لَيْسَ الغِيَابُ، يَا أَقْرَبَ مَنْ نَأَى، مُجَرَّدَ فَرَاغٍ عَابِرٍ يَسْتَبِدُّ فِي مَدَارَاتِ الرُّوحِ، أَوْ أَنْ تَخْلُوَ الأَرْضُ مِنْ وَقْعِ خُطَاكِ المُقَدَّسَةِ؛ بَلْ هُوَ ذَلِكَ الاِنْطِفَاءُ الكَوْنِيُّ الَّذِي يُجَرِّدُ الأَشْيَاءَ مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى البَوْحِ، وَأَنْ يَصِيرَ الوُجُودُ بِرُمَّتِهِ كِتَابًا لَا تَدُلُّ حُرُوفُهُ عَلَى مَعْنًى، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْهُ رُوحُ النَّصِّ. إِنَّهُ اخْتِلَالٌ جَائِرٌ فِي هِنْدَسَةِ الدَّاخِلِ، وَانْحِرَافٌ صَامِتٌ فِي بُوصَلَةِ الوِجْدَانِ، وَخَرِيطَةٌ تُرْسَمُ فِي القَلْبِ بِمِدَادِ الاِنْتِظَارِ، تَبُثُّ ظِلَالَهَا فِي دَيَاجِيرِ اليَأْسِ كُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَارَبْتُ آخِرَ حُدُودِهَا، انْفَتَحَتْ فِيهَا مَمَالِكُ أُخْرَى مِنَ الوَحْشَةِ، وَطُرُقٌ أُخْرَى مِنَ التَّلَهُّفِ، وَمَفَازَاتٌ أُخْرَى لَا يَعْبُرُهَا إِلَّا قَلْبٌ جَرَّبَ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ يُحِبُّ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا يَحْمِلُ المَسَافِرُ وَطَنَهُ فِي جُرْحِهِ القَابِعِ فِي مَكَامِنِ الخَاطِرِ. حِينَ تَغِيبِينَ، لَا يَنْقُصُ العَالَمُ مَشْهَدًا ظَاهِرًا يَلْحَظُهُ العَابِرُونَ، وَلَا تَنْقُصُ الأَيَّامُ مِنْ عَدَدِهَا المَوْقُوتِ، وَلَكِنَّهَا تَفْقِدُ دَلَالَتَهَا العُظْمَى وَسِرَّهَا المُقِيمَ فِي نَبْضِ اللَّحْظَةِ؛ فَتَبْقَى الشَّمْسُ قُرْصًا مِنْ لَهِيبٍ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ، وَيَظَلُّ الزَّمَانُ يَدُورُ فِي فَرَاغَاتِهِ، غَيْرَ أَنَّ القَلْبَ المُتَبَتِّلَ لَا يَعُودُ يَثِقُ بِتَقْوِيمِ العَالَمِينَ، وَتَغْدُو رُوحُ الأَشْيَاءِ مُنْسَحِبَةً إِلَى عَدَمِهَا، كَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً انْتَزَعَتْ طَرَاوَةَ البِدَايَةِ عَنْ وَجْهِ الكَوْنِ فَشَاخَ الضَّوْءُ فِي مَهْدِهِ.
لَسْتُ أَخَافُ الغِيَابَ لِأَنَّهُ يُبْعِدُكِ عَنِّي، بَلْ لِأَنَّهُ يُقَرِّبُنِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَكُونُ دُونَكِ؛ كَائِنًا يُحَاوِلُ أَنْ يَتَمَاسَكَ عَلَى حَافَّةِ رِيحٍ، وَيُقْنِعَ قَلْبَهُ أَنَّ النَّبْضَ وَحْدَهُ يَكْفِي لِإِثْبَاتِ الحَيَاةِ. وَمَا الحَيَاةُ، إِذَا غِبْتِ، إِلَّا تَرْتِيبٌ بَارِدٌ لِلْأَيَّامِ؛ تَمْضِي السَّاعَاتُ فِيهَا كَمَا تَمْضِي القَوَافِلُ فِي صَحْرَاءَ لَا بُشْرَى فِيهَا وَلَا مَاءَ، وَيَقِفُ القَلْبُ عَلَى بَابِهِ كَحَارِسٍ أَنْهَكَهُ الاِنْتِظَارُ، يَفْتَحُ لِكُلِّ صَوْتٍ، ثُمَّ يَعُودُ أَكْثَرَ وَحْدَةً مِمَّا كَانَ.
حِينَ تَغِيبِينَ، يَتَغَيَّرُ مَقَامُ الصَّمْتِ فِي دَاخِلِي؛ لَا يَبْقَى سُكُونًا وَدِيعًا تَسْتَرِيحُ فِيهِ الرُّوحُ، بَلْ يَصِيرُ كَائِنًا مُتَرَبِّصًا يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ الذَّاكِرَةِ. أَسْمَعُهُ فِي خُفُوتِ الأَثَرِ، وَفِي ارْتِجَافِ الفِكْرَةِ قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ Mُرَّةِ حِينَ يَهُمُّ القَلْبُ أَنْ يَفْرَحَ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أَنَّ الفَرَحَ، مَا لَمْ يَمُرَّ مِنْ عَيْنَيْكِ، لَا يَكْتَسِبُ شَرْعِيَّتَهُ العَذْبَةَ. هُنَاكَ أُدْرِكُ أَنَّ الغِيَابَ لَيْسَ فَاصِلًا بَيْنَ جَسَدَيْنِ، بَلْ بَابٌ يَنْفَتِحُ فِي الرُّوحِ عَلَى مَمَالِكِ الفَقْدِ.
وَفِي رِحْلَةِ الاِنْتِظَارِ المُتَشَعِّبِ بَيْنَ التَّرَقُّبِ وَالتَّوَقُّدِ، وَبَيْنَ التَّلَهُّفِ وَالتَّخَوُّفِ، يَنْهَضُ فِيَّ سُؤَالٌ لَا يَشِيبُ وَلَا يَنْصَرِفُ: أَهَذَا الَّذِي أَحْمِلُهُ حُبٌّ، أَمْ وَطَنٌ أُقيمُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ أَرَ أَسْوَارَهُ؟ أَهَذَا الَّذِي يُتْعِبُنِي بُعْدٌ، أَمْ شَهَادَةٌ أُخْرَى عَلَى أَنَّ القَلْبَ، إِذَا صَدَقَ، صَارَتِ المَسَافَةُ فِيهِ مَعْنًى لَا مِقْدَارًا؟ وَأَقُولُ، وَقَدْ أَعْيَانِي التَّفَسِيرُ: إِنَّهُ أَنْتِ حِينَ لَا تَكُونِينَ هُنَا، وَأَنْتِ حِينَ تَكُونِينَ هُنَا أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ هُنَا.
وَإِنِّي, مَعَ مَا فِي الغِيَابِ مِنْ ضَرَاوَةٍ وَضَنًى، لَا أُرِيدُ أَنْ أَمْحُوَهُ مِنْ سِفْرِ العُمْرِ كُلَّهُ؛ فَلَوْلَاهُ لَمَا عَرَفْتُ كَمْ أَنْتِ مُتَوَغِّلَةٌ فِيَّ، وَلَمَا عَلِمْتُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ أَعْمَاقًا لَا تَنْكَشِفُ إِلَّا حِينَ يَفْقِدُ مَا يُحِبُّ عَنْ عَيْنِهِ وَيَجِدَهُ مُقِيمًا فِي كُلِّ مَا وَرَاءَ العَيْنِ. الغِيَابُ هُنَا لَيْسَ خَصْمًا خَالِصًا، بَلْ مُعَلِّمٌ قَاسٍ، يُرِينِي أَنَّكِ لَسْتِ زِينَةَ يَوْمٍ، وَلَا فَرَحَةَ مَوْسِمٍ، وَلَا عَابِرَةً فِي هَامِشِ الحَيَاةِ؛ بَلْ أَنْتِ المَعْنَى الَّذِي إِإذَا تَأَخَّرَ اضْطَرَبَتِ العِبَارَةُ كُلُّهَا.
وَكَمْ يُوجِعُنِي أَنَّ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا تَعْرِفُكِ، ثُمَّ تَتَظَاهَرُ أَمَامِي بِالحِيَادِ. هَذَا المَقْعَدُ الَّذِي لَمْ تَجْلِسِي عَلَيْهِ اليَوْمَ يَنْظُرُ إِلَيَّ كَمَنْ يَعْرِفُ سِرًّا وَلَا يَقُولُهُ. وَهَذَا الفِنْجَانُ الَّذِي لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ، يَحْمِلُ فِي بَيَاضِهِ أَثَرَ مَسَاءٍ كَانَ أَرْحَمَ بِي. وَالنَّافِذَةُ، كَمَا لَوْ أَنَّهَا عَيْنُ بَيْتٍ أَعْيَاهُ الاِنْتِظَارُ، تُطِلُّ عَلَى الطَّرِيقِ لَا لِتَرَى المَارَّةَ، بَلْ لِتَسْأَلَ مَتَى تَعُودُ الخُطْوَةُ الَّتِي كَانَتْ تَمْنَحُ العَتَبَةَ مَعْنَاهَا.
لَيْسَ فِي الغِيَابِ مَا يُدَمِّرُ صَخْبًا، وَلَكِنَّ فِيهِ مَا يَنْخُرُ الرُّوحَ بِهُدُوءٍ مُتْرَفٍ فِي قَسْوَتِهِ. إِنَّهُ لَا يَأْتِي كَالعَاصِفَةِ، بَلْ كَالغُبَارِ النَّاعِمِ؛ يَسْتَقِرُّ عَلَى المَرَايَا حَتَّى تَنْسَى وُجُوهَنَا، وَعَلَى الكُتُبِ حَتَّى تَثْقُلَ الحُرُوفُ، وَعَلَى القَلْبِ حَتَّى يَصِيرَ النَّبْضُ وَحْدَهُ طَرِيقَةً فِي البُكَاءِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنِّي لَا أَكْرَهُ غِيَابَكِ كُلَّهُ؛ فَفِيهِ، عَلَى مَا فِيهِ, بُرْهَانٌ قَاسٍ عَلَى أَنَّكِ لَسْتِ عَابِرَةً فِي العُمْرِ، وَلَا ضَيْفَةً عَلَى الذَّاكِرَةِ، بَلْ أَنْتِ المِعْيَارُ الخَفِيُّ الَّذِي بِهِ تَقِيسُ رُوحِي صِدْقَ الحَيَاةِ مِنْ زَيْفِهَا.
أَحْيَانًا أُحَدِّثُ نَفْسِي عَنْكِ كَمَا يُحَدِّثُ البَحَّارُ المَوْجَ عَنْ مِينَاءٍ لَمْ يَبْلُغْهُ بَعْدُ، فَيَتَخَفَّفُ بِذِكْرِهِ مِنْ وَحْشَةِ العَرَاءِ. أَقُولُ: سَتَعُودُ، وَسَيَسْتَرِدُّ الضَّوْءُ وَجْهَهُ، وَسَتَعْرِفُ الأَشْيَاءُ أَسْمَاءَهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَسَيُقِيمُ القَلْبُ عِيدًا صَامِتًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. ثُمَّ أَصْمُتُ، لِأَنَّ الرَّجَاءَ حِينَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ يَصِيرُ أَرَقَّ مِنَ الكَلِمَاتِ، وَأَخْوَفَ مِنْ أَنْ يُلْقَى فِي الهَوَاءِ بِلَا جَنَاحَيْنِ.
يَا غَائِبَةً عَنِ العَيْنِ حَاضِرَةً فِي مَجْرَى الدَّمِ، إِنَّنِي لَا أَنْتَظِرُكِ كَمَنْ يَنْتَظِرُ حَدَثًا يَنْتَهِي بِوُقُوعِهِ، بَلْ كَمَنْ يَنْتَظِرُ نَفْسَهُ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ. فَفِي قُرْبِكِ تَسْتَعِيدُ الأَيَّامُ صَفْحَتَهَا المُضِيئَةَ، وَفِي صَوْتِكِ تَخِفُّ وَحْشَةُ Mَعْنَى، وَفِي حُضُورِكِ تَتَصَالَحُ الرُّوحُ مَعَ ثِقَلِهَا القَدِيمِ. فَتَعَالَيْ، لَا لِأَنْ يَنْتَهِيَ الغِيَابُ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَعُودَ الأَشْيَاءُ إِلَى أَسْمَائِهَا، وَتَعُودَ السَّاعَاتُ إِلَى صِدْقِهَا، وَتَعُودَ المَدِينَةُ إِلَى خَرِيطَتِهَا، وَيَعُودَ القَلْبُ مِنْ مَنْفَاهُ إِلَى مَقْعَدِهِ الأَوَّلِ. تَعَالَيْ كَمَا تَعُودُ الكَلِمَةُ الضَّائِعَةُ إِلَى بَيْتِ القَصِيدَةِ، فَيَسْتَقِيمُ الوَزْنُ، وَيَطْمَئِنُّ Mَعْنَى، وَيَعْرِفُ الصَّمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا، بَلْ كَانَ يَحْفَظُ لَكِ مَكَانًا لَا يَسَعُ غَيْرَكِ. وَإِلَى أَنْ تَعُودِي، سَأَظَلُّ أَرْسُمُ فِي دَاخِلِي خَرَائِطَكَ بِأَصَابِعِ الشَّوْقِ، وَأَسِيرُ إِلَيْكِ فِيَّ، كَأَنَّ أَبْعَدَ الطُّرُقِ هِيَ أَقْرَبُهَا حِينَ تَنْتَهِي إِلَى مَنْ نُحِبّ. وَإِنْ طَالَتِ المَسَافَةُ، وَتَعَبَتِ الخُطَى، وَشَاخَ الضَّوْءُ عَلَى أَعْتَابِ الغِيَابِ، فَسَيَبْقَى فِي دَاخِلِي مِصْبَاحٌ وَاحِدٌ لَا يُطْفِئُهُ اللَّيْلُ؛ أَنَّكِ حِينَ تَعُودِينَ، لَا تَعُودِينَ إِلَى مَكَانٍ كَانَ خَالِيًا، بَلْ إِلَى قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاكِ.
