الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائد

في تربية الوعي بالمسؤولية

كيف يتعلم الإنسان أن يتحمل ويتقبل نصيبه من العالم

لعل من أدق التحولات التي يصنعها النضج في الإنسان أن ينقله، بطيئًا وعلى غير ضجيج، من سؤال الطفولة الأزلي: «ماذا سيفعل العالم من أجلي؟» إلى سؤالٍ أشد وطأة وأرفع مقامًا: «ما الذي ينبغي أن أفعله أنا بما وضعه العالم بين يدي؟». وليس المقصود بالعالم هنا ذلك الاتساع المترامي الذي لا يبلغ الفرد أطرافه، وإنما نصيبه المحدود منه؛ نفسه التي اؤتمن عليها، والقرارات التي يملكها، والعلاقات التي دخلها، والحقوق التي تعلقت بذمته، والمساحة الصغيرة التي يستطيع فيها أن يزيد شيئًا من الصلاح أو يترك وراءه شيئًا من الفساد. ففي هَذِه المساحة، لا في ادعاء السيطرة على الحياة كلها، يولد الوعي بالمسؤولية؛ وحين يعجز الإنسان عن تمييزها مما ليس له، يتأرجح بين طفولتين متقابلتين؛ طفولةٍ تضع كل خطأ خارج الذات، وطفولةٍ أخرى تحمل الذات أوزارًا ليست لها حتى تكاد تختنق تحتها.

والطفل، بحكم تكوينه، يبدأ العالم من مركز ذاته؛ يجوع فيأتي الطعام، ويبكي فيأتي الحضن، ويتعب فيحمله غيره، ولا يستطيع بعد أن يتصور شبكة الأسباب والحقوق والحدود التي تجعل للحياة وجوهًا أخرى غير حاجته الآنية. وما التربية، في أحد أعمق معانيها، إلا فكٌّ متدرج لهَذِه المركزية الفطرية؛ فلا تحطمها قبل أوانها، ولا تتركها تستطيل حتى يدخل صاحبها الرشد وهو ما يزال يتوقع من الناس أن يدوروا في فلك رغباته. إنها تنقل إليه، قليلًا قليلًا، ما كان يحمله عنه الآخرون؛ يختار، ثم يرى أثر اختياره، ويخطئ، ثم يشارك في إصلاح خطئه، ويطلب، ثم يتعلم أن للطلب حدودًا، ويملك شيئًا من الحرية، ثم يكتشف أن الحرية ليست امتيازًا خالصًا، بل عهدًا تتبعه تبعة.

من هنا تتقرر قاعدةٌ تربوية لو اختل فهمها اختلت معها شخصية الإنسان؛ أن المسؤولية لا تُلقَّن بالتخويف من الخطأ، وإنما تُبنى بإقامة الصلة في وعي الطفل بين الفعل وأثره. فإذا بعثر شيئًا لم تكن الحكمة أن نصرخ في وجهه حتى يخاف من سقوط الأشياء، ولا أن نسارع نحن إلى إصلاح كل شيء كأن يده لم تمر من المكان، بل أن يرى أن ما أحدثه يستدعي منه فعلًا آخر يرممه؛ يجمع ما بعثر، ويمسح ما أراق، ويعتذر ممن آذى، ويعيد ما أخذ، بحسب عمره وطاقته. عندئذ لا تدخل النتيجة إلى وجدانه بوصفها عقوبةً ينتقم بها الكبير من الصغير، وإنما بوصفها امتدادًا طبيعيًّا للفعل، فينشأ داخله ذلك الخيط النفيس الذي يربط الاختيار بعاقبته قبل أن يشتد ساعده وتكبر اختياراته.

“الوعي بالمسؤولية يبدأ حين يتوقف الإنسان عن سؤال العالم عما يقدمه له، ويسأل نفسه عما يقدمه لنصيبه من العالم.”

أما حين تصبح التربية محكمةً لا هم لها إلا استخراج اعتراف، فإنها لا تصنع مسؤولية بقدر ما تصنع مهارةً في الإفلات منها. يسقط الكوب، فيتعالى السؤال لا ليُعرف ما وقع ويُصلح، وإنما ليُعثر على مذنب يُفرَّغ فيه الغضب؛ فيتعلم الطفل أن الحقيقة بابٌ إلى الألم، وأن النجاة ليست في ألا يخطئ، بل في ألا يثبت عليه الخطأ. ومن هنا تنبت أنماطٌ تظل تكبر معه وإن تغيرت الأسماء؛ كان صغيرًا يقول: أخي فعل، فإذا صار موظفًا قال: القسم الآخر قصّر، وإذا صار مديرًا ألقى الفشل على موظفيه، وإذا صار مسؤولًا سياسيًّا أورث السابقين كل الخراب، وظل في كل مرحلة يغير المذنب ولا يغير المنهج الذي تعلمه في أول عمره؛ إذا وقع الخطأ، فابحث أولًا عن كتفٍ آخر. ولهذا يفسد الخلط بين المسؤولية واللوم التربية من أصلها؛ فاللوم ينشغل غالبًا بتحديد موضع التقصير، وقد يكون مطلوبًا حين تتعلق به الحقوق، لكنه إذا توقف هناك خلّف وراءه مذنبًا معروفًا ومشكلةً قائمة. أما المسؤولية فتتجاوز السؤال عمن أخطأ إلى السؤال عما ينبغي أن يحدث بعدما وقع الخطأ. ولئن كان من مقتضى العدل ألا يُمحى الفاعل من الفعل، فمن مقتضى الحكمة كذلك ألا يتحول العثور عليه إلى غايةٍ تغنينا عن الإصلاح؛ إذ ما نفع أن نعرف من كسر النافذة إذا ظل البرد يدخل منها، أو من أخطأ القرار إذا بقي النظام الذي أنشأ الخطأ قادرًا على تكراره؟

والفارق بينهما يتضح أكثر حين تقع على الإنسان أشياء لم يكن هو منشأها؛ فمن تعرض لظلمٍ ليس مسؤولًا عن جريمة ظالمه، ومن نشأ في بيت مضطرب ليس مذنبًا في جراح طفولته، ومن أصابه مرضٌ لم يختره لا يحمل تبعة المرض الأخلاقية، غير أن الحياة لا تتوقف عند سؤال المنشأ، وهنالك يبدأ السؤال الأصعب: ما الذي صار في قدرتي الآن بعدما وقع ما لم يكن في قدرتي من قبل؟ وهذا السؤال لا ينقل الذنب من الظالم إلى المظلوم، ولا يبرئ الجاني بحيلةٍ لغوية، وإنما يعيد إلى المتأذي ما يمكن أن يستعيده من فاعليته؛ فأنا لا أملك أن أبدل طفولتي، لكنني أملك، حين أنضج، أن أختار أي شيء من آلامها سأورثه لمن بعدي، ولا أملك أن أمحو الخيانة التي وقعت علي، لكنني أملك ألا أجعلها مبررًا لأن أخون كل من اقترب مني.

ولعل من أشد ما أفسده الخطاب النفسي السطحي أنه خلط أحيانًا بين هَذَيْنِ المقامين؛ فإما أن يُقال للإنسان إنك تصنع واقعك كله، فيُحمَّل ما لم يصنع ويُلام على قدرٍ لا سلطان له عليه، وإما أن يُختزل في جراحه حتى يغدو ماضيه تفسيرًا أبديًّا لكل حاضرٍ يصنعه. وبين القسوتين تضيع الحقيقة؛ فالإنسان ابن ظروفه من وجه، وصانع نفسه من وجه آخر، وليس عدلًا أن ننكر الأول، كما ليس نضجًا أن نجعل الأول قاتلًا للثاني. لقد تأتيك البدايات من غير اختيارك، ولكنها لا تمنحك، بعد اتساع قدرتك، حقًّا مطلقًا في إعفاء النهايات من نصيبك. وهنا ينبغي أن نضع حدًّا آخر دقيقًا بين «تحمل المسؤولية وجلد الذات»؛ فهما قد يتشابهان في الظاهر حتى يبدو أشد الناس قسوةً على نفسه أصدقهم محاسبةً لها، مع أن المسافة بينهما شاسعة. المسؤولية دقيقةٌ تحدد موضع الخطأ وتطلب ما يناسبه من إصلاح، أما جلد الذات فيحوّل الخطأ المحدود إلى حكمٍ شامل على الإنسان؛ لا يقول: أخطأت في هَذَا التقدير، بل أنا فاشل؛ ولا: قصرت في هَذَا الواجب، بل لا خير فيّ؛ فتنتقل النفس من مواجهة فعلٍ قابل للتغيير إلى محاكمة وجودها كله، وينقلب الندم من قوة تصحيح إلى استنزافٍ يلتهم القدرة على الفعل.

“اللوم ينشغل بمن أخطأ، أما المسؤولية فتتجاوز ذلك إلى السؤال عما ينبغي أن يحدث بعد وقوع الخطأ.”

وليس جلد الذات تواضعًا زائدًا كما يُتوهم، بل قد يكون لونًا خفيًّا من الدوران حول النفس؛ فالإنسان الذي آذى غيره ثم انصرف ساعاتٍ يقول: ما أسوأني، ما أفسدني، ما أحقّرني، قد يكون قد جعل نفسه مرةً أخرى مركز الحكاية، بينما بقي المتضرر ينتظر اعتذارًا أو حقًّا أو تغييرًا في السلوك. والمسؤولية لا تحتاج كل هَذِه المآتم الداخلية؛ يكفيها من الصدق ما يجعل صاحبها يقول: هَذَا خطئي، وهَذَا أثره، وهَذَا ما أستطيع إصلاحه، وهَذَا ما سأغيره كيلا يعود. إنها لا تحطم الذات حتى تصلح الفعل، بل تحفظ من كرامتها ما يجعلها قادرةً على الرجوع. ومن هنا كان من أجلّ ما ينبغي أن يتعلمه الطفل لغةً تفرق بين ذاته وسلوكه؛ فلا يقال له: «أنت كاذب» حيث يكفي أن يقال: «ما قلته غير صحيح»، ولا: «أنت مهمل» حين يكون المقصود: «أهملت واجبك اليوم». فالكلمات التي تبدو للبالغ عابرة قد تتحول في وعي الطفل إلى تعريفاتٍ يسكن داخلها، ثم يصبح الفعل عنده دليلًا على جوهر ثابت بدل أن يكون سلوكًا قابلًا للإصلاح. إننا حين نفصل الإنسان عن خطئه لا نخفف من مسؤوليته، بل نجعل المسؤولية ممكنة؛ فالذي لا يرى في نفسه إلا الخراب لا يجد سببًا جادًّا للبناء.

وعلى الضفة الأخرى يقف تضخم المسؤولية؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يمد يده إلى دوائر لم يضعها الله في قدرته، فيحاول ضبط مشاعر الناس نحوه، ونتائج أبنائه، واختيارات من يحب، وتقلّبات الحياة، ثم يفسر كل ما خرج عن يده تقصيرًا أخلاقيًّا منه. ومن هنا تأتي أهمية الوعي بحدود التكليف؛ فالقاعدة القرآنية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ليست وعدًا بالرحمة فحسب، بل ميزانٌ دقيق للمسؤولية؛ حيث لا وسع لا تكليف، وحيث يوجد الوسع يبدأ السؤال. ولذلك لا يكون نضج الإنسان في أن يقول عن كل شيء «هَذَا شأني»، كما لا يكون في أن يقول عن كل شيء «ليس بيدي»؛ بل في أن يحسن رسم الحدود بين الدائرتين. وما أشق هَذِه المهارة، لأن النفس تميل إلى الخلط حين يكون في الخلط مصلحة؛ توسع دائرة العجز عندما تريد أن تعتذر عن تقصيرها، ثم توسع دائرة السيطرة عندما تريد أن تلوم نفسها أو تسيطر على غيرها. أما العقل المسؤول فيتعامل مع الواقع بميزانٍ أقل هوى؛ يعترف بما لا يملكه كيلا يبدد عمره في محاربة المستحيل، ويتمسك بما يملكه كيلا يجعل المستحيل ستارًا يخبئ خلفه الممكن.

إنَّ الذي يشكو فساد بيئة عمله قد يكون مصيبًا تمامًا، غير أن إصابته لا تعفيه من سؤال نصيبه؛ هل أضاف إلى الفساد كذبةً صغيرة لأن «الجميع يفعل»، أم قاومه في المساحة التي يملكها؟ والذي يعيش تحت نظامٍ سياسي جائر ليس مسؤولًا عن بناء آلة القهر التي تعلوه، لكن ذلك لا يجعل كل سلوكٍ اجتماعي يصدر عنه خارج المحاسبة؛ فما نفع أن يلعن فساد الدولة ثم يقدم رشوة كلما استعجل مصلحة، أو يندد بالمحسوبية ثم يستعمل قرابته متى فتحت له بابًا؟ وليس المقصود هنا مساواة الضعيف بالقوي، ولا توزيع الجريمة بالتساوي حتى يضيع موقع السلطة؛ فمن اتسعت قدرته اتسع معها نصيبه من المسؤولية، والحاكم ليس كالمحكوم، والمدير ليس كالموظف، والأب ليس كالطفل، وصاحب القرار ليس كمن لا يملك إلا هامش التنفيذ. إن من أكثر أشكال الظلم خسةً أن تُستعمل لغة المسؤولية لإلقاء أوزار الأعلى على الأدنى، فيُطلب من العامل أن يتحمل نتائج قرار لم يصنعه، ومن الضحية أن تصلح نظامًا سحقها، ومن المواطن أن يُدان بفساد مؤسسة لا يستطيع الاقتراب من مفاتيحها.

لكن مقابلة هَذَا الظلم بإلغاء الفاعلية الفردية لا تقل خطورة؛ إذ يتحول الإنسان حينئذ إلى مخلوقٍ يملك في تفسيره لكل شيء سببًا خارجيًّا، ولا يملك في حياته فعلًا داخليًّا واحدًا. وهكذا تنشأ «دائرة الأعذار» لا لأنها كاذبة كلها، بل لأن حقائقها تُستعمل في غير موضعها؛ الظروف صعبة حقًّا، والنظام مختل حقًّا، والتربية الأولى تركت آثارًا حقًّا، لكن السؤال الذي يصنع الفرق يبقى؛ وماذا فعلت أنت داخل القدر الذي بقي لك؟

“جلد الذات ليس تواضعًا بل دورانٌ حول النفس، أما المسؤولية فتعترف بالخطأ وتصلح أثره دون تحطيم الذات.”

إن العقل المسؤول لا ينكر الجدار لأنه يريد أن يبدو قويًّا، ولا يجلس أمامه بقية حياته لأنه وجد تفسيرًا مقنعًا لعجزه؛ يبحث عن الباب، فإن لم يكن، بحث عما يستطيع بناءه في المساحة التي قبل الجدار. وهذه ليست فلسفةً رخيصة في «التفكير الإيجابي»، بل منطقٌ أخلاقي في توزيع الجهد؛ أن لا تنفق قدرتك فيما لا تملك، ولا تجعل ما لا تملك حجةً لترك ما تملك. وفي الأسرة يبدأ هَذَا المنهج قبل أن يصبح فكرةً واعية؛ فالبيت الذي يحل الوالدان فيه كل مشكلة نيابةً عن الأبناء قد يبدو بيتًا مفعمًا بالعناية، لكنه يسرق منهم، مع كل إنقاذٍ زائد، جزءًا من خبرة السببية. ينسى الابن واجبه فتتصل الأم بالمدرس وتنسج له عذرًا، ويضيع ماله فيعوّضه الأب في كل مرة، ويسيء إلى أخيه فيُطلب من المظلوم أن يتنازل سريعًا كي يعود الهدوء؛ فيتعلم الطفل أن الآثار يمكن محوها بواسطة سلطة أكبر، وأن خطأه لا يحتاج إلى أكثر من ضيقٍ عابر قبل أن يتولى غيره ترتيب الخراب.

والحب الذي يخشى على الطفل من كل نتيجةٍ ليس حبًّا ناضجًا؛ فبعض النتائج، ما دامت آمنة ومتناسبة، جزء من التربية نفسها. أن ينسى غرضًا فيتحمل نقصه يومًا، وأن يبدد جزءًا من مصروفه فلا يُعاد إليه فورًا، وأن يتأخر في عملٍ فيفوته بعض ما أراد؛ كل ذلك يكتب في وجدانه قانونًا لا تستطيع المحاضرات كتابته؛ الاختيارات لا تنتهي عند لحظة الاختيار. لكن هَذَا كله يحتاج إلى ميزانٍ لا إلى قسوة؛ فالطفل لا يحمل مسؤوليات الراشد، وطاقته المحدودة جزء من الحكم عليه. لا يجوز أن نحمله صراعات أبويه، ولا أن نجعله حارسًا لمزاج أمه، ولا أن نقول له إن مرض أبيه أو شقاء الأسرة سببه؛ فهناك بيوتٌ تربي أبناءً شديدي «المسؤولية» في الظاهر بينما هم في الحقيقة أطفالٌ تعلموا مراقبة الجميع لأنهم عاشوا خائفين من انهيار البيت. يكبر الواحد منهم وهو يعتذر عن كل شيء، ويحسب كل غضبٍ حوله ذنبًا له، ويستنزف نفسه في إصلاح حياة الآخرين؛ وهذا ليس اكتمالًا أخلاقيًّا، بل أثر حملٍ وُضع على كتفه قبل أوانه.

التربية الرفيعة إذًا لا توسع المسؤولية حتى تبتلع الإنسان، ولا تضيقها حتى تفرغه من الإرادة؛ إنها تمنحه كلما نما مساحةً أكبر من الاختيار، وتقابلها بمساحةٍ أكبر من التبعة، فيشعر أن الحرية لا تصل إليه منفردة. ومن هنا تتصل المسؤولية بالحرية اتصال الأصل بفرعه؛ فحريةٌ تريد القرار لنفسها والنتيجة لغيرها ليست حرية راشد، بل نزوة طفلٍ كبر جسده وبقي منطقه الأول. ومن أراد اختيار دراسته خلاف رأي أسرته فله أن يطالب بحقه في الاختيار، لكن تمام اختياره أن يعلم أن بعض نتائج هَذَا القرار ستعود إليه، فلا يجعل أهله مذنبين إذا تعثرت الطريق التي اختارها. ومن تزوج بإرادته لا يستطيع أن يتحدث عن حقوق الحرية الفردية كما لو أن رابطةً لم تنشأ، ومن اختار الأبوة لم يعد قادرًا أخلاقيًّا على ترتيب حياته كأن وجود الطفل حادثٌ يخص غيره. كل اختيارٍ كبير يخلق بعده مساحةً جديدة من الواجب؛ ولهذا لا تنقص المسؤولية الحرية، وإنما تمنحها جديتها.

“الحرية بلا مسؤولية ليست حرية راشد، بل نزوة طفل يريد القرار لنفسه والنتيجة لغيرها.”

إن الحرية بلا مسؤولية تتحول إلى استهلاكٍ للخيارات؛ يريد صاحبها أن يجرب كل باب من غير أن يحمل شيئًا مما وراءه، وأن يعدل كلما ثقل عليه الالتزام، وأن يعيد تعريف القيود كلما بدأت اختيارات الأمس تطلب منه ثمنها. أما الناضج فيعرف أن بعض القيود ليست نقيضًا للحرية، بل أولادًا لها؛ أنا الذي اخترت، ومن ثم صار لهَذَا الاختيار حقٌّ عليّ. وتظهر هَذِه الحقيقة في العمل كما تظهر في الحياة الخاصة؛ فالعامل الذي لا يرى من المؤسسة إلا ما كتب في خانة مهامه قد يؤدي وظيفته ولا يحمل مسؤوليتها. ثمة فرق بين من يقول: «لم يكن ذلك ضمن اختصاصي» ليحفظ حدودًا عادلة للعمل، ومن يقوله وهو يرى خللًا سيصيب الجميع ثم يتركه يتم لأنه ضمن لنفسه براءةً إدارية. العقل المسؤول لا يعني أن يحمل الموظف المؤسسة على ظهره، لكنه يعني أن يرى أثر عمله خارج السطر الذي يوقع عليه. وكذلك المدير؛ إن أراد من الناس روح المسؤولية فلا يجوز أن يصنع لهم بيئةً يكون الاعتراف فيها أخطر من الخطأ. فكم من المؤسسات تتحدث عن «المساءلة» ثم تعاقب أول من يقول الحقيقة، وتبحث بعد الفشل عن اسمٍ صغير تحمله ما تراكم في بنيةٍ كبيرة، وتكافئ من أتقن حماية صورته لا من كشف الخلل في وقته؛ ثم تتساءل لماذا يخفي الموظفون الأخبار السيئة ويكتب كل واحد منهم مراسلات تحفظ براءته أكثر مما تحفظ العمل.

إن بيئةً كهذه لا تبني مسؤولية، بل تبني «فن النجاة من المسؤولية». ومن هنا فإن بناء العقل المسؤول يحتاج إلى نظامٍ تربوي ومؤسسي يغير طبيعة الأسئلة نفسها. لا يكون أول ما نسأل الطفل أو الموظف أو أنفسنا بعد كل إخفاق: «من المذنب؟»؛ بل: ماذا حدث؟ ما الذي كان تحت سيطرتنا؟ ما الذي لم يكن كذلك؟ أين أخطأنا في التقدير؟ ماذا نستطيع أن نصلح الآن؟ وكيف نمنع تكراره؟ وعند الحاجة إلى تحديد المقصر نفعل ذلك بوضوح، لكن داخل مشروع الإصلاح لا بدلًا منه. بهذه الأسئلة يتحول الخطأ من حفرة كرامةٍ يريد الجميع القفز بعيدًا عنها إلى مادةٍ للمعرفة. ولا يعود الاعتراف نهاية القضية، وإنما بدايتها؛ إذ ليس المهم أن ينتزع الأب من ابنه جملة «أنا غلطان»، بل أن يخرج الطفل وقد عرف أين أخطأ، وما الذي سببه، وما الذي كان يستطيع فعله على وجهٍ آخر. وما أكثر الاعتذارات التي لا تبني خلقًا لأنها أُديت كما تؤدى كلمة السر لفتح باب العقوبة وإغلاقه.

ولا ينفصل هَذَا كله عن التصور القرآني للإنسان؛ فالقرآن لا يذيبه في نسبه ولا قومه ولا جماعته حتى تضيع مسؤوليته، ولا يحمله أوزار غيره حتى يصبح الوجود كله محكمةً ضده ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ثم يعيده إلى كسبه هو ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. وبين الآيتين ينهض ميزان بالغ الدقة؛ لا تنقل وزرك إلى غيرك، ولا تحمل وزر غيرك، واحمل من العالم ما مرّ من يدك أنت. وحتى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لا يصح أن يُستعمل عصًا على ظهور المقهورين، كأن كل ظلم نزل بهم شاهدٌ على فسادهم، وإنما يحمل معنىً أعمق في الفاعلية؛ أن التغيير الخارجي لا يستقيم طويلًا إذا ظلت البنية التي تعيد إنتاجه حيةً في الداخل، وأن الإنسان والجماعة لا يستطيعان انتظار العالم كله كي يتغير أولًا قبل أن يبدآ فيما يملكانه من أنفسهما. وعند هَذَا الحد تلتقي المسؤولية بالتواضع لقاءً عجيبًا؛ فالتواضع ليس أن يقلل الإنسان من شأن نفسه فقط، وإنما أن يعرف مقدارها حقًّا؛ فلا ينسب إليها قدرة الله، ولا يعفيها من قدرة الإنسان. يقول أمام ما خرج من يده: لم أكن أملك هَذَا، فلا أقتل نفسي عليه؛ ويقول أمام ما كان له: كان لي هنا اختيار، فلا أكذب على نفسي. وبين الجملتين يعيش العقل الراشد؛ لا منتفخًا بوهم السيطرة، ولا مختبئًا في وهم العجز.

ولعل أعظم ما يمكن أن تمنحه التربية لإنسانٍ أن توصله إلى هَذِه المنطقة من الاتزان؛ حيث يستطيع أن ينظر إلى ماضيه من غير أن يتحول إلى محامٍ عنه أو جلادٍ له، فيرى ما أُعطي وما حُرم، وما فُعل به وما فعله، وما لم يكن يستطيع وما صار يستطيع، ثم لا يجعل شيئًا من ذلك أكبر من موضعه. فالماضي الذي يُفهم جيدًا لا يعود سجنًا ولا حجة، بل معرفةً تساعد الإنسان على ألا يكرر نفسه. عندئذ يستطيع من نشأ في بيتٍ قاسٍ أن يقول: لم أختر ما حدث لي، ولكنه لن يختار عني كيف أكون أبًا. ويستطيع من عاش في مجتمعٍ فاسد أن يقول: لم أصنع هَذِه المنظومة وحدي، لكنها لن تحصل مني على الكذبة الصغيرة التي تضمن استمرارها كلما استطعت الامتناع. ويستطيع من أخفق أن يقول: بعض ما وقع لم يكن بيدي، وبعضه كان، وسأضع يدي حيث كان نصيبي بدل أن أهدرها في الشكوى مما لم يكن.

“احمل نصيبك كاملًا ودع عنك ما ليس نصيبك؛ فليس مطلوبًا منك أن تحمل العالم بل أن تصون ما مرَّ إلى أمانتك.”

ذلك هو العقل المسؤول؛ لا عقلًا مهووسًا بإدانة نفسه، ولا عقلًا بارعًا في تبرئتها، بل عقلًا مولعًا بوضع كل شيءٍ في موضعه؛ يعطي الظروف حقها من التفسير من غير أن يمنحها حق السيادة، ويعطي الذات نصيبها من المحاسبة من غير أن يحولها إلى مذبح، ويعرف أن الإنسان لا يملك العالم، لكنه يملك على الدوام تقريبًا شيئًا في طريقته في لقائه. ومن هنا تصبح المسؤولية شرطًا للنضج لا لأنها تجعل الحياة أكثر ثقلاً، بل لأنها تعيد للإنسان فاعليته؛ فالطفل يحتاج دائمًا إلى من يأتي بعده ليصلح، أما الراشد فيبدأ في ترك الأشياء أصلح مما وجدها، أو على الأقل يعرف أن ما مرّ من يده ترك فيه أثرًا سيعود إليه أو إلى غيره. إنه لا يطلب من الحياة أن تعفيه من النتائج كي تثبت له أنه حر، بل يرى في قدرته على حمل النتائج دليلًا على أنه صار أهلًا للحرية.

وما أكثر ما نطالب بالحرية قبل أن نسأل أنفسنا: هل نحتمل أن نكون أصحاب قرار إذا لم نستطع بعد ذلك تعليق كل ما يترتب عليه على شماعةٍ خارجنا؟ فالحرية الحقيقية لا تقول: دعوني أفعل ما أشاء؛ ثم تنتهي الجملة. إن لها نصفًا آخر لا يكتمل معناها بدونه؛ وسأحمل، بقدر عدلي وقدرتي، ما يترتب على ما اخترته. وفي الـ«بقدر» هَذِه يكمن جوهر الأمر كله؛ فلا تهرب مما كان لك، ولا تستولِ على ما ليس عليك. لا تجعل الظروف إلهًا يكتب مصيرك، ولا تجعل نفسك إلهًا يتوهم أنه كان يستطيع منع كل شيء. احمل نصيبك كاملًا، ودع عنك ما ليس نصيبك؛ لأن الإنسان لا يُطلب منه أن يحمل العالم، وإنما أن يصون من الضياع ذلك الجزء الصغير منه الذي مرَّ إلى أمانته.

فإذا أفلحت التربية في غرس هَذَا الميزان، لم تعد المسؤولية عند الإنسان سوطًا يخشاه، ولا تهمةً يتفنن في الإفلات منها، وإنما صارت صورةً من صور كرامته؛ إذ ما معنى أن يكون المرء صاحب إرادة إذا كان يريد دائمًا أن يكون غيره صاحب التبعة؟ هناك فقط يكتمل معنى الرشد؛ حين لا يحتاج الإنسان إلى براءةٍ كاذبة كي يحب نفسه، ولا إلى إدانةٍ ظالمة كي يثبت ضميره؛ وحين يستطيع، وسط ضجيج الظروف والناس والماضي، أن يمد يده بهدوء إلى الجزء الذي يخصه ويقول: هَذَا لي؛ لن أحمله على أحد، ولن أحمّل نفسي ما سواه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى