اعتادَ المديحَ حتى صارَ ثناءُ الناسِ له قلبًا ثانيًا؛ إنْ خفقَ نشطَ، وإنْ خبا تبرَّمَ وتظلَّمَ ونفر. وكان متفوّقًا بحقّ، لامعًا بين أقرانه، تحصدُ مدرستُه على يديه الجوائزَ والأوسمة، وتضعه في واجهتها كما توضعُ المرآةُ في صدر المجلس؛ لا لتُرى، بل ليُرى فيها بريقُ أصحابها.
طالَ تصفيقُ المعلّمين، وكثرت إشاراتُ الإعجاب، حتى التبسَ عليه الفرقُ بين أن يكونَ متميّزًا، وأن يكونَ وحدَه موضعَ التميّز. لم يَعُد الإنجازُ عنده غايةً، بل طريقًا إلى الأعين، ولا المعرفةُ مطلبًا، بل منصّةً يرتفع عليها فوق الرؤوس.
وحين انتقلَ إلى مدرسةٍ جديدة، مضى إليها بخطواتٍ واثقةٍ لا يقلّ شموخُها عن ابتسامته العريضة. كان موقنًا أنّ مكانه ينتظره، وأنّ القاعة ستتّسعُ له وحده، وأنّ الذين لم يعرفوه بعدُ لم يفعلوا سوى تأخير ما سيمنحونه إيّاه من دهشةٍ وثناء. لكنّه وجدَ هناك مَن يُحسن ما يُحسن، ومَن يسبقه فيما ظنّ أنّه لا يُدرك. لم يكن تفوّقُ الآخرين ينتقصُ من قدره، غير أنّه رآه عدوانًا عليه؛ كأنّ كلَّ موهبةٍ لا تصبّ في مجده تسلبه شيئًا من حقّه.
نالَ نصيبًا من المدح، فلم يرضَه. كان يريدُ المديحَ كلَّه، لأنّ بعضَ الضوء بدا له لونًا آخر من الظلام. وحين حاولَ معلّمه أن يُفهمه أنّ المكانَ أوسعُ علمًا، وأرفعُ منافسةً، وأنّ التميّزَ هنا لا يُقاس بما كان يُقاس به هناك، سمعَ في كلامه إنكارًا لا إرشادًا، وخصومةً لا نصيحة.
خرجَ من الفصل ثائرًا، يجرّ خلفه غضبَ طفلٍ مدلّلٍ لم يجد في الوجوه مرآته القديمة. كان يُمعن النظر إلى الخلف، إلى الباب الذي لم يتبعه منه أحد، فلم ينتبه إلى أولى درجات السُّلَّم.
زلّت قدمُه.
وسقط.
——
اتّفقَ مع نفرٍ من أبناء الحيّ أن يتحدَّوا صخورَ الجبل الشاهق المتاخم لقريتهم، وأن يبلغوا قمّتَه ليستشرفوا ما وراءه. تجهّزوا بما يلزم من لباسٍ وخُوَذٍ وحبال، أمّا هو فلم يرَ في الاستعداد إلا خوفًا يلبسُ هيئةَ الحذر، ولا في أدوات السلامة إلا عُكّازاتٍ يتوكّأ عليها مَن لا يثق بقدميه. سخروا من خفّة زاده، وسخرَ هو من ثقل عُدّتهم، ثم بدأوا صعودهم مع الصباح.
وحين اشتدّ القيظ، توقّف بعضهم. وحين مالت الشمس، قلّ مَن بقي. أمّا عند المساء، فقد أنهكت الصخورُ آخرَ الصاعدين، فاتفقوا أن يستريحوا حتى الفجر. رأى هو في الراحة خيانةً للهمّة، وفي التوقّف اعترافًا ضمنيًّا بالعجز. مضى وحده في الليل، يقتحم العتمة، ويتشبّث بالصخر، ويسحبُ جسدَه من حافّةٍ إلى أخرى، حتى بلغ القمّة مع أول خيطٍ من النهار.
وقف عاليًا، والريحُ تضرب ثوبَه، والوادي ينكمش تحت قدميه. لوّح لأصحابه في الأسفل، وقد امتلأ صدرُه بفرحة الإنجاز، وظنّ أنّ رؤيته واقفًا هناك ستوقظ فيهم العزم، وأنّهم سيستقبلون انتصاره كما يستقبل المرءُ بشارةً تخصّه. لكنّ القلوبَ لا تنظرُ إلى القمم دائمًا بالعين نفسها. تسلّل إلى بعضهم حسدٌ لبسَ ثوبَ السخرية. قلّلوا من شأن الطريق، وقالوا إنّ بلوغَ القمّة لا يحتاج إلا تهوّرًا وقليلَ حظّ، وإنّهم لو أرادوا لسبقوه. تحرّكت ألسنتُهم حين فترت هممُهم، وانشغلوا بتصغير ما عجزوا عن بلوغه.
بلغه بعضُ كلامهم.
كان يستطيع أن يظلّ في موضعه، وأن يترك القمّةَ تشهدُ له دون خصومة. لكنّه مالَ إليهم، يشرح ويبرّر، ويقدّم لإنجازه أعذارًا لم يطلبها منه إلا عجزُهم. اقترب من الحافّة أكثر ممّا ينبغي، لأنّه أراد أن يصلَ صوتُه إلى قومٍ لم يريدوا أن يسمعوه. ثبتت عيناه عليهم، وغفلتا عن موضع قدمه.
فتفتّت الحجرُ تحتها.
وسقط.
——
رفعتْه في قلبها حتى لم تُبقِ له موضعًا بين البشر.
قالت إنّه خيرُ مَن عرفت، وأكرمُ عندها من الأهل، وإنّها لا تراه إلا في مقامٍ لا تبلغه النقائص، ولا تمسّه ظنونُ الخطأ. كانت تنثر عليه المديح كما يُنثر البخورُ أمام وثنٍ جميل، وتتوهم أنّ الغلوَّ في الحبّ وفاء، وأنّ رفعَ الإنسان فوق طبيعته حمايةٌ له من السقوط.
قال لها هادئًا: أحبّيني بقَدْر، وامدحيني هونًا؛ فما أنا إلا واحدٌ بين البشر.
لكنّها لم تكن تحبُّه كما هو، بل كما صاغته حاجتُها إليه. كانت تريدُ رجلًا لا يخطئ، لأنّها لا تحتملُ أن تحبَّ مَن يخطئ، وتريدُ منه الكمالَ لا إكرامًا له، بل اتّقاءً لخذلانها. كلّما ذكرَ نقصَه، عدّته تواضعًا يزيده كمالًا. وكلّما خالفَها في رأي، أعادته في خيالها إلى الصورة التي صنعتها له. كانت لا تراه، بل ترى تمثالًا نحتته من رغبتها، ثم أقنعَت نفسها أنّه من لحمٍ ودم.
وجاء الخلافُ الأوّل.
لم يكن فادحًا، ولا خيانةً، ولا جرحًا لا يُغتفر؛ مجرّد كلمةٍ لم توافق هواها، وموقفٍ لم يأتِ على الصورة التي حفظتها. لكنّ الشقَّ الصغير في التمثال كان كافيًا كي تسقطَ القداسةُ كلُّها. لم ترَ إنسانًا بانَ نقصُه، بل رأت إلهًا صغيرًا تبيّن أنّه لا يملك المعجزة. فانقلب المديحُ مقتًا، والانتماءُ خصومةً، والعهدُ غدرًا، والحب الذي زعمت أنّه لا يزول غبارًا تبدّده أولُ ريح.
وسقط.
