الأدبسرديات

الميزان الأخرس

قصة رمزية عن فلسفة العدالة الزائفة والانعتاق من أثقال الطمع

كَانَتْ حَاضِرَةُ النُّحَاسِ تَصْحُو كُلَّ فَجْرٍ عَلَى صَوْتِ المِيزَانِ العَظِيمِ. لَمْ يَكُنْ جَرَسًا، وَلَا نِدَاءَ صَلَاةٍ، وَلَا صَيْحَةَ حَارِسٍ، بَلْ صَرِيرُ كِفَّةٍ عَاتِيَةٍ تَهْبِطُ فِي قَلْبِ السُّوقِ، فَيَعْرِفُ النَّاسُ أَنَّ يَوْمًا جَدِيدًا قَدْ بَدَأَ لِيُوزَنُوا فِيهِ. هُنَاكَ لَمْ يَكُنِ الإِنْسَانُ يُسْأَلُ عَمَّا يُحِبُّ، وَلَا عَمَّا يَحْلُمُ، بَلْ عَمَّا يَحْمِلُ. كُلُّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ، وَكُلُّ ثَمَنٍ لَهُ وَزْنٌ، وَكُلُّ وَزْنٍ يَنْتَهِي إِلَى دَفْتَرٍ أَسْوَدَ مَحْفُوظٍ تَحْتَ يَدِ القَبَّانِ. وَكَانَ مِيقَاتُ هُوَ القَبَّانَ. وَرِثَ المِيزَانَ عَنْ أَبِيهِ، وَوَرِثَ مَعَهُ صَمْتًا طَوِيلًا. أَبُوهُ مَاتَ وَاقِفًا بَيْنَ الكِفَّتَيْنِ، لَا لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، بَلْ لِأَنَّهُ ظَلَّ عُمْرَهُ كُلَّهُ يَزِنُ فَقْرَ الآخَرِينَ لِمَصْلَحَةِ مَنْ لَا يَشْبَعُونَ. مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ صَارَ مِيقَاتُ يَجْلِسُ فِي كُوَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، يَضَعُ الذَّهَبَ فِي كِفَّةٍ، وَالدَّيْنَ فِي أُخْرَى، وَالأَسْمَاءَ فِي دَفْتَرٍ لَا يَبْتَلُّ بِالحِبْرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِعَرَقِ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ قُدْرَةً عَلَى الاِعْتِرَاضِ.

لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةُ النُّحَاسِ مَدِينَةً قَبِيحَةً فِي الظَّاهِرِ. كَانَتْ قِبَابُهَا تَلْمَعُ عِنْدَ الغُرُوبِ، وَأَبْوَابُ مَخَازِنِهَا مَصْقُولَةً، وَتُجَّارُهَا يَرْتَدُونَ أَثْوَابًا مُطَرَّزَةً بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ. لَكِنَّ تَحْتَ ذَلِكَ اللَّمَعَانِ كَانَ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهُدُوءٍ. الخَبَّازُ لَا يَأْكُلُ مِنْ خُبْزِهِ إِلَّا اليَابِسَ، وَالحَدَّادُ لَا يَمْلِكُ مِسْمَارَ بَابِهِ، وَالحَمَّالُ الَّذِي يَرْفَعُ أَكْيَاسَ الذَّهَبِ يَعُودُ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتٍ يَسْقُطُ سَقْفُهُ مَعَ أَوَّلِ مَطَرٍ. وَكُلَّمَا اِشْتَكَى أَحَدٌ، قِيلَ لَهُ: المِيزَانُ لَا يَظْلَمُ. كَانَ مِيقَاتُ يَعْرِفُ أَنَّ المِيزَانَ يَظْلَمُ. لَمْ يَكُنِ الخَلَلُ فِي الحَدِيدِ، بَلْ فِي لِسَانِهِ؛ قِطْعَةٌ نُحَاسِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَا تَرَاهَا العُيُونُ، مُثَبَّتَةٌ فِي جَوْفِهِ، تَمِيلُ مَيْلًا لَا يَكَادُ يُرَى، لَكِنَّهُ يَكْفِي لِيَنْقُصَ أَجْرُ الفَقِيرِ وَيَزِيدَ دَيْنُهُ. اِكْتَشَفَهَا مِيقَاتُ فِي عَامِهِ الأَوَّلِ، وَحِينَ سَأَلَ بَلْخَامَ، كَبِيرَ التُّجَّارِ، قَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ اِبْتِسَامَةَ مَنْ يُغْلِقُ بَابًا: دَعِ الحَدِيدَ يَنُوبُ عَنْكَ. مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ فَهَمَ مِيقَاتُ أَنَّ الحَاضِرَةَ لَمْ تَبْنِ سُوقَهَا حَوْلَ المِيزَانِ، بَلْ بَنَتْهُ حَوْلَ الكِذْبَةِ الَّتِي فِي قَلْبِهِ.

صَبَرَ أَعْوَامًا. لَمْ يَكُنْ صَبْرُهُ جُبْنًا، بَلِ اِنْتِظَارَ لَحْظَةٍ لَا تَسْقُطُ فِيهَا الحَقِيقَةُ كَحَصَاةٍ فِي بِئْرٍ، بَلْ كَصَخْرَةٍ عَلَى زُجَاجٍ. كَانَ يَنْسَخُ فِي دَفْتَرٍ خَفِيٍّ كُلَّ دَيْنٍ زُوِّرَ، وَكُلَّ أُجْرَةٍ نُقِصَتْ، وَكُلَّ بَيْتٍ بِيعَ لِأَنَّ لِسَانَ المِيزَانِ مَالَ شَعْرَةً وَاحِدَةً إِلَى جِهَةِ السَّادَةِ. ثُمَّ وَضَعَ ذَلِكَ الدَّفْتَرَ فِي صُرَّةٍ جِلْدِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَمَعَهُ اللِّسَانُ النُّحَاسِيُّ نَفْسُهُ، حِينَ اِسْتَطَاعَ فِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ جَوْفِ المِيزَانِ دُونَ أَنْ يَسْمَعَهُ إِلَّا أَبُوهُ المَيِّتُ فِي ذَاكِرَتِهِ.

فِي صَبَاحٍ قَائِظٍ، جَاءَ بَلْخَامُ إِلَى السُّوقِ يَحْمِلُ كِيسًا مُنْتَفِخًا. كَانَ بَطْنُهُ يَسْبِقُهُ بِخُطْوَةٍ، وَخَوَاتِيمُهُ تَضِيقُ عَلَى أَصَابِعَ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ إِلَّا العَدَّ وَالإِشَارَةَ. أَلْقَى الكِيسَ فِي الكِفَّةِ وَقَالَ: زِنْ. لَمْ يَمُدَّ مِيقَاتُ يَدَهُ. نَظَرَ إِلَى الجَبَلِ البَعِيدِ، طَوْدِ الخَلَاصِ، ذَلِكَ الجِدَارِ الأَزْرَقِ الَّذِي كَانَ يَرْتَفِعُ خَلْفَ الدُّخَانِ كَأَنَّهُ آخِرُ شَيْءٍ لَمْ تَشْتَرِهِ المَدِينَةُ بَعْدُ. قَالَ بَلْخَامُ سَاخِرًا: لَا يُطْعِمُ الجَبَلُ أَحَدًا. أَجَابَ مِيقَاتُ: وَلَا يُشْبِعُ الذَّهَبُ مَنْ صَارَ جَوْفُهُ مِيزَانًا. ثُمَّ أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ الرَّسْمِيَّ، وَنَزَعَ مِفْتَاحَ الكُوَّةِ، وَرَمَاهُ عَلَى الخَشَبِ. لَمْ يَكُنْ صَوْتُ المِفْتَاحِ عَلِيًّا، لَكِنَّ السُّوقَ سَكَتَ. قَالَ بَلْخَامُ: أَنْتَ لِي. فَأَجَابَهُ مِيقَاتُ: كُنْتُ لِلِسَانِ المِيزَانِ. ثُمَّ غَادَرَ الكُوَّةَ. لَمْ يَدْفَعِ المِيزَانَ، وَلَمْ يَنْثُرِ الذَّهَبَ، وَلَمْ يَخْطُبْ فِي النَّاسِ. تَرَكَ خَلْفَهُ آلَةً عَظِيمَةً لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَكَلَّمُ بَعْدَمَا سُرِقَ لِسَانُهَا، وَمَضَى نَحْوَ بَابِ المَدِينَةِ، وَعَلَى كَتِفِهِ صُرَّةٌ لَا تَصْلُحُ فِي عَيْنِ أَحَدٍ لِأَنْ تَكُونَ كَنْزًا.

لَكِنَّ بَلْخَامَ رَأَى الصُرَّةَ، وَفَهِمَ أَكْثَرَ مِمَّا أَظْهَرَ. لَمْ يَقُلْ إِنَّ القَبَّانَ حَمَلَ الدَّلِيلَ عَلَى خِيَانَتِهِمْ. قَالَ لِلنَّاسِ إِنَّ مِيقَاتًا عَثَرَ عَلَى خَرِيطَةِ ذَهَبٍ فِي قِمَّةِ الجَبَلِ، وَإِنَّهُ هَرَبَ بِهَا وَحْدَهُ. كَانَتْ المَدِينَةُ جَافَّةً بِمَا يَكْفِي لِتَشْتَعِلَ مِنْ كِذْبَةٍ وَاحِدَةٍ. تَرَكَ الخَبَّازُ فُرْنَهُ، وَالحَدَّادُ مِطْرَقَتَهُ، وَالحَمَّالُ حِمْلَهُ، وَخَرَجَ وَرَاءَ بَلْخَامَ جَمْعٌ كَبِيرٌ يَحْمِلُ الفُؤُوسَ وَالحِبَالَ وَالسَّكَاكِينَ. لَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ لِمَاذَا يَحْتَاجُ الذَّهَبُ إِلَى جَمْعٍ كَامِلٍ لِيُسْتَخْرَجَ مِنْ صُرَّةٍ صَغِيرَةٍ. وَلَكِنَّ الجَشَعَ كَانَ يُجِيبُ عَنِ الأَسْئِلَةِ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ. صَعِدَ مِيقَاتُ أَوَّلًا. كَانَ الطَّرِيقُ إِلَى طَوْدِ الخَلَاصِ قَاسِيًا، لَا يُجَامِلُ جَسَدًا وَلَا وَهْمًا. فِي الأَسْفَلِ كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ أَكْيَاسَ الطَّعَامِ وَالنُّحَاسِ وَالحُلِيِّ؛ ظَنُّوا أَنَّ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الذَّهَبِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَابِلَهُ بِثِقَلٍ يُشْبِهُهُ. وَبَعْدَ يَوْمٍ وَاحِدٍ بَدَأُوا يَرْمُونَ مَا حَمَلُوا. سَقَطَتِ القُدُورُ أَوَّلًا، ثُمَّ صُرَّاتُ النُّقُودِ، ثُمَّ الصَّنَادِيقُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي أَخْفَوْهَا عَنْ بَعْضِهِمْ. كَانَ الجَبَلُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ ضَرِيبَتَهُ بِصَمْتٍ: كُلَّمَا تَخَفَّفُوا، صَعِدُوا؛ وَكُلَّمَا تَمَسَّكُوا، جَرَّتْهُمُ الحِجَارَةُ إِلَى الأَسْفَلِ.

أَمَّا بَلْخَامُ فَكَانَ يَصْعَدُ مُثْقَلًا بِحِزَامٍ عَرِيضٍ حَشَاهُ بِالذَّهَبِ. لَمْ يَثِقْ بِكَنْزٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ بَعْدُ، فَأَخَذَ مَعَهُ كَنْزًا يَعْرِفُهُ. كَانَ يَلْهَثُ، يَتَعَثَّرُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَهُوَ يَشُدُّ الحِزَامَ إِلَى خَاصِرَتِهِ كَأَنَّهُ يَشُدُّ رُوحَهُ. وَكُلَّمَا قَالَ لَهُ أَحَدُ أَتْبَاعِهِ إِنَّ الثِّقَلَ سَيَقْتُلُهُ، صَرَخَ: الخَفِيفُ لَا يَمْلِكُ شَيْءًا. فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ بَلَغَ مِيقَاتُ القِمَّةَ. لَمْ يَجِدْ هُنَاكَ ذَهَبًا، وَلَا بَابًا إِلَى مَمْلَكَةٍ مَخْبُوءَةٍ، وَلَا مَائِدَةً مِنْ نُورٍ كَمَا تُحِبُّ الحِكَايَاتُ الكَسُولَةُ أَنْ تَزْعُمَ. وَجَدَ صَخْرَةً عَارِيَةً وَرِيحًا بَارِدَةً وَسَمَاءً قَرِيبَةً عَلَى نَحْوٍ مُخِيفٍ. جَلَسَ عِنْدَ حَافَّةِ الجُرْفِ، وَأَخْرَجَ الصُرَّةَ. وَضَعَ الدَّفْتَرَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ اللِّسَانَ النُّحَاسِيَّ الصَّغِيرَ. كَانَ تَافِهًا فِي مَنْظَرِهِ، لَا يَزِنُ إِلَا قَلِيلًا، لَكِنَّهُ أَمَالَ المَدِينَةُ كُلَّهَا ثَلَاثِينَ عَامًا.

حِينَ وَصَلَ بَلْخَامُ وَالجَمْعُ، كَانَ اللَّيْلُ قَدْ بَدَأَ يَصْعَدُ مِنْ الهَاوِيَةِ. أَحَاطُوا بِمِيقَاتَ، وَوُجُوهُهُمُ الَّتِي أَكَلَهَا التَّعَبُ مَا زَالَ فِيهَا بَرِيقُ الطَّمَعِ. قَالَ بَلْخَامُ: الصُرَّةُ. لَمْ يَطْلُبْ، بَلْ أَمَرَ. رَفَعَ مِيقَاتُ الدَّفْتَرَ حَتَّى رَاهُ الجَمِيعُ. كَانَتْ صَفَحَاتُهُ سَوْدَاءَ مِنْ كَثْرَةِ الأَسْمَاءِ. قَالَ بِهُدُوءٍ: هَذَا كَنْزُكُمْ. تَقَدَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى اسْمَهُ، وَاسْمَ أَبِيهِ، وَدَيْنًا لَمْ يَقْتَرِضْهُ قَطُّ. وَرَأَتِ اِمْرَأَةٌ اسْمَ بَيْتِهَا المَبِيعِ لِأَنَّ كِيسَ القَمْحِ نَقَصَ فِي المِيزَانِ يَوْمًا. وَرَأَى حَمَّالٌ سَنَوَاتِ ظَهْرِهِ مَكْتُوبَةً بِأَرْقَامٍ لَا تَنْتَهِي. عِنْدَئِذٍ خَفَتَتِ الأَنْفَاسُ. لَمْ يَعُدِ الدَّفْتَرُ دَلِيلًا عَلَى مَالِ بَلْخَامَ، بَلْ صَارَ مَقْبَرَةً صَغِيرَةً لِلنَّاسِ الوَاقِفِينَ حَوْلَهُ. قَالَ بَلْخَامُ، وَقَدْ تَغَيَّرَ صَوْتُهُ: أَعْطِنِيهِ. قَالَ مِيقَاتُ: اِحْتَرَقْتُ وَأَنَا أَكْتُبُهُ. وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ. أَخْرَجَ حَجَرًا مِنْ صِوَّانٍ، ضَرَبَهُ بِقِطْعَةِ حَدِيدٍ، وَأَشْعَلَ فِي أَطْرَافِ الدَّفْتَرِ نَارًا صَغِيرَةً. حَاوَلَ بَلْخَامُ أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ، لَكِنَّ اِمْرَأَةً مِنَ الحَاضِرِينَ وَقَفَتْ فِي طَرِيقِهِ. لَمْ تَرْفَعْ سِكِّينًا، وَلَمْ تَصْرُخْ؛ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَتْ: اسْمِي أَوَّلًا. كَانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ أَضْيَقَ مِنْ خَنْجَرٍ وَأَنْفَذَ.

اِشْتَعَلَ الدَّفْتَرُ بِبُطْءٍ. لَمْ تَطِرْ صَفَحَاتُهُ كَالفَرَاشِ، بَلِ اِنْكَمَشَتْ عَلَى أَسْمَائِهَا كَأَنَّها تَخْجَلُ مِنْ سَوَادِهَا. كَانَ النَّاسُ يُشَاهِدُونَ دِيُونَهُمْ تَصِيرُ رَمَادًا، وَلَا يَعْرِفُونَ هَلْ يَفْرَحُونَ أَمْ يَخَافُونَ؛ فَمَنْ عَاشَ طَوِيلًا فِي القَيْدِ لَا يُصَدِّقُ يَدَهُ حِينَ لَا تَجِدُ حَدِيدًا. بَقِيَ اللِّسَانُ النُّحَاسِيُّ فِي يَدِ مِيقَاتَ. رَفَعَهُ بَلْخَامُ بِعَيْنَيْنِ مَحْمُومَتَيْنِ؛ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ بِلَا هَذَا اللِّسَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَادَ بِنَاءُ الكِذْبَةِ. اِنْقَضَّ عَلَيْهِ أَخِيرًا، لَا لِيُطْفِئَ النَّارَ، بَلْ لِيَخْطَفَ القِطْعَةَ الصَّغِيرَةَ. تَرَاجَعَ مِيقَاتُ خُطْوَةً، فَتَقَدَّمَ بَلْخَامُ خُطْوَتَيْنِ. خَانَهُ حِزَامُ الذَّهَبِ. مَالَ جَسَدُهُ إِلَى جِهَةِ الهَاوِيَةِ، فَتَعَلَّقَ بِحَافَّةِ الصَّخْرِ، وَالذَّهَبُ يَجُرُّهُ إِلَى الأَسْفَلِ. مَدَّ مِيقَاتُ يَدَهُ إِلَيْهِ. قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً: اِتْرُكْهُ. لَمْ يَكُنْ يَعْنِي الحَافَّة، بَلِ الحِزَامَ. لَكِنَّ بَلْخَامَ شَدَّ يَدَهُ إِلَى ذَهَبِهِ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْجُوَ نَاقِصًا. وَلَمْ يَحْتَجِ الجَبَلُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. اِنْزَلَقَ الرَّجُلُ فِي صَمْتٍ قَصِيرٍ، ثُمَّ غَابَ. لَمْ يَصْرُخْ طَوِيلًا؛ فَالصُّرَاخُ أَيْضًا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى خِفَّةٍ.

ظَلَّ الجَمْعُ وَاقِفًا. لَمْ يَهْتِفْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَلْعَنْ أَحَدٌ. فِي تِلْكَ القِمَّةِ كَانَ المَوْتُ أَقْرَبَ مِنَ الكَلَامِ، وَكَانَتْ الحَقِيقَةُ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ تُحْمَلَ فِي جُمْلَةٍ. مَشَى مِيقَاتُ إِلَى الصَّخْرَةِ العُلْيَا، وَغَرَسَ فِيهَا اللِّسَانَ النُّحَاسِيَّ بَيْنَ شَقَّيْنِ دَقِيقَيْنِ، لَا كَرَايَةٍ وَلَا كَتِذْكَارٍ، بَلْ كَشَيْءٍ انْتَهَى عَمَلُهُ فِي الأَسْفَلِ. ثُمَّ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ: عُودُوا بِلَا أَوْزَانِكُمْ. كَانَتْ آخِرَ جُمْلَةٍ قَالَهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. نَزَلَ النَّاسُ عِنْدَ الفَجْرِ. لَمْ يَحْمِلُوا ذَهَبًا، وَلَا خَرِيطَةً، وَلَا وَعْدًا بِثَرْوَةٍ. حَمَلَ بَعْضُهُمْ رَمَادَ صَفَحَاتِهِ فِي أَطْرَافِ ثَوْبِهِ، لَا لِيُثْبِتَ شَيْءًا، بَلْ لِيَتَذَكَّرَ أَنَّ الاِسْمَ إِذَا اِحْتَرَقَ مِنْ دَفْتَرِ الظُّلْمِ صَارَ أَخَفَّ فِي الصَّدْرِ. وَكَانَ غَرِيبًا أَنَّ النُّزُولَ بَدَا أَقْصَرَ مِنَ الصُّعُودِ، مَعَ أَنَّ الطَّرِيقَ هُوَ الطَّرِيقُ. الجَبَلُ لَا يَتَغَيَّرُ؛ الَّذِي تَغَيَّرَ مَا كَانُوا يَحْمِلُونَهُ.

حِينَ بَلَغُوا حَاضِرَةَ النُّحَاسِ، كَانَ السُّوقُ فِي فَوْضَى خَرْسَاءَ. المِيزَانُ العَظِيمُ قَائِمٌ فِي مَكَانِهِ، كِفَّتَاهُ مَرْفُوعَتَانِ كَيَدَيْ رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُ، لَكِنَّهُ بِلَا لِسَانٍ. حَاوَلَ بَعْضُ التُّجَّارِ أَنْ يُعِيدُوا البَيْعَ، فَلَمْ يَثِقْ بِهِمْ أَحَدٌ. حَاوَلُوا أَنْ يَفْتَحُوا دَفَاتِرَهُمْ، فَوَجَدُوا أَنَّ الأَسْمَاءَ فِيهَا لَا تَكْفِي إِذَا لَمْ يَعُدِ النَّاسُ يُصَدِّقُونَهَا. عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، تَقَدَّمَ الحَمَّالُ الَّذِي رَأَى اسْمَهُ فِي الدَّفْتَرِ المُحْتَرِقِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى الكِفَّتَيْنِ. لَمْ يَزِنْ شَيْءًا. جَلَسَ فِيهَا. ثُمَّ دَفَعَهُ طِفْلٌ، فَتَحَرَّكَتِ الكِفَّةُ كَأُرْجُوحَةٍ. ضَحِكَ الطِّفْلُ أَوَّلًا، ثُمَّ ضَحِكَتْ أُمُّهُ، ثُمَّ اِنْتَشَرَ الضَّحِكُ فِي السُّوقِ كَصَدَأٍ يُؤْكَلُ مِنَ الدَّاخِلِ.

لَمْ يَعُدْ مِيقَاتُ إِلَى كُوَّتِهِ. قِيلَ إِنَّهُ بَقِيَ فِي الجَبَلِ، وَقِيلَ إِنَّهُ نَزَلَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إِلَى وَادٍ لَا يَعْرِفُ المَوَازِينَ. لَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَبْحَثْ عَنْهُ طَوِيلًا؛ فَبَعْضُ الغَائِبِينَ يُكْمِلُونَ عَمَلَهُمْ بِغِيَابِهِمْ. بَقِيَ مَكَانُهُ فَارِغًا، وَبَقِيَ المِيزَانُ العَظِيمُ بِلَا لِسَانٍ. وَمَعَ الوَقْتِ، صَارَ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ لَا لِيَزِنُوا بَضَائِعَهُمْ، بَلْ لِيَتَّفِقُوا عَلَى مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُوزَنَ: الخُبْزُ قَبْلَ الرِّبْحِ، وَالبَيْتُ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَالإِنْسَانُ قَبْلَ الكِفَّةِ. أَمَّا فِي قِمَّةِ طَوْدِ الخَلَاصِ، فَقَدْ ظَلَّتِ القِطْعَةُ النُّحَاسِيَّةُ الصَّغِيرَةُ مَغْرُوسَةً فِي الصَّخْرِ. كَانَتِ الرِّيحُ إِذَا مَرَّتْ بِهَا أَصْدَرَتْ صَفِيرًا رَفِيعًا، لَا يُشْبِهُ صَرِيرَ المِيزَانِ القَدِيمِ، بَلْ يُشْبِهُ صَوْتَ شَيْءٍ تَحَرَّرَ أَخِيرًا مِنْ وَظِيفَتِهِ. وَلَمْ يَكُنِ العَابِرُونَ القَلِيلُونَ يَعْرِفُونَ قِصَّتَهَا كُلَّهَا، لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَؤُونَ عَلَى الصَّخْرَةِ تَحْتَهَا خَطًّا حَفَرَهُ مَجْهُولٌ بَعْدَ سِنِينَ: مَنْ لَا يَتْرُكُ مَا يُثْقِلُهُ، يَظُنُّ القِمَّةَ كَنْزًا، وَيَصِلُ إِلَيْهَا عِبْئًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى