الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

عسكرة اللغة وصناعة الوجدان الإمبراطوري الأمريكي

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تبدأ الحرب دائمًا حين تُفتح مخازن السلاح، ولا ينتهي أثرها حين تصمت المدافع. قد تنسحب الجيوش من الميدان، ويبقى الميدان مقيمًا في اللغة؛ تتوزع خنادقه بين الكلمات، وتستقر أهدافه في المخيلة، ويتعلم الناس أن يسموا العمل هجومًا، والمنافس خصمًا، والقرار زنادًا، والنجاح قتلًا، والحوار معركة، والسوق ساحة حرب. تتجرد البندقية من معدنها، ثم تعود صورةً ذهنيةً يحملها الإنسان إلى المكتب والمدرسة والملعب والبيت. لا يرى أمامه جثةً حين يقول لزميله: «لقد قتلتَها»، ولا يتخيل رصاصةً حين يقول لصاحب القرار: «اضغط الزناد». لقد ابتعد اللفظ عن معناه الأول حتى صار مألوفًا، وربما وديعًا في الاستعمال، لكن هَذَا الابتعاد نفسه يستحق السؤال؛ كيف استطاعت صور القتل وإطلاق النار أن تصبح من أكثر الصور جاهزيةً للتعبير عن النجاح والحسم، حتى لم يعد المتكلم يشعر بما تحمله الكلمات في ذاكرتها؟

إنَّ الكلمات ليست أوعيةً زجاجيةً شفافة، نضع فيها المعنى ثم نستخرجه منها كما دخل، من غير أن يعلق به شيءٌ من لون الوعاء أو رائحته. الكلمات ذاكرة؛ تحمل ما مرّ بها من دمٍ وخوفٍ وسلطة، وتُبقي في أعماقها آثار العصور التي صنعتها، حتى بعد أن يبهت معناها الأول ويغدو مجازًا عابرًا على ألسنة الناس. قد يسقط السلاح من يد الجندي، لكنه يبقى قائمًا في العبارة. وقد تغادر الدبابة شارعًا بعيدًا، ثم تدخل المكتب في صورة «استراتيجية هجومية»، ويخرج القصف من نشرات الحرب ليصبح «إبادةً للمنافسة»، وينتقل الزناد من إصبع القاتل إلى قرار المدير، ويغدو القتل اسمًا للتفوق، كأن النجاح لا يكتمل حتى يُستعار له فعلٌ ينهي حياة.

“الكلمات ذاكرة؛ تحمل ما مر بها من دم وخوف وسلطة، وتبقى في أعماقها آثار العصور التي صنعتها.”

في الثقافة الأمريكية اليومية يستطيع المرء أن يقول لصاحبه: “Kill it, man” أو “You killed it”، فلا يقصد أن يطلب منه القتل، بل أن يبدع ويتفوق. ويقال لمن يتردد في اتخاذ قرار: “Pull the trigger”، أي احسم الأمر ونفذه. ويقال: “Take a shot at it” للمحاولة، و”Shoot me an email” لإرسال رسالة، و”Target the audience” لاستهداف الجمهور، و”Crush the competition” لسحق المنافسة، و”Killer instinct” لغريزة النجاح، و”War room” لغرفة إدارة مشروعٍ أو حملة، و”Under fire” لمن يتعرض للنقد، و”No prisoners” للتعبير عن شراسةٍ لا تعرف الرحمة، وغير ذلك كثير مما يعكس ثقافة لغوية مجتمعية عدوانية معسكرة.

وتعرّف القواميس الأمريكية عبارة “pull the trigger” بأنها اتخاذ خطوةٍ حاسمة، بما يدل على أن الصورة خرجت من معناها الحرفي واستقرت داخل اللغة العادية. كما وجدت دراساتٌ في خطاب الأعمال الأمريكي أن مجاز «الأعمال حرب» واسع الحضور، فتُصوَّر الشركات جيوشًا، والمديرون قادةً، والمنافسون أعداء، والسوق أرضًا للغزو، والنجاح انتصارًا يتحقق بالهجوم والدفاع والحصار والإقصاء. ليست الخطورة في أن مستخدم هَذِه العبارات يتخيل في كل مرةٍ جثةً أو رصاصة؛ فالمجاز لو ظل محتاجًا إلى استحضار معناه الحرفي لما صار مجازًا مألوفًا. الخطورة في أن صور القتل والقتال أصبحت من أكثر الصور جاهزيةً لتفسير النشاط الإنساني، حتى بدا من الطبيعي أن يُفهم القرار عبر الزناد، والنجاح عبر القتل، والمنافسة عبر السحق، والتواصل عبر إطلاق النار، والسياسة عبر المعركة.

كان يمكن للغة أن تستعير الحسم من قطع العقدة، والنجاح من الإثمار، والقرار من عبور الباب، والتفوق من بلوغ القمة، والمنافسة من السباق، والعمل الجماعي من البناء. لكنها حين تعود بكثافةٍ إلى مستودع الحرب، لا تكشف مجرد ثراءٍ مجازي؛ تكشف عن المخيلة التي تعلمت أن القوة أعلى صور الفاعلية، وأن الشيء لا يُنجَز تمامًا حتى يُخترق أو يُسقط أو يُنهى. وليس كل مجازٍ عسكري مولودًا في الولايات المتحدة وإن كان أكثره فيها ومنها، ولا يلزم لإثبات خصوصية الظاهرة أن تكون بقية لغات العالم خاليةً من كلمات الحرب. هَذَا شرطٌ مصطنع يحرف القضية عن مركزها. فالمسألة ليست وجود لفظٍ عسكري هنا أو هناك، بل الموقع المركزي الذي تحتله الحرب والعدوانية في اللغة الأمريكية، والسلطة العالمية التي منحت هَذِه اللغة قدرةً على الانتشار والتقليد.

حين تستعمل ثقافةٌ محلية استعارةً حربية تبقى آثارها غالبًا محصورةً في نطاقها. أما حين تستعملها القوة التي تمتلك أكبر صناعةٍ سينمائية وإعلامية وتجارية، وتصدّر نماذج الإدارة والتسويق والترفيه إلى العالم، فإن المجاز لا يبقى ابن بيئته؛ يتحول إلى لغةٍ عالمية، تستوردها الشعوب مع الأفلام والبرامج والشركات وكتب النجاح والتدريب الإداري. ولهذا لا يكفي أن يُقال إن بعض الثقافات الأخرى تستعمل مفردات الحرب أيضًا. فكثيرٌ من هَذِه الثقافات الحديثة تعرّض أصلًا لعقودٍ من الهيمنة الأمريكية على الصورة والإدارة والإعلان، ثم استعادت التعبيرات بعد ترجمتها أو أبقتها بلغتها الإنجليزية بوصفها علاماتٍ على الحداثة والاحتراف. الاستعارة هنا لا تنتقل وحدها، بل تحمل معها تصورًا للحياة يقوم على الاستهداف والاختراق والإزاحة والانتصار.

ولم تنشأ هَذِه المخيلة الأمريكية في فراغ. فقد قامت الدولة نفسها على صراعٍ طويل مع أصحاب الأرض، لم يكن التوسع فيه انتقالًا بريئًا إلى فضاءٍ خالٍ، بل إزالةً لشعوبٍ قائمة ومصادرةً لأراضيها وإعادة تسمية ذلك كله بوصفه تمدينًا وتقدمًا وحقًّا تاريخيًّا للمستوطن. بين نحو عامي 1830 و1850 استخدمت الحكومة الأمريكية المعاهدات والخداع والترهيب والعنف لإبعاد قرابة مئة ألف من السكان الأصليين إلى غرب المسيسيبي، ومات آلاف الرجال والنساء والأطفال في طرق التهجير. وفي تهجير الشيروكي دخل الجنود أراضيهم، وجُمع الناس بالقوة في معسكرات، ثم مات ما يقدره المؤرخون بنحو ألفين إلى أربعة آلاف من قرابة ستة عشر ألف مهجَّر. لم يكن ذلك عنفًا عارضًا وقع خارج الفكرة الأمريكية، بل كان من الوسائل التي صُنعت بها الأرض السياسية للدولة. وحتى قانون الإبعاد صيغ بلغة «التبادل» و«الاختيار» و«الحماية»، بينما كانت القوة العسكرية والخداع وانتزاع الأرض هي الحقيقة الواقعة. هنا تتضح العلاقة الأولى بين اللغة والإمبراطورية؛ فالقوة لا تكتفي بارتكاب الفعل، بل تمنحه اسمًا أخف من حقيقته. الاقتلاع يصبح إزالة، والاحتلال توسعًا، والمقاوم متوحشًا، والأرض المسروقة حدودًا جديدة للحضارة. لا يحتاج الضمير إلى إنكار الدم كله؛ يكفي أن يتعلم وصفه بطريقةٍ تجعله جزءًا طبيعيًّا من التقدم.

“القوة لا تكتفي بارتكاب الفعل، بل تمنحه اسمًا أخف من حقيقته ليتلاءم مع الضمير الإمبراطوري.”

ثم جاء الاستعباد ليعمّق في المجتمع منطق السيطرة على الجسد. كان نظام الرق أحد المحركات الكبرى للاستقلال المالي والاقتصادي للدولة الناشئة، وارتفع عدد المستعبَدين من أقل من سبعمئة ألف عام 1790 إلى قرابة أربعة ملايين عشية الحرب الأهلية. لم يكن الإنسان الأسود عاملًا محرومًا فقط، بل ملكيةً قانونية يمكن بيعها وفصلها عن أهله وإخضاعها بالعنف. ولكي يستمر مجتمعٌ يعلن الحرية ويملك البشر، لا بد له من هندسةٍ لغوية وأخلاقية تسبق السوط وترافقه. يُقدَّم المستعبَد بوصفه أدنى استعدادًا للعقل والحرية، ويصبح تمرده جريمةً، وفراره سرقةً لملكية سيده، وتعذيبه تأديبًا، واستغلال جسده نظامًا اقتصاديًّا مشروعًا.

تتعلم الثقافة هنا فصل القوة عن الذنب؛ الأقوى لا يظلم، بل ينظم، والأضعف لا يقاوم، بل يخرق النظام. وهي البنية ذاتها التي ستعود في السياسة الخارجية؛ الدولة الأمريكية لا تحتل، بل تحرر؛ لا تهدم، بل تعيد البناء؛ لا تفرض إرادتها، بل تحفظ الاستقرار؛ ولا تقتل المدنيين، بل توقع أضرارًا جانبية في طريق هدفٍ أكبر.

ومع التوسع خارج القارة، لم تعد الحرب مرحلةً عابرة، بل مؤسسةً دائمة في الدولة والاقتصاد والخيال. يسجل تقرير خدمة أبحاث الكونغرس مئات الحالات التي استخدمت فيها الولايات المتحدة قواتها خارج البلاد منذ عام 1798، في صراعاتٍ أو احتمالات صراع أو لأغراضٍ تتجاوز النشاط السلمي المعتاد، مع اختلاف هَذِه الحالات في الحجم والشرعية والغاية. ولا تشمل هَذِه القائمة أصلًا العمليات السرية أو الانتشار الروتيني في القواعد والتحالفات. وفي عام 2025 بقيت الولايات المتحدة أكبر منفقٍ عسكري في العالم بفارقٍ هائل، إذ بلغ إنفاقها نحو 954 مليار دولار، بما يعادل ثلث الإنفاق العسكري العالمي تقريبًا، وأكثر بكثير من الدولة التالية لها. وفي 2026 بلغ طلب ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية نحو 961 مليار دولار.

حين تكون المؤسسة العسكرية بهَذَا الحجم، لا تبقى محصورةً في الثكنة. تدخل الجامعة والاقتصاد والتقنية والإعلان والسياسة والسينما. وتتحول مفرداتها إلى علاماتٍ على الجدية والكفاءة؛ الخطة استراتيجية، والفريق وحدة، والقائد لا يتردد، والهدف يُقصف بالحجج، والمنافسة لا تُدار بل تُحسم. لا يعني هَذَا أن كل من يعمل في مؤسسةٍ أمريكية جنديٌّ مقنع، بل يعني أن الجيش قد تحول من جهازٍ له وظيفة محددة إلى نموذجٍ ثقافي للفاعلية. يتعلم المدير من القائد، والسياسي من الجنرال، والمسوّق من المخطط العسكري، والصحفي من ميدان الاشتباك. وتدخل فكرة الحرب إلى الأماكن المدنية لا لأن السلاح حاضرٌ فيها ماديًّا، بل لأن السلطة العسكرية أصبحت النموذج الأوضح لما يعنيه الحسم.

“حين تكون المؤسسة العسكرية بضخامة الإمبراطورية، يتحول الجيش من جهاز له وظيفة محددة إلى نموذج ثقافي للفاعلية.”

حين تقول الشركة إنها ستسحق المنافس، فإنها لا تستعير كلمةً فقط؛ إنها تبني علاقةً أخلاقيةً بالمنافسة. فالسحق لا يعترف بأن للطرف الآخر حقًّا في الوجود أو أن نجاحه قد يدفع الجميع إلى التحسن. وحين يسمى المستهلك «هدفًا»، يُنظر إليه بوصفه نقطةً ينبغي إصابتها، لا إنسانًا ينبغي إقناعه واحترام اختياره. وحين يسمى مكان العمل «غرفة حرب»، تنتقل إليه أخلاق الطوارئ؛ سرعة القرار، مركزية القيادة، إسكات الاعتراض، التضحية بالأفراد من أجل المهمة، واعتبار التردد خيانةً للهدف. قد يكون المشروع التجاري تافهًا بالمقارنة مع الحرب، لكن اللغة تمنحه جوًّا من البطولة يسمح للإدارة بأن تطلب من الموظفين ولاءً وتضحيةً لا يناسبان طبيعة العلاقة المدنية.

وتكمن خطورة المجاز العسكري في أنه لا يصف النشاط فقط، بل يعيد تشكيل الحلول التي يستطيع العقل تخيلها. إذا كانت المشكلة عدوًّا، فالجواب مهاجمتها. وإذا كان النقاش معركة، فالغاية هزيمة الخصم. وإذا كان المرض حربًا، قد يصبح الجسد ساحةً يجوز تدميرها من أجل الانتصار. وإذا كانت الجريمة حربًا، يتحول المجتمع المأزوم إلى منطقةٍ أمنية بدل أن يكون واقعًا يحتاج إلى إصلاح.

لهذا تتكاثر في السياسة الأمريكية «الحروب» التي لا تخاض ضد جيوش: الحرب على الفقر، والحرب على المخدرات، والحرب على الجريمة، والحرب على الإرهاب. يمنح إعلان الحرب السياسيَّ سلطةً استثنائية، ويمنح الجمهور عدوًّا واضحًا، لكنه يختزل المشكلات المركبة في أهدافٍ ينبغي ضربها. الفقر لا يوقّع استسلامًا، والإدمان لا يُهزم بالقصف، والجريمة ليست جيشًا منفصلًا عن الاقتصاد والأسرة والتعليم، والإرهاب ليس دولةً واحدة تنتهي الحرب بسقوط عاصمتها. لكن استعارة الحرب تحرر السلطة من بطء الإصلاح؛ يمكنها أن تعلن حملة، وتعرض الاعتقالات والضربات، وتنتج صورةً للحسم، ولو بقيت الأسباب التي ولدت المشكلة في مكانها.

وتؤدي السينما والتلفزة الدور الأشد نفاذًا في ترسيخ هَذَا الوجدان. فهي لا تُعلّم العنف في صورة درسٍ مباشر، بل تمنحه إيقاعًا وجمالًا وبطولة. الشرير واضح، والقانون بطيء، والمؤسسة عاجزة، ثم يأتي الرجل القادر على تجاوز الحدود وإطلاق النار في اللحظة التي عجز الجميع عن الحسم فيها. لا يكون القتل في كثيرٍ من الأعمال الأمريكية جريمةً ثقيلةً على النفس، بل خاتمةً تعيد للعالم نظامه. يسقط الخصم، ترتفع الموسيقى، ويتنفس المشاهد؛ كأن الرصاصة لم تنه حياةً، بل أزالت عطبًا من المشهد. أما الذين يسقطون في الطريق بلا أسماء، فلا تُستعاد إنسانيتهم، لأنهم خُلقوا سرديًّا ليبرهنوا على مهارة البطل أو وحشية عدوه. وتغدو الرسالة المتكررة أن الشر مشكلةٌ متجسدة في جسد، وأن إزالة الجسد حل. لا حاجة إلى فهم التاريخ أو البيئة أو التفاوت أو آثار الحرب؛ يكفي العثور على الرجل السيئ وإطلاق النار عليه. هكذا تدرب الصورة العقل على اختصار الواقع في هدف، كما تدربه اللغة على اختصار الحل في الزناد.

أظهرت دراسةٌ واسعة شملت حوارات أكثر من 166 ألف فيلمٍ إنجليزي أُنتجت بين 1970 و2020 اتجاهًا متصاعدًا في استخدام أفعال مشتقة من «القتل» و«الاغتيال»، ولم يقتصر هَذَا الارتفاع على أفلام الجريمة، بل ظهر كذلك في الأفلام غير الإجرامية. لا تبرهن هَذِه النتيجة وحدها على أن السينما تخلق قاتلًا؛ لكن غايتها هنا ليست إقامة معادلةٍ ميكانيكية بين مشاهدة مشهد وارتكاب جريمة. إنها تكشف كثافة حضور القتل في اللغة الترفيهية التي تشكل المخيلة، حتى صار الموت مادةً سهلة للاستعمال خارج المواضع التي يفرضها موضوع الجريمة أو الحرب، وتم تطبيع الألفاظ والتراكيب لتجري على الألسن وكأنها لغة يومية عادية حتى انتشرت ليس في المجتمع الأمريكي فحسب بل وفي مجتمعات دول أخرى بدرجات متفاوته.

“تكمن غاية الثقافة العنيفة في تطبيع الألفاظ والتراكيب لتجري على الألسن وكأنها لغة يومية عادية.”

ولا يصح هنا التغافل عن الأثر النفسي الذي تحدثه اللغة في الطبيعة البشرية وما ينطوي عليه من مخاطر. أظهرت بحوثٌ نفسية أن التعرض المعتاد للعنف الإعلامي يمكن أن يرتبط بانخفاض الاستجابة الانفعالية تجاه مشاهد العنف، وسرعة استحضار الأفكار العدوانية، وقبول العدوان بوصفه استجابةً مألوفة، وإن كانت الأدلة لا تجعل الإعلام سببًا منفردًا أو آليًّا للجريمة. هَذَا التحفظ العلمي لا يخفف خطورة الظاهرة؛ بل يضعها في موضعها الصحيح. الثقافة العنيفة لا تصنع الجريمة وحدها، لكنها تشارك في تكوين البيئة التي يصبح فيها السلاح مألوفًا، والقسوة بطولةً، والحسم المسلح حلًّا قابلًا للتخيل، والضحية تفصيلًا ثانويًّا في قصة الأقوى.

وفي الولايات المتحدة لا يلتقي هَذَا التطبيع الرمزي بفراغٍ مادي، بل بمجتمعٍ يشهد مستوىً بالغ الخطورة من الوفيات بالسلاح. سجّلت بيانات عام 2024 نحو 20,162 وفاةً بسبب القتل، منها 15,364 بسلاحٍ ناري؛ أي إن السلاح الناري كان أداة الغالبية الساحقة من جرائم القتل المسجلة. لا يجوز اختزال هَذِه الأرقام في السينما أو اللغة، فالجريمة ترتبط كذلك بتوافر السلاح والفقر والتفاوت والمخدرات والتفكك الاجتماعي والصحة النفسية. لكن الخطأ المقابل هو عزل اللغة والصورة عن هَذِه البنية، كأنها زينةٌ لا شأن لها بالطريقة التي يتعلم بها الناس معنى القوة والرجولة والانتقام.

تعمل عناصر المنظومة معًا؛ التاريخ يمنح السلاح شرعيةً أسطورية، والسياسة تجعله أداةً لحماية الحرية، والإعلام يحوله إلى جمالٍ بصري، واللغة تجعله مجازًا للحسم، والسوق يبيعه بوصفه حقًّا وهوية، ثم يظهر في لحظة الغضب بوصفه أقرب الأدوات إلى اليد والخيال. وحين تؤمن القوة بأنها استثناء، لا تعود الحرب في وعيها اعترافًا بفشل السياسة، بل امتدادًا طبيعيًّا للرسالة. لا ترى نفسها طرفًا بين أطراف، بل حكمًا يحدد من يمثل الخير ومن يمثل الشر، وأي سيادة تُحترم وأي سيادة يجوز اختراقها، ومن يملك السلاح دفاعًا ومن يملكه تهديدًا. ولذلك يصعب فصل اللغة اليومية عن اللغة الرسمية. الدولة التي تعلن «الحرب على الفقر»، و«الحرب على المخدرات»، و«الحرب على السرطان»، ثم «الحرب على الإرهاب»، تعوّد المجتمع على تحويل أعقد مشكلاته إلى أعداء ينبغي مهاجمتهم. يستريح العقل للمجاز لأنه يمنحه خريطةً سريعة؛ هناك عدو، وهناك جبهة، وهناك قائد، وهناك انتصار ينبغي تحقيقه. لكن الفقر ليس جيشًا، والإدمان ليس دولةً معادية، والمرض لا يوقع وثيقة استسلام. حين يُفرض نموذج الحرب على مشكلةٍ اجتماعية، تميل السياسة إلى البحث عن هدفٍ تضربه بدل بنيةٍ تصلحها، وعن مجرمٍ تعاقبه بدل ظروفٍ تفهمها، وعن انتصارٍ إعلامي بدل علاجٍ طويل ومعقد.

وإنَّ العنف الداخلي ليس منفصلًا عن العنف الخارجي. فالدولة التي تُعلّم مواطنيها أن القوة المسلحة هي الوسيلة النهائية لحل أزمات العالم، لا تستطيع أن تضمن بقاء هَذَا الدرس خارج حدود المجتمع. حين يُعرض القصف بوصفه شجاعة، والاغتيال بوصفه حسمًا، والحرب بوصفها تطهيرًا للشر، يتلقى الفرد النموذج نفسه: الخلاف قد ينتهي بإزالة صاحبه. والعلاقة تعمل في الاتجاه الآخر أيضًا. المجتمع الذي يألف السلاح في البيت والشارع والشاشة يكون أكثر استعدادًا لتقبل استعماله خارج البلاد. حين يرى المواطن الحرب امتدادًا طبيعيًّا للقوة، لا يسأل أولًا عن التاريخ والحق والقانون، بل ينتظر البطل الذي «يفعل ما ينبغي فعله». وتصبح الدولة في المخيلة نسخةً مكبرة من المسلح الصلب الذي لا يتردد.

هكذا تساعد اللغة المعسكرة في قبول التغول الإمبراطوري. فهي لا تشرح الحرب، بل تهيئ النفس لبنيتها؛ عدوٌّ يجب استهدافه، ومهمةٌ ينبغي تنفيذها، وخسائر جانبية لا ينبغي أن تعطل الهدف، وقائدٌ يُقاس بقدرته على الضغط على الزناد. وحين تصف الدولة حربًا بعيدة بوصفها «عملية»، وضحاياها بوصفهم «أضرارًا»، وبلدًا كاملًا بوصفه «مسرح عمليات»، يكون المواطن قد تدرب سلفًا على هَذَا التجريد. الكلمات التي استعملها في المكتب والرياضة والإعلان عودته على رؤية العالم في صورة أهدافٍ وعملياتٍ وحملات. وتزداد الخطورة لأن هَذِه الثقافة لا تبقى داخل الولايات المتحدة. هوليوود ليست سينما وطنية محدودة، والمنصات الأمريكية ليست وسائل محلية، وشركات الإدارة والتسويق ليست مؤسساتٍ بلا نفوذ عالمي. لقد امتلكت الولايات المتحدة قدرةً غير مسبوقة على جعل صورتها عن القوة والنجاح والرجولة هي الصورة التي تستهلكها البشرية.

يصل الطفل في قاراتٍ بعيدة إلى البطل الأمريكي قبل أن يقرأ تاريخ بلاده. يرى المسدس يحسم، والجيش ينقذ، والخصم يُقتل بلا جنازة، ثم يتعلم الإنجليزية من الأفلام فيحفظ مفردات الضرب والقتل والسحق قبل أن يعرف مفردات التسوية والإصلاح. وفي العمل يتلقى خطابًا إداريًّا مترجمًا يجعل المنافس عدوًّا والسوق أرضًا والموظف مقاتلًا. هَذَا ليس انتشارًا بريئًا للغة، بل امتدادٌ ناعم للإمبراطورية. فالإمبراطوريات لا تصدر الجيوش وحدها؛ تصدر تعريفاتها لما هو طبيعي وناجح وجميل. وحين يصبح النموذج الأمريكي هو المعيار العالمي للترفيه والقيادة، تنتقل عسكرته إلى مجتمعاتٍ لم تنتج السياق نفسه، لكنها تبدأ بتقليد نتائجه. تتأثر الشعوب أولًا، ثم تعيد إنتاج التأثير. يقلد الكاتب العربي الفيلم الأمريكي، ويقلد المدير الشركة الأمريكية، ويقلد الإعلام طريقة بناء البطل والعدو، ثم يصبح المجاز العسكري جزءًا من لغته المحلية. وبعد جيلٍ يبدو التعبير أصيلًا وعاديًّا، مع أن مساره مر عبر هيمنةٍ ثقافية طويلة.

ولهذا فإن القول إن مجتمعاتٍ أخرى تستخدم الآن لغةً شبيهة لا يبرئ المركز الذي امتلك أكبر قدرةٍ على نشرها. إن وجود النسخة في الأطراف قد يكون دليلًا على نجاح التصدير، لا على غياب الأصل المهيمن. ولا تعني مقاومة عسكرة اللغة مطاردة كل تعبيرٍ مجازي أو إصدار شرطةٍ للكلمات. ليست المشكلة أن يقول إنسان لصديقه مرةً: «لقد قتلتَها» وهو يمدحه. المشكلة أن تصبح الحرب المخزن الأوسع والأكثر هيبةً للصور التي نفهم بها الحياة، حتى تضيق مخيلتنا عن تصور نجاحٍ لا يحتاج إلى سحق، أو حسمٍ لا يحتاج إلى رصاصة، أو اختلافٍ لا يحتاج إلى هزيمة طرف.

المطلوب إعادة بناء الحساسية تجاه ما تفعله الصور المتكررة فينا. لماذا يبدو المدير الأقوى هو الأكثر شراسة؟ لماذا نسمّي المنافسة معركةً ثم نستغرب انعدام الأمانة؟ لماذا يُمدح السياسي لأنه لا يتردد في الضرب، بينما تُتهم المراجعة بالحَيرة والضعف؟ ولماذا يصعب علينا تخيل البطولة فيمن منع الحرب، ويسهل تخيلها فيمن انتصر فيها؟ الإجابة كامنةٌ في حضارةٍ جعلت القوة العسكرية جزءًا من تعريفها لذاتها. منذ اقتلاع أصحاب الأرض واستعباد الأفارقة، مرورًا بالتوسع والحروب والتدخلات، وصولًا إلى إمبراطورية القواعد والميزانيات والسلاح النووي، تعلمت الدولة الأمريكية أن وجودها وتفوقها مرتبطان بالقدرة على الإزالة والإخضاع. ثم أعادت الثقافة الشعبية إنتاج الدرس في صورةٍ أكثر جمالًا وأقل إثارةً للذنب. لم يعد القاتل مستعمرًا يطرد شعبًا، بل بطلًا ينقذ العالم. ولم يعد إطلاق النار فعلًا يحتاج إلى تبريرٍ ثقيل، بل لحظةً منتظرةً تكمل الحبكة. ولم يعد القتل كلمةً مرعبة، بل مدحًا يُقال لمن أحسن أداء عمله. وهنا يبلغ التطبيع غايته؛ لا حين يوافق الناس صراحةً على القتل، بل حين يفقد لفظه القدرة على إيقاظ الرفض. يموت المعنى قليلًا في المجاز، ثم يعود في السياسة أقل فظاعة، وفي الشاشة أكثر إمتاعًا، وفي المجتمع أكثر قابليةً للتكرار.

إن الإمبراطورية الدموية لا تظهر فقط في عدد القنابل التي ألقتها، بل في اللغة التي تركتها بعد القصف. تظهر حين تتكلم التجارة بلسان الغزو، والسياسة بلسان المعركة، والقرار بلسان الزناد، والنجاح بلسان القتل. فاللغة هنا ليست شاهدًا خارجيًّا على الإمبراطورية؛ إنها إحدى مستعمراتها الداخلية. وما دامت الحياة الأمريكية تُفهم من خلال البندقية، سيظل من السهل على الدولة أن تعرض بندقيتها على العالم بوصفها أداةً طبيعية للحل. وما دام المواطن يتعلم أن الحاسم هو من يضغط على الزناد، سيبقى الخطاب العسكري قادرًا على تقديم الحرب بوصفها رجولةً سياسية، لا فشلًا أخلاقيًّا وعقليًّا.

“نزع العسكرة من اللغة يبدأ باستعادة تصور للحياة تكون فيه القوة قدرة على البناء والعدل لا المحو.”

نزع العسكرة من اللغة لا يبدأ باستبدال كلمةٍ بأخرى فقط، بل باستعادة تصورٍ للحياة لا تكون فيه القوة قدرةً على المحو، بل قدرةً على البناء والعدل وضبط النفس. أن يصبح النجاح إثمارًا، لا قتلًا؛ والقرار مسؤوليةً ممتدة، لا ضغطةً تنتهي عند خروج الرصاصة؛ والمنافس إنسانًا له حق الوجود، لا هدفًا ينبغي سحقه. فالزناد يحسم اللحظة، لكنه لا يحل التاريخ. والرصاصة تستطيع إسكات صوت، لكنها لا تجيب عن سؤاله. والقنبلة تستطيع إزالة بيت، لكنها لا تصنع شرعيةً فوق أنقاضه. وحدها الثقافة التي أدمنت القوة تستطيع أن تخلط بين الإنهاء والحل، وبين الصمت والسلام، وبين الموت والانتصار. وحين تتعلم هَذِه الثقافة أن تقول: أصلح الأمر، بدل أن تقول: اقتله؛ لا تكون قد لطفت لغتها فحسب، بل بدأت تفكك أعمق أكاذيب إمبراطوريتها؛ أن العالم لا يستقيم إلا حين يصوب الأقوى سلاحه إليه.

إن الرصاصة لا تعرف التراجع، ولذلك أغرت حضارةً تحب صورة الحسم. لكن الإنسان ليس رصاصة، والسياسة ليست مسدسًا، والعالم لا يستقيم بإزالة كل ما يعاند إرادة الأقوى. قد يكون النضج الحضاري هو القدرة على احتمال تعقيدٍ لا تحسمه طلقة، وعلى إدارة خلافٍ لا ينتهي بجثة، وعلى امتلاك القوة من غير أن تتحول القوة إلى اللغة الوحيدة التي يفهمها صاحبها. عندئذٍ فقط لا تكون الكلمات أكثر رقةً فحسب، بل يكون الوجدان أكثر حرية؛ قد تحرر من الخندق الذي ظل يحمله إلى كل مكان، ومن العدو الذي كان يحتاج إليه كي يشعر بالقوة، ومن الزناد الذي ظنه مفتاحًا لكل باب. فاللغة التي اعتادت السلاح لا تصف مجتمعًا مسلحًا فقط، بل قد تسلّح المجتمع كل يومٍ بطريقة رؤيته. ونزع هَذَا السلاح لا يبدأ بمنع كلمة، بل بكسر الاحتكار الذي جعل الحرب أمَّ المجازات، والقوة أمَّ الفضائل، والقتل صورةً للنجاح.

حين تستعيد اللغة حدائقها وبيوتها وجسورها، لا تفقد صلابتها، بل تستعيد إنسانيتها. يصبح النجاح بناءً لا إبادة، والحسم مسؤوليةً لا طلقة، والآخر شريكًا أو خصمًا له حق الوجود، لا هدفًا ينتظر من يملك الجرأة على الضغط. وهناك، بين الكلمة والزناد، مساحةٌ صغيرة قد يبدو أنها لا تغير التاريخ، لكنها المكان الذي يبدأ فيه التاريخ غالبًا؛ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان هل يفهم العالم ليصلحه، أم يحوله إلى هدفٍ كي يشعر أنه انتصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى