الشعر
عند ضفة حزني
وَاجِمًا فِي الْمَدَى وُجُومَ الْأَصِيلِ = شَيَّعَ الشَّمْسَ خَلْفَ خَدٍّ أَسِيلِ ذَابِلَ الطَّرْفِ بِابْتِسَامَةِ وَجْدٍ = يَمْسَحُ الدَّمْعَ عَنْ عُيُونِ الرَّحِيلِ لَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَنَّ نَزْفِي وَعَزْفِي = سَادِرُ الدَّفْقِ سَرْمَدِيُّ الْهَدِيلِ هُوَ قَلْبٌ شَجَاهُ حُلْمٌ قَدِيمٌ = يَتَرَاءَى فِي خَاطِرِي كَالطُّلُولِ ظَنَّ فِي النَّجْوَى رِحْلَةً فِي ابْتِهَالَاتِ = حَنَانٍ مُؤَرَّج التَّرْتِيلِ فَدَرَى أَنَّ فِي الْبَرَاءَةِ بَلْوَى = كُلِّ عِشْقٍ يَعِيشُ بَالتَّأْمِيلِ هَزَّ جِذْعَ الْفُؤَادِ سَوْرَةَ شَوقٍ = يَمْتَرِي الذُّلَّ مِنْ شُمُوخِ النَّخِيلِ لَيْسَ فِي الدَّأْبِ مِنْ شَرَابٍ لِعَطْشَى = يَتْبَعُونَ السَّرَابَ بَالتَّسْوِيلِ لَيْسَ إِلَّا صَمْتُ الْمُحَدِّقِ لَمَّا = لَمْ يَعُدْ فِي الْعِتَابِ مَعْنَى الرَّسُولِ كَيْفَ أَتْلُو عَلَيْكِ آيَةَ لَهْفِي = حِينَ بَاتَ الْإِيَاسُ مَنْ يُوحِي لِي لَا تُرَاعِي فَلَيْسَ فِي الدَّوحِ إِلَّا = يَاسَمِينٌ مِنَ الْغَرَامِ النَّبِيلِ طَيْفُكِ الخَصْبُ يَمْلَاُ الكَوْنَ عِطْرًا = عَابِقًا مِنْ حَنِينِ حَقْلِي وَغِيلِي مُشْرِقًا كَالصَّبَاحِ فِي يَوْمِ عِيدٍ = حَالِمًا كَالمَسَاءِ فِي أَيْلُولِ آهِ يَا بَهْجَةَ الفُؤَادِ لَقَدْ حَجَّ = وَتِينِي وَطَافَ كَالمَخْبُولِ آهِ مِنْ رَجْفَةِ الشَّغُوفِ المُعَنَّى = وَاحْتِرَاقِ المُسَهَّدِ المَتْبُولِ كُلَّمَا حِرْتُ تَمْتَطِي الرُّوحُ مِنِّي = مِنْ لَظَى الشَّوْقِ صَهْوَةَ المُسْتَحِيلِ فَتُنَاغِي بِالطُّهْرِ دَهْشَةَ ذَاتِي = مِنْ شَذَا الحُبِّ وَالمَعَانِي البَتُولِ وَتُنَاجِي فِي هَدْأَةِ اللَيْلِ بَدْرًا = مِنْ حَدِيْثٍ رَوَاهُ صَمْتُ الفُضُولِ عَذْبَةٌ أَنْتِ لا أَخَالُكِ إِلا = زَفْرَةَ المِسْكِ فِي النَّسِيمِ العَلِيلِ وَرَحِيقًا يَغْشَى النُّفُوْسَ فَيَرْوِي = مِنْ جَنَاهُ المُعِلِّ حَرَّ الغَلِيلِ وَاحْتِدَامًا أَلَذُّ مِنْ خَفَرِ العَذْ = رَاءِ فِي الحِضْنِ لَحْظَةَ التَّقْبِيلِ أَيُّهَا النَّاعِسُ الجُفُونِ دَلالا = فَاقَتِ النَّفْسُ مِنْكِ حَدَّ الذُّهُولِ جِئْتِنِي بِالحُلْمِ المُضَمَّخِ ذَوْقًا = بَعْدَ يَأْسٍ مِنِ انْتِظَارٍ مَلُولِ جِئْتِنِي فَاسْتَحَالَ فَجْرِي ضِيَاءً = مِنْ جَبِينِ الزُّمُرُّدِ المَصْقُولِ الهَوَى بَاتَ هَانِئًا فِي ضُلُوعِي = يَتَهَادَى بِنَبْضِ قَلْبِي الطُّفُولِي كَفَرَاشٍ فِي رَوْضَةِ الحُبِّ يَلْهُو = وَعَصَافِيرَ فِي جَمِيعِ الفُصُولِ يَا لَهَا مِنْ صَبَابَةٍ تَحْبِسُ الْأَنْفَاسَ = فِي عُجْمَةِ الْفَصِيحِ الخَجُولِ فَلِمَاذَا الْعُيُونُ تَنْثُرُ شَوْكًا = فِي أَنِينٍ يَهُبُّ مِنْ كُلِّ مِيلِ وَلِمَاذَا السَّحَابُ يَسْتَبْدِلُ الصَّابَ = وَقَدْ جَابَ الْغَابَ بَالسَّلْسَبِيلِ لَيْسَ مِثْلُ الدُّجَى مَرَارًا لِدَرْبٍ = حِينَ يَشْكُو تَثَاقُلَ الْقِنْدِيلِ غُرْبَتِي أَرْهَفَتْ فُؤُادِي وَأَوْهَتْ = بِالأَسَى خُطْوَتِي، وَأَعْيَتْ دَلِيلِي حَيْثُ لا زِلْتُ فِي بَرَاثِنِ وَجْدٍ = بَيْنَ إِنْكَارِ وَاقِعِي وَالقُبُولِ أَنَا ذَاكَ الصُّوفِيُّ فِي نُسْكِ مَعْنَى = أَلَّفَ السَّمْتَ بَيْنَ فِعْلِي وَقِيلِي سِرْتُ عُمْرِي بَيْنَ الوُجُوهِ غَرِيبًا = لَمْ أَعِشْ جِيلَهُمْ وَلا عِشْتُ جِيلِي فَكَأَنَّ الزَّمَانَ لَيْسَ زَمَانِي = وَكَأَنَّ الخُيُولَ لَيْسَتْ خُيُولِي أَحْمِلُ الهَمَّ لا أَضِنُّ بِجُهْدٍ = فِي زَمَانٍ أَجَلَّ كَفَّ البَّخِيلِ وَعَلَى السَّفْحِ عِنْدَ ضَفَّةِ حُزْنِي = يَجْرَحُ الرُّوحَ لَمْزُ غَالٍ وَغُولِ يُهْتَكُ العَهْدُ فِي مَوَاسِمِ وَأْدٍ = وَتُدَاسُ الزُّهُورُ فَوْقَ السُّهُولِ إِنَّ دَهْرًا يُجِلُّ قَدْرَ مَهِينٍ = هُوَ دَهْرٌ يُهِينُ قَدْرَ جَلِيلِ مَا الَّذِي يَمْلَأُ الْقَصَائِدَ وَهْمًا = كَالَّذِي يُمْلِي سِفْرَ هَمٍّ ثَقِيلِ قَدَرِي أَنْ أَلُوكَ مُرَّ شُجُونِي = مِنْ صُرُوفِ الحَيْاةِ لا مِنْ عَذُولِي حِينَ عَمَّ الْبَلَاءُ فِي الْقَوْمِ حَتَّى = بَاتَ رَمْزُ الْإِخَاءِ فِي قَابِيلِ حِينَ أَصْغَى الْعُقَابُ فِي سِرْبِ نَعْقٍ = لِغُرَابٍ يَسِيرُ فِي الْمَجْهُولِ حِينَ يَغْشَى شِعَابَ مَكَّةَ خَوْفٌ = وَيَلُوذُ الْأَمَانُ بِاسْطَنْبُولِ حِينَ صَارَتْ رُؤَى التَّطَرُّفِ رَهْنًا = بِهَوَى فِي التَّبْرِيرِ وَالتَّأْوِيلِ حِينَ تَشْكُو دِمَشْقُ وَالْقُدْسُ مِنْ = ضَيْمٍ وَمِنْ تَرْحِيلٍ وَمِنْ تَقْتِيلِ حِينَ يَعْدُو الْحِصَارُ فِي شِعْبِ أَهْلٍ = غَيْظَ طُهْرٍ ذَرِيعَةَ التَّنْكِيلِ حِينَ يَغْدُو الْخَلِيجُ ضَرْعًا وَدِرْعًا = لِلأَعَادِي وَضَرَّةً لِلْعُدُولِ حِينَ فُحْشِ الْفَسَادِ أَغْوَى ضَمِيرًا = يَمْزُجُ الْوَحْلَ فِي فُرَاتٍ وَنِيلِ حِينَ تَغْفُو الشُّعُوبُ أُمَّةَ لَهْوٍ = وَافْتِتَانٍ بِالرَّكْلِ وَالتَّمْثِيلِ إِنَّنِي كَالْفَتِيلِ خَلْفَ هُمُومِي = أَتَلَظَّى بِحُرْقَةِ الْمَسْؤُولِ وَفُؤَادِي عَلَى الرَّجَاءِ يُنَادِي = أَنْ قَلِيلُ الْعَطَاءِ غَيْرُ قَلِيلِ تِلْكَ أُخْرَى لِمُهْجَةٍ بِكِ تَحْيَا = أَرْهَقَتْهَا السِّنِينُ بِالتَّخْذِيلِ وَإِذَا الحُّبُّ لَمْ يُبِنْ عَنْ وَفَاءٍ = كَانَ كَالرَّوْضِ مُؤْذِنًا بِالذُّبُولِ لَسْتُ أَدْرِي أَيَّانَ بَعْدَكِ أَمْضِي = فَلَقَدْ كُنْتِ نَجْمَتِي وَسَبِيلِي وَمَعِي مِنْكِ أَبْجَدِيَّةُ ذِكْرَى = تُلْهمُ الْمُعْصِرَات فِي الْمَنْدِيلِ مَا أَرَى إِلا فِيكِ بَلْسَمَ رُوحِي = وَسِرَاجِي وَدِفْءَ طَرْفِي الْكَلِيلِ وَإِلَيْكِ الْهَوَى تَنَاهَى وَلَكِنْ = لَيْسَ يَرْضَى فِي الْوَصْلِ شَطْرَ الْحُلُولِ وَالْهَوَى مُضْغَةُ الْجُنُونِ الَّذِي = يَكْفُرُ بِالْمَنْطِقِيِّ وَالْمَعْقُولِ فَاعْذُرِينِي إِذَا كَفَرْتُ بِعِشْقٍ = يُعْشِبُ الْبَوْحَ مِنْ دُمُوعِ الْأُفُولِ وَامْرَحِي كَيْفَ شِئْتِ بِنْتَ خَيَالٍ = لَا يَرَى فِي الوَرَى لَهَا مِنْ مَثِيلِ وَاسْتَرِيحِي عَلَى نمَارِقِ غَيْبٍ = يَقْتَفِي الشَّيْبَ فِي نَوَاصِي النُّحُولِ أَوْ تَعَالِي بِكُلِّ مَا بِكِ لَحْنًا = يَتَغَنَّى بِحُلْمِنَا الْمَعْسُولِ مُنْعِشَ النَّفْسِ، مُزْهِرًا بِالأَمَانِي = سَاحِرًا فَوْقَ سِحْرِ كُلِّ جَمِيلِ أَقْبِلِي بِالسُّرُورِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ = عَبْقَرِيٍّ فَالْعُمْرُ غَيْرُ طَوِيلِ
واجما في المدى وجوم الأصيل = شيع الشمس خلف خد أسيل ذابل الطرف بابتسامة وجد = يمسح الدمع عن عيون الرحيل لم يكن يدري أن نزفي وعزفي = سادر الدفق سرمدي الهديل هو قلب شجاه حلم قديم = يتراءى في خاطري كالطلول ظن في النجوى رحلة في ابتهالات = حنان مؤرج الترتيل فدرى أن في البراءة بلوى = كل عشق يعيش بالتأميل هز جذع الفؤاد سورة شوق = يمتري الذل من شموخ النخيل ليس في الدأب من شراب لعطشى = يتبعون السراب بالتسويل ليس إلا صمت المحدق لما = لم يعد في العتاب معنى الرسول كيف أتلو عليك آية لهفي = حين بات الإياس من يوحي لي لا تراعي فليس في الدوح إلا = ياسمين من الغرام النبيل طيفك الخصب يملا الكون عطرا = عابقا من حنين حقلي وغيلي مشرقا كالصباح في يوم عيد = حالما كالمساء في أيلول آه يا بهجة الفؤاد لقد حج = وتيني وطاف كالمخبول آه من رجفة الشغوف المعنى = واحتراق المسهد المتبول كلما حرت تمتطي الروح مني = من لظى الشوق صهوة المستحيل فتناغي بالطهر دهشة ذاتي = من شذا الحب والمعاني البتول وتناجي في هدأة الليل بدرا = من حديث رواه صمت الفضول عذبة أنت لا أخالك إلا = زفرة المسك في النسيم العليل ورحيقا يغشى النفوس فيروي = من جناه المعل حر الغليل واحتداما ألذ من خفر العذ = راء في الحضن لحظة التقبيل أيها الناعس الجفون دلالا = فاقت النفس منك حد الذهول جئتني بالحلم المضمخ ذوقا = بعد يأس من انتظار ملول جئتني فاستحال فجري ضياء = من جبين الزمرد المصقول الهوى بات هانئا في ضلوعي = يتهادى بنبض قلبي الطفولي كفراش في روضة الحب يلهو = وعصافير في جميع الفصول يا لها من صبابة تحبس الأنفاس = في عجمة الفصيح الخجول فلماذا العيون تنثر شوكا = في أنين يهب من كل ميل ولماذا السحاب يستبدل الصاب = وقد جاب الغاب بالسلسبيل ليس مثل الدجى مرارا لدرب = حين يشكو تثاقل القنديل غربتي أرهفت فؤادي وأوهت = بالأسى خطوتي، وأعيت دليلي حيث لا زلت في براثن وجد = بين إنكار واقعي والقبول أنا ذاك الصوفي في نسك معنى = ألف السمت بين فعلي وقيلي سرت عمري بين الوجوه غريبا = لم أعش جيلهم ولا عشت جيلي فكأن الزمان ليس زماني = وكأن الخيول ليست خيولي أحمل الهم لا أضن بجهد = في زمان أجل كف البخيل وعلى السفح عند ضفة حزني = يجرح الروح لمز غال وغول يهتك العهد في مواسم وأد = وتداس الزهور فوق السهول إن دهرا يجل قدر مهين = هو دهر يهين قدر جليل ما الذي يملأ القصائد وهما = كالذي يملي سفر هم ثقيل قدري أن ألوك مر شجوني = من صروف الحياة لا من عذولي حين عم البلاء في القوم حتى = بات رمز الإخاء في قابيل حين أصغى العقاب في سرب نعق = لغراب يسير في المجهول حين يغشى شعاب مكة خوف = ويلوذ الأمان باسطنبول حين صارت رؤى التطرف رهنا = بهوى في التبرير والتأويل حين تشكو دمشق والقدس من = ضيم ومن ترحيل ومن تقتيل حين يعدو الحصار في شعب أهل = غيظ طهر ذريعة التنكيل حين يغدو الخليج ضرعا ودرعا = للأعادي وضرة للعدول حين فحش الفساد أغوى ضميرا = يمزج الوحل في فرات ونيل حين تغفو الشعوب أمة لهو = وافتتان بالركل والتمثيل إنني كالفتيل خلف همومي = أتلظى بحرقة المسؤول وفؤادي على الرجاء ينادي = أن قليل العطاء غير قليل تلك أخرى لمهجة بك تحيا = أرهقتها السنين بالتخذيل وإذا الحب لم يبن عن وفاء = كان كالروض مؤذنا بالذبول لست أدري أيان بعدك أمضي = فلقد كنت نجمتي وسبيلي ومعي منك أبجدية ذكرى = تلهم المعصرات في المنديل ما أرى إلا فيك بلسم روحي = وسراجي ودفء طرفي الكليل وإليك الهوى تناهى ولكن = ليس يرضى في الوصل شطر الحلول والهوى مضغة الجنون الذي = يكفر بالمنطقي والمعقول فاعذريني إذا كفرت بعشق = يعشب البوح من دموع الأفول وامرحي كيف شئت بنت خيال = لا يرى في الورى لها من مثيل واستريحي على نمارق غيب = يقتفي الشيب في نواصي النحول أو تعالي بكل ما بك لحنا = يتغنى بحلمنا المعسول منعش النفس، مزهرا بالأماني = ساحرا فوق سحر كل جميل أقبلي بالسرور من كل فج = عبقري فالعمر غير طويل
