تَأَكَّدَتْ مِنْ أَنَّ أَدَوَاتِ الشِّوَاءِ وَأَكْيَاسَ الطَّعَامِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مِرْآةِ البَهْوِ كَأَنَّهَا نَسِيَتْ عِنْدَهَا شَيْئًا لَا يُوضَعُ فِي السَّيَّارَةِ. رَفَعَتْ خُصْلَةً حَرِيرِيَّةً تَدَلَّتْ عَلَى عَيْنِهَا، وَسَوَّتْ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا انْسِيَابَ ثَوْبِهَا عَلَى قَوَامِهَا المَمْشُوقِ، ثُمَّ أَدَارَتْ وَجْهَهَا قَلِيلًا لِيَلْتَقِطَ الضَّوْءُ مَا أَوْدَعَتْهُ عَلَيْهِ مِنْ لَمَعَانٍ.
كَانَتْ جَمِيلَةً، وَكَانَتْ تَعْرِفُ ذٰلِكَ مَعْرِفَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ؛ غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَرْضَى لِلْجَمَالِ أَنْ يَقِيمَ فِي مَلَامِحِهَا صَامِتًا، فَكَانَتْ تُعِينُهُ بِالمَسَاحِيقِ، وَتَفْتَحُ لَهُ بِالأَزْيَاءِ نَوَافِذَ أَوْسَعَ، وَتَتْرُكُ لِلْعِطْرِ أَنْ يَسْبِقَهَا إِلَى الأَمَاكِنِ كَرَسُولٍ يُعْلِنُ وُصُولَهَا. لَطَالَمَا جَلَبَتْ لَهَا أَنَاقَتُهَا مِنَ العُيُونِ مَا لَا تَرْغَبُ فِيهِ، وَمِنَ الكَلِمَاتِ مَا كَانَ يُغَضِّبُهَا. وَكَانَتْ، كُلَّمَا نَالَهَا تَعْلِيقٌ أَوْ لَاحَقَتْهَا نَظْرَةٌ، تَرْفَعُ رَأْسَهَا فِي ثِقَةٍ، وَتَمْضِي كَأَنَّ صَلَابَةَ خُطْوَتِهَا كَافِيَةٌ لِتُعَلِّمَ الطَّرِيقَ أَدَبَهُ.
أَدَارَتْ مُحَرِّكَ السَّيَّارَةِ، وَانْسَابَتْ فِي شَوَارِعِ المَدِينَةِ نَحْوَ المُتَنَزَّهِ البَحْرِيِّ، وَمَا زَالَ صَدَى الاجْتِمَاعِ الأَخِيرِ فِي المَدْرَسَةِ يُحَرِّكُ فِي صَدْرِهَا مَوْجَةً لَمْ تَهْدَأْ. كَانَتْ مُدَرِّسَةُ التَّرْبِيَةِ الدِّينِيَّةِ قَدْ عَرَّضَتْ بِهِنْدَامِهَا أَمَامَ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ، وَأَشَارَتْ، فِي كَلَامٍ مُغَلَّفٍ بِالنُّصْحِ، إِلَى أَنَّ لِمُعَلِّمَةِ الفَتَيَاتِ وَالفِتْيَانِ حُرْمَةً يَنْبَغِي أَنْ تَظْهَرَ فِي مَلْبَسِهَا قَبْلَ كَلَامِهَا. وَلَمْ تَسْمَعْ سُعَادُ فِي ذٰلِكَ إِلَّا غَيْرَةَ امْرَأَةٍ شَحَّ عَلَيْهَا مَا أَفَاضَتْهُ الطَّبِيعَةُ عَلَى غَيْرِهَا.
مَا شَأْنُهَا بِثَوْبِي وَشَعْرِي؟ أَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْفِيَ مَا وَهَبَنِي اللهُ لِكَيْ تَرْضَى؟ وَمَا ذَنْبِي إِذَا كَانَ المُدِيرُ يُرَاعِي رَاحَتِي، وَالزُّمَلَاءُ يُصْغُونَ إِلَى رَأْيِي؟ فَلْتَذْهَبْ بِنَصَائِحِهَا إِلَى المُتَحَرِّشِينَ، وَإِلَى الطُّلَّابِ المُرَاهِقِينَ، وَلْتُعَلِّمْهُمُ الذَّوْقَ بَدَلَ أَنْ تُعَلِّمَنِي كَيْفَ أَخْتَبِئُ مِنْ عُيُونِهِمْ.
شَدَّتْ قَبْضَتَهَا عَلَى المِقْوَدِ، ثُمَّ نَظَرَتْ فِي المِرْآةِ الصَّغِيرَةِ أَمَامَهَا، فَاطْمَأَنَّتْ إِلَى ثَبَاتِ كُحْلِهَا، وَهَدَأَتْ قَلِيلًا. كَانَ عُدَيٌّ قَدْ تَدَخَّلَ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ، وَرَدَّ الحَدِيثَ عَنْ ثِيَابِهَا إِلَى حُدُودِ العَمَلِ وَالكَفَاءَةِ. لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ فِي الدِّفَاعِ؛ غَيْرَ أَنَّ جُمْلَتَيْنِ هَادِئَتَيْنِ مِنْهُ كَانَتَا كَافِيَتَيْنِ لِتَرُدَّا مُدَرِّسَةَ الدِّينِ إِلَى صَمْتٍ مُثْقَلٍ بِالغَيْظِ. أَعْجَبَهَا مَوْقِفُهُ، وَأَعْجَبَهَا أَكْثَرَ أَنَّهُ صَدَرَ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثِ العَهْدِ بِالمَدْرَسَةِ، لَمْ تَسْبِقْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ تُلْزِمُهُ، وَلَا مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ تَدْعُوهُ. فَدَعَتْهُ إِلَى نُزْهَةٍ صَغِيرَةٍ وَحَفْلِ شِوَاءٍ عَلَى السَّاحِلِ؛ شُكْرًا لِمَا رَأَتْهُ فِيهِ مِنْ نُبْلٍ، وَامْتِنَانًا لِمَنْ وَقَفَ مَعَهَا حِينَ تَرَصَّدَتْهَا كَلِمَاتُ امْرَأَةٍ أُخْرَى.
كَانَ عُدَيٌّ يَنْتَظِرُهَا عِنْدَ مَدْخَلِ المُتَنَزَّهِ. حَمَلَ عَنْهَا بَعْضَ الأَغْرَاضِ، وَمَشَيَا نَحْوَ رُكْنٍ بَعِيدٍ عَنِ العَائِلَاتِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى الشَّاطِئِ. وَكَانَ المَسَاءُ يَهْبِطُ عَلَى المَكَانِ فِي أَنَاةٍ؛ الشَّمْسُ تُرْخِي عَلَى الأُفُقِ حُمْرَةً وَاهِنَةً، وَالنَّوَارِسُ تَدُورُ فَوْقَ المَاءِ بِأَجْنِحَةٍ تَعْرِفُ مَتَى تُقَاوِمُ الرِّيحَ وَمَتَى تَسْتَسْلِمُ لَهَا، وَالمَوْجُ يَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّمْلِ فِي وَشْوَشَاتٍ مُتَلَاحِقَةٍ ثُمَّ يَنْسَحِبُ كَأَنَّهُ يَحْفَظُ سِرًّا لَا يَرْضَى أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الشَّاطِئِ.
تَوَلَّى عُدَيٌّ إِشْعَالَ الفَحْمِ، وَانْهَمَكَتْ سُعَادُ فِي بَسْطِ الغِطَاءِ وَتَرْتِيبِ الأَوَانِي. وَكَانَ قِطٌّ أَشْهَبُ يَدُورُ حَوْلَهُمَا فِي صَبْرٍ، يُدَنِّي أَنْفَهُ مِنَ الهَوَاءِ كُلَّمَا انْفَتَحَ غِطَاءُ إِنَاءٍ، ثُمَّ يَتَرَاجَعُ إِذَا زَجَرَهُ عُدَيٌّ، وَلَا يَبْتَعِدُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْفَظُ لِنَفْسِهِ طَرِيقَ العَوْدَةِ.
جَلَسَا قُرْبَ الجَمْرِ المُتَوَهِّجِ، وَأَخَذَ الحَدِيثُ يَسِيرُ بَيْنَهُمَا هَادِئًا. شَكَرَتْهُ سُعَادُ عَلَى مَوْقِفِهِ، فَهَوَّنَ مِنْ شَأْنِ مَا فَعَلَ، وَأَكَّدَ أَنَّ المَرْءَ لَا يَصِيرُ أَفْضَلَ مُعَلِّمٍ بِاتِّسَاعِ ثَوْبِهِ وَلَا أَسْوَأَهُ بِضِيقِهِ. ابْتَسَمَتْ لَهُ فِي امْتِنَانٍ، وَأَحَسَّتْ أَنَّ دَعْوَتَهَا لَهُ كَانَتْ أَصْوَبَ مَا صَنَعَتْ فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ.
ثُمَّ هَبَّتِ الرِّيحُ.
جَاءَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ جِهَةِ البَحْرِ، فَتَنَاثَرَتْ شَرَارَاتُ الفَحْمِ عَلَى العُشْبِ الجَافِّ، وَامْتَدَّ خَيْطٌ مِنَ اللَهَبِ نَحْوَ قَارُورَةِ الوَقُودِ الَّتِي تَرَكَهَا عُدَيٌّ مَفْتُوحَةً عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ المَوْقِدِ. لَمْ يَحْتَجِ اللَهَبُ إِلَى دَعْوَةٍ أُخْرَى.
ارْتَفَعَتِ النَّارُ فَجْأَةً، وَانْدَفَعَتْ سُعَادُ نَحْوَ البَحْرِ تَحْمِلُ إِنَاءً، وَسَبَقَهَا عُدَيٌّ بِآخَرَ. عَادَا يَرْكُضَانِ، وَالمَاءُ يَنْسَكِبُ مِنَ الآنيَةِ عَلَى ثِيَابِهِمَا، ثُمَّ أَفْرَغَاهُ فَوْقَ اللَهَبِ وَأَعَادَا الكَرَّةَ حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، وَتَحَوَّلَتْ شَرَاسَتُهَا إِلَى دُخَانٍ أَسْوَدَ يَلْتَوِي فِي الهَوَاءِ.
وَبَيْنَمَا كَانَا يَعُودَانِ لَاهِثَيْنِ مِنْ آخِرِ رَحْلَةٍ إِلَى المَاءِ، رَأَتْ سُعَادُ القِطَّ الأَشْهَبَ يَجُرُّ آخِرَ قِطْعَةٍ مِنَ اللَّحْمِ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، ثُمَّ يَعْدُو بِهَا نَحْوَ الأَشْجَارِ. تَوَقَّفَتْ فِي مَكَانِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى الإِنَاءِ الفَارِغِ، ثُمَّ إِلَى المَوْقِدِ الغَارِقِ فِي المَاءِ، فَتَهَاوَتْ عَلَى الغِطَاءِ وَانْفَجَرَتْ بَاكِيَةً؛ كَأَنَّ اليَوْمَ الَّذِي أَرَادَتْهُ لَفْتَةَ شُكْرٍ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهَا كُلَّ شَيْءٍ خَائِبًا.
حَاوَلَ عُدَيٌّ أَنْ يُهَوِّنَ الأَمْرَ، وَأَكَّدَ لَهَا أَنَّ النُّزْهَةَ لَمْ تَفْسُدْ، وَأَنَّ حَدِيثَهُمَا أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ شِوَاءٍ. وَظَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَابِقُ الآخَرَ إِلَى الاعتِذَارِ؛ هُوَ يَلُومُ سَهْوَهُ عَنِ القَارُورَةِ، وَهِيَ تَلُومُ إِصْرَارَهَا عَلَى إِعْدَادِ كُلِّ شَيْءٍ وَحْدَهَا.
جَمَعَا مَا نَجَا مِنَ الأَغْرَاضِ، ثُمَّ ابْتَعَدَا عَنِ المَوْقِدِ المُبْتَلِّ وَجَلَسَا عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ عِنْدَ حَافَّةِ المُتَنَزَّهِ. كَانَتِ العَتَمَةُ قَدْ بَدَأَتْ تَمْحُو حُمْرَةَ الأُفُقِ، وَتَرَكَتِ الرِّيحُ فِي ثِيَابِهِمَا المَبْلُولَةِ بَرْدًا يَنْفُذُ إِلَى العَظْمِ.
طَالَ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا، وَظَلَّ عُدَيٌّ يَنْظُرُ إِلَى المَاءِ الَّذِي يَسْوَدُّ شَيْئًا فَشَيْئًا، فِيمَا كَانَتْ سُعَادُ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهَا آخِرَ آثَارِ الدُّمُوعِ، وَتَضُمُّ ذِرَاعَيْهَا العَارِيَتَيْنِ إِلَى صَدْرِهَا. هَبَّتْ رِيحٌ شِمَالِيَّةٌ بَارِدَةٌ، فَارْتَعَشَتْ وَقَالَتْ:
أَشْعُرُ بِالبَرْدِ.
رَفَعَ عُدَيٌّ عَيْنَيْهِ إِلَى شَمْسِ الأَصِيلِ الَّتِي كَانَتْ تَلْفِظُ آخِرَ خَيْطٍ مِنْ حَرَارَتِهَا، ثُمَّ انْحَدَرَتْ نَظْرَتُهُ إِلَى المُصْحَفِ الذَّهَبِيِّ الصَّغِيرِ المُتَدَلِّي بَيْنَ نَهْدَيْهَا، وَهَمَسَ:
وَأَنَا أَشْعُرُ بِالحَرَارَةِ.
