الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائد

تربية النفس على حرمة الزمن

كيف نتعلم أن يمرّ العمر في الإنسان لا العكس.

ليس الزمن شيئًا يملكه الإنسان كما يملك ماله ومتاعه، ثم يقرر بعد ذلك كيف ينفقه؛ فهو، على خلاف ما نملك، مادة وجودنا نفسها، وما ننفقه منه لا يخرج من أيدينا ويبقى لنا أصلُه، بل يخرج منا نحن، وينقص من أعمارنا بقدر ما يمر. ولهذا فإن العبارة الشائعة «أضعتُ وقتًا» تخفي وراء بساطتها حقيقةً أشد قسوة؛ فالذي ضاع في الحقيقة ليس وقتًا منفصلًا عن صاحبه، وإنما قطعةٌ من حياته لن تعود، وكان يمكن أن تُملأ بشيءٍ ثم انقضت بما ملئت به، أو انقضت فارغةً إلا من إحساسٍ متأخر بأنها مضت.

ومن هنا لا يكون احترام الزمن فضيلةً تنظيمية فحسب، ولا مهارةً تلزم المجتهد أكثر مما تلزم غيره، وإنما قيمةٌ أخلاقية تتصل بطريقة الإنسان في فهم وجوده؛ لأن العمر هو الوعاء الذي تقع فيه أمانته كلها، وماله إن ضاع قد يُسترد، وصحته إن اعتلت قد تُستصلح، وعلاقاته إن تصدعت قد تجد طريقًا إلى الترميم، أما الساعة التي خرجت من العمر فلا تملك الدنيا كلها إرجاعها إلى موضعها الأول. وربما لهذا كان الناس أحرص على الشيء كلما ندُر، ثم يعيش كثيرٌ منهم في مفارقة عجيبة؛ يبخلون بالدينار لأنه محدود، ويبددون الساعات كأنها المورد الوحيد الذي لا ينفد.

وليس المقصود بتبديد الزمن أن تكون كل دقيقةٍ عملًا وإنتاجًا، فتتحول الحياة إلى آلةٍ تقيس قيمتها بما أنجزت؛ فالراحة حق، والأنس حق، واللعب الذي يجدد النفس حق، والتأمل والصمت والجلوس مع الأهل ليست ثقوبًا في العمر، بل قد تكون من أكرم ما يُملأ به. إنما الفارق بين وقتٍ يُعاش ووقتٍ يُهدر أن الأول يدخل في بنية الحياة عن وعيٍ ومعنى، ولو كان راحة، أما الثاني فيتسرب من غير اختيارٍ حقيقي، ثم لا يكاد صاحبه يعرف أين ذهب ولا ما أبقى فيه.

“الذي يضيع في الحقيقة ليس وقتًا منفصلًا عن صاحبه، وإنما قطعةٌ من حياته لن تعود.”

فالزمن ليس عدوًا ينبغي أن نملأ كل فراغٍ فيه حتى لا ينتصر علينا، بل أمانة ينبغي أن نعرف لأي شيءٍ نعطيها؛ ولهذا فإن التربية على احترامه لا تبدأ بالجداول والساعات والمنبهات، وإنما بسؤالٍ أسبق: «ما الذي يستحق أن يأخذ من عمري؟» وما لم يتعلم الإنسان هَذَا السؤال، فقد يصبح شديد التنظيم في إضاعة حياته؛ يملأ يومه بالمواعيد، وينتقل من مهمةٍ إلى أخرى، ويعود آخر النهار منهكًا يحمل شعورًا كثيفًا بالحركة ولا يحمل أثرًا يوازيها. وليس من أدق الأوهام التي صنعتها الحياة الحديثة من وهم مساواة الانشغال بالإنجاز؛ فقد أصبح ازدحام اليوم في نظر كثيرين شهادةً على أهميته، حتى يكاد الإنسان يستحي أن يقول إنه غير مشغول، وكأن كثرة ما يطارده دليلٌ على جودة الطريق الذي يسير فيه.

لكن الماء المضطرب ليس أعمق من الماء الساكن لمجرد كثرة حركته، وكذلك اليوم الممتلئ ليس بالضرورة يومًا مثمرًا. قد يرد المرء على عشرات الرسائل، ويحضر الاجتماعات، وينتقل بين الشاشات، ويحل مشكلاتٍ صغيرةً لم يكن أكثرها يستحق أن يولد أصلًا، ثم ينتهي إلى أنه أنفق طاقته كلها في خدمة العاجل ولم يقترب خطوةً من المهم. وفي هَذَا الفرق بين الانشغال والإنجاز يظهر معنى آخر لاحترام الزمن؛ أن نحسن «ترتيب قيم الأعمال لا ملء ساعاتها». فالانشغال يقاس بالحركة، أما الإنجاز فيقاس بالأثر؛ والانشغال يسأل كم فعلت، أما الإنجاز فيسأل ماذا غيّر ما فعلت. وقد تنتهي ساعةٌ من التفكير الهادئ إلى قرارٍ يختصر شهورًا من التخبط، بينما تستهلك أيامٌ في عملٍ متلاحق لا يزيد صاحبه إلا رسوخًا في الاتجاه الخطأ. وربما كان من النضج أن يتعلم الإنسان ألا يُفتن بكثرة ما يفعل، وأن يسأل بين حينٍ وآخر: لو حُذف نصف ما أفعله، أي شيءٍ من النصف الباقي سيكون جديرًا فعلًا بأن يسمى حياةً وعملًا؟

ومن هنا كانت الأولويات في جوهرها أخلاقًا للزمن؛ لأن تقديم شيءٍ ليس مجرد ترتيبٍ فني، بل إعلانٌ ضمني عن قيمته. من يقول إن أسرته أهم ما عنده ثم يمنحها بقايا انتباهه، بينما يعطي عمله وهاتفه وأصدقاءه أجود ساعات يومه، لا تكشف كلماته ترتيب قيمه بقدر ما يكشفه توزيع عمره. ومن يقول إنه يريد العلم ثم ينفق الساعات في التصفح ويهب القراءة دقائق متعبةً آخر الليل، فقد أجاب زمنه عن سؤالٍ ربما أجابت عنه أمنيته جوابًا آخر.

“الانشغال يُقاس بالحركة، أما الإنجاز فيُقاس بالأثر؛ والانشغال يسأل: كم فعلت؟ أما الإنجاز فيسأل: ماذا غيّر ما فعلت؟”

إننا نعرف كثيرًا من قيم الإنسان إذا عرفنا أين يذهب عمره؛ فالوقت، في جانبٍ منه، «ميزانية القيم الحقيقية»، وما لا نجد له من ساعاتنا نصيبًا ثابتًا، على الرغم من ادعائنا أهميته، قد يكون أقل أهميةً في وجداننا مما نظن. ولهذا لا يكون احترام الزمن مجرد الوصول في الموعد، وإن كان الوفاء بالمواعيد من صميمه؛ فحين يتأخر المرء على غيره باستمرار لا يهدر عشر دقائق من يومه وحده، بل يتصرف ضمنًا وكأن زمن الآخرين أقل حرمةً من زمنه. إن احترام المواعيد وجهٌ من وجوه العدالة؛ لأن من وعدك بساعةٍ فقد اقتطعها من عمره لك، وليس من الأدب أن تتصرف في هَذَا الجزء من حياته كما لو كان ملكًا لك.

وفي المجتمعات التي يشيع فيها التساهل مع الزمن تتكون تدريجيًّا ثقافةٌ لا ترى التأخير إخلالًا حقيقيًّا، فينتظر الناس بعضهم بعضًا، وتبدأ الاجتماعات بعد موعدها، وتتراكم الأعمال لأن الجميع أدخل في حسابه أن الكلام عن الساعة تقريبي، ثم ندفع جماعيًّا ضريبةً هائلة لا تظهر في بندٍ مالي؛ ملايين الساعات تتبدد لأن الدقائق الصغيرة لا يحمل كل واحدٍ منها وحده ما يكفي لإثارة الضمير. والمشكلة هنا ليست في الساعة على الحائط، بل في البنية الأخلاقية خلفها؛ فالإنسان المنضبط لا يحضر في الوقت لأنه عبدٌ للعقارب، وإنما لأنه يرى الوعد عهدًا، ووقت الآخر حقًّا، ويعرف أن الفوضى التي يعفي نفسه منها يحملها غالبًا على شخصٍ آخر. وما أكثر ما يكون عدم الانضباط نقلًا مستترًا للكلفة؛ أتأخر أنا فينتظر غيري، وأؤجل عملي فيضطر زميلي إلى استعجاله، وأهمل موعدًا ثم أطلب من آخرين أن يغيروا خططهم لإنقاذي. وهكذا لا يبقى سوء إدارة الزمن شأنًا شخصيًّا حين تتعلق به حياة الناس.

ولعل هَذَا يفسر لماذا ينبغي أن يتربى الطفل على الزمن بوصفه جزءًا من المسؤولية، لا بوصفه سلسلة أوامر؛ نم الآن، استيقظ الآن، أسرع، لقد تأخرت. فالطفل الذي تدير الأسرة كل تفاصيل وقته نيابةً عنه قد يطيع طويلًا من غير أن ينشأ داخله أي إحساس بالزمن؛ وما إن تغيب السلطة حتى تتفكك الساعات التي كانت تجمعها. التربية الأعمق أن يتعلم شيئًا فشيئًا أن لكل فعلٍ زمنًا، وأن التأخير لا يمحو المهمة بل يضغطها في زمنٍ أضيق، وأن الساعة التي ينفقها الآن ستغيب حين يحتاجها لاحقًا. فإذا كان عليه عملٌ ينتهي مساءً، لا ينبغي أن يظل معنى الموعد عنده «غضب الأب إن لم أنته»، بل أن يدرك العلاقة بين البدايات والنهايات؛ أن ما يؤجله في الصباح لا يتلاشى، وإنما ينتظره في المساء وقد انضاف إليه ضغط الوقت. وبذلك لا يتعلم الجدول وحده، بل يتعلم السببية الزمنية؛ وهي من أعمدة الشخصية المنضبطة.

إن ثقافة التأجيل لا تبدأ دائمًا من الكسل، بل من خللٍ أدق في إدراك الزمن؛ فالإنسان يعرف حاضر المهمة معرفةً محسوسةً، ويعرف مستقبل العاقبة معرفةً ذهنية، فيغلب القريب البعيد، كما تغلب اللذة الآنية المصلحة المؤجلة. يقول: سأفعل لاحقًا، وكأن «لاحقًا» مستودعٌ لا حدود له يمكن نقل كل ما لا نحب إليه. ثم يأتي الغد محمّلًا بأعمال اليوم، وله هو الآخر حقوقه ومفاجآته، فينقلها صاحبنا إلى غدٍ آخر حتى لا يعود التأجيل ترتيبًا للوقت، بل طريقةً في الهرب من ثقل البدء. وللتأجيل براعةٌ لغوية في خداع النفس؛ فهو قلّما يقول: لن أفعل، وإنما يقول: ليس الآن. ولذلك يحتفظ الإنسان بصورة طيبة عن نفسه؛ هو لم يتخل عن مشروعه، ولم يهجر الكتاب، ولم يترك الرياضة، ولم يقطع وعده بالتغيير، إنه فقط سيبدأ يوم السبت، أو مطلع الشهر، أو حين تخف الضغوط، أو حين تتحسن حالته النفسية. وهكذا قد تمضي أعوامٌ كاملة من غير أن يضطر إلى الاعتراف بأنه ترك شيئًا؛ لأنه ظل يؤجله بدل أن يرفضه.

“من وعدك بساعةٍ فقد اقتطعها من عمره لك، وليس من الأدب أن تتصرف في هذا الجزء من حياته كما لو كان ملكًا لك.”

ومن أدهى صور التأجيل أن ينتظر الإنسان الحالة المثالية للفعل؛ فلا يقرأ حتى يصفو الذهن، ولا يكتب حتى يأتي الإلهام، ولا يبدأ الإصلاح حتى تستقر الظروف، ولا يتوب حتى يهدأ اضطرابه، وكأن الحياة ستمنحه يومًا غرفةً معقمة من المقاطعات والمشقة. وما النضج إلا أن يتعلم المرء العمل في واقعٍ ناقص، وأن يعرف أن كثيرًا من البدايات لا تأتي بعد الاستعداد، بل إن الاستعداد نفسه يولد من البدء. فالعمل لا يحتاج دائمًا إلى الحماس الذي نتخيله؛ بل إن الحماس كثيرًا ما يأتي وراء الخطوة الأولى لا أمامها. ومن انتظر شهوة الإنجاز كي ينجز جعل إرادته رهينةً لمزاجه، أما المنضبط فقد تعلم أن يفي لبعض الأعمال حتى حين لا تدعوه نفسه إليها؛ لأن القيمة عنده لا تستمد سلطانها من لذة اللحظة.

وهنا يلتقي احترام الزمن بتربية الإرادة؛ فمن لا يستطيع أن يضع لوقته حدودًا لا يستطيع في الحقيقة أن يضع لرغباته حدودًا. كل إشعارٍ يستطيع أن يقطع عليه قراءةً، وكل حديثٍ عابر قادر على أكل ساعة، وكل مللٍ صغير يدفعه إلى فتح هاتفه، ثم يقول في آخر اليوم إنه «لم يجد الوقت». والحقيقة أن الوقت وُجد، لكنه كان بلا حراسة. فالزمن في عصرنا لا يُهدر بالفراغ وحده، بل بالامتلاء المتشظي؛ عشرات الدقائق لا تضيع دفعةً واحدة كي نستشعر خسارتها، وإنما تتسرب في فتحٍ وإغلاق، وفي نظرةٍ تتحول إلى عشرين دقيقة، وفي انتقالٍ بين مهام حتى يفقد العقل قدرته على الاستقرار في واحدة. ويخرج الإنسان من يومٍ قضاه كله في فعل شيء، ومع ذلك يشعر أن شيئًا كاملًا لم يُفعل.

إن كثرة المثيرات لم تسرق من البشر ساعاتهم فقط، بل أصابت «بنية الانتباه» نفسها؛ وحين يتشظى الانتباه يتشظى الزمن النفسي، فلا يعود الإنسان قادرًا على الإقامة الطويلة مع فكرةٍ أو كتابٍ أو شخص، بل يعيش في مقاطع صغيرة متجاورة، لكل واحدة منها بداية ولا يكاد شيء يبلغ تمامه. ومن هنا يصبح احترام الزمن في جانبٍ منه احترامًا للانتباه؛ لأن الدقيقة التي يكون فيها جسدك مع ابنك وعقلك في هاتفك لم تُعطَ للابن كاملة ولا للهاتف كاملة، وإنما قُسمت حتى فقدت جودة الحضور. وربما كان من أفدح أوهام عصر السرعة أن يظن الإنسان أنه يربح الزمن حين يجمع في اللحظة الواحدة عدة أشياء؛ يأكل ويشاهد، ويتحدث ويكتب، ويجالس أهله ويتصفح، حتى تصبح الحياة طبقاتٍ متراكبةً لا يكاد يعيش إحداها كاملة. إنه يحاول مضاعفة الوقت، فإذا به يقلل كثافة الحياة نفسها؛ فما مرّ عليه كثير، وما حضر فيه قليل. والزمن لا يكتسب قيمته من طوله وحده، بل من «مقدار حضور الإنسان فيه»؛ فقد تكون ساعةٌ مع أمٍّ مسنّة أثقل في ميزان الحياة من أيامٍ من الكلام المتقطع، وصفحةٌ قُرئت بعقل حاضر أبقى من كتابٍ مرّت العين عليه، وركعتان بقلبٍ مستجمع أصدق من عبادةٍ يؤدي فيها الجسد حركاته بينما العقل يتسكع في أماكن أخرى. الانضباط إذن ليس أن نعصر من اليوم أكبر عددٍ من الأفعال، بل أن نردّ لكل فعلٍ حقه من الحضور.

وللقرآن في تشكيل الوعي بالزمن بناءٌ بالغ العمق؛ فالزمن فيه ليس خلفيةً صامتة تجري عليها الأحداث، بل آيةٌ يُقسم الله ببعض مقاطعه، ويذكّر الإنسان بتحولاته، ويربط النجاة بما يملأ به عمره. يكفي أن تأتي سورةٌ كاملة في كلماتٍ قليلة تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؛ فكأن الأصل في مرور الزمن أنه يستنزف الإنسان ما لم يحوّل هَذَا المرور إلى إيمانٍ وعملٍ وحقٍ وصبر. لا يحتاج المرء إلى فعل شيء كي يخسر عمره؛ يكفي أن يمر العمر. أما النجاة فتحتاج فعلًا. وهذا قلبٌ للوعي المألوف؛ فنحن نتخيل أحيانًا أن الإنسان في وضعٍ محايد ما دام لا يفعل شرًّا، بينما سورة العصر تجعله في خسرٍ بمجرد جريان رأس ماله، إلا أن يعمر هَذَا الجريان بما يستنقذه من الخسارة. فالعمر متجرٌ لا يتوقف عن الإغلاق جزءًا بعد جزء، والسؤال ليس هل ستنفقه، إذ لا خيار لك في ذلك، وإنما فيمَ سينفق وهو ينقضي على كل حال.

“الزمن لا يكتسب قيمته من طوله وحده، بل من مقدار حضور الإنسان فيه.”

ويكثر في القرآن القسم بالفجر والضحى والليل والعصر، لا لأن هَذِه الأزمنة مقدسةٌ بذاتها على نحوٍ منفصل عن معناها، بل لأن تعاقبها يضع الإنسان أمام آية التجدد والانقضاء؛ ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾. كأن الزمن لا يمر في القرآن بلا أسماء؛ لكل طورٍ وجهه ووظيفته وإيقاعه، حتى يتعلم الإنسان أن العمر ليس كتلةً مبهمة، بل مواسم وفرص وأطوار تتبدل، وأن ما يصلح له الفجر قد لا ينتظر الليل، وما يُتاح في الشباب قد يصعب في الهرم. وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ معنى بديع في أن تعاقب الزمن ليس مجرد نقصان؛ ففيه كذلك إمكان الاستدراك. يخلف الليل النهار والنهار الليل، فتأتي فرصةٌ وراء فرصة، ويستطيع الإنسان أن يصلح في المقبل شيئًا مما فاته في الراحل. لكن الاستدراك نفسه ليس أبديًّا؛ فالخلفة تستمر ما دام العمر مستمرًّا، ثم يأتي أجلٌ لا يخلفه يومٌ آخر من أيام التكليف.

ولهذا يستحضر القرآن حسرة من أدرك قيمة الزمن حين انتهى زمن العمل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾؛ فالمطلوب في تلك اللحظة ليس مالًا إضافيًّا ولا معرفةً لم تكن موجودة، وإنما «زمنٌ آخر» يُعاد فيه الفعل. وما أبلغ أن يصبح الشيء الذي كان يُقتل بالملل في الدنيا أعزَّ ما يتمناه الإنسان حين ينقطع. وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ تنكشف حقيقةٌ يغطيها امتداد الأيام؛ أن الزمن الفردي ليس خطًّا مفتوحًا، بل أجلٌ لا نعرف موضع نهايته. وليس المقصود أن يعيش الإنسان مذعورًا من الموت حتى تضيق عليه الحياة، بل أن يخرج من وهم الوفرة الذي يجعله يعامل المستقبل كأنه حقٌّ مضمون. إن قول «سأفعل غدًا» يتضمن، من حيث لا نشعر، افتراضًا أننا نملك الغد، مع أننا لا نملك إلا أن نرجوه. ومن هنا كان التوازن الإسلامي عجيبًا بين العمل للحاضر وامتداد الأمل؛ فلا يُطلب من الإنسان أن يلغي خططه لأن الموت ممكن، ولا أن يعيش كأنه خالد لأن الغد مرجو. يزرع ويبني ويتعلم ويخطط، لكن قلبه لا يبرم مع الزمن عقد ملكية. يستخدم المستقبل ولا يعبده، ويستعد له ولا يضمنه.

وفي الحديث النبوي: «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»، اقترانٌ بالغ الدلالة؛ فالفراغ ليس عدمًا، بل نعمة قد يقع فيها الغبن كما يقع في التجارة. والغبن لا يعني أنك لم تملك رأس المال، بل أنك ملكته ثم لم تعرف قيمته وقت التبادل؛ ولا يشعر كثيرٌ من الناس بثمن الفراغ إلا حين يملأ المرض أو المسؤوليات الثقيلة ما كان متاحًا منه، فيتمنى الواحد ساعةً كان يقتل مثلها بالأمس لأنه لم يعرف أنها ستكون يومًا أمنية.

ومع ذلك ينبغي الحذر من تحويل احترام الزمن إلى عبادةٍ للإنجاز، وهي آفةٌ حديثة يمكن أن تتخفى في لباس الانضباط؛ إذ قد يشعر الإنسان بالذنب إذا استراح، ويقيس قيمته بعدد مهامه، ويعامل النوم والجلوس مع أهله والهدوء كأنها نفقات ينبغي تخفيضها لصالح مزيدٍ من الإنتاج. وهذه ليست كرامةً للزمن، بل اختزالٌ للإنسان في وظيفته. فالزمن الذي يُقضى في ترميم النفس ليس ضائعًا، والزمن الذي يُعطى للأبناء ليس انقطاعًا عن «العمل الحقيقي»، والزمن الذي يستريح فيه الجسد كي يعود قادرًا على أداء حقه ليس فراغًا مذمومًا. إنما المعيار هو المعنى والتناسب؛ فالراحة التي تعيد القوة جزءٌ من العمل، أما الراحة التي تحولت إلى هروبٍ دائم من العمل فشيء آخر، كما أن العمل الذي يبني الحياة فضيلة، والعمل الذي يلتهمها حتى لا يبقى للإنسان أهلٌ ولا صحةٌ ولا عبادةٌ ولا نفس، سوء ترتيب لا بطولة.

ومن هنا يتعين أن يتعلم الطفل الفرق بين «الراحة والكسل، وبين الفراغ والفراغ الداخلي»؛ فلا نملأ له كل لحظة بنشاطٍ حتى يعجز يومًا عن الجلوس مع نفسه، ولا نترك وقته بلا بنية حتى يصبح أول ما يطلبه الملل شاشةً تبتلعه. الطفل الذي لا يعرف كيف يلعب وحده، أو يقرأ، أو يتأمل، أو يصنع لنفسه نشاطًا من غير أن يُلقى إليه مثيرٌ جاهز، قد يكبر وهو عاجز عن امتلاك فراغه، فيملكه كل من يتنافس على انتباهه. وإن من أعمق صور احترام الزمن أن يقدر الإنسان على «قول لا»؛ لا لعملٍ لا يستحق، ولا لمجلسٍ اعتاد أن يأكل الساعات ولا يترك بعدها إلا الخواء، ولا لاستدعاءات الآخرين التي تعامل يومه كأنه مساحةٌ مباحة. فالذي لا يضع حدودًا لوقته قد يبدو كريمًا في إتاحته نفسه لكل أحد، لكنه ينتهي أحيانًا إلى ظلم الأشياء التي كان ينبغي أن يمنحها أفضل ما فيه. ولا يعني ذلك أن يتحول إلى محاسبٍ جافّ لكل دقيقة، فقد يكون من جمال الحياة شيءٌ من العفوية، وإنما أن يعرف أن كل «نعم» يقولها لشيء هي في الوقت نفسه «لا» لشيء آخر؛ فالزمن وعاء لا يتسع بلا نهاية، وما دام ملؤه بعملٍ يمنع ملأه بآخر، فإن الاختيار الزمني اختيارٌ بين قيم، لا بين ساعات فقط.

ولهذا فإن بناء الشخصية المنضبطة لا يبدأ من كثرة القواعد، بل من «بناء العلاقة بالوعد»؛ أن يتعلم الطفل إذا قال «سأفعل» أن للكلمة زمنًا، وإذا حدد موعدًا أن الموعد جزء من قوله، وإذا بدأ عملًا ألَّا يعتاد الهرب منه كلما زال الحماس. فمن أكثر ما يفتك بالإرادة أن يكرر الإنسان وعودًا لنفسه ثم لا يفي بها؛ سأستيقظ، سأقرأ، سأبدأ، سأترك، ثم يعتاد داخله أن كلامه عن المستقبل لا يلزمه. ومع كل وعدٍ ينقضه يضعف شيءٌ من ثقته بنفسه؛ لا لأنه أخفق مرة، بل لأنه درّب نفسه على أن قرار اللحظة يمكن إلغاؤه بلا ثمن. أما حين يتعلم أن يضع وعودًا واقعية ثم يفي بها، ولو كانت صغيرة، فإنه يبني في داخله معنى الانضباط بوصفه «صدقًا مع الذات عبر الزمن»؛ أنا اليوم أفي بما التزم به بالأمس، حتى وإن تبدل مزاجي.

وهذا من أعمق معاني الشخصية؛ فالإنسان ليس مجموعة لحظات مستقلة، وإنما كائنٌ ينبغي أن يكون بين أزمنته شيءٌ من الوفاء. من اتخذ قرارًا في ساعة صفاء ثم ألغاه في كل ساعة فتور لا يحكم حياته عقلٌ واحد، بل تحكمها سلسلة أمزجة، كل مزاجٍ يهدم ما بناه سابقه. أما المنضبط فلا يعني أنه لا يراجع قراراته، بل إنه لا يغيرها خضوعًا لأول انفعال. يفرق بين مراجعةٍ ناضجة لأن المعطيات تغيرت، وبين انقلابٍ لأن النفس لم تعد راغبة في دفع الثمن. وهكذا يصبح احترام الزمن احترامًا للاستمرارية؛ أن تمنح المشروع المدة التي يحتاجها، والعلاقة الصبر الذي تستحقه، والعادة الوقت الذي تتكون فيه، وألا تطلب من البذرة ثمرًا في اليوم الذي زرعتها فيه. وهنا تفسد ثقافة الاستعجال ما تفسده ثقافة التأجيل من الجهة المقابلة؛ فالأولى تريد كل شيء غدًا، والثانية تؤجل كل شيء إلى غد، وبينهما تضيع حكمة الزمن. ثمّة أشياء ينبغي أن تبدأ اليوم ولا تكتمل إلا بعد سنين، ومن لم يتعلم احتمال البطء لن يبني شيئًا عميقًا؛ لأن كل بناءٍ حقيقي له إيقاعه الذي لا تستطيع الرغبة اختصاره.

العلم زمنٌ متراكم، والثقة زمنٌ متراكم، والتربية زمنٌ متراكم، والخلق زمنٌ متراكم؛ ولا تستطيع محاضرةٌ أن تعوض سنواتٍ من القدوة، ولا اعتذارٌ واحد أن يعيد فورًا ثقةً تهدمت طويلًا، ولا أسبوع حماسٍ أن يصنع عقلًا عالمًا. احترام الزمن هنا هو احترام «قوانين النضج»؛ أن نعطي الأشياء ما تحتاجه من المدة بدل أن نحاكمها بإيقاع رغبتنا. ومن ثم فإن الإنسان الذي يحترم الزمن لا يكون مستعجلًا بالضرورة، بل قد يكون أقدر الناس على الصبر؛ لأنه يعرف الفرق بين الانتظار الذي تنضج فيه الأشياء، والتأجيل الذي تهرب فيه النفس من فعلها. ينتظر الثمرة وهو يعتني بالشجرة، ولا يجلس تحتها أعوامًا يسمي ترك الغرس صبرًا.

“لا تستطيع منع العمر من المرور، ولكن تستطيع ما دمت حيًّا أن تمنعه من المرور بك خاليًا.”

وفي الأسرة ينبغي أن يرى الطفل هَذَا المعنى قبل أن يسمعه؛ يرى أبًا يحضر حين يقول إنه سيحضر، وأمًّا لا تجعل المواعيد كلماتٍ تقريبية، ويرى أن للعبادة وقتًا، وللعمل وقتًا، ولللراحة وقتًا، ولجلسة الأسرة مكانًا لا تبتلعه الهواتف كلما رنّت. فالمواعظ عن قيمة الزمن تصبح ضعيفةً أمام بيتٍ يعيش أهله في فوضاه، كما أن الطفل الذي يسمع «الوقت ثمين» ثم يرى الكبار يبددون الساعات بلا قصد سيتعلم من السلوك أي المعنيين هو الحقيقي. ولا بأس أن يرى منهم كذلك المرونة؛ فليس الانضباط تصلبًا، وقد تطرأ حاجةٌ تغير الخطة، وقد يكون حق إنسانٍ في لحظة أرفع من جدولٍ وُضع بالأمس. إنما الفرق بين المرونة والفوضى أن الأولى تعدّل النظام استجابةً لمعنى أعلى، أما الثانية فلا نظام لها أصلًا. وهكذا لا يكون المنضبط عبدًا للجدول، بل صاحب ترتيبٍ يستطيع أن يعرف متى يحفظه ومتى يتجاوزه. فالذي يترك ابنه المحتاج إليه لأنه «وقت العمل» لم يفهم قيمة الزمن، كما لم يفهمها من يترك العمل كل يوم لكل طارئٍ تافه؛ إنما الحكمة في معرفة مراتب الحقوق، ثم إعطاء كل حقٍ وقته بقدر ما يستحق.

وفي النهاية لا يحتاج الإنسان إلى إدارة الزمن بقدر ما يحتاج إلى إدارة نفسه داخله؛ فالزمن يمضي بالسرعة نفسها سواء أحسنَّا أم أسأنا، ولا نستطيع توفير ساعةٍ من اليوم وإيداعها ليومٍ آخر، وإنما نستطيع أن نقرر أي إنسانٍ سيكون قد تكوّن فينا حين تمر الساعات. وبهذا يعود السؤال من «كيف أستفيد من وقتي؟» إلى ما هو أعمق: «أي حياةٍ أصنع بالطريقة التي أنفق بها وقتي؟» ذلك أن الأيام، حين تُرى منفردة، تبدو صغيرةً قابلةً للتعويض؛ يومٌ ضاع لا بأس، وغدًا نبدأ، وساعةٌ انقضت لن تغيّر المصير. لكن العمر ليس شيئًا آخر غير هَذِه الأيام التي استصغرناها؛ والشخصية ليست إلا ما كررناه فيها حتى استقر، والعلم ما جمعناه صفحةً إلى صفحة، والعلاقات ما أعطيناه حضورًا وراء حضور، والندم نفسه كثيرًا ما يكون اكتشافًا متأخرًا أن الأشياء العظيمة لم تضِع دفعةً واحدة، بل ضاعت في وحداتٍ صغيرة لم نظن أن الواحدة منها تستحق الحراسة.

إنَّ القسم بالعصر لم يكن قسمًا بشيءٍ بعيدٍ عنا؛ إنما هو قسمٌ بذلك الشيء الذي يحدث الآن ونحن نقرأ، والذي لا يتوقف ليستمع معنا. فالزمن لا ينتظر أن نحسم موقفنا منه؛ إنه يأخذ منا على كل حال. والسؤال الوحيد الذي بقي لنا فيه سلطان هو: «ماذا يأخذ وهو يمضي، وماذا يترك فينا بعدما يمضي؟» فقد يمر العمر على إنسانٍ فيستهلكه حتى لا يبقى منه إلا عدد السنوات، وقد يمر بآخر فيبنيه، فتغدو السنوات التي نقصت من عمره زيادةً في علمه ونضجه وإيمانه وأثره. وكلاهما فقد الأيام نفسها، لكن أحدهما كان كلما فقد يومًا كسب شيئًا من نفسه، والآخر كان يفقدهما معًا. وهنا يكمن المعنى الأخلاقي كله لاحترام الزمن؛ ألا تستطيع منع العمر من المرور، ولكن تستطيع، ما دمت حيًّا، أن تمنعه من المرور بك خاليًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى