الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

حين يتحول الحليف في الإمبراطورية من شريك إلى تابع

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تُبنى الإمبراطوريات بالحجارة التي تقيم عليها قواعدها وحدها، بل بالمساحات التي تفسحها الشعوب والدول في وعيها لقبول تلك القواعد. وقد يكون للجندي بندقيته، وللسفينة صواريخها، وللقاعدة أسوارها ومدارجها؛ غير أن هذه الأدوات كلها تظل معلقةً على خيطٍ لا يُرى في الخرائط العسكرية، هو مقدار الرضا الذي يجعل الآخرين يحتملون وجود القوة، ويرون في بقائها شيئًا من أمنهم ومصالحهم، لا مجرد جسدٍ أجنبيٍّ يثقل أرضهم ويقيد قرارهم.

الإمبراطورية التي يحيط بها حلفاءٌ مقتنعون أقوى من إمبراطوريةٍ يحيط بها تابعون خائفون، وإن بدت الثانية أشد صرامةً وانضباطًا. فالحليف المطمئن يحرس النظام حتى حين لا يراقبه المركز، ويتحمل شيئًا من كلفته لأنه يراه نظامه أيضًا، ويمنح القوة الكبرى معلوماته وموانئه وأسواقه وشرعيته من غير أن يشعر أنه يتبرع بأجزاءٍ من سيادته كل صباح. أما التابع فيطيع ما دام عاجزًا عن الرفض، ويخفي تحت انضباطه خرائط الخروج، ويتعلم من كل أمرٍ يُفرض عليه كيف يقلل حاجته إلى من أصدره.

“الإمبراطورية التي يحيط بها حلفاءٌ مقتنعون أقوى من إمبراطوريةٍ يحيط بها تابعون خائفون.”

وليست الحدود بين الحليف والشريك والتابع والدولة العميلة مرسومةً بخطوطٍ صلبة. فالحليف هو دولةٌ ترتبط بدولةٍ أخرى بالتزامٍ أمني أو سياسي لمواجهة خطرٍ مشترك أو حماية مصلحةٍ كبرى. والشريك يتعاون في ملفاتٍ محددة من غير أن يربطه بالآخر تعهدٌ شامل بالدفاع أو الاصطفاف. أما التابع فيظل مالكًا لاسمه وعلمه ومؤسساته، لكن هامش قراره يضيق لأن أمنه أو اقتصاده أو نخبته مرتبطةٌ بالمركز ارتباطًا يصعب الفكاك منه. والدولة العميلة تبلغ درجةً أعمق؛ إذ تصبح سلطتها الداخلية معتمدةً إلى حدٍّ كبير على دعمٍ خارجي، وتتحول سيادتها المعلنة إلى ستارٍ فوق قرارٍ لا تملكه كاملًا.

لكن الواقع لا يقدم نماذج نقية. قد تكون الدولة حليفًا في ملفٍ وتابعًا في آخر، وشريكًا اقتصاديًّا مع مركزٍ تعتمد عليه أمنيًّا، وقادرةً على رفض بعض رغباته عاجزةً عن رفض غيرها. وقد يدخل التحالف طوعًا ثم تتغير شروطه حتى يصبح الخروج منه باهظًا، أو يبدأ تحت ضغط الخوف ثم يكتسب مع الزمن مصالح مشتركةً حقيقية. لهذا لا يُحكم على العلاقة من اسم المعاهدة، بل من توزيع القرار والكلفة والمنفعة والقدرة على الاعتراض.

قد يقوم التحالف على تهديدٍ مشترك؛ فتلتقي دولٌ مختلفة القيم لأنها تخاف خصمًا واحدًا. وقد يقوم على تقاربٍ سياسي وحضاري يجعل الأطراف ترى نفسها جزءًا من مجتمعٍ أمني واحد. وقد يكون اقتصاديًّا في أصله؛ تترابط الأسواق والممرات والطاقة حتى يصبح الدفاع عن الشريك دفاعًا عن دورة الحياة الاقتصادية. وقد يكون مفروضًا بالخوف؛ تدخل فيه الدول لأن رفض إرادة المركز يعرّضها للعقاب أو العزلة أو إسقاط نظامها. وغالبًا ما تتداخل هذه العناصر. فالحلف الذي يبدأ بخطرٍ خارجي قد يخلق مع الزمن مؤسساتٍ وهويةً مشتركة، والتحالف الذي يرفع خطاب القيم قد يبقى محكومًا بحسابات الأسواق والقواعد العسكرية، والعلاقة المفروضة قد تمنح بعض أطرافها منافع فعليةً تجعلها لا تطلب الخروج الكامل، بل إعادة توزيع السلطة داخلها. لهذا ينبغي ألا تُختزل التحالفات في الإخلاص أو الخيانة. الدول لا تحب بعضها كما يحب الأفراد، لكنها تبني ذاكرةً من الثقة أو الخذلان، وتكوّن تقديرًا لما إذا كان الشريك سيقف معها عند الخطر، وما إذا كان سيحترم مصالحها حين تختلف معه. وهذه الذاكرة السياسية قد تكون أثقل من نصوص المعاهدات؛ لأن الورق لا يردع الخصم إذا شكَّ الجميع في أن صاحبه لن يفي بما كتب.

والتحالف رأس مالٍ سياسي قبل أن يكون ترتيبًا عسكريًّا. فهو يوسع شرعية القرار، إذ يظهر تحرك الدولة الكبرى بوصفه فعلًا جماعيًّا لا إرادةً منفردة. ويوزع التكاليف البشرية والمالية، ويوفر القواعد والممرات والمعلومات الاستخباراتية، ويمكّن المركز من بلوغ مناطق بعيدة من غير احتلالٍ مباشر. كما يمنح العقوبات أثرًا أوسع؛ لأن السوق التي تغلقها دولةٌ واحدة يمكن تجاوزها، أما السوق التي تغلقها شبكةٌ متحالفة فقد تخنق اقتصادًا كاملًا. وتستطيع القوة الكبرى من خلال الحلف أن تحول مصالحها الوطنية إلى مصالح مؤسسية. فإذا تحركت وحدها بدت غازيةً أو متسلطة، أما إذا تحركت باسم تحالفٍ متعدد الدول أصبح فعلها دفاعًا جماعيًّا أو تطبيقًا لقرارٍ مشترك. ولا يعني ذلك أن الشكل المؤسسي يطهّر كل قرار؛ لكنه يمنحه غطاءً من التشاور والقبول يصعب على القوة المنفردة أن تصنعه.

كما قد يسمح التحالف للمركز بالتأثير في سياسات الأطراف من غير إدارة أراضيها. لا حاجة إلى حاكمٍ أجنبي إذا كانت العقيدة العسكرية، ونظم التسليح، وتبادل المعلومات، وتدريب الضباط، وشبكات التمويل، مبنيةً بحيث تجعل قرار الدولة متصلًا بمنظومة المركز. والإمبراطورية الشبكية أذكى من الإمبراطورية الاستعمارية؛ فهي لا تتحمل دائمًا كلفة الحكم المباشر، لكنها تحتفظ بمفاتيح المجالات التي لا يستطيع الطرف الاستغناء عنها. غير أن التحالف لا يصبح إمبراطوريةً لمجرد أن إحدى دوله أقوى. كل تحالفٍ بين قوة عظمى ودولٍ أصغر سيكون غير متكافئ، ولن تتساوى فيه المساهمات ولا القدرات ولا مقدار النفوذ. السؤال ليس هل يوجد تفاوت، بل كيف يُدار هذا التفاوت؛ هل تحكمه قواعدُ مستقرةٌ، وهل تستفيد الأطراف منه فعلًا، وهل تُسمع اعتراضاتها، وهل تستطيع رفض بعض سياسات المركز من غير أن تعاقَب كأنها خرجت من الطاعة؟

يبدأ التحالف بالتحول إلى بنيةٍ إمبراطورية حين تفقد الدول الأعضاء حرية القرار في القضايا التي تمس مصالحها الأساسية، وحين يصبح الخروج مكلفًا لا لأن الخطر المشترك ما يزال قائمًا فقط، بل لأن المركز بنى اعتمادًا يجعل الاستقلال الاقتصادي أو الأمني شديد الصعوبة. ويظهر التحول حين تفرض القيادة مصالحها بوصفها مصالح الجميع، ثم تعتبر اعتراض الآخرين نقصًا في الولاء لا اختلافًا مشروعًا في التقدير. ويتحول التحالف إلى إمبراطورية حين تستخدم القوة القائدة العقوبات والتعريفات أو التهديد بسحب الحماية لإجبار حلفائها على مواقف لا يقتنعون بها، وحين تمتد المنظومة إلى ضبط السياسات الداخلية والخارجية للدول الأصغر، وحين يتحمل الأطراف خطر الحرب وتكاليفها بينما يحتكر المركز قرار البدء والتصعيد والتسوية. وهنا يكمن الفرق بين القيادة والسيطرة. القائد غير المتكافئ قد يحتفظ بالكلمة الأثقل، لكنه يشرح ويستمع ويقدم منافع عامة ويقبل قيودًا على نفسه. أما المركز الإمبراطوري فيرى التشاور وسيلةً لتحصيل الموافقة على قرارٍ صنعه، لا عمليةً يمكن أن تغير القرار. يدعو الآخرين إلى المائدة، لكنه يكون قد كتب الطعام والحساب ومقاعد الجلوس قبل وصولهم.

“تحول التحالف إلى إمبراطورية يكتمل حين تصبح مصالح القيادة فرضًا على الجميع، وتُعامل الآراء المغايرة كنقصٍ في الولاء.”

ويقدم حلف ديلوس نموذجًا قديمًا للتحول من تحالفٍ دفاعي إلى مجالٍ إمبراطوري. فقد نشأ بقيادة أثينا في أعقاب الحروب الفارسية لتحرير المدن اليونانية وحمايتها، وكانت خزائنه واجتماعاته في ديلوس، ثم تزايدت هيمنة أثينا وتحولت مساهمات أعضاء كثيرين من السفن والرجال إلى أموالٍ تدفع للمركز. ومع الوقت صارت محاولات الانفصال تُقمع، حتى وصف المؤرخون الرابطة بأنها تحولت عمليًّا إلى إمبراطورية أثينية؛ وقد سجّل ثوسيديدس أن أثينا نزعت السفن من معظم حلفائها وألزمتهم بأداء الجزية. لم يتغير اسم الرابطة في اللحظة نفسها التي تغيرت فيها حقيقتها. بقي خطاب الدفاع المشترك، لكن الخزانة والقرار والقوة البحرية انتقلت إلى المركز، وأصبح الخطر الفارسي الذي شرعن التحالف أولًا أقل حضورًا من حاجة أثينا إلى حفظ التفوق. وهذه إحدى العلامات المتكررة في التاريخ؛ قد يبقى التهديد الذي أنشأ الحلف حاضرًا في اللغة بعد أن يصبح ضبط الحلفاء وظيفةً لا تقل أهمية عن ردع العدو.

أما روما فقد بنت شبكةً متعددة الدرجات من الحلفاء والمدن والمواطنين والتابعين، واستفادت من قدرةٍ واسعة على دمج نخبٍ محلية ومنح بعض الجماعات طرقًا متفاوتةً إلى المواطنة والمكانة. لم يكن النظام قائمًا على المساواة، لكنه استطاع في مراحل صعوده أن يجعل قطاعاتٍ من الأطراف ترى مصلحتها في النظام الروماني. وكانت هذه القدرة على الاستيعاب من أسباب صلابته؛ فالإمبراطورية التي تحول كل طرفٍ إلى عدو تحتاج إلى جيشٍ في كل شارع.

وعلى الضفة الأخرى من التاريخ الحديث، كشف حلف وارسو الفرق بين الانضباط العسكري والرضا السياسي. أُنشئ بوصفه معاهدة صداقة وتعاون ودفاع مشترك بين الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، لكنه عمل كذلك أداةً لحفظ المجال السوفيتي. وأظهرت تدخلات موسكو في المجر عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968 أن خروج دولةٍ عضو عن الاتجاه السياسي المقبول للمركز لم يكن يُعامل بوصفه اختلافًا داخل الحلف، بل تهديدًا للمنظومة يستدعي القوة. كان الانضباط قائمًا، والقوات والخطط العسكرية منسقة، لكن مقدارًا مهمًّا من الوحدة استند إلى غياب القدرة على الرفض. ولذلك انهار الحلف بسرعةٍ حين ضعفت قدرة المركز السوفيتي على فرض البقاء؛ فالرباط الذي يشتد بالسلاح قد ينفك لحظة ابتعاد الحارس.

أما الكومنولث البريطاني فيمثل تحولًا مغايرًا؛ لم يبقَ الإمبراطورية البريطانية في اسمٍ جديد، بل تطور تدريجيًّا إلى رابطةٍ طوعية تضم دولًا مستقلةً ومتساوية السيادة رسميًّا، لكل منها سياساتها وتحالفاتها الخاصة. وتؤكد وثائقه أن العضوية لا تمنع الدول من الانحياز أو الانضمام إلى تجمعاتٍ أخرى، وأن الأعضاء متساوون بصرف النظر عن الحجم والثروة. لا يلغي ذلك بقاء آثار اللغة والثقافة والمال والشبكات البريطانية، لكنه يكشف إمكانية تحويل بعض روابط الإمبراطورية إلى نفوذٍ أكثر مرونة، حين يتراجع الإكراه ويصبح استمرار العلاقة قائمًا على منافع لا تتطلب خضوعًا سياسيًّا مباشرًا. فالنفوذ الذي يبقى بعد زوال القدرة على إجبار الأطراف أكثر دلالةً على الجاذبية من النفوذ الذي تحرسه الحاميات.

وبعد الحرب العالمية الثانية بنت الولايات المتحدة أوسع شبكة تحالفات في التاريخ الحديث. كان الناتو قلبها الأطلسي، وقامت حوله معاهداتٌ ثنائية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وترتيباتٌ أمنية في الخليج، وشراكات استخباراتية، ومظلة نووية، ونظامٌ اقتصادي ومالي متصل بالسوق والدولار والمؤسسات الغربية. وقد جعلت المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي الهجوم على عضوٍ هجومًا على الجميع، وربطت ذلك بحق الدفاع الجماعي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، بينما أكدت المادة الثالثة مسؤولية الدول عن تطوير قدراتها الفردية والجماعية. وبفعل درجة التنسيق العسكري والقوة المشتركة أصبح هذا الضمان من أقوى الترتيبات الردعية في النظام الدولي.

وفي شرق آسيا ارتبطت إعادة بناء اليابان بعد الحرب بإبرام معاهدة سلامٍ وتحالفٍ أمني مع الولايات المتحدة، فيما قام التحالف مع كوريا الجنوبية في بيئة الحرب الكورية والتهديد القادم من الشمال. ولم تكن هذه العلاقات أمنيةً فقط؛ فقد ارتبطت بالنفاذ إلى السوق الأمريكية، والمساعدة، والاستثمار، وإعادة بناء الاقتصادات، وبنظامٍ أتاح للحلفاء التركيز على التنمية تحت مظلةٍ عسكرية أمريكية.

وكان الخطر السوفيتي عنصرًا حاسمًا في ترسيخ القيادة الأمريكية. فالدول الأوروبية والآسيوية لم تقارن السيادة الكاملة بتحالفها مع واشنطن في فراغ، بل قارنت المظلة الأمريكية بمخاطر عسكرية وأيديولوجية بدت قريبةً وواقعية. ولذلك كان عدم التكافؤ مقبولًا؛ لأن الحلفاء تلقوا أمنًا وأسواقًا واستقرارًا ومجالًا للنمو، بينما حصلت الولايات المتحدة على قواعد ونفوذٍ ومجالٍ استراتيجي بعيد عن أراضيها.

“تقاسم الأعباء يقوم على أمن مشترك، أما منطق الإتاوة فيتعامل مع الحماية كسلعة مشروطة بالطاعة والشراء.”

وهذا هو الضابط الضروري في الحكم على التحالفات غير المتكافئة؛ عدم التكافؤ ليس ظلمًا في ذاته، ما دام القوي يقدم سلعًا عامةً حقيقية، وتملك الأطراف هامشًا معتبرًا في تعريف مصالحها، ولا تتحول الحماية إلى حقٍ مطلق في التحكم. فالطبيب والمريض غير متكافئين في المعرفة، لكن العلاقة تصبح استغلالًا إذا استعمل الطبيب حاجة المريض ليفرض عليه ما لا يخدم صحته. كذلك قد تحتاج الدولة الصغيرة إلى مظلة قوةٍ أكبر، ويستفيد الطرفان، من غير أن يجعل ذلك الدولة الأصغر عميلةً. إنما يصبح التفاوت تبعيةً حين لا تستطيع الدولة أن تقول «لا» في شأنٍ لا يمس جوهر الدفاع المشترك، أو حين تستخدم القوة القائدة حاجتها الأمنية لانتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية لا تقبل بها في تفاوضٍ حر.

ومن هنا تأتي حساسية الانتقال من تقاسم الأعباء إلى منطق الإتاوة. ليس من الظلم أن تطالب الولايات المتحدة حلفاءها بإنفاقٍ دفاعي أكبر، إذا كانت تضمن أمنهم وتتحمل قسمًا غير متناسب من الأعباء. والتحالف الذي يعتمد طويلًا على دافع ضرائبٍ واحد يخلق اختلالًا يضعف مسؤوليته المشتركة. لكن الفرق واسع بين تفاوضٍ مؤسسي حول القدرات المطلوبة، وبين تهديد الحليف بأن يُترك للعدو إذا لم يدفع السعر الذي يحدده المركز. تقاسم الأعباء يقول إن أمننا مشترك، وإن مساهمتنا ينبغي أن تتناسب مع قدراتنا. أما منطق الإتاوة فيقول إن الحماية سلعةٌ يمتلكها المركز، وإن استمرارها مشروطٌ بالطاعة والشراء. الأول يقوي الحلف إذا بُني على خططٍ واحتياجاتٍ متفق عليها، والثاني يضعف الضمان؛ لأن الردع لا يقوم على حجم السلاح وحده، بل على اقتناع الخصم بأن التعهد سيُنفذ حتى إذا أصبحت كلفته مرتفعة. فإذا أصبح الضمان قابلًا للبيع والمساومة مع كل إدارة، بدأ العدو يتساءل إن كان قادرًا على فصل الحليف الصغير عن المركز بعرضٍ أو تهديد، وبدأ الحليف يتساءل إن كان ما اشتراه اليوم سيبقى صالحًا غدًا. وتفقد المظلة أهم خصائصها؛ اليقين النسبي بأن الهجوم سيستدعي الرد.

وقد تربط الدولة القائدة الولاء بشراء أسلحتها، فتتحول الحاجات العسكرية إلى سوقٍ مغلقة، وتصبح قابلية التشغيل المشترك وسيلةً لتثبيت التبعية التقنية لعقود. وقد يكون توحيد الأنظمة ضروريًّا لفاعلية الحلف، لكن المشكلة تبدأ حين لا يعود السؤال ما السلاح الأنسب للدفاع المشترك، بل كيف تُستخدم الحاجة الأمنية لضمان أرباح الصناعات التابعة للمركز.

“الاستقلال الاستراتيجي ليس مرادفًا للعداء، بل قدرة الدولة على أن تبقى شريكةً من غير أن تصبح العلاقة حصرية تسلبها البدائل.”

الحلف الصغير يعيش دائمًا بين خوفين؛ الخوف من التخلي والخوف من التورط. يخشى أن تنكص القوة الكبرى عند لحظة الخطر، فتتركه بعد أن بنى دفاعه على ضمانها. ويخشى في الوقت نفسه أن تجره إلى حربٍ لا يراها حيويةً له، أو أن تجعله هدفًا لخصمٍ لم يكن ليعاديه لولا تموضعه داخل شبكة المركز. إذا غلب الخوف من التخلي طلب الحليف مزيدًا من القوات والضمانات والقواعد. وإذا غلب الخوف من التورط بحث عن مسافةٍ تمنعه من الانجرار التلقائي. أما إذا تصاعد الخوفان معًا، دخل في أكثر الحالات تعقيدًا؛ يريد من المركز أن يبقى قويًّا قريبًا، لكنه لا يريده قادرًا على تحديد مصيره منفردًا. وعندئذٍ يبدأ ببناء قوةٍ مستقلة، وتنويع الشراكات، والإبقاء على علاقاتٍ مع الخصوم، وتقليل اعتماده المالي والتقني، وتجنب الاصطفاف الكامل. وهذه السلوكيات لا تعني دائمًا الانسحاب من الحلف؛ قد تكون محاولةً لإصلاح اختلاله، أو وثيقة تأمينٍ ضد تقلب القوة القائدة.

الاستقلال الاستراتيجي إذًا ليس مرادفًا للعداء، بل قدرة الدولة على أن تبقى شريكةً من غير أن تصبح العلاقة حصريةً تسلبها البدائل. وهو ليس اكتفاءً ذاتيًّا كاملًا؛ فهذا وهمٌ في عالم مترابط، بل قدرةٌ كافية على ألا يتحول قطع موردٍ واحد أو ضمانٍ واحد إلى انهيار القرار الوطني. والإمبراطورية التي لا تفهم ذلك ترتكب خطأً مزدوجًا؛ تفسر كل استقلالٍ بوصفه خيانة، فتزيد الضغط، ويصبح الضغط نفسه دليلًا لدى الحلفاء على حاجتهم إلى استقلالٍ أكبر. وهكذا تخلق القوة بيدها المسافة التي تخشاها. فالحلفاء ليسوا زينةً تضاف إلى مشهد القوة، بل أحد أهم مصادرها. وهم لا ينسحبون من الإمبراطورية حين يطردون قواعدها فقط، بل حين يتوقفون عن رؤية مستقبلهم داخل نظامها. وقد تبقى المعاهدة والجندي والسلاح، فيما يكون الرضا الذي منحها الحياة قد بدأ يتسلل من تحت الأبواب. وحين يتحول السؤال في عواصم الحلفاء من كيفية الاستفادة من قوة المركز إلى كيفية حماية النفس من تقلباته، تكون الإمبراطورية قد بدأت تفقد أحد أعظم حصونها، من غير أن تسقط قاعدةٌ واحدة أو تنسحب سفينةٌ من بحر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى