الأدبسرديات

فروسية

خُطواتٌ رشيقةٌ رتيبةٌ كانت تتهادى على أديم الأرض، فتوقظُ من سكون الطريق نغمًا وادعًا، كوقع مجدافٍ وحيدٍ على لُجَين بحيرةٍ عند الأصيل. وفوق صهوة الجواد استقام الفارسُ بعينين واثقتين ترنوان إلى أفقٍ بعيد، فيما كان الطريق يمتدّ أمامه عميقًا؛ يضيق بين جبلين، ثم ينفرج على وادٍ أو سهل، كأنّ الأرض تفتح له ذراعيها حينًا، وتختبر عزيمته حينًا آخر. كان قد خرج في طلبٍ عزيز، لا يبلغُه إلا إذا اجتاز السلسلة الجبلية قبل حلول الشتاء. فلم يكن يلتفت إلى وعثاء المسير، ولا يُحصي ما يتساقط من زاده، ولا يعبأ بما تنهشه الحجارة من حوافر جواده. كان يعرف أنّ الطريق الطويل لا يُقهر بقوّة الساق وحدها، بل بصبر القلب على ألّا يخدعَه القريبُ عن البعيد.

وكان المساء يراود الشمس عن ضوئها؛ يرسل إليها نسائمَ غسقٍ بارد، فتذبل عيناها رويدًا، ثم تهوي خلف جبلٍ عظيم في الأفق. وأرخى السكون على الكون حُلّةً من الدهشة والرّهبة، فلم يبقَ إلا وقع الحوافر، وشدوٌ بعيد لعصافير تعود إلى أوكارها قبل أن تخونها بقايا الضوء وتخذلها أجنحةٌ أرهقها طول السعي والتحليق.
وفجأةً قدّت صرخاتٌ مدوّيةٌ قميص الصمت من دُبُر: النّجدة! أغيثوني!

رفع الفارس رأسه، وشدّ العنان. جاءه الصوت من وراء تلّةٍ منخفضة عن يمين الطريق، فانطلق يصعدها، حتى إذا بلغ ذروتها أبصر رجلًا غليظًا قد ألقى امرأةً أرضًا، وجثا عليها ينتزع ما في يدها وهي تستغيث وتقاوم. لم يُمهله. هوى من أعلى التلّة كالرّيح، ومال عن صهوة جواده في اندفاعةٍ واحدة، فضرب المعتدي بكتفه ضربةً أطارت توازنه. تدحرج الرجل فوق الحصى، ثم انحدر نحو حافّة الوادي، وتعلّقت يداه لحظةً بصخرةٍ ناتئة قبل أن يبتلعه الظلام.

لم يسمع الفارس صوت ارتطامه. ظلّ واقفًا عند الحافة قليلًا، ثم عاد إلى المرأة. كانت تجمع ثوبها بيدٍ مرتعشة، وفي عينيها امتنانٌ مذعور عجز لسانها عن أدائه. أشارت إلى قريةٍ وراء الوادي، وسألته أن يبلغ بها مأمنها قبل أن يكتمل الليل. ترجّل عن جواده وأركبها، ثم أخذ يقوده من لجامه. وكلّما صرخت قدماه من وَعْثاء الطريق نهرها وقارُه، وكلّما نخزه جنبه من كَلَلٍ أنكره إباؤه. وكان يجول ببصره في الأنحاء تأهّبًا، ويختلس النظر إلى الخلف تحسّبًا، وفي قلبه شيءٌ غامضٌ لم يعرف أهو حزنٌ قديم، أم نذيرٌ يولد.

بلغ بها القرية بعد أن أظلم الوادي، فاستقبله شيخٌ واهن الجسد، غائر العينين، ومعه طفلتان صغيرتان تشبّثتا بأطراف ثوبه. ما إن رأى المرأة حتى بكى، وضمّها والطفلتين إلى صدره، ثم أخذ يدعو للفارس ويقبّل وجنتيه. أنزله تلك الليلة في داره، وأكرم وفادته بما بقي عنده من طعام. ولمّا هدأت الأصوات، وأخلد الجميع إلى السكون، قصّ عليه الشيخ خبرهم. كانوا غرباء نزلوا قريةً ظلم أهلها واستطال أقوياؤها على ضعفائها. وقد وهن عظمه، ودنا أجله، ولم يبقَ للمرأة وابنتيها بعده مَن يدفع عنهنّ الأذى. نظر إليه بعينين دامعتين، وسأله أن يتزوّجها، ويحملها معه إلى حيث يمضي، لعلّ في فُتوّته ما يحفظها، وفي اسمه ما يحمي ابنتيها.

أطرق الفارس طويلًا.
كان دربه بعيدًا، وهمّه ثقيلًا، وزاده قليلًا، ولم يكن في رحلته موضعٌ لأسرةٍ لم يعرفها إلا منذ ساعات. نظر إلى الطفلتين، فرآهما جالستين في زاوية الغرفة، تتعانقان كعصفورين ابتلّ جناحاهما وخافا الليل.
قالت المرأة، مستبقةً تردّده: إن كانتا تُثقلان طريقك، أبقيتُهما عند أبي.
مرّت العبارة في قلبه كظلٍّ بارد، غير أنّ توسّل الشيخ، وذهول الطفلتين، وصورة الوادي الذي كاد يبتلعها، اجتمعت كلّها بينه وبين ما سمع. حسبَ القسوة خوفًا، وحسبَ استعجالها رغبةً في النجاة، وأقنع نفسه أنّ الأيام تُهذّب ما تفسده المحن.

وفي الصباح، عقد الشيخ لهما، وخرج الفارس من القرية وقد صار جواده يحمل المرأة وابنتيها، وصار هو يقودُه على قدميه نحو غايته البعيدة. في الأيام الأولى، كان امتنانها يُلطّف وعثاء الطريق. تشكره إذا ناولها الماء، وتخفض صوتها إذا نامت الطفلتان، وتُقسم أنّها لن تكون عليه عونًا للدهر، بل عونًا له عليه. غير أنّ الامتنان، حين اطمأنّ إلى مأمنه، بدأ يخلع ثيابه.

صارت تسأله كلّ صباح كم بقي من الطريق، ثم لا ترضى بالجواب. تضيق بقلّة الزاد، وتشكو خشونة الفراش، وتلوم بطء الجواد، ولا ترى في الرجل الذي يمشي نهاره كلّه إلا سببًا في طول السفر. وكان يصبر.

أطعمها من زاده، وأركبها جواده، وقاسمها وساده، وأسكنها، على وَجَلٍ، فؤاده. وكلّما اشتدّ عليه الحمل ذكّر نفسه بدمعة الشيخ، وبالطفلتين المعلّقتين بأثواب أمّهما خشية السقوط. حتى بلغوا مفترقًا عند سفح السلسلة.

كان أحد الطريقين يلتفّ حول الجبال في مسافةٍ طويلة آمنة، والآخر يشقّ بينها ممرًّا ضيّقًا، كثير الانهيارات، تتخذه عصابات الطريق مكمنًا للقوافل المستعجلة. أشار الفارس إلى الطريق الأبعد، فاحتدّ صوت المرأة: إلى متى نظلّ ندور حول الجبال؟ الطريق الآخر أقصر.

أخبرها أنّ القِصر ليس دائمًا نجاة، وأنّ في ذلك الممرّ صخورًا لا تستقرّ، ولصوصًا لا يتركون لمن يلقونه مالًا ولا روحًا. لكنهّا رأت في حذره جبنًا، وفي صبره عجزًا، واتّهمته بأنّه يتعمّد شقاءها، وأنّ الرجل الذي أنقذها يومًا صار يخشى طريقًا يسلكه غيره. نظر إليها طويلًا. كان القناع الذي لبسته عند التلّة قد بدأ يتشقق، وظهر من تحته وجهٌ لم تصنعه المحنة، بل كانت المحنة تستره. وحين أمعنت في تجريحه، وألحت في طلب الفراق إن لم يُثبت لها رجولته، أومأ موافقًا، وابتسم في ألم. لم ينازعها البقاء، لكنه لم يستطع أن يترك الطفلتين وأمّهما في البرّيّة. عزم أن يبلّغهنّ أقرب قرية وراء الجبل، ثم يمضي وحده.

وسلك الطريق القصير.

كان الممرّ يضيق كلّما أوغلوا فيه، حتى صار الجبلان كفّين عظيمتين توشكان أن تنطبقا عليهم. صخورٌ حادّةٌ عن اليمين، وهاويةٌ سحيقة عن اليسار، والجواد يتلمّس موضع حافره كأنّه يخطو فوق نصل. تعلّقت الطفلتان بثوب أمّهما، وقد أضناهما الجوع والخوف. وكان الفارس يلتفت إليهما كلّ حين، ثم ينظر إلى المرأة، فيعجب كيف اتّسع قلب الشيخ لهنّ جميعًا، وضاق قلبها بطفلتيها. وعاد إليه صوت الشيخ من مسافةٍ بعيدة: تزوّجها من أجلي، ومن أجل ابنتيها.
وتذكّر عبارتها التي مرّت عليه يومئذٍ ولم يقف عندها: يمكنني الاستغناء عنهما من أجلك.
فقال في نفسه: أيُّ قلبٍ لكِ أيتها المرأة، وأيُّ بصرٍ كان لي حين لم أرَه؟

أقبل المساء الثاني بقلبٍ مشفق، كأنّه أراد أن يمنحه ساعةً من السكينة. اختار الفارس فسحةً ضيّقةً بين الصخور، وأشعل نارًا صغيرة، ثم شوى عليها أرنبًا اقتنصه قبل الغروب. جلست الطفلتان بعيدًا عن النار، متلاصقتين في صمت. أمّا المرأة فظلّت تراقب اللحم، وتسأل متى ينضج، ومتى ينتهي الطريق، ومتى تبلغ ما تريد. كانت كلّ الأشياء عندها بطيئة، إلا رغباتها.
قال الفارس، وقد أضناه الصبر: ألم أقل إنّك لن تستطيعي معي صبرًا؟

انتفضت الكلمات فيها كشرارةٍ وقعت في هشيم. علا صوتها، وأخذت تعدّد فضائلها ومساوئه، وتتّهمه بالمنّ والقسوة، حتى لم يبقَ من صوته في أذنها إلا ما أرادت أن تسمعه. وفيما كانت تُمعن في غضبها، تغيّرت عينا الفارس فجأةً. ثبت بصره في الظلمة وراءها، ونهض دفعةً واحدة. صاح بها أن ترتدّ إلى الخلف.

حسبته يُرهبها ليقطع كلامها، فازدادت صلفًا، ولم تتحرّك. لمح عندئذٍ بريق نصلٍ يخرج من بين صخرتين، فقفز نحوها ودفعها بكلّ قوته إلى حيث جلست ابنتاها. سقطت على الحصى، وخُدشت ساقها وذراعها، فاستدارت إليه تصبّ عليه لعناتها: قَد آذيتني قَاتلَكَ الله! خدشتَ ساقِي وَآذيتَ ذراعي. أيُّ خُلقٍ خسيسٍ، وأيُّ تصرّفٍ دنيءٍ! أهذه هي فروسيّتك المزعومة؟

لكنّ الكلمة ماتت قبل أن تتمّها. كان رجلٌ يقف وراء الفارس، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةُ ظفرٍ بطيئة. سند ظهره إلى صخرةٍ ضخمة دُفعت لتسدّ الطريق، وفي يده سيفٌ قصير تلمع على نصله نار المخيّم. عرفته المرأة. كان هو الرجل الذي تدحرج عند التلّة، وابتلعه ظلام الوادي دون أن يُسمع له ارتطام.

التفت الفارس إلى الخلف، فرأى رجالًا آخرين يهبطون من شقوق الجبل. كانوا قد أغلقوا الممرّ من الجهتين، وانتظروا حتى ابتعدت الفريسة عن كلّ طريقٍ للنجاة. مدّ يده إلى سيفه، وألقى نظرةً سريعةً إلى المرأة والطفلتين. كانت المرأتان في عينيه حينئذٍ امرأتين: واحدةٌ أنقذها عند التلّة، وأخرى تقف الآن أمام من حاول انتهاكها، فلا خوف في وجهها ولا اشمئزاز، بل شيءٌ يشبه المعرفة.

اقترب الرجل منها، ومدّ يده. تردّدت لحظةً، لا وفاءً للفارس، بل تقديرًا للغالب. ثم نهضت، ونفضت الغبار عن ثوبها، ومضت إليه. لم يقل الفارس شيئًا. فهم في تلك اللحظة أنّ بعض الصرخات لا تطلبُ منقذًا، بل تبحث عن ضحيّةٍ أكرم. وأنّ النجدة قد تفتح للمرء بابًا لا يدخل منه إلى حياة الآخرين، بل يدخل الآخرون منه إلى هلاكه.

انقضّ الرجال عليه. وظلّ الجواد يصهل طويلًا، يركل الصخرة التي أغلقت الممرّ، حتى تشقّقت حوافره وسال منها الدم. وكانت الطفلتان من خلفه تبكيان في صمت، وقد ضمّتهما العتمة كما ضمّهما الخوف من قبل. وفي وقتٍ متأخّرٍ من تلك الليلة، كانت جلجلة ضحكات المرأة تعلو من كهفٍ في جوف الجبل. امتزجت بأصوات الرجال، وتردّدت بين الصخور كزغاريد عرسٍ بلا نساء. أمّا الجواد، فظلّ عند الصخرة يصهل ويركلها عبثًا، وفي عينيه دمعةُ وفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى