انتظار
لَيْسَ أَثْقَلُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ لَحَظَاتِ الانْتِظَارِ. هِيَ كَأْسٌ مُرَّةٌ يَتَجَرَّعُهَا فُؤَادُ العَاشِقِ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهَا ، وَيَأْتِيهِ الوَهْمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِوَاهِمٍ وَلَكِنَّ الشَّوْقَ شَدِيدٌ. يُوقِظُ فِي الصَّمْتِ أَصْوَاتًا، وَيَجْعَلُ لِكُلِّ ظِلٍّ وَعْدًا، وَلِكُلِّ حَرَكَةٍ عَلَى حَافَّةِ البَابِ رَجْفَةَ قُدُومٍ. يَتَقَلَّبُ مُتَوَحِّشًا فِي أَحْضَانِ الوَقْتِ المُتَثَاقِلِ، يَحْتَمِلُ سَمَاجَتَهُ أَمَلًا وَمَلَلًا، وَيَبْتَلِعُ مُجَاجَتَهُ لَهْفَةً وَوَجَلًا، كَأَنَّ السَّاعَةَ لَمْ تَعُدْ آلَةً لِقِيَاسِ الزَّمَنِ، بَلْ مِحْنَةً صَغِيرَةً تَمْتَحِنُ قُدْرَةَ القَلْبِ عَلَى أَنْ يَبْقَى مُشْتَعِلًا دُونَ أَنْ يَحْتَرِقَ. وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ الكَأْسُ مَرَارَةً حِينَ يَنْتَظِرُ العَاشِقُ اللِّقَاءَ فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ؛ يَتَرَقَّبُ الحَيَاةَ أَنْ تُقْبِلَ فِي صُورَةِ وَجْهٍ، وَالفَجْرَ أَنْ يَهُلَّ مِنْ نَاحِيَةِ عَيْنَيْنِ، وَالنَّهَارَ أَنْ يَكُونَ مَوْعِدًا لا مُجَرَّدَ ضَوْءٍ. فَالوَقْتُ، فِي غِيَابِكِ، لا يَمْضِي، بَلْ يُقِيمُ؛ يَجْلِسُ عَلَى عَتَبَةِ الرُّوحِ كَضَيْفٍ ثَقِيلٍ لا يَسْتَحِي مِنْ طُولِ مُقَامِهِ، وَيَتَرُكُ لِلنَّبْضِ أَنْ يَعُدَّ خَسَائِرَهُ بَيْنَ دَقِيقَةٍ وَدَقِيقَةٍ.
دَائِمَةٌ هِيَ لَحَظَاتُ انْتِظَارِي لَكِ؛ حَالِمَةٌ بِالذِّكْرَى، بَاسِمَةٌ لِلَّحَظَاتِ السَّكْرَى، مُدِيمَةٌ فِي العَيْنِ خَيَالَكِ، مُقِيمَةٌ فِي النَّفْسِ جَمَالَكِ. لا تُبَارِحُ إِلَّا كَرَفَّةِ جَنَاحٍ لِطَيْرٍ يَرْشُفُ رَحِيقَ الزَّهْرِ سَبَبًا لِحَيَاةٍ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي مَكَانِهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ لَوْ تَوَانَى الجَنَاحُ عَنِ الرَّفْرَفَةِ كَالوَمْضِ، لَسَقَطَ الجَسَدُ إِلَى الأَرْضِ، وَلانْطَوَتِ الرُّوحُ حَسْرَةً وَانْكِسَارًا. هَكَذَا أَبْقَى فِي مَدَارِكِ؛ لا أَسْقُطُ لأَنَّ شَوْقِي يَرْفَعُنِي، وَلا أَسْتَقِرُّ لأَنَّ انْتِظَارِي يَهُزُّنِي، وَلا أَمْلِكُ مِنَ السَّكِينَةِ إِلَّا مَا يَتَسَرَّبُ إِلَيَّ مِنْ وَعْدِ لِقَائِكِ. أَوْ هِيَ خَفَقَاتُ قَلْبِ وَلِيدٍ يُقْبِلُ عَلَى الحَيَاةِ بَاكِيًا جَازِعًا، فَلا يَسْكُنُ إِلَّا إِلَى فُؤَادٍ يَعْرِفُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ زَمَانَهُ، وَصَدْرٍ يَغْرِفُ مِنْهُ حَنَانَهُ وَأَمَانَهُ. هُوَ هَكَذَا قَلْبِي فِي غِيَابِكِ؛ يَخْرُجُ إِلَى العَالَمِ مُرْتَبِكًا، وَلا يَعُودُ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا حِينَ تَمُرُّ عَلَيْهِ نَسْمَةٌ مِنْكِ، أَوْ يَلْمَعُ فِي دَاخِلِهِ طَيْفٌ مِنْ صَوْتِكِ، أَوْ تَتَفَتَّحُ فِي ذَاكِرَتِهِ بَسْمَتُكِ كَزَهْرَةٍ تَأَخَّرَ عَلَيْهَا الرَّبِيعُ ثُمَّ جَاءَهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً.
آهِ، كَمْ أُشْفِقُ عَلَى قَلْبِي وَهُوَ يُصَارِعُ بِالحَنِينِ لَحَظَاتِهِ، وَيُضَارِعُ زَفَرَاتِهِ بِخَفَقَاتِهِ؛ فَصِيحَ الشَّوْقِ، أَعْجَمِيَّ التَّوْقِ، أَرْيَحِيَّ الشَّجَنِ. كَأَنِّي بِهِ يَعْتَصِرُ المَشَاعِرَ خَمْرًا تُذْهِبُ اللُّبَّ، فَلا يُبَالِي بِمَا يَدُورُ حَوْلَهُ، وَلا يُدْرِكُ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، أَوْ كَأَنِّي بِهِ يَصَّعَّدُ فِي أُفُقِ اللَّهْفَةِ حَرِجًا، حَتَّى لَيَخْتَنِقَ فِي صَدْرِهِ الصَّبْرُ، وَيَقْضِيَ فَوْقَ عَاتِقِهِ الجَلَدُ. لَيْسَ يَشْكُو لِيَسْمَعَهُ أَحَدٌ، بَلْ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لا يَزَالُ حَيًّا؛ فَبَعْضُ القُلُوبِ لا تَعْرِفُ حَيَاتَهَا إِلَّا مِنْ مِقْدَارِ مَا تَتَأَلَّمُ بِالحُبِّ.
تَمُرُّ الثَّوَانِي دَقَائِقَ، وَالدَّقَائِقُ سَاعَاتٍ، وَالسَّاعَاتُ أَيَّامًا، وَالأَيَّامُ عُمْرًا؛ وَتَتَشَابَهُ الأَشْيَاءُ حَتَّى لَيَسْتَوِي الظَّمَأُ وَالتَّرَعُ، وَالغَرَثُ وَالشَّبَعُ، وَالأَمْنُ وَالهَلَعُ، وَالوَسَنُ وَالفَزَعُ، وَالجَدْبُ وَالهَمَعُ، وَالعَيْشُ وَالنَّزَعُ. كَأَنَّ الانْتِظَارَ يَسْلُبُ الأَشْيَاءَ أَسْمَاءَهَا، وَيَخْلَعُ عَنْهَا فُرُوقَهَا، وَيَجْمَعُهَا كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ هُوَ أَنْتِ. فَالمَاءُ لا يَكُونُ مَاءً حَتَّى يُشْبِهَ صَفَاءَكِ، وَالنُّورُ لا يَكُونُ نُورًا حَتَّى يَحْمِلَ مِنْ طَلْعَتِكِ أَثَرًا، وَالوَجْهُ لا يَكُونُ وَجْهًا حَتَّى يَقُودَنِي، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، إِلَى وَجْهِكِ يَا حَبِيبَةُ.
وَتَتَوَحَّدُ الوُجُوهُ جَمِيعًا؛ جَمِيلُهَا وَدَمِيمُهَا، صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا، قَرِيبُهَا وَغَرِيبُهَا، لِتَرْسُمَ لِي وَجْهًا وَاحِدًا هُوَ وَجْهُكِ. أَرَاهُ فِي انْكِسَارِ الضَّوْءِ عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ، وَفِي رَجْفَةِ الوَرَقَةِ حِينَ يَمَسُّهَا الهَوَاءُ، وَفِي طَرْقَةِ خُطًى لا تَعْنِينِي ثُمَّ تَصِيرُ، مِنْ فَرْطِ الشَّوْقِ، إِشَارَةً إِلَيْكِ. وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّنِي أَفْلَتُّ مِنْكِ إِلَى العَالَمِ، وَجَدْتُ العَالَمَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْكِ، فَصَارَ كُلُّ مَا فِيهِ مِرْآةً صَغِيرَةً لِحُضُورِكِ الكَبِيرِ.
أَبْحَثُ عَنْكِ يَا حَبِيبَتِي فَأَجِدُنِي مَعَكِ، وَأَبْحَثُ عَنِّي فَأَجِدُكِ مَعِي. أَتَنَفَّسُ رَيَّاكِ فِي زَهْرِ الرَّوَابِي، وَأَتَرَسَّمُ لَفَتَاتِكِ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ، وَأَسْتَشْعِرُ إِحْسَاسَكِ يُوَشِّي العُمْرَ لِي بُرْدَةً مُطَرَّزَةً بِخُيُوطٍ ذَهَبِيَّةٍ مِنْ نُورِ رِضَاكِ. نَسَجَتْهَا بِالوَفَاءِ يَدٌ فَنَّانَةٌ ذَكِيَّةٌ؛ تَرْسُمُ الحَرْفَ لَوْحَةً، وَتَكْتُبُ اللَّوْنَ فَرْحَةً، وَتَغْزِلُ المَعَانِي أَكَالِيلَ مِنْ زُهُورِ الفُلِّ، عَبَقًا يَرْتَعِشُ لَهُ الفُؤَادُ المُغْرَقُ فِي الذِّكْرَيَاتِ. وَكَأَنَّ رِضَاكِ، حِينَ يَمُرُّ عَلَى أَيَّامِي، يُعِيدُ لِلزَّمَنِ هِنْدَامَهُ، وَلِلقَلْبِ اتِّزَانَهُ، وَلِلْمَعْنَى مَاءَهُ الَّذِي جَفَّ عَلَى حَافَّةِ الغِيَابِ.
أَبْحَثُ عَنْكِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ، حِينَ تُرْسِلُ الشَّمْسُ لِلنَّائِمِينَ رَسُولَ دِفْءٍ وَحَيَاةٍ، فَأَحْسَبُ أَنَّ أَوَّلَ خَيْطٍ مِنْ ضَوْئِهَا قَدِ اسْتَأْذَنَ عَيْنَيْكِ قَبْلَ أَنْ يَلْمَسَ الوُجُوهَ. وَأَبْحَثُ عَنْكِ فِي كُلِّ مَسَاءٍ، حِينَ يُرْسِلُ البَدْرُ لِلحَالِمِينَ رَسُولَ شَوْقٍ لِلمُنَاجَاةِ، فَأَرَى فِي هُدُوئِهِ شَيْئًا مِنْ وَقَارِكِ، وَفِي بَيَاضِهِ أَثَرًا مِنْ سَكِينَتِكِ، وَفِي بُعْدِهِ تِلْكَ القُدْرَةَ العَجِيبَةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ القَلْبِ وَإِنْ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ.
أَبْحَثُ عَنْكِ فِي الهَوَاءِ الَّذِي لا يَحْمِلُ اسْمَكِ وَيُوحِي بِكِ، وَفِي المَاءِ الَّذِي لا يَرْوِي ظَمَأِي إِلَّا إِذَا تَذَكَّرْتُ صَفَاءَكِ، وَفِي الطُّرُقِ الَّتِي لا تَنْتَهِي إِلَيْكِ ثُمَّ تَخُونُ خَرَائِطَهَا وَتُسَلِّمُنِي إِلَى ذِكْرَاكِ. أَبْحَثُ عَنْكِ لا لِأَنَّكِ غَائِبَةٌ عَنِّي، بَلْ لأَنَّ حُضُورَكِ فِيهِ مِنَ الفَيْضِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَحْثٍ دَائِمٍ، وَفِيهِ مِنَ الخَفَاءِ مَا يَجْعَلُ كُلَّ اكْتِشَافٍ لَكِ بَدْءًا لا نِهَايَةً.
أَبْحَثُ عَنْكِ لا لأَجِدُكِ، بَلْ لأَجِدَ نَفْسِي، وَأَسْتَنْشِقَ بِكِ الحَيَاةَ، يَا كُلَّ الحَيَاةِ. فَأَنْتِ لَسْتِ مَوْعِدًا أَنْتَظِرُهُ فَحَسْبُ، بَلْ مَعْنًى أَعُودُ بِهِ إِلَى ذَاتِي، وَنُورٌ أَقِيسُ بِهِ مَا بَقِيَ فِي العُمْرِ مِنْ صَبَاحٍ، وَسِرٌّ كُلَّمَا أَطَلْتُ الوُقُوفَ عَلَى بَابِهِ اتَّسَعَتْ فِيَّ الرُّوحُ، وَاسْتَحْيَا القَلْبُ مِنْ يَأْسِهِ، وَتَعَلَّمَ الانْتِظَارُ أَنْ لا يَكُونَ عَذَابًا خَالِصًا، بَلْ طَرِيقًا طَوِيلًا إِلَى بَهْجَةٍ تَسْتَحِقُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ وَجَعٍ.
أَنْتَظِرُكِ، لا انْتِظَارَ المَحْرُومِ الَّذِي لا يَمْلِكُ إِلَّا فَرَاغَهُ، بَلْ انْتِظَارَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ اللِّقَاءِ يُرَبَّى فِي الغِيَابِ كَمَا تُرَبَّى اللُّؤْلُؤَةُ فِي عُمْقِهَا، وَأَنَّ بَعْضَ الشَّوْقِ لا يُنْقِصُ الحُبَّ، بَلْ يُصَفِّيهِ مِنْ عَجَلَةِ الجَسَدِ وَضَجَرِ الوَقْتِ. أَنْتَظِرُكِ وَفِي دَاخِلِي مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ يَأْبَى الانْطِفَاءَ، كُلَّمَا طَالَ اللَّيْلُ زَادَهُ اسْمُكِ زَيْتًا، وَكُلَّمَا تَبَاطَأَ الفَجْرُ وَضَعَ طَيْفُكِ يَدَهُ عَلَى جَبِينِ الرُّوحِ وَقَالَ: مَا زَالَ لِلْقَلْبِ مَوْعِدٌ مَعَ النُّورِ.
