الأيام التي لا تمضي
فِي أَعْمَاقِ كُلِّ إِنْسَانٍ سَاعَةٌ لَا تَعْمَلُ بِالعَقَارِبِ، وَلَا تَأْتَمِرُ بِتَعَاقُبِ الأَصْبَاحِ وَالأَمْسَاءِ؛ سَاعَةٌ تُدِيرُهَا الذَّاكِرَةُ، فَتُسْرِعُ حِينَ نَسْتَبْطِئُ الفَرَحَ خَوْفَ انْقِضَائِهِ، وَتَتَوَقَّفُ حِينَ نَسْتَعْجِلُ الحُزْنَ رَجَاءَ انْجِلَائِهِ. لَهَا عَقَارِبُ مِنْ حَنِينٍ، وَمِينَاءٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَجَرَسٌ لَا يُسْمَعُ فِي الأُذُنِ، بَلْ يَدُقُّ فِي أَعْمَقِ مَوْضِعٍ مِنَ الرُّوحِ كُلَّمَا مَرَّتْ رَائِحَةٌ تَعْرِفُنَا، أَوْ عَبَرَ صَوْتٌ يَحْمِلُ مِنْ نَبْرَةِ المَاضِي بَقِيَّةً، أَوْ لَاحَ فِي جِدَارِ الحَاضِرِ ظِلٌّ يُشْبِهُ مَا فَقَدْنَا. وَفِي جَوْفِ تِلْكَ السَّاعَةِ تَقِيمُ أَيَّامٌ قَدِيمَةٌ، لَا تَهْرَمُ وَإِنْ هَرِمْنَا، وَلَا تَنْقَضِي وَإِنْ انْقَضَيْنَا عَنْ أَمَاكِنِهَا؛ كَأَنَّ الزَّمَنَ أَسْقَطَهَا مِنْ حِسَابِهِ، فَالْتَقَطَتْهَا الذَّاكِرَةُ، وَأَوْدَعَتْهَا خَزَائِنَ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا يَدُ الفَنَاءِ. مَضَتْ مِنَ التَّقْوِيمِ وَلَمْ تَمْضِ مِنَ التَّقْوِيمِ الدَّاخِلِيِّ؛ تَغَيَّرَ تَارِيخُهَا عَلَى الوَرَقِ، وَبَقِيَ تَأْثِيرُهَا فِي الوَتَرِ الَّذِي شَدَّتْهُ فِينَا، فَمَا زَالَ يَرْتَعِشُ كُلَّمَا مَسَّهُ طَيْفٌ مِنْ شَبَهٍ بَعِيدٍ.
ثَمَّةَ أَيَّامٌ نَعْبُرُهَا، وَثَمَّةَ أَيَّامٌ تَعْبُرُنَا؛ أَيَّامٌ نَطْوِيهَا فِي دَفَاتِرِ العُمْرِ، وَأَيَّامٌ تَطْوِينَا فِي دَفَاتِرِهَا. الأُولَى تَذْهَبُ إِلَى المَاضِي كَمَا تَذْهَبُ المِيَاهُ إِلَى مَصَبَّاتِهَا، فَلَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا رَطُوبَةٌ عَابِرَةٌ عَلَى ضِفَافِ التَّذَكُّرِ؛ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَتَحْفِرُ لَهَا فِي دَوَاخِلِنَا مَجْرًى، وَتَظَلُّ تَسِيلُ فِيهِ، وَإِنْ جَفَّتْ حَوْلَنَا الأَنْهَارُ، وَتَبَدَّلَتِ الضِّفَافُ، وَضَلَّ المَاءُ طَرِيقَهُ إِلَى البَحْرِ. نَحْسَبُ أَنَّنَا وَدَّعْنَا تِلْكَ الأَيَّامَ عِنْدَ آخِرِ مَسَاءٍ، وَأَغْلَقْنَا البَابَ بَعْدَهَا إِغْلَاقَ مَنْ أَحْكَمَ خِتَامَ الحِكَايَةِ، ثُمَّ نَكْتَشِفُ، بَعْدَ أَعْوَامٍ، أَنَّ البَابَ لَمْ يُغْلَقْ إِلَّا مِنْ جِهَةِ المَكَانِ؛ أَمَّا مِنْ جِهَةِ الرُّوحِ فَقَدْ ظَلَّ مُوَارَبًا، يَتَسَلَّلُ مِنْ شَقِّهِ نَسِيمٌ قَدِيمٌ، وَتَنْسَابُ مِنْهُ أَصْوَاتٌ ظَنَنَّا أَنَّ الصَّمْتَ قَدِ ابْتَلَعَهَا. وَمَا كُنَّا نَحْمِلُ الذِّكْرَى فَقَطْ؛ كَانَتْ هِيَ أَيْضًا تَحْمِلُنَا، وَتَقُودُ بَعْضَ خُطَانَا مِنْ مَكَانٍ خَفِيٍّ لَا نُحْسِنُ الإِشَارَةَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ لِلذِّكْرَيَاتِ طَرِيقَةً عَجِيبَةً فِي الإِقَامَةِ؛ لَا تَسْتَأْذِنُ حِينَ تَعُودُ، لِأَنَّهَا لَمْ تَرْحَلْ حَقًّا، وَلَا تَطْرُقُ بَابَ الوَعْيِ، لِأَنَّ لَهَا فِي الجِدَارِ مَفَاتِيحَ خَفِيَّةً. تَتَسَلَّلُ مِنْ رَائِحَةِ ثَوْبٍ، أَوْ خَشْخَشَةِ وَرَقَةٍ، أَوْ صَرِيرِ دَرَجٍ، أَوْ نَبْرَةٍ عَابِرَةٍ فِي صَوْتِ غَرِيبٍ؛ فَإِذَا بِرِوَاقٍ كُنَّا نَظُنُّهُ قَدِ انْهَدَمَ يَنْتَصِبُ فِي القَلْبِ، وَإِذَا بِالغُرَفِ العَتِيقَةِ تُضِيءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَبِالغَائِبِينَ يَجْلِسُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، عَلَى الهَيْئَةِ الَّتِي تَرَكْنَاهُمْ عَلَيْهَا، كَأَنَّ المَوْتَ أَوِ البُعْدَ لَمْ يَكُنْ سِوَى سِتَارٍ أَسْدَلَهُ الوَقْتُ ثُمَّ نَسِيَ أَنْ يُحْكِمَهُ.
وَيَعُودُ صَوْتُنَا الأَوَّلُ إِلَيْنَا، طَرِيًّا قَلِيلَ الخِبْرَةِ، قَبْلَ أَنْ تُثْقِلَهُ الطُّرُقُ وَتُعَلِّمَهُ الخَسَارَاتُ كَيْفَ يَخْفِضُ نَبْرَتَهُ. نَسْمَعُ فِي ضَحِكَتِنَا القَدِيمَةِ مَنْ كُنَّا قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الحَذَرَ، وَنَرَى فِي مَرَايَا الذِّكْرَى وَجْهًا لَنَا لَمْ تَمَسَّهُ بَعْدُ أَصَابِعُ التَّجْرِبَةِ. وَنُدْرِكُ أَنَّ بَعْضَ مَا نَحِنُّ إِلَيْهِ لَيْسَ مَكَانًا وَلَا شَخْصًا، بَلْ ذَاتُنَا الَّتِي كُنَّاهَا فِي حَضْرَةِ ذَلِكَ المَكَانِ وَذَلِكَ الشَّخْصِ. فَالذَّاكِرَةُ لَا تَحْفَظُ الأَيَّامَ كَمَا تَحْفَظُ الخَزَائِنُ وَثَائِقَهَا، وَلَا تَرُصُّهَا فِي رُفُوفٍ حَسَبَ تَوَارِيخِهَا؛ إِنَّهَا عَطَّارَةٌ غَرِيبَةٌ، تَسْتَخْلِصُ مِنْ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ قَطْرَةً، ثُمَّ تَضَعُهَا فِي قَارُورَةٍ صَغِيرَةٍ، فَإِذَا فُتِحَتْ بَعْدَ عُقُودٍ فَاحَ مِنْهَا عُمْرٌ بِأَكْمَلِهِ. وَهِيَ نَحَّاتَةٌ صَبُورَةٌ تَتْرُكُ الجَبَلَ وَتَحْفَظُ نَقْشًا عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّقْشَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي مَسَّ جَوْهَرَنَا.
قَدْ نَنْسَى الوَجْهَ، وَنَحْفَظُ السَّكِينَةَ الَّتِي كَانَ يَبْسُطُهَا فِي صَدْرِنَا. وَقَدْ يَضِيعُ مِنَّا نَصُّ الحَدِيثِ، وَيَبْقَى فِي القَلْبِ وَزْنُهُ. وَقَدْ تَتَلَاشَى مَلَامِحُ المَكَانِ، ثُمَّ تَكْفِي رَائِحَةُ خَشَبٍ عَتِيقٍ، أَوْ خَيْطٌ مِنْ بُخُورٍ، أَوْ خَشْخَشَةُ مِفْتَاحٍ، لِيَنْهَضَ المَشْهَدُ كَامِلًا مِنْ رَقَادِهِ، وَيَنْفُضَ عَنْ كَتِفَيْهِ غُبَارَ السِّنِينَ، وَيَقِفَ أَمَامَنَا فَتِيًّا كَأَنَّهُ لَمْ يَغِبْ إِلَّا لِيُبَدِّلَ ثِيَابَهُ. لَيْسَ الزَّمَنُ الَّذِي نَحْيَاهُ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي تُحْصِيهِ السَّاعَاتُ وَتَحْرُسُهُ التَّقَاوِيمُ. فَلِلنَّفْسِ زَمَنٌ يُمَطِّطُ اللَّحْظَةَ حَتَّى تَصِيرَ دَهْرًا، وَيَطْوِي الدَّهْرَ حَتَّى يَصِيرَ لَمْحَةً. سَاعَةُ فَرَحٍ قَدْ تَمُرُّ كَرَشْفَةِ مَاءٍ عَلَى شَفَةِ ظَمْآنَ، وَلَحْظَةُ فِرَاقٍ قَدْ تَتَّسِعُ حَتَّى تَسْكُنَهَا أَعْوَامٌ مِنَ الوَحْشَةِ. فَالسَّاعَةُ فِي المِعْصَمِ تَعُدُّ مَا يَمْضِي، أَمَّا السَّاعَةُ فِي القَلْبِ فَتَعُدُّ مَا يَبْقَى.
وَلِلنَّفْسِ تَقْوِيمٌ لَا تَعْرِفُهُ الجُدْرَانُ، وَفُصُولٌ لَا تَتَّفِقُ مَعَ فُصُولِ الأَرْضِ؛ قَدْ يَكُونُ الخَارِجُ رَبِيعًا، وَفِي الدَّاخِلِ شَجَرَةٌ تُوَاصِلُ خَرِيفَهَا، تُسْقِطُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَرَقَةً مِنْ أَمَانِهَا. وَقَدْ يَكُونُ العَالَمُ غَارِقًا فِي بَرْدِهِ، وَفِي الرُّوحِ يَدٌ قَدِيمَةٌ لَا تَزَالُ دَافِئَةً، تَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهَا وَحْشَةَ الشِّتَاءِ. وَرُبَّ يَوْمٍ جَاءَ فِي تَشْرِينِ التَّقْوِيمِ، وَكَانَ فِي القَلْبِ نَيْسَانًا؛ وَرُبَّ صَبَاحٍ أَشْرَقَ فِي السَّمَاءِ، وَظَلَّ فِي النَّفْسِ مَسَاءً لَا يَنْجَلِي. وَإِنَّ اللَّحْظَاتَ لَا تَخْلُدُ لِطُولِهَا، بَلْ لِشِدَّةِ مَا كُنَّا فِيهَا، وَلِعُمْقِ مَا كَانَتْهُ فِينَا. قَدْ يَمْضِي يَوْمٌ كَامِلٌ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ عَلَى جِدَارِ الرُّوحِ خَدْشًا، ثُمَّ تَأْتِي لَحْظَةٌ صَغِيرَةٌ، لَا يَرَاهَا أَحَدٌ جَدِيرَةً بِالبَقَاءِ، فَتَغْرِسُ فِي أَعْمَقِ مَوْضِعٍ مِنَّا جَذْرًا لَا تَقْلَعُهُ السِّنُونُ.
نَظْرَةٌ تَأَخَّرَتْ قَلِيلًا، وَيَدٌ ارْتَجَفَتْ وَهِيَ تُوَدِّعُ، وَضَحْكَةٌ جَاءَتْ فِي سَاعَةٍ كَانَ الحُزْنُ يَظُنُّ أَنَّهُ امْتَلَكَ المَكَانَ، وَصَمْتٌ فَهِمْنَا فِيهِ مَا أَخْفَقَتْ فِيهِ اللُّغَةُ؛ هَذِهِ الهَنَاتُ الصَّغِيرَةُ هِيَ الَّتِي تَعْصِي عَلَى الفَنَاءِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَمُرَّ فَوْقَ الرُّوحِ، بَلْ مَرَّتْ مِنْ خِلَالِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ سَطْحَ القَلْبِ، بَلْ وَصَلَتْ إِلَى شِغَافِهِ. هَكَذَا تُولَدُ اللَّحْظَاتُ الخَالِدَةُ؛ لَا لِأَنَّ العَالَمَ تَوَقَّفَ فِيهَا، بَلْ لِأَنَّ شَيْئًا مِنَّا تَوَقَّفَ عِنْدَهَا. نَمْضِي بَعْدَهَا، وَيَبْقَى هُوَ هُنَاكَ، يَحْرُسُ المَشْهَدَ مِنَ النِّسْيَانِ، وَيُبْقِي فِي آخِرِ المَمَرِّ قِنْدِيلًا لَا يَنْطَفِئُ. نَكْبَرُ وَهِيَ لَا تَكْبَرُ، وَيَغْزُو الشَّيْبُ رُؤُوسَنَا، وَتَظَلُّ هِيَ فِي عُمْرِهَا الأَوَّلِ، طَرِيَّةَ الصَّوْتِ، حَادَّةَ العِطْرِ، تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ رُكَامِ الأَعْوَامِ بِثِيَابِهَا القَدِيمَةِ، لَا تَحْمِلُ مِنْ أَثَرِ الزَّمَنِ شَيْئًا، لأَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ أَثَرَهَا إِلَيْهِ.
وَالتَّجَارِبُ العَمِيقَةُ لَا تَنْتَهِي حِينَ تَنْتَهِي وَقَائِعُهَا؛ إِنَّهَا تَتَوَارَى عَنِ العَيْنِ، ثُمَّ تَبْدَأُ عَمَلَهَا الحَقِيقِيَّ فِي الأَعْمَاقِ. تَدْخُلُنَا حَدَثًا، وَتَخْرُجُ مِنَّا خُلُقًا وَبَصِيرَةً وَحَذَرًا. كُلُّ خَيْبَةٍ صَادِقَةٍ تُعِيدُ نَحْتَ مَعْنَى الثِّقَةِ فِينَا، وَكُلُّ حُبٍّ عَمِيقٍ يَتْرُكُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُهَا بَعْدَهُ نَبْرَةً لَمْ تَكُنْ فِيهَا، وَكُلُّ فَقْدٍ كَبِيرٍ يَبْنِي فِي القَلْبِ مِقْيَاسًا جَدِيدًا، فَلَا تَعُودُ الأَشْيَاءُ بَعْدَهُ كَبِيرَةً لأَنَّهَا كَبِيرَةٌ، بَلْ لأَنَّهَا تَمَسُّ فِيهِ مَوْضِعَ الغَائِبِ. بَعْضُ التَّجَارِبِ لَا تَمُرُّ بِنَا؛ إِنَّهُ تَمُرُّ فِينَا، وَتَكْتُبُ عَلَى جُدْرَانِنَا حِبْرًا لَا يَمْحُوهُ طَلَاءُ الأَيَّامِ. وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّ الجُرْحَ الَّذِي شَقَّنَا يَوْمًا قَدْ يُصْبِحُ هُوَ نَفْسُهُ شَقًّا يَدْخُلُ مِنْهُ الفَهْمُ؛ فَنَخْرُجُ مِنَ الخَسَارَةِ أَقَلَّ اغْتِرَارًا بِالثَّبَاتِ، وَأَكْثَرَ رِفْقًا بِالمُنْكَسِرِينَ، وَأَشَدَّ انْتِبَاهًا لِلحُرُوبِ الَّتِي تَسْكُنُ خَلْفَ الوُجُوهِ الهَادِئَةِ.
وَنَحْنُ لَا نَدْخُلُ الحَاضِرَ خَالِينَ؛ نَدْخُلُهُ بِقَافِلَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الأَصْوَاتِ وَالوُجُوهِ وَالمَوَاقِفِ. تَجْلِسُ طُفُولَتُنَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْ كُلِّ قَرَارٍ نَتَّخِذُهُ، وَتَمُدُّ خَسَارَاتُنَا القَدِيمَةُ يَدًا خَفِيَّةً إِلَى مَا نَخْشَاهُ اليَوْمَ، وَتَمْشِي أَفْرَاحُنَا البَعِيدَةُ فِي خُطَانَا كُلَّمَا أَغْرَانَا اليَأْسُ بِالقُعُودِ. حَتَّى مَا نُسَمِّيهِ نِسْيَانًا لَيْسَ فَرَاغًا؛ إِنَّهُ ذَاكِرَةٌ أَغْلَقَتْ بَابَهَا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تُسَلِّمِ المِفْتَاحَ. فَالحَاضِرُ لَيْسَ صَفْحَةً بَيْضَاءَ، بَلْ مَخْطُوطَةٌ كُتِبَتْ فَوْقَ مَخْطُوطَةٍ أَقْدَمَ؛ وَمَهْمَا غَلُظَ الحِبْرُ الجَدِيدُ، تَظَلُّ بَعْضُ الحُرُوفِ الأُولَى تَظْهَرُ مِنْ تَحْتِهِ، تَشُدُّ المَعْنَى إِلَى جُذُورِهِ. نَفْتَحُ بَابًا جَدِيدًا بِمِفْتَاحٍ صَنَعَتْهُ تَجْرِبَةٌ قَدِيمَةٌ، وَنَرْتَابُ مِنْ طَرِيقٍ آمِنٍ لأَنَّ طَرِيقًا يُشْبِهُهُ خَذَلَنَا يَوْمًا، وَنَطْمَئِنُّ إِلَى وَجْهٍ غَرِيبٍ لأَنَّ فِي مَلَامِحِهِ ظِلًّا مِنْ وَجْهٍ كَانَ لَنَا فِيهِ مَأْمَنٌ.
وَلِهَذَا نَفْزَعُ أَحْيَانًا مِنْ أَشْيَاءَ لَا تَسْتَحِقُّ الفَزَعَ؛ لأَنَّنَا لَا نَرَاهَا وَحْدَهَا، بَلْ نَرَى خَلْفَهَا جَيْشَ مَا سَبَقَهَا. وَنَفْرَحُ بِأَشْيَاءَ ضَئِيلَةٍ؛ لأَنَّهَا تَرُدُّ إِلَيْنَا شَيْئًا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الحَيَاةَ أَخَذَتْهُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ. فَالمَاضِي لَا يَقِفُ خَلْفَنَا كَمَا تَقِفُ المَدِينَةُ بَعْدَ مُغَادَرَتِهَا؛ إِنَّهُ يَسِيرُ فِي طَرِيقَتِنَا فِي الحُبِّ، وَفِي خَوْفِنَا مِنَ الفَقْدِ، وَفِي احْتِرَاسِنَا مِنَ الوُعُودِ، وَفِي رِفْقِنَا بِمَنْ نَعْرِفُ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمْسًا ثَقِيلًا. غَيْرَ أَنَّ بَقَاءَ الأَيَّامِ فِينَا لَا يَعْنِي أَنْ نُبْقِيَ أَنْفُسَنَا فِيهَا. فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ نَحْمِلَ الذِّكْرَى، وَأَنْ تَحْمِلَنَا هِيَ حَيْثُ تَشَاءُ؛ وَبَيْنَ أَنْ نَسْكُنَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ يَسْكُنَ البَيْتُ كُلُّهُ فِي جُرْحٍ مِنَّا. النُّضْجُ لَا يُحْرِقُ المَاضِي، وَلَا يُقِيمُ عَلَى رَمَادِهِ مَهْرَجَانَ النِّسْيَانِ؛ إِنَّهُ يُعِيدُ وَضْعَهُ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ: لَا عَلَى عَرْشِ الحَاضِرِ، وَلَا فِي قَبْرِ الإِنْكَارِ، بَلْ فِي رِوَاقٍ دَاخِلِيٍّ نَمُرُّ بِهِ حِينَ نَحْتَاجُ أَنْ نَفْهَمَ مَنْ كُنَّا، وَكَيْفَ صِرْنَا مَنْ نَحْنُ. فَبَعْضُ الذِّكْرَيَاتِ يُحْمَلُ كَالجَوَاهِرِ، وَبَعْضُهَا يُحْمَلُ كَالنُّدُوبِ؛ الجَوْهَرَةُ تَحْفَظُ بَرِيقَ اللَّحْظَةِ، وَالنُّدْبَةُ تَحْفَظُ سِيرَةَ الجُرْحِ بَعْدَ أَنْ يَسْكُنَ نَزْفُهُ. وَكِلَاهُمَا يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا عَمِيقًا قَدْ مَرَّ مِنْ هُنَا، وَإِنَّ الرُّوحَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ تَجْرِبَتِهَا كَمَا دَخَلَتْهَا.
وَلَعَلَّ أَعْدَلَ مَا نَصْنَعُهُ بِالأَيَّامِ الَّتِي لَا تَمْضِي أَلَّا نُرْغِمَهَا عَلَى الرَّحِيلِ، وَلَا نَتْرُكَهَا تَسْتَوْلِيَ عَلَى البَيْتِ كُلِّهِ. نُعْطِيهَا غُرْفَتَهَا فِي الذَّاكِرَةِ، وَنَفْتَحُ لِلحَاضِرِ بَقِيَّةَ النَّوَافِذِ. نَزُورُهَا لِنَفْهَمَ، لَا لِنُقِيمَ؛ وَنَسْتَضِيءُ بِمَا عَلَّمَتْنَا، لَا لِنُعِيدَ احْتِرَاقَنَا فِي الجَمْرِ نَفْسِهِ. فَبَعْضُ الأَيَّامِ لَا يَمْضِي؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِيَعْبُرَ، بَلْ جَاءَ لِيُضِيفَ غُرْفَةً إِلَى بِنَائِنَا الدَّاخِلِيِّ، أَوْ يُسْقِطَ جِدَارًا، أَوْ يَفْتَحَ نَافِذَةً، أَوْ يَتْرُكَ فِي المَمَرِّ مِرْآةً نَرَى فِيهَا وُجُوهَنَا عَلَى غَيْرِ مَا أَلِفْنَا. وَحِينَ نَظُنُّ أَنَّنَا ابْتَعَدْنَا عَنْهُ، نَكُونُ قَدْ حَمَلْنَا حِجَارَتَهُ فِي أَسَاسِ مَا بَنَيْنَاهُ بَعْدَهُ.
نَمْضِي نَحْنُ، وَهُوَ يَبْقَى؛ لَا حَجَرًا يَشُدُّ خُطَانَا إِلَى الوَرَاءِ، بَلْ حَجَرَ أَسَاسٍ يَحْمِلُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ عُمْرِنَا فَوْقَهُ. وَفِي أَعْمَاقِنَا تَظَلُّ تِلْكَ السَّاعَةُ الخَفِيَّةُ تَدُقُّ، لَا لِتُعِيدَنَا إِلَى مَا كَانَ، بَلْ لِتُذَكِّرَنَا بِمَا صَنَعَهُ مَا كَانَ فِيمَا نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ. وَلِذَلِكَ، حِينَ يَسْأَلُنَا أَحَدٌ عَنْ أَعْمَارِنَا، نُجِيبُهُ بِعَدَدِ السِّنِينَ، وَلَا نَقُولُ لَهُ إِنَّ لِلْعُمْرِ حِسَابًا آخَرَ؛ وَإِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعِيشُ ثَمَانِينَ عَامًا، ثُمَّ يَبْقَى عُمْرُهُ الحَقِيقِيُّ مُعَلَّقًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَمْضِ بَعْدُ.
