّ صَخْرَ الصَّبْرِ قَدِ انْبَجَسَ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، لَا تَصُبُّ مَاءً، بَلْ تَسْقِينِي مِنْ صَابِ الوَصَبِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ كَأْسًا؛ فَلَا أَكَادُ أَصْحُو مِنْ عَذَابِ الوَجْدِ حَتَّى يُثْمِلَنِي رُهَابُ الفَقْدِ وَشُعُورُ الرُّوحِ بِأَنَّ بَعْضَهَا يُنْتَزَعُ مِنْهَا عَلَى مَهَلٍ. وَمَا أَشَدَّ دَمْعَةَ الحَبِيبِ حِينَ تَكُونُ أَشَدَّ إِيلَامًا مِنْ جُرْحِهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَعْرِفُ عِنْدَهَا أَتَمُدُّ يَدَكَ لِتَمْسَحَ الدَّمْعَ، أَمْ تَخْفِي يَدَكَ خَجَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي اسْتَدْعَتْهُ. وَتَقِفُ بَيْنَ رَغْبَةِ العِتَابِ وَهَيْبَةِ الحَنَانِ، كَمَنْ يَحْمِلُ فِي يَدٍ وَرْدَةً، وَفِي الأُخْرَى شَوْكَتَهَا، وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا يُقَدِّمُ أَوَّلًا.

وَلَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَصْدَقَ الحُبِّ وَأَعْظَمَهُ مَا وَقَرَ فِي قَلْبِ أُمٍّ رَؤُومٍ، حَتَّى الْتَقَيْتُكِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ لِلْعِشْقِ الصَّادِقِ رَأْفَةً مِنْ جِنْسٍ آخَرَ؛ لَا تُزَاحِمُ رَحْمَةَ الأُمُومَةِ، وَلَا تَدَّعِي فَوْقَهَا مَقَامًا، وَلَكِنَّهَا تَسْتَعِيرُ مِنْ حَنَانِهَا قُدْرَةَ الاحْتِوَاءِ، وَمِنْ وَفَائِهَا صَبْرَ البَقَاءِ، وَمِنْ خَوْفِهَا عَلَى مَنْ تُحِبُّ تِلْكَ الرِّعْشَةَ الَّتِي تَجْعَلُ القَلْبَ يَسْهَرُ لِيَنَامَ حَبِيبُهُ آمِنًا. وَعَلِمْتُ أَنَّ عَنَاقِيدَ كَرْمَةِ قَلْبِكِ أَكْرَمُ وَأَطْيَبُ مِمَّا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ القُلُوبَ تَقْدِرُ عَلَى إِنْبَاتِهِ؛ فَفِي كُلِّ عُنْقُودٍ حَبَّةٌ مِنْ صَبْرٍ، وَأُخْرَى مِنْ وَفَاءٍ، وَثَالِثَةٌ مِنْ خَوْفٍ جَمِيلٍ عَلَى مَنْ أَحْبَبْتِ، وَفِي عَصِيرِهَا سُلَافَةُ حَنَانٍ إِذَا ذَاقَهَا المُتْعَبُ نَسِيَ بَعْضَ مَا أَثْقَلَ رُوحَهُ مِنَ الطَّرِيقِ.

وَإِنَّ رَحِيلَكِ، يَا حَبَّةَ القَلْبِ، قَدْ عَلَّمَ الزَّهْرَ الذُّبُولَ، وَأَلْهَمَ البَدْرَ الأُفُولَ، وَنَثَرَنِي شَوْكًا فِي عَيْنِ الذُّهُولِ. فَصَارَ كُلُّ مَا حَوْلِي يَحْمِلُ مِنْ غِيَابِكِ شَيْئًا؛ فِي المِقْعَدِ الخَالِي هَيْئَةُ انْتِظَارِكِ، وَفِي الكَأْسِ الَّتِي لَمْ تُمْسَسْ بَقِيَّةُ رَشْفَةٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَكِ، وَفِي السِّتَارَةِ حَرَكَةُ يَدٍ تَوَهَّمَتْ أَنَّكِ مَرَرْتِ فَارْتَجَفَتْ. وَلَا يَكَادُ يُوقِظُنِي مِنِّي إِلَّا أَسَارِيرُ طَيْفٍ يُهَدْهِدُ مَا جَاسَ خِلَالَ الصَّدْرِ مِنْ جُيُوشِ الوَحْشَةِ، وَيَعْزِفُ نَزْفِيَ المَكْبُوتَ بِتَرَانِيمِ النَّغَمِ السَّادِرِ عَلَى مَسْرَحِ الأُمْنِيَاتِ. يَأْتِي الطَّيْفُ لَا لِيَرُدَّكِ إِلَيَّ، بَلْ لِيُؤَجِّلَ انْهِيَارَ المَسَافَةِ فِي قَلْبِي، وَلِيَقُولَ لِي إِنَّ الغَائِبَ الَّذِي يَسْكُنُ الذِّكْرَى لَا يَغِيبُ كُلِّيًّا، وَإِنْ كَانَ حُضُورُهُ أَشَدَّ أَلَمًا مِنْ غِيَابِهِ.

وَهَا أَنَا، بِأَنَامِلِ الضَّرَعِ الأَبِيِّ وَرِيشَةِ الوَجَعِ النَّبِيلِ، أُلَوِّنُ جُلَّنَارَ الوَفَاءِ لَوْحَةً مِنْ مَعَانِيكِ الجَمِيلَةِ، وَأَنْدَسُّ فِي ظِلِّي، أَمْتَطِي مَتْنَ العَذْلِ، وَأَرْتَدِي ثَوْبَ الوَصْلِ بَيْنِي وَبَيْنِي، انْتِظَارًا لِأُنْثَى الغَيْمِ وَوَعْدِ السَّمَاءِ. أَنْتَظِرُهَا كَمَا تَنْتَظِرُ الأَرْضُ مَطَرًا لَا يَكْفِيهَا مِنْهُ أَنْ يَبُلَّ تُرَابَهَا، بَلْ تُرِيدُهُ أَنْ يَصِلَ إِلَى جُذُورِهَا القَدِيمَةِ، وَيُقْنِعَهَا أَنَّ مَا مَاتَ فِي ظَاهِرِهَا لَمْ يَمُتْ فِي الأَعْمَاقِ. فَإِنَّ فِي اقْتِرَابِكِ تَتَنَفَّسُ مَسَافَاتُ الضِّيَاءِ، وَتَتَحَدَّثُ شِفَاهُ اللُّغَةِ بِأَحْرُفٍ مِنْ صَفَاءٍ وَمَعَانٍ مِنْ نَقَاءٍ؛ وَتَسْتَعِيدُ الأَشْيَاءُ أَسْمَاءَهَا بَعْدَ أَنْ بَدَّلَهَا الحُزْنُ، فَيَصِيرُ البَابُ مَوْعِدًا، وَالنَّافِذَةُ أُفُقًا، وَالمَسَاءُ مَقْدِمَةً لِحَدِيثٍ لَا يَنْقَضِي. وَإِنَّ فِي غِيَابِكِ تَتَثَاءَبُ سَلَاحِفُ الوَقْتِ فِي طُرُقَاتِ السَّاعَاتِ، وَتَتَوَاثَبُ عَقَارِبُ الصَّمْتِ، تَلْدَغُ كُلَّ هُنَيْهَةٍ بِلَوْعَةِ الوَجْدِ وَلَهْفَةِ الحِرْمَانِ. فَيَمْشِي النَّهَارُ عَلَى عُكَّازِهِ، وَيَجُرُّ اللَّيْلُ خَلْفَهُ سِلْسِلَةً مِنَ السَّهَرِ، وَتَظَلُّ العَقَارِبُ تَدُورُ عَلَى وَجْهِ السَّاعَةِ، وَلَا يَتَقَدَّمُ فِي القَلْبِ شَيْءٌ.

وَأَنَا هُنَا لَا أُغَادِرُ؛ أَتَحَسَّسُ خَدَّ قَطْرَةِ نَدًى عَلَى وَجْنَةِ وَرْدَةِ أَمَلٍ بِلِقَاءٍ، وَأُصْغِي إِلَى خَفَقَانِهَا الصَّغِيرِ كَأَنَّهُ صَوْتُ قَافِلَةٍ تَعُودُ مِنْ أَقْصَى الغِيَابِ. لَا أُغَادِرُ، لَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ أُغْلِقَ خَلْفِي، بَلْ لِأَنَّ الوَفَاءَ أَقَامَ فِي هَذَا المَوْضِعِ خَيْمَتَهُ، وَقَالَ لِلرُّوحِ: هُنَا كَانَ لَكِ عَهْدٌ، وَالعُهُودُ النَّبِيلَةُ لَا تُرْفَعُ خِيَامُهَا عِنْدَ أَوَّلِ رِيحٍ.

وَهَذِهِ مُهْجَتِي لَا تَنْفَكُّ تَبْحَثُ فِي خُطَى الدَّرْبِ، فَلَا تَجِدُ إِلَّا قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الشَّوْقِ السَّابِحِ فِي تِيهِ مَعَالِمِكِ الأَثِيرَةِ. تَقْبِضُ عَلَيْهَا فَتَفْلِتُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهَا كَرَمْلٍ حَفِظَ دِفْءَ خُطْوَةٍ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ صَاحِبَتِهَا، وَتَضُمُّهَا إِلَى صَدْرِهَا فَلَا تَجِدُ فِيهَا جَسَدًا، بَلْ رَائِحَةَ عُبُورٍ وَصَدَى ابْتِعَادٍ. قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الشَّوْقِ تُنَاجِيكِ بِأُغْنِيَاتِ الغَزَلِ، وَتُسْرِجُ فِي خَاطِرِ وَحْدَتِي قِنْدِيلَ الأَمَلِ، وَتَصْهَرُ زِينَةَ العِشْقِ الحَالِمِ لِتَصُوغَ مِنْهَا خَاتَمَ عَهْدٍ أُقِيمُ بِهِ فِي مِحْرَابِ الفُؤَادِ عَلَى وَفَاءِ وَاحِدٍ، لَا تَتَنَازَعُهُ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَكْسِرُهُ مَطَارِقُ الغِيَابِ.

وَمَا بَقِيَ لِي مِنْكِ قَلِيلًا؛ فَالأَثَرُ الَّذِي يَبْقَى مِنَ الحَبِيبِ لَا يُقَاسُ بِمَا تَحْمِلُهُ اليَدُ، بَلْ بِمَا يَسْتَوْطِنُ الرُّوحَ. وَرُبَّ قَبْضَةٍ مِنْ تُرَابِ وَطَنٍ كَانَتْ فِي قَلْبِ الغَرِيبِ أَوْسَعَ مِنْ بِلَادٍ، وَرُبَّ خَيْطٍ مِنْ عِطْرِ مَنْ نُحِبُّ كَانَ أَشَدَّ حُضُورًا مِنْ أَلْفِ جَسَدٍ يَمُرُّ بِنَا وَلَا يَمَسُّ فِينَا شَيْئًا.

فَحَسْبِي أَنَّ لِي مِنْكِ هَذِهِ القَبْضَةَ؛ أَفْتَحُهَا فِي لَيَالِي الوَحْشَةِ، فَتَنْبَثِقُ مِنْهَا حَدَائِقُ الذِّكْرَى، وَأَضُمُّهَا عِنْدَ اشْتِدَادِ البَرْدِ، فَيَتَسَلَّلُ مِنْهَا دِفْءُ يَدَيْكِ، وَأَرْفَعُهَا إِلَى وَجْهِي فَأَشُمُّ فِيهَا رَائِحَةَ طَرِيقٍ مَرَرْنَا بِهِ مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَصِيرُ يَوْمًا مَزَارًا لِلْحَنِينِ. وَسَأَبْقَى هُنَا، أُصْغِي إِلَى تِلْكَ القَبْضَةِ وَهِيَ تَرْوِي لِي سِيرَةَ خُطَاكِ، وَأُرَبِّي فِي تُرَابِهَا بَذْرَةَ اللِّقَاءِ؛ فَلَعَلَّ مَا بَقِيَ مِنْ أَثَرِكِ يَعْرِفُ يَوْمًا كَيْفَ يَصِيرُ طَرِيقًا إِلَيْكِ، وَلَعَلَّ الشَّوْقَ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْ مِنْكِ إِلَّا قَبْضَةً، يُعِيدُكِ إِلَى القَلْبِ وَطَنًا كَامِلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى