الشعر

أقحوان الروح

قُمْ يَا حَبِيبِي نُطْفِئُ الأَشْوَاقَا = قُمْ نَرْشُفُ الحُبَّ الطَّهُورَ عِنَاقَا
قُمْ نَمْسَحُ الأَحْزَانَ عَنْ مُقَلِ الرُّؤَى = يَكْفِي الفُؤَادَ مِنَ الأَسَى مَا لَاقَى
الذِّكْرَيَاتُ تَزِفُّ لِلغَدِ أَمْسَهُ = وَالأُمْنِيَاتُ تُخَضِّبُ الأَحْدَاقَا
وَالقَلْبُ مِنْ قَلَقٍ تَنَسَّكَ فِي الهَوَى = مَا ثَمَّ مَدَّ يَدًا أَوْ اْخَّرَ سَاقَا
يَا أُقْحُوَانَ الرُّوحِ أَيْبَسَ خَاطِرِي = مَاءٌ يُكَدِّرُ فَرْيُهُ الأَذْوَاقَا
الحَرْفُ عَفَّ عَنِ السُّؤَالِ فَهَامَ فِي = وَحْيِ الخَيَالِ يُعَانِقُ الآفَاقَا
حَتَّى أَتَيْتِ وَفِي عُيُونِكِ كَوْثَرٌ = يَسْقِي الرَّحِيقَ العَبْقَرِيَّ دِهَاقَا
وَبَرَأْتِ فِي الوِجْدَانِ أَبْهَجَ جَنَّةٍ = تُؤْوِي الشَّغَافَ فَرَقَّ فِيكِ وَرَاقَا
فِي الغَيْبِ كُنَّا وَالتَقَيْنَا فِي المَدَى = ثُمَّ ارْتَقَى فِينَا الهَوَى فَتَلاقَى
وَدَنَوْتِ لِي زَهْرًا تَوَضَّأَ بِالنَّدَى = بَثَّ النَّسِيمَ مُعَبَّقًا رَقْرَاقَا
وَغَدَوْتِ فِي وَجْهِ الزَّمَانِ فَمَ السَّنَا = يَحْكِي الجَمَالَ صَبَاحَةً وَمَذَاقَا
وَنَأَيْتِ مِنْ بَيْن السِّنِينِ مَجَرَّةً = فَركِبْتُ مِنْ فَرْطِ الحَنِينِ بُرَاقَا
مَا كَانَ حُبُّكِ فِي الحَنَايَا بِدْعَةً = بَلْ كَانَ مَعْ نَبْضِ الوُجُودِ وِفَاقَا
عَيْنَاكِ فَجْرٌ غَازَلَتْهُ قَصَائِدِي = فَاعْتَدَّ فِي لَيْلِ الجَوَى إِشْرَاقَا
لَا تَتْرُكِي قَلْبِي يُكَابِدُ هَمَّهُ = إِنِّي أُحَاذِرُ فِي الغَرَامِ فِرَاقَا
مِنْ كَأْسِ ثَغْرِكِ قَدْ شَرِبْتُ صَبَابَةً = فَوَجَدْتُ فِي كَأْسِ الهَوَى تِرْيَاقَا
وَسَرَيْتُ نَحْوَكِ وَالنُّجُومُ قَوَافِلِي = تَسْعَى عَلَى ظَهْرِ الحَنِينِ رِفَاقَا
قَدْ بُحَّ مِنِّي النَّوْحُ حِينَ كَتَمْتُهُ = لَكِنَّ بَوْحِي أَرْهَفَ العُشَّاقَا
رَاوَدْتِنِي طَيفًا سَرَى وَتَرَكْتِنِي = شَغَفًا يَصُبُّ وَمُهْجَةً تَتَسَاقَى
لَمْ يُبْقِ فِيَّ الوَجْدُ إِلَّا غُرْبَةً = ثَكْلَى وَإِلَّا ذَابِلًا مُشْتَاقَا
وَيْحَ الْهَوَى كَمْ يَسْتَبِدُّ وَيَجْتَنِي = كَمْ بِالرِّجَالِ يُخَضِّعُ الأَعْنَاقَا
مَا إِنْ أَتِيْتِ مِنَ الأُمُورِ بِرَغْبَةٍ = إِلَّا وَكُنْتُ وَرَاءَهَا مُنْسَاقَا
شُقِّي الفُؤَادَ إِنِ ارْتَأَيْتِ فَإِنَّنِي = مَا خُنْتُ فِيكِ تَعَلُّقِي إِطْلَاقَا
أَنَا مَنْ يَفِي عَهْدَ القُلُوبِ وَلَمْ أَكُنْ = إِلَّا بِكُلِّ مَوَدَّةٍ مِغْدَاقَا
مَا كَانَ مِثْلِي مَنْ يَخُونُ عُهُودَهُ = يَوْمًا وَلَا مَنْ يَنْقُضُ الْمِيْثَاقَا
مَا كُنْتُ إِلَّا بِالوَقَارِ مُكَابِرًا = شَوْقًا يَهِيجُ وَمَدْمَعًا مِهْرَاقَا
مَا كُنْتُ إِلا أَجْتَبِيكِ مِنَ الوَرَى = وَلِكُلِّ صَفْحٍ بَيْنَنَا سَبَّاقَا
يَا غَزَّةَ الأَحْرَارِ غُرَّةَ مَجْدِنَا = يَا شَوْكَةً لِمَنِ اسْتَذَلَّ وَشَاقَى
يَا آخِرَ الآتِينَ أَوَّلَ مَنْ سَجَا = قَلْبِي إِلَيهِ فَأَسْرَجَ الأَعْمَاقَا
لَوْلَا الظَّلامُ لَمَا تَأَلَّقَ فِي الدُّجَى = ضَوْءٌ وَلَوْلَا الضَّوْءُ لَمْ نَتَرَاقَا
ضُمِّي فُتَاتَ الصَّمْتِ إِنَّ مَوَاجِعِي = رَحُبَتْ وَإِنَّ تَصَوُّفِي قَدْ ضَاقَا
مَا زَالَ يُرْهِبُنِي الرَّحِيلُ إِلَى غَدٍ = مُتَجَهِّمٍ لا يَعْرِفُ الأَخْلَاقَا
لَمْ أَسْتَقِرَّ عَلَى مَشَارِفِ عَوْدَةٍ = لِدِيَارِ عَدْلٍ تَرْدَعُ السُّرَّاقَا
فِي الشَّرْقِ رُوحِي وَالمَغَارِبُ تَحْتَوِي = جَسَدًا يَذُوبُ مِنَ النَّوَى إِشْفَاقَا
مَا انَفَكَّ يَبْحَثُ عَنْ فُؤَادِكِ خَاطِرِي = حَتَّى انْشَغَلْتُ بِمَنْ أُحِبُّ فَوَاقَا
وَالْحُبُّ لَا يَرْقَى إِلَى شَرَفِ الهَوَى = إِنْ لَمْ أَهُزَّ لِأُمَّتِي خَفَّاقَا
يَا غَزَّةَ الأَمْجَادِ صَبْرُكِ لَمْ يَزَلْ = مَعْنًى يُحَطِّمُ فِي المَدَى الأَطْوَاقَا
لَنْ يَبْلُغَ البَاغُونَ كُنْهَ مُرَادِهِمْ = وَيَذُوقُ كُلُّ مُخَادِعٍ إِخْفَاقَا
شَجَرُ العُرُوبَةِ لَوْ تَسَاقَطَ فَرْعُهُ = فَبِأَرْضِ غَزَّةَ يُنْبِتُ الأَعْرَاقَا
يَا مُهْجَةً لَمْ تَعْرِفِ الفَرَقَ الَّذِي = يُؤْذِي النُّفُوسَ وَيُزْهِقُ الأَرْمَاقَا
مَا زِلْتِ مِنْ هِمَمُ الرِّجَالِ عَلَى هُدَىً = حَتَّى كَسَرْنَا لِلْحِصَارِ نِطَاقَا
فِي مِصْرَ قَدْ حَكَمَ الدَّعِيُّ بِجُنْدِهِ = وَهُنَاكَ قَدْ نَهَبَ اللُّصُوصُ عِرَاقَا
وَالشَّامُ قَدْ وَأَدَتْ بَنِيهَا بِالَّذِي = لَمْ يَحْفَظِ الأَعْمَارَ وَالأَرْزَاقَا
وَالنِّفْطُ قَدْ فَتَنَ الخَلِيجَ فَطَلَّقُوا = أَهْلًا وَسَاقُوا لِلعَدُوِّ صَدَاقَا
وَعَلَى فِرَاشِ الأَهْلِ لَجْلَجَ مَنْ بَغَوا = وَإِلَى الخِيَانَةِ أَبْلَجُوا الأَبْوَاقَا
وَالْقُدْسُ تَضْرَعُ يا جِهَادُ فَإِنَّهُمْ = قَهَرُوا الْبِلَادَ وَأَحْكَمُوكَ وَثَاقَا
مَنْ حَاصَرَ الصِّيدَ الأُبَاةَ مَنِ افْتَرَى = إِرْهَابهُ مَنْ فَجَّرَ الأَنْفَاقَا
مَنْ أَطْلَقَ الأَقْزَامَ فِي عَرَصَاتِنَا = بِجَهَالَةٍ، مَنْ كَبَّلَ العِمْلَاقَا
مَنْ غَضَّ عَنْ نَحْلِ الإِبَاءِ وَغَاصَ فِي = وَحْلِ الرِّيَاءِ وَأَدْمَنَ الأَسْوَاقَا
وَالمَجْدُ، أَيْنَ المَجْدُ يَا مَنْ بِالرِّشَى = خَذَلُوا الهُدَاةَ وَأَتْبَعُوا الفُسَّاقَا
ذَابَ الجَنَانُ عَلَيْهِ يَوْمَ رَأَيْتُهُ = صَرْحًا تَهَاوَى شَاكِيًا مَنْ بَاقَا
لا كَانَ يَوْمٌ لَا يَكُونُ لَنَا بِهِ = شَرَفُ المَكَانَةِ فِي الوَرَى اسْتِحْقَاقَا
مَا زِلْتُ أَرْجُو الفَتْحَ أَدْعُو رَبَّنَا = بِالدَّمْعِ حَتَّى قَرَّحَ الآمَاقَا
وَأَحُثُّ هَمِّي فَوْقَ صَهْوَةِ هِمَّتِي = فِي أُمَّةٍ قُهِرَتْ فَلَمْ تَتَوَاقَا
هَذَا المَخَاضُ فَلَيْسَ ثَمَّةَ بَعْدَهُ = إِلَّا الَّذِي سَيُبَعْثِرُ الأَوْرَاقَا
يَعْتَزُّ فِيهِ الثَّائِرُونَ كَرَامَةً = وَيُذَلُّ فِيهِ المُتْرَعُونَ نِفَاقَا
وَسَيَنْصُرُ اللهُ الذِيْنَ إِذَا اتَّقَوْا = زَادُوا المُرُوءَةَ فِي التُّقَى إِنْفَاقَا
قم يا حبيبي نطفئ الأشواقا = قم نرشف الحب الطهور عناقا
قم نمسح الأحزان عن مقل الرؤى = يكفي الفؤاد من الأسى ما لاقى
الذكريات تزف للغد أمسه = والأمنيات تخضب الأحداقا
والقلب من قلق تنسك في الهوى = ما ثم مد يدا أو اخر ساقا
يا أقحوان الروح أيبس خاطري = ماء يكدر فريه الأذواقا
الحرف عف عن السؤال فهام في = وحي الخيال يعانق الآفاقا
حتى أتيت وفي عيونك كوثر = يسقي الرحيق العبقري دهاقا
وبرأت في الوجدان أبهج جنة = تؤوي الشغاف فرق فيك وراقا
في الغيب كنا والتقينا في المدى = ثم ارتقى فينا الهوى فتلاقى
ودنوت لي زهرا توضأ بالندى = بث النسيم معبقا رقراقا
وغدوت في وجه الزمان فم السنا = يحكي الجمال صباحة ومذاقا
ونأيت من بين السنين مجرة = فركبت من فرط الحنين براقا
ما كان حبك في الحنايا بدعة = بل كان مع نبض الوجود وفاقا
عيناك فجر غازلته قصائدي = فاعتد في ليل الجوى إشراقا
لا تتركي قلبي يكابد همه = إني أحاذر في الغرام فراقا
من كأس ثغرك قد شربت صبابة = فوجدت في كأس الهوى ترياقا
وسريت نحوك والنجوم قوافلي = تسعى على ظهر الحنين رفاقا
قد بح مني النوح حين كتمته = لكن بوحي أرهف العشاقا
راودتني طيفا سرى وتركتني = شغفا يصب ومهجة تتساقى
لم يبق في الوجد إلا غربة = ثكلى وإلا ذابلا مشتاقا
ويح الهوى كم يستبد ويجتني = كم بالرجال يخضع الأعناقا
ما إن أتيت من الأمور برغبة = إلا وكنت وراءها منساقا
شقي الفؤاد إن ارتأيت فإنني = ما خنت فيك تعلقي إطلاقا
أنا من يفي عهد القلوب ولم أكن = إلا بكل مودة مغداقا
ما كان مثلي من يخون عهوده = يوما ولا من ينقض الميثاقا
ما كنت إلا بالوقار مكابرا = شوقا يهيج ومدمعا مهراقا
ما كنت إلا أجتبيك من الورى = ولكل صفح بيننا سباقا
يا غزة الأحرار غرة مجدنا = يا شوكة لمن استذل وشاقى
يا آخر الآتين أول من سجا = قلبي إليه فأسرج الأعماقا
لولا الظلام لما تألق في الدجى = ضوء ولولا الضوء لم نتراقا
ضمي فتات الصمت إن مواجعي = رحبت وإن تصوفي قد ضاقا
ما زال يرهبني الرحيل إلى غد = متجهم لا يعرف الأخلاقا
لم أستقر على مشارف عودة = لديار عدل تردع السراقا
في الشرق روحي والمغارب تحتوي = جسدا يذوب من النوى إشفاقا
ما انفك يبحث عن فؤادك خاطري = حتى انشغلت بمن أحب فواقا
والحب لا يرقى إلى شرف الهوى = إن لم أهز لأمتي خفاقا
يا غزة الأمجاد صبرك لم يزل = معنى يحطم في المدى الأطواقا
لن يبلغ الباغون كنه مرادهم = ويذوق كل مخادع إخفاقا
شجر العروبة لو تساقط فرعه = فبأرض غزة ينبت الأعراقا
يا مهجة لم تعرف الفرق الذي = يؤذي النفوس ويزهق الأرماقا
ما زلت من همم الرجال على هدى = حتى كسرنا للحصار نطاقا
في مصر قد حكم الدعي بجنده = وهناك قد نهب اللصوص عراقا
والشام قد وأدت بنيها بالذي = لم يحفظ الأعمار والأرزاقا
والنفط قد فتن الخليج فطلقوا = أهلا وساقوا للعدو صداقا
وعلى فراش الأهل لجلج من بغوا = وإلى الخيانة أبلجوا الأبواقا
والقدس تضرع يا جهاد فإنهم = قهروا البلاد وأحكموك وثاقا
من حاصر الصيد الأباة من افترى = إرهابه من فجر الأنفاقا
من أطلق الأقزام في عرصاتنا = بجهالة، من كبل العملاقا
من غض عن نحل الإباء وغاص في = وحل الرياء وأدمن الأسواقا
والمجد، أين المجد يا من بالرشى = خذلوا الهداة وأتبعوا الفساقا
ذاب الجنان عليه يوم رأيته = صرحا تهاوى شاكيا من باقا
لا كان يوم لا يكون لنا به = شرف المكانة في الورى استحقاقا
ما زلت أرجو الفتح أدعو ربنا = بالدمع حتى قرح الآماقا
وأحث همي فوق صهوة همتي = في أمة قهرت فلم تتواقا
هذا المخاض فليس ثمة بعده = إلا الذي سيبعثر الأوراقا
يعتز فيه الثائرون كرامة = ويذل فيه المترعون نفاقا
وسينصر الله الذين إذا اتقوا = زادوا المروءة في التقى إنفاقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى