الأدبوحي الخاطر

سلطان الحضور الرزين

حين تتكلم القوة بغير ضجيج وبفلسفة الحضور الهادئ

فِي مَلَكُوتِ الأَشْيَاءِ العَظِيمَةِ، حَيْثُ تُصْنَعُ الأَقْدَارُ عَلَى مَهَلٍ، وَتَنْضَجُ المَعَانِي فِي أَفْرَانِ الصَّبْرِ قَبْلَ أَنْ تُقَدَّمَ لِلزَّمَنِ عَلَى هَيْئَةِ مَوْقِفٍ أَوْ كَلِمَةٍ أَوْ حُضُورٍ، لَا مَكَانَ لِضَجِيجِ المَعَادِنِ الخَاوِيَةِ، وَلَا مُتَّسَعَ لِعَوِيلِ العَوَاصِفِ الَّتِي تَذْرُو حُطَامَ الهَشَاشَةِ ثُمَّ تَحْسَبُ نَفْسَهَا قُوَّةً. فَإِنَّ القُوَّةَ، فِي أَبْهَى تَجَلِّيَاتِهَا، لَا تَدْخُلُ العَالَمَ كَصَيْحَةٍ تُمَزِّقُ الهَوَاءَ، وَلَا كَصَخَبٍ يَسْتَجْدِي العُيُونَ، بَلْ تُولَدُ مِنْ رَحِمِ السُّكُونِ المَهِيبِ، وَتَنْسَرِبُ فِي عُرُوقِ الوُجُودِ كَضَوْءِ فَجْرٍ شَقَّ جُيُوبَ اللَّيْلِ دُونَ أَنْ يُوقِظَ نَائِمًا، أَوْ كَجَاذِبِيَّةِ كَوْكَبٍ جَبَّارٍ يُمْسِكُ بِأَفْلَاكِ السَّمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ طَنِينٌ.

هَكَذَا هِيَ الأَرْوَاحُ المُكْتَمِلَةُ؛ تَقِفُ عَلَى شَوَاهِقِ اليَقِينِ، مُتَدَثِّرَةً بِعَبَاءَةٍ مِنَ الثِّقَةِ الهَادِئَةِ الَّتِي لَا تَسْتَجْدِي لَفْتَ الانْتِبَاهِ، وَلَا تَتَسَوَّلُ إِقْرَارًا مِنْ عُيُونِ العَابِرِينَ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى جَلَبَةِ البُرْهَانِ كَيْ تُثْبِتَ مَا هِيَ عَلَيْهِ. إِنَّهَا تَفْرِضُ سَطْوَتَهَا الوَضَّاءَةَ كَحَقِيقَةٍ مُطْلَقَةٍ لَا تَقْبَلُ الدَّحْضَ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى صُرَاخِ البَرَاهِينِ؛ فَاليَقِينُ المَكِينُ لَا يُثَرْثِرُ، وَالذَّاتُ الَّتِي بَلَغَتْ ذُرْوَةَ اسْتِحْقَاقِهَا تَنْأَى بِنَفْسِهَا عَنْ أَسْوَاقِ المُزَايَدَاتِ، مُدْرِكَةً أَنَّ الصَّخَبَ لُغَةُ المَذْعُورِينَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ تَرْمِيمَ فَرَاغِهِمُ الدَّاخِلِيِّ بِقَرْعِ الطُّبُولِ المُمَزَّقَةِ.

وَلَعَلَّ مِنْ أَعْجَبِ المُفَارَقَاتِ فِي مَسْرَحِ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْلِطُونَ بَيْنَ الجَبَرُوتِ الحَقِيقِيِّ وَالاسْتِعْرَاضِ الرَّخِيصِ، جَاهِلِينَ أَنَّ الفَارِقَ بَيْنَهُمَا كَالفَارِقِ بَيْنَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ سَاكِنٍ تَكْتَنِزُ أَعْمَاقُهُ دُرَرَ الحِكْمَةِ وَأَهْوَالَ الغَرَقِ، وَبَيْنَ سَاقِيَةٍ ضَحْلَةٍ تَعُجُّ بِالحَصَى وَيَصُمُّ خَرِيرُهَا الآذَانَ. الاسْتِعْرَاضُ صَنِيعَةُ الخَوْفِ؛ دِرْعٌ وَرَقِيَّةٌ يَخْتَبِئُ خَلْفَهَا مَنْ تَآكَلَتْ جُدْرَانُ رُوحِهِ، فَيَلْجَأُ إِلَى تَضْخِيمِ ظِلِّهِ لَعَلَّهُ يُوَارِي قَزَمِيَّتَهُ عَنْ أَنْظَارِ الحَقِيقَةِ. أَمَّا القُوَّةُ الخَالِصَةُ، فَهِيَ تِلْكَ الَّتِي تَتَجَرَّدُ مِنْ بَهْرَجَةِ الطِّلَاءِ، وَتَكْتَفِي بِجَوْهَرِهَا العَارِي؛ لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ الذَّهَبَ الإِبْرِيزَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَقَّالٍ كَيْ يُثْبِتَ نَفَاسَتَهُ، وَأَنَّ صَوْلَجَانَ المُلُوكِ لَا يَسْتَمِدُّ هَيْبَتَهُ مِنْ بَرِيقِ أَحْجَارِهِ، بَلْ مِنْ ثِقَلِ اليَدِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَيْهِ فِي لَحَظَاتِ الفَزَعِ الأَكْبَرِ.

إِنَّهَا قُوَّةٌ تَأْنَفُ مِنْ مُزَاحَمَةِ الأَدْعِيَاءِ عَلَى مَنَابِرِ الضَّجِيجِ، وَتَنْسَحِبُ فِي كِبْرِيَاءٍ نَبِيلٍ تَارِكَةً السَّاحَاتِ لِلْمُمَثِّلِينَ وَالمُهَرِّجِينَ، لَا انْهِزَامًا، بَلْ تَرَفُّعًا يَلِيقُ بِمَنْ اسْتَوْطَنَ سِدْرَةَ المَعَالِي، وَصَارَ إِيقَاعُ نَبْضِهِ مِعْيَارًا لِلرَّصَانَةِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَلَا صَوْتُهُ قَوِيًّا، وَلَا كُلُّ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَى وَاجِهَةِ المَشْهَدِ حَاضِرًا؛ قَدْ يَكُونُ الصَّامِتُ أَثْقَلَ مِنْ أَلْفِ خَطِيبٍ، وَقَدْ تَكُونُ الخُطْوَةُ الوَاحِدَةُ مِنْ رَجُلٍ مُكْتَمِلٍ أَبْلَغَ مِنْ مَوَاكِبَ طَوِيلَةٍ يَسُوقُهَا الفَرَاغُ إِلَى الزِّحَامِ.

وَحِينَ تَحْضُرُ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةُ السِّيَادِيَّةُ فِي المَشْهَدِ، فَإِنَّهَا لَا تَقْرَعُ الأَبْوَابَ، وَلَا تَسْتَأْذِنُ الحَوَاسَّ، وَلَا تَطْلُبُ مِنَ المَكَانِ أَنْ يُفْسِحَ لَهَا؛ بَلْ تَتَنَزَّلُ كَالوَحْيِ، وَتَنْسَابُ كَالهَوَاءِ فِي رِئَاتِ الحُضُورِ. حُضُورُهَا لَيْسَ احْتِلَالًا فِيزْيَائِيًّا مَرْئِيًّا، بَلْ انْثِيَالٌ رُوحِيٌّ يُغَيِّرُ هَنْدَسَةَ الفَرَاغِ، وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ جُزَيْئَاتِ الأَثِيرِ مِنْ حَوْلِهَا. بِمُجَرَّدِ أَنْ تَطَأَ قَدَمُهَا عَتَبَةَ الوُجُودِ، تَشْعُرُ الأَرْوَاحُ الخَفِيفَةُ بِثِقَلٍ جَاذِبٍ يَشُدُّهَا نَحْوَ المَرْكَزِ المُتَمَكِّنِ، وَتَخْرَسُ الأَلْسِنَةُ الثَّرْثَارَةُ إِجْلَالًا لِهَيْبَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ تَتَدَفَّقُ مِنْ مَسَامِّ الصَّمْتِ.

هَذَا الحُضُورُ الَّذِي لَا يُقَاوَمُ لَا يَنْبُعُ مِنْ مَلَامِحِ الوَجْهِ، وَلَا مِنْ فَخَامَةِ الهِنْدَامِ، وَلَا مِنْ زُخْرُفِ المَكَانَةِ الخَارِجِيَّةِ، بَلْ مِنْ ذَلِكَ المَشْهَدِ الدَّاخِلِيِّ المُزْدَحِمِ بِالانْتِصَارَاتِ الصَّامِتَةِ، وَالمُضَاءِ بِقَنَادِيلِ التَّجَارِبِ الَّتِي صُقِلَتْ فِي أَتُونِ المُعَانَاةِ. إِنَّهَا شَخْصِيَّةٌ لَا تَطْلُبُ الاحْتِرَامَ، بَلْ تَنْتَزِعُهُ بِابْتِسَامَةٍ فَاتِرَةٍ، وَلَا تَفْرِضُ هَيْبَتَهَا بِالوَعِيدِ، بَلْ بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ تَخْتَرِقُ قُشُورَ الزَّيْفِ، وَتَسْتَقِرُّ فِي صَمِيمِ الأَرْوَاحِ المَوْجُوعَةِ، فَتَأْسِرُهَا فِي شِبَاكِ الإِجْلَالِ الاخْتِيَارِيِّ.

وَفِي قَلْبِ هَذِهِ الهَالَةِ المُضِيئَةِ، يَقْبَعُ سِرٌّ عَظِيمٌ يَتَجَلَّى فِي أَثَرِ الاتِّزَانِ. فَالنَّفْسُ القَوِيَّةُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي هَنْدَسَتْ تَضَارِيسَهَا الدَّاخِلِيَّةَ بِبَرَاعَةِ مِعْمَارِيٍّ بَصِيرٍ، فَلَمْ تَتْرُكْ لِلْعَوَاصِفِ ثُغْرَةً تَتَسَلَّلُ مِنْهَا إِلَى مِحْرَابِ الطُّمَأْنِينَةِ. هِيَ نَفْسٌ عَرَفَتْ كَيْفَ تُقِيمُ وَزْنَهَا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ، فَلَا يَطْغَى فِيهَا رَجَاءٌ أَخْرَقُ عَلَى يَأْسٍ حَكِيمٍ، وَلَا يَمْحُو فِيهَا فَرَحٌ طَارِئٌ وَقَارَ الحُزْنِ النَّبِيلِ، وَلَا يَسْتَبِدُّ بِهَا غَضَبٌ حَتَّى يُفْقِدَهَا هِنْدَسَةَ المَوْقِفِ. إِنَّ الاتِّزَانَ هُنَا لَيْسَ فُتُورًا، وَلَا بُرُودًا، وَلَا مَوْتًا بَطِيئًا لِلْحَسَاسِيَّةِ؛ بَلْ هُوَ اكْتِمَالُ السَّيْطَرَةِ عَلَى النَّارِ، حَتَّى تَظَلَّ مُضِيئَةً وَلَا تَصِيرَ حَرِيقًا.

هَذَا الاتِّزَانُ الأُسْطُورِيُّ يَجْعَلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَتَدًا ثَابِتًا فِي أَرْضٍ تَمِيدُ بِأَهْلِهَا، وَبُوصَلَةً صَادِقَةً حِينَ تَتَشَابَهُ الاتِّجَاهَاتُ، وَتَتِيهُ السُّفُنُ فِي غَيَاهِبِ العَبَثِ. إِنَّ اسْتِقْرَارَ هَذِهِ الأَرْوَاحِ لَيْسَ جُمُودًا صَخْرِيًّا مَيِّتًا، بَلْ هُوَ دِينَامِيَّةُ السُّكُونِ؛ كَوَتَرِ العُودِ المَشْدُودِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، لَا يَتَحَرَّكُ مِنْ مَكَانِهِ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ لِأَنْ يَفِيضَ بِأَعْذَبِ الأَلْحَانِ إِذَا لَامَسَتْهُ أَنَامِلُ الإِلْهَامِ. وَمِنْ هُنَا يَنْبُعُ الأَمَانُ الخَفِيُّ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ الآخَرُونَ فِي ظِلِّهَا؛ فَالعُقُولُ المُشَتَّتَةُ تَلُوذُ بِسُكُونِهَا، وَالأَرْوَاحُ المُرْتَبِكَةُ تَسْتَعِيرُ مِنْ وَقَارِهَا مِرْسَاةً تَسْتَرِدُّ عِنْدَهَا أَنْفَاسَهَا، وَتَسْتَلْهِمُ مِنْ صَمْتِهَا المَمْلُوءِ بِالحَيَاةِ طَاقَةً تُعِيدُ تَرْتِيبَ فَوْضَاهَا.

وَلَا تَكْتَمِلُ دَائِرَةُ هَذِهِ السِّيَادَةِ إِلَّا حِينَ تَتَوَّجُ بِإِكْلِيلِ النُّفُوذِ الأَخْلَاقِيِّ؛ فَالقُوَّةُ الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى النُّبْلِ مَحْضُ تَوَحُّشٍ، وَالسَّطْوَةُ الَّتِي لَا تَحْرُسُهَا القِيَمُ خِنْجَرٌ فِي ظَهْرِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالهَيْبَةُ الَّتِي لَا يُهَذِّبُهَا الضَّمِيرُ لَيْسَتْ إِلَّا قِنَاعًا لِعُنْفٍ مُقَنَّعٍ. النُّفُوذُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ سُلْطَةً تُنْتَزَعُ بِسَطْوَةِ السَّوْطِ، وَلَا إِمْرَةً تُشْتَرَى بِرَنِينِ الدَّرَاهِمِ، بَلْ إِمَامَةٌ رُوحِيَّةٌ تُعْقَدُ لِصَاحِبِهَا فِي ضَمَائِرِ البَشَرِ. إِنَّ السَّيِّدَ الحَقَّ هُوَ الَّذِي تَتَسَرَّبُ مَبَادِئُهُ إِلَى عُقُولِ مُنَاوِئِيهِ قَبْلَ مُحِبِّيهِ، فَتَفْرِضُ عَلَيْهِمْ إِجْلَالَهُ حَتَّى وَهُمْ فِي ذُرْوَةِ الخُصُومَةِ.

هَذَا النُّفُوذُ الأَخْلَاقِيُّ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الزَّمَنِ وَتَضَارِيسَ الجُغْرَافِيَا؛ لِأَنَّ كَلِمَتَهُ لَا تَصْدُرُ عَنْ حَنْجَرَةٍ طَامِعَةٍ، بَلْ عَنْ مِحْرَابٍ دَاخِلِيٍّ تَبَتَّلَ طَوِيلًا، وَاغْتَسَلَ بِمَاءِ الحِكْمَةِ حَتَّى صَارَ كَيْنُونَةً شَفَّافَةً تَعْكِسُ نُورَ الحَقِّ. هُوَ لَا يَأْمُرُ لِيُطَاعَ، بَلْ يُشْرِقُ فَيُتَّبَعُ، وَلَا يَزْجُرُ لِيُهَابَ، بَلْ يَتَرَفَّعُ فَيُجَلُّ. أَخْلَاقُهُ لَيْسَتْ أَثْوَابًا يَرْتَدِيهَا فِي المُنَاسَبَاتِ، بَلْ هِيَ تَكْوِينُهُ العُضْوِيُّ، وَجِلْدُهُ الَّذِي يَتَنَفَّسُ مِنْ خِلَالِهِ، مِمَّا يَجْعَلُ كُلَّ حَرَكَةٍ وَسَكْنَةٍ مِنْهُ دَلِيلًا إِرْشَادِيًّا لِمَنْ أَضَاعُوا طَرِيقَ الصَّوَابِ فِي صَحَارَى التِّيهِ.

وَلِأَنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ العُلْوِيَّةَ قَدْ تَشَبَّعَتْ بِنَدَى الكِبْرِيَاءِ، فَإِنَّهَا تُمارِسُ فِعْلَ الحَيَاةِ وَفْقَ قَانُونِ الفَيْضِ لَا الاسْتِجْدَاءِ. هِيَ لَا تَمُدُّ يَدًا لِتَسْتَعْطِيَ المَشَاعِرَ مِنَ المَارَّةِ، وَلَا تُقِيمُ مَوَائِدَ رُوحِهَا انْتِظَارًا لِمَنْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهَا بِكَلِمَةِ رِضًا، بَلْ تَفِيضُ بِمَا فِي خَزَائِنِهَا مِنْ جَمَالٍ وَسُمُوٍّ، إِدْرَاكًا مِنْهَا أَنَّ النَّبْعَ لَا يَفْقِدُ كَرَامَتَهُ حِينَ يَشْرَبُ مِنْهُ الظِّمَاءُ، وَأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَتَسَوَّلُ الاعْتِرَافَ بِضَوْئِهَا حِينَ تُدَفِّئُ الأَكْوَاخَ البَارِدَةَ. يَعِيشُونَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَطْيَافٍ مِنْ زَمَنٍ نَبِيلٍ؛ يُعْطُونَ مِنْ فَرْطِ غِنَاهُمُ الرُّوحِيِّ، وَيَمْنَحُونَ مِنْ زَكَاةِ جَلَالِهِمْ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا إِيصَالَ اسْتِلَامٍ أَوْ رِسَالَةَ شُكْرٍ.

وَإِذَا مَا مَسَّتْهُمْ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِ الدَّهْرِ، الْتَفَتُوا إِلَى دَوَاخِلِهِمْ حَيْثُ المَلَاذُ الآمِنُ، وَاسْتَحْضَرُوا جُيُوشَ يَقِينِهِمْ، فَلَمْ يُرَوْا إِلَّا مُبْتَسِمِينَ فِي وَجْهِ العَوَاصِفِ، صَابِرِينَ صَبْرَ الجِبَالِ الَّتِي تَتَقَبَّلُ ضَرَبَاتِ البَرْقِ بِصَدْرٍ رَحْبٍ، إِيمَانًا بِأَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي القُدْرَةِ عَلَى احْتِوَاءِ الأَلَمِ، وَتَحْوِيلِهِ فِي مُخْتَبَرَاتِ النَّفْسِ إِلَى رَحِيقٍ فَلْسَفِيٍّ يَسْكَرُونَ بِهِ فِي خَلَوَاتِهِمُ العَمِيقَةِ. هُمْ لَا يُنْكِرُونَ الوَجَعَ، وَلَا يَدَّعُونَ أَنَّ الجِرَاحَ لَا تَمَسُّهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الأَلَمَ مِنْ أَنْ يَصِيرَ سَيِّدًا، وَيُعَلِّمُونَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي مَكَانِهِ كَتِلْمِيذٍ قَاسٍ فِي مَدْرَسَةِ الحِكْمَةِ.

هَذِهِ هِيَ السِّيَادَةُ الَّتِي لَا تَبْلَى، وَهَذَا هُوَ الإِيقَاعُ الرُّوحِيُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ النُّشَازَ؛ قُوَّةٌ تَتَمَدَّدُ فِي صَمْتٍ، وَتَتَحَدَّثُ بِلَا كَلِمَاتٍ، وَتَتْرُكُ فِي صَحَائِفِ الوُجُودِ بَصْمَةً لَا يَمْحُوهَا تَعَاقُبُ العُصُورِ، وَلَا يَطْوِيهَا نِسْيَانُ الأَيَّامِ؛ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ بِمِدَادِ اليَقِينِ، وَتُلِيَتْ فِي مَحَارِيبِ الخُلُودِ. فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ أَنَّ أَعْظَمَ القُوَّةِ لَا تُقَاسُ بِمَا تُحْدِثُهُ مِنْ ضَجِيجٍ، بَلْ بِمَا تُحْدِثُهُ مِنْ سُكُونٍ فِي قَلْبِ الفَوْضَى، وَأَنَّ أَرْفَعَ الحُضُورِ لَيْسَ مَا يَمْلَأُ المَكَانَ صَوْتًا، بَلْ مَا يُعِيدُ لِلْمَكَانِ هَيْبَتَهُ، وَلِلزَّمَنِ وَقَارَهُ، وَلِلإِنْسَانِ ذِكْرَى نَسَبِهِ الأَوَّلِ إِلَى النُّورِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى