هل أضاعت الإنسانية نفسها أم وجدتها؟
لماذا تبدو الحضارة الحديثة عظيمة وخاوية في آنٍ واحد؟
ليست هذه المقالة محاكمةً للحداثة بمنطق الحنين إلى الماضي، ولا رفضًا أعمى لمنجزات العلم والتقنية والعمران، ولا إنكارًا لما استطاع الإنسان الحديث أن يحققه من سيطرة مذهلة على المادة، وتقريب للمسافات، وتوسيع لحدود المعرفة، وتخفيف لكثير من آلام الجسد ومشقات العيش. إنما هي محاولة لتشخيص لحظة إنسانية ملتبسة؛ لحظة يبدو فيها العالم أكثر قوةً من أي وقت مضى، بينما يبدو الإنسان داخله أكثر هشاشةً من أي وقت مضى؛ لحظة ارتفعت فيها ناطحات السحاب، واتسعت فيها المدن، وتضاعفت فيها المخترعات، وانفجرت فيها شبكات الاتصال، لكن الروح، في كثير من مواضعها، بدت كأنها تقيم في بيتٍ باذخٍ بلا نافذة، أو تسكن مدينة مضاءة من الخارج ومظلمة من الداخل.
فالأزمة التي تعتصر الإنسان المعاصر ليست سياسية فقط، وإن تجلت في فساد الأنظمة واضطراب العدالة، وليست اقتصادية فقط، وإن ظهرت في جشع الأسواق وتفاوت الفرص، وليست تقنية فقط، وإن بدت في سطوة الخوارزميات واستلاب الانتباه. إنها، في أصلها الأعمق، أزمة في فهم الإنسان لنفسه. لقد نجح الإنسان الحديث في قراءة العالم الخارجي قراءةً مدهشة، لكنه فشل في الإصغاء إلى عالمه الداخلي. فكك الذرة، وغزا الفضاء، وابتكر الآلة الذكية، وفتح خزائن الجسد، ومدّ يده إلى أعماق الطبيعة، لكنه لم يعرف بالقدر نفسه كيف يمد يده إلى أعماق روحه دون أن يعود منها مرتبكًا أو خائفًا أو خاويًا.
“وهنا تقوم المفارقة الفاجعة: صار الإنسان أكثر اتصالًا وأشد وحدة، أكثر رفاهية وأعمق قلقًا، أكثر حرية وأشد عبودية لرغباته، أكثر معرفة وأقل حكمة.”
وهنا تقوم المفارقة الفاجعة: صار الإنسان أكثر اتصالًا وأشد وحدة، أكثر رفاهية وأعمق قلقًا، أكثر حرية وأشد عبودية لرغباته، أكثر معرفة وأقل حكمة. صار قادرًا على أن يكلّم البعيد في لحظة، لكنه يعجز أحيانًا عن محادثة نفسه في صمت. صار يملك من الوسائل ما كان يعدّ في الأزمنة الماضية ضربًا من المعجزة، لكنه يفتقر إلى الغاية التي تجعل الوسائل خادمة لا سيدة. صار يضع العالم في شاشة صغيرة بين أصابعه، لكنه لا يعرف أين يضع قلبه. ومن هنا لا يعود السؤال: ما الذي ينقص الحضارة الحديثة من أدوات؟ بل: ما الذي ينقص تصورها عن الإنسان؟
لقد بُني الإنسان الحديث، في كثير من فلسفات العصر وممارساته، على تصور ناقص: كائن يريد، يستهلك، ينتج، يختار، يستمتع، ويتنقل بين الفرص. لكنه لم يُرَ دائمًا بوصفه كائنًا يسأل عن الغاية، ويتوجع من العبث، ويحتاج إلى المعنى كما يحتاج الجسد إلى الهواء، ويملك في داخله شوقًا إلى ما يتجاوز حدود المنفعة واللذة والنجاح. حين يُختزل الإنسان في حاجاته، تتحول الحضارة إلى مصنع واسع لإدارة هذه الحاجات. وحين يُختزل في رغباته، تتحول الحرية إلى سوق مفتوحة لإشباعها. وحين يُختزل في أرقامه وسلوكه وقابليته للتأثير، يتحول الوعي نفسه إلى مادة قابلة للقياس والاستثمار والتوجيه.
“إن الحضارة الاستهلاكية لا تريد إنسانًا ممتلئًا، لأن الإنسان الممتلئ أقل قابلية للبيع والشراء والتوجيه. إنها تريده جائعًا على الدوام، لا جائعًا إلى الحقيقة، بل إلى الجديد، والسريع، والمثير، واللامع.”
كان الإنسان، عبر عصور طويلة، كائنًا يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن التحفيز. لم تكن حياته سهلة بالضرورة، ولا كان الماضي فردوسًا ضائعًا كما يتوهم بعض الحنين، لكن الإنسان كان يعيش غالبًا داخل أفقٍ يتجاوز اللحظة. كان الألم يجد له تفسيرًا، والتضحية تجد لها مقامًا، والموت لا يبدو انطفاءً ماديًا أخرس، والعمل لا ينفصل عن معنى الرسالة، والعلاقة بين الأرض والسماء تمنح الوجود عمقًا لا تملكه اللذة العابرة. أما الإنسان المعاصر فقد وُضع في عالم يقول له، تصريحًا أو تلميحًا: لا تسأل كثيرًا عن الغاية، بل استجب، جرّب، اشترِ، شاهد، انتقل، حدّث، استمتع، لا تتوقف. وهكذا انتقل من كائن يبحث عن المعنى إلى كائن يطارد التحفيز.
والتحفيز ليس معنى. إنه ومضة عصبية، صدمة صغيرة، إثارة عابرة، دفعة مؤقتة تدفع النفس إلى مزيد من الطلب دون أن تمنحها قرارًا. إن الحضارة الاستهلاكية لا تريد إنسانًا ممتلئًا، لأن الإنسان الممتلئ أقل قابلية للبيع والشراء والتوجيه. إنها تريده جائعًا على الدوام، لا جائعًا إلى الحقيقة، بل إلى الجديد، والسريع، والمثير، واللامع. تريده أن يشعر بأن ما لديه لا يكفي، وأن صورته لا تكفي، وأن يومه لا يكفي، وأن جسده لا يكفي، وأن نجاحه لا يكفي، وأنه محتاج دائمًا إلى جرعة أخرى من القبول والمتعة والانتباه. بهذا المعنى، لم تعد الرغبة حادثًا في حياة الإنسان، بل صارت نظامًا كاملًا لإدارته.
ومن هنا نفهم لماذا لا تنتج الوفرة الطمأنينة. فقد توهم الإنسان أن وفرة الأشياء ستسد فجوة النفس، وأن كثرة الخيارات ستمنحه السكينة، وأن الراحة المادية ستلغي القلق الوجودي. لكن الواقع كشف شيئًا آخر: الوفرة إذا انفصلت عن المعنى تتحول إلى عبء، وكثرة الخيارات إذا غاب عنها الميزان تتحول إلى تيه، والراحة إذا لم تلامس الروح تصبح مجرد استراحة جسدٍ قلق لا يعرف لماذا يستريح. قد يمتلك الإنسان بيتًا واسعًا ويشعر بضيق داخلي لا يطاق، وقد يملك وسائل الترف كلها ويظل عاجزًا عن مصالحة نفسه، وقد ينال ما كان يتمناه ثم يكتشف أن الرغبة حين تُشبع لا تموت، بل تخلع جلدها وتعود في هيئة أخرى.
إن الطمأنينة ليست سلعة تُنتجها السوق، ولا حالةً نفسيةً تُشترى بزيادة الدخل، ولا نتيجة آلية لتحسن مستوى المعيشة. الطمأنينة ثمرة نظام داخلي عميق، ثمرة انسجام بين ما يطلبه الجسد وما تتوق إليه الروح، بين الفعل والغاية، بين السعي والمعنى، بين اللحظة والمصير. وإذا أُشبِع الجسد وجاعت الروح، نشأت تلك الحالة العجيبة من التخمة المادية والمجاعة المعنوية. يصبح الإنسان محاطًا بالأشياء، لكنه عارٍ من السكينة. كمن يشرب من ماء البحر: يزداد بللًا ولا يرتوي، يزداد شربًا ولا يزداد إلا عطشًا.
“الطمأنينة ثمرة نظام داخلي عميق، ثمرة انسجام بين ما يطلبه الجسد وما تتوق إليه الروح، بين الفعل والغاية، بين السعي والمعنى، بين اللحظة والمصير.”
وقد جاءت التقنية الحديثة لتضاعف هذه المفارقة. فالآلة التي كان يفترض أن تحرر وقت الإنسان، التهمت انتباهه. والوسائل التي وُعد بأنها ستقرّب الناس، جعلت كثيرين أقرب في الصورة وأبعد في الحقيقة. لم تعد التقنية مجرد أداة محايدة يستعملها الإنسان ثم يضعها جانبًا، بل صارت بيئة كاملة تعيد تشكيل إدراكه، وتوزع انتباهه، وتحدد إيقاع يومه، وتغرس في داخله عادات نفسية جديدة. لقد تحوّل الانتباه الإنساني إلى سلعة، وصار وعي الإنسان سوقًا مفتوحة تتنافس عليها المنصات والشركات والإعلانات والخوارزميات.
والانتباه ليس تفصيلًا صغيرًا في الحياة؛ إنه المكان الذي تسكنه النفس. ما تنتبه إليه يتراكم فيك، وما يتكرر على بصرك وسمعك وخيالك يعيد تشكيل حساسيتك تجاه العالم. فإذا اختُطف انتباه الإنسان، اختُطفت أجزاء من حياته الداخلية. لم يعد يملك صمته، ولا وحدته، ولا زمنه العميق. صار يُستدعى في كل لحظة: إشعار، خبر عاجل، صورة، جدل، مقطع، تعليق، دعوة إلى غضب، دعوة إلى ضحك، دعوة إلى مقارنة، دعوة إلى شراء، دعوة إلى أن يكون حاضرًا في كل شيء وغائبًا عن نفسه. وفي هذا التشتت المستمر تضعف القدرة على التفكير الطويل، وعلى الصبر المعرفي، وعلى الإنصات للذات، وعلى تأمل الأسئلة التي لا تفتح نفسها لمن يمرّ عليها مسرعًا.
لذلك تبدو النفس الحديثة منهكة حتى في أوقات الراحة. فالراحة لم تعد عودة إلى السكينة، بل كثيرًا ما صارت انتقالًا من شاشة العمل إلى شاشة التسلية، ومن ضغط الإنتاج إلى ضغط المتابعة، ومن صخب الواجبات إلى صخب الإلهاء. يحمل الإنسان ضجيجه معه إلى فراشه، وإلى طعامه، وإلى عطلته، وإلى لحظات وحدته التي لم تعد وحدةً حقيقية، بل ازدحامًا صامتًا بأصوات الآخرين. هو منهك لا لأنه عمل كثيرًا فقط، بل لأنه لم يعد يتوقف. منهك لأن عقله لا ينام حين ينام جسده، ولأن روحه لا تجد فسحة تخلو فيها من المطاردة، ولأن العالم صار يدخل عليه من كل منفذ حتى لم تعد له غرفة داخلية يغلق بابها ليعود إلى نفسه.
إنها ليست مجرد أزمة نوم أو قلق أو ضغط يومي؛ إنها أزمة علاقة بالذات. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يصمت لا يستطيع أن يسمع. والذي لا يستطيع أن يخلو بنفسه لا يستطيع أن يعرفها. والذي يخاف من التوقف غالبًا يخاف مما سيظهر له حين يتوقف. لقد كان الصمت، في عصور الحكمة، محرابًا للروح، ومجالًا لنضج المعاني، وفضاءً تتصفى فيه الرؤية. أما اليوم فقد صار الصمت عند كثيرين فراغًا مخيفًا، لأنهم لم يعودوا يجدون في الداخل ما يؤنسهم. يهربون إلى الضجيج لا لأنه ممتع دائمًا، بل لأنه يحجب عنهم ذلك السؤال العاري: ماذا بقي مني حين تنطفئ الأصوات؟
وهنا ينبغي التفريق بين إشباع الرغبات وامتلاء الروح. فإشباع الرغبة حركة أفقية، تسعى إلى شيء خارجي، وتنتهي غالبًا إلى رغبة أخرى. أما امتلاء الروح فهو حركة عمودية نحو معنى أعلى، نحو حقٍّ يستحق التضحية، وخيرٍ يهذب السلوك، وجمالٍ يرفع الذوق، وعلاقة بالغيب تمنح المحدود أفقًا يتجاوز حدوده. الرغبة تقول: أعطني أكثر. الروح تقول: اجعلني أسمى. الرغبة لا تعرف الشبع الطويل؛ كلما أُشبعت عادت تطلب. أما الروح فإذا لامست معنى حقيقيًا، فإنها لا تنفصل عن الحاجة، لكنها تتحرر من عبوديتها. لا تصبح ضد الجسد، لكنها تمنع الجسد من أن يصير إلهًا صغيرًا.
لقد علّمت الحضارة الحديثة الإنسان كيف يُشبع رغبات كثيرة، لكنها لم تعلّمه كيف يملأ روحه. علّمته كيف يختار بين السلع، ولم تعلّمه كيف يختار بين المعاني. علّمته كيف يطالب بحقه في المتعة، ولم تعلّمه كيف يزن هذه المتعة بميزان الكرامة. علّمته كيف يطيل عمره، ولم تعلّمه دائمًا كيف يملأ هذا العمر بما يستحق البقاء. ولذلك قد نجد إنسانًا يملك وفرةً واسعةً من المتع، لكنه خفيف من الداخل، سريع الانكسار، قلقًا أمام أول فقد، مرتبكًا أمام أول وحدة، مذعورًا أمام أول سؤال لا تجيب عنه الآلة ولا السوق ولا الأرقام.
“إن الحضارة العظيمة حقًا ليست تلك التي تصنع آلات أذكى من الإنسان، بل تلك التي تصنع إنسانًا أرقى من آلته.”
وفي قلب هذه المعضلة يبرز سؤال الغيب. هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا غيب؟ لا ينبغي أن يُطرح هذا السؤال بوصفه جدلًا دينيًا ضيقًا، بل بوصفه سؤالًا عن بنية الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا ماديًا مكتفيًا بالمحسوس، ولو كان كذلك لكفته اللذة حين تأتي، ولكفاه الطعام حين يشبع، ولكفته الأشياء حين تتكاثر. لكنه يملك في داخله أشواقًا لا نهائية، وحسًا بالمطلق، وقلقًا أمام الموت، وبحثًا عن عدل لا تحده موازين القوة، ورغبة في معنى لا يزول بزوال اللحظة. إن عالمًا محدودًا لا يستطيع أن يشبع شوقًا لا محدودًا. ومن هنا لا يكون الغيب هروبًا من الواقع، بل أفقًا يحمي الواقع من أن يتحول إلى جدار مغلق.
الغيب، في معناه العميق، ليس إلغاءً للعقل ولا عداوةً للعلم ولا فرارًا من مسؤولية الأرض، بل اعتراف بأن الإنسان أوسع من المادة، وأن الوجود أعمق من سطحه، وأن الحياة لا يمكن أن تُختزل في تفاعلات كيميائية ومصالح مؤقتة وصراعات قوة. إن الإيمان بما يتجاوز المحسوس يمنح الألم معنى، والموت جلالًا، والأخلاق سندًا، والعدالة أفقًا، والإنسان كرامة لا تُختزل في إنتاجيته أو قدرته الشرائية. أما حين يُنزع الغيب من وجدان الإنسان نزعًا كاملًا، فإنه قد يصبح سيدًا على أشياء كثيرة، لكنه يصبح يتيمًا في الكون؛ قوي اليد، مرتجف القلب، كثير الأدوات، قليل الطمأنينة.
ليس المقصود بذلك إنكار قيمة العلوم التجريبية أو التقليل من جلال منافعها. فالعلم من أعظم ما وهبه الله للإنسان من أدوات الكشف والتسخير، وهو باب من أبواب قراءة العالم وفهم سننه. لكن العلم حين يعرف حدوده يكون نورًا، وحين يتحول إلى فلسفة مادية مغلقة تدعي تفسير الإنسان كله، يصبح قاصرًا عن أعظم ما في الإنسان. يستطيع العلم أن يصف دمعة اليتيم من حيث تركيبها، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر معناها الأخلاقي. يستطيع أن يدرس نبض القلب، لكنه لا يحيط بسر المحبة. يستطيع أن يقيس نشاط الدماغ، لكنه لا يختزل في القياس معنى التضحية والوفاء والندم والرجاء. إن المقاييس تصلح للأشياء، أما المعاني فتحتاج إلى أفق أوسع.
ومن هنا فإن أزمة الحضارة الحديثة ليست في أنها أنتجت العلم، بل في أنها سمحت أحيانًا لتصور مادي ضيق أن يحتكر تعريف الإنسان. وليست في أنها طورت التقنية، بل في أنها جعلت التقنية، في مواضع كثيرة، تعيد تشكيل الإنسان وفق منطقها: سرعة بلا تأمل، كفاءة بلا حكمة، اتصال بلا قرب، وفرة بلا امتلاء، حرية بلا غاية. إن المشكلة ليست في العالم الخارجي الذي فتحه الإنسان، بل في العالم الداخلي الذي أهمله. ليست في المدينة التي بناها، بل في النفس التي تركها بلا عمارة. ليست في الضوء الذي نشره في الشوارع، بل في الظلمة التي سمح لها أن تستقر في القلب.
إن الإنسان الذي فقد نفسه لا يشعر دائمًا بأنه فقدها. قد يكون ناجحًا، مشغولًا، محبوبًا، حاضرًا في المجال العام، متصلًا بآلاف البشر، محاطًا بمظاهر الإنجاز. لكنه في لحظة صمت مفاجئة يشعر بذلك الفراغ الذي لا يفسره نقص خارجي. يشعر أن شيئًا ما ليس في موضعه، أن الحياة تتحرك دون أن تتجه، وأن الأيام تُملأ دون أن تُثمر، وأن المتع تتكاثر دون أن تُنقذ، وأن الضجيج يعلو كلما انخفض صوت المعنى. هذه اللحظة، إن لم يهرب منها، قد تكون بداية العودة. فالإنسان لا يسترد نفسه إلا حين يعترف بأنه أضاعها، ولا يطلب المعنى بصدق إلا حين يكف عن تخدير فقده بالتحفيز.
والعودة ليست وصفة سريعة ولا برنامجًا جاهزًا يباع في سوق التنمية الذاتية. إنها ثورة باطنية هادئة، تبدأ من استرداد الإنسان سلطته على انتباهه، وعلى رغباته، وعلى وقته، وعلى علاقته بالصمت. تبدأ من أن يسأل: من يصنع يومي؟ من يختار ما أراه؟ من يدير خوفي ورغبتي وغضبي؟ هل أعيش، أم أستجيب فقط؟ هل أفكر، أم أستهلك أفكارًا جاهزة؟ هل أريد ما أريد فعلًا، أم أريد ما صُمم لي أن أريده؟ مثل هذه الأسئلة ليست ترفًا فلسفيًا، بل دفاع عن إنسانية الإنسان في زمن تحاول فيه قوى كثيرة أن تحول داخله إلى سوق مزدحم.
ولا يمكن استرداد الذات دون استرداد الصمت. فالصمت ليس غياب الصوت، بل حضور المعنى. هو المساحة التي يعود فيها الإنسان من التشتت إلى الوحدة، ومن الانفعال إلى البصيرة، ومن المطاردة إلى السكون. ليس الصمت عزلةً مريضة عن العالم، بل شرط للعودة إليه بوعي. من لا يصمت لا يرى إلا ما يفرضه الضجيج. ومن لا يتأمل لا يتجاوز سطح الحدث. ومن لا يخلو بنفسه لا يعرف هل هو صاحب حياته أم مجرد صدى لحياة صممها الآخرون. ولهذا كانت الخلوة، والقراءة العميقة، والصلاة، والتأمل، ومراجعة النفس، ومجالسة الطبيعة، ومقاومة فائض التفاهة، كلها ليست زوائد روحية، بل أدوات لاسترداد الإنسان من التبدد.
إن الحضارة العظيمة حقًا ليست تلك التي تصنع آلات أذكى من الإنسان، بل تلك التي تصنع إنسانًا أرقى من آلته. ليست تلك التي تملأ الأرض بضجيج الإنجاز، بل التي تمنح الإنسان قدرة على أن يعيش بكرامة ومعنى وسكينة. ليست تلك التي ترفع مستوى الاستهلاك وحده، بل التي ترفع مستوى الضمير. وليست تلك التي تُخضع الطبيعة للإنسان ثم تترك الإنسان عبدًا لشهوته وخوفه وفراغه، بل التي تجعل السيطرة على الخارج مقرونة بتهذيب الداخل. فالسيطرة على العالم لا تكفي إذا كان الإنسان عاجزًا عن السيطرة على نفسه، والانتصار على الطبيعة لا يكتمل إذا انتهى به الأمر إلى الهزيمة أمام التفاهة والقلق والعدم.
لذلك فإن تشخيص الأزمة ينبغي أن يكون أعمق من الخطابات السطحية الشائعة. ليست العلة فقط في الرأسمالية، وإن كان منطق السوق المتوحش قد ضاعفها. وليست فقط في التقنية، وإن كانت التقنية قد سرّعتها ووسعتها. وليست فقط في السياسة، وإن كان فساد السياسة يستثمرها. العلة الأعمق في تصور الإنسان حين يُختزل إلى مستهلك، أو منتج، أو رقم، أو رغبة، أو كائن بلا غيب، أو ذات بلا رسالة. فإذا فسد التصور، فسدت الأدوات ولو كانت بارعة، وفسدت الوفرة ولو كانت واسعة، وفسدت الحرية ولو كانت كثيرة الخيارات.
إن استعادة الإنسان لنفسه تقتضي إعادة بناء هذا التصور. أن يُرى الإنسان بوصفه كائنًا حاملًا للأمانة، لا مجرد كائن باحث عن اللذة؛ كائنًا محتاجًا إلى الحق كما يحتاج إلى الخبز، وإلى الخير كما يحتاج إلى الأمن، وإلى الجمال كما يحتاج إلى الراحة، وإلى الغيب كما يحتاج إلى الأرض. الإنسان لا يكتمل بما يملك، بل بما يكون. ولا يرتفع بما يستهلك، بل بما يزكو. ولا ينجو بمجرد أن يعرف أكثر، بل حين يصير ما يعرفه جزءًا من حكمة تعصمه من الابتذال.
وفي النهاية، تبدو الحضارة الحديثة عظيمة وخاوية في آن واحد لأنها عظّمت الوسيلة وأضاعت الغاية، أضاءت الخارج وتركت الداخل في عتمة، وسّعت قدرة الإنسان على الفعل وضيّقت قدرته على السكون، منحت الجسد أسباب الراحة وتركت الروح في عطشها القديم. وليس الخروج من هذا المأزق في كراهية العصر، ولا في الهروب من العالم، ولا في تحطيم الآلة، بل في إعادة الإنسان إلى مركز المعنى، وردّ التقنية إلى مقام الخدمة، والسوق إلى حدود الحاجة، والرغبة إلى موضعها، والصمت إلى محرابه، والغيب إلى أفقه، والحكمة إلى سلطانها.
فالإنسان الذي يسترد نفسه لا يعود عدوًا للحضارة، بل يصير معيارها. لا يرفض العمران، بل يطالب بأن يكون العمران في خدمة الروح لا قبرًا لها. لا يخاصم المعرفة، بل يريد لها أن تقود إلى الحكمة لا إلى الغرور. لا يحتقر الرفاهية، بل يرفض أن تكون بديلًا عن الطمأنينة. لا ينكر الحرية، بل يطلب حرية أعمق من الانقياد للرغبة. ذلك الإنسان، وحده، يستطيع أن يعيش في قلب العصر دون أن يبتلعه العصر؛ وأن يستخدم التقنية دون أن تستخدمه؛ وأن يدخل السوق دون أن يبيع روحه؛ وأن يصغي إلى العالم دون أن يفقد صوته الداخلي.
وحين يتعلم الإنسان أن يصمت ليعرف، وأن يعرف ليزكو، وأن يزكو ليعمر، تبدأ الحضارة في استعادة روحها. عندئذ لا تعود عظمتها زجاجًا وحديدًا وأسلاكًا وأرقامًا فحسب، بل تصبح عدلًا في السلوك، وسموًا في الذوق، وحكمة في المعرفة، وطمأنينة في القلب. أما قبل ذلك، فستظل الحضارة الحديثة كجسد جميل فقد روحه: مدهشة لمن ينظر إلى ملامحها، ومخيفة لمن يصغي إلى فراغها. والسؤال الذي يواجهنا ليس هل نستطيع أن نزيد قوتها، فقد فعلنا، بل هل نستطيع أن نعيد إليها الإنسان الذي فقدته في طريقها إلى القوة؟ هذا هو السؤال الذي لا يجوز أن نؤجله أكثر، لأن الحضارة التي تفقد الإنسان، مهما بلغت من المجد الظاهر، لا تنتصر في النهاية إلا على نفسها.
