أجمل القلوب أقلها ضجيجا
ثَمَّةَ جَلَالٌ بَاذِخٌ فِي السُّكُونِ يَسْتَعْصِي عَلَى أَبْجَدِيَّاتِ الضَّجِيجِ المُفْتَعَلِ، وَهَيْبَةٌ قُدْسِيَّةٌ تَكْتَنِفُ المَشَاعِرَ الحَقَّةَ حِينَ تَأْبَى عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تَتَسَوَّلَ الاِعْتِرَافَ عَلَى أَرْصِفَةِ البَوْحِ المُبْتَذَلِ المُشَاعِ. إِنَّ أَجْمَلَ القُلُوبِ، يَا سَيِّدَةَ النَّبْضِ وَرَفِيقَةَ الرُّوحِ، هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَنْبِضُ بِصَمْتِ المَجَرَّاتِ العَظِيمَةِ؛ شَاسِعَةً، مُضِيئَةً، مُهَابَةً، لَا تَحْتَاجُ إِلَى جَلَبَةٍ فَجَّةٍ لِتُثْبِتَ وُجُودَهَا الرَّاسِخَ فِي خَرَائِطِ هَذَا الكَوْنِ. قَلْبُكِ النَّقِيُّ، ذُو الطِّرَازِ الأَرُسْتُقْرَاطِيِّ الرَّفِيعِ، يُدْرِكُ يَقِينًا أَنَّ الصِّدْقَ الهَادِئَ هُوَ لُغَةُ الخُلُودِ، وَأَنَّ العَاطِفَةَ، إِذَا بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا السَّامِقَةَ، اِسْتَحَالَتْ ذُهُولًا صُوفِيًّا يُخْرِسُ اللِّسَانَ، وَيُحِيلُ الكَلِمَاتِ إِلَى قَوَالِبَ صَمَّاءَ تَتَقَزَّمُ صَاغِرَةً أَمَامَ جَبَرُوتِ الشُّعُورِ المُتَدَفِّقِ. نَحْنُ فِي حَضْرَةِ حُبٍّ عَصِيٍّ يَتَرَفَّعُ بِكِبْرِيَاءٍ عَنْ قَوَامِيسِ العَامَّةِ وَأَسْوَاقِهِمْ، لِيَبْتَنِيَ لِنَفْسِهِ مِحْرَابًا مَرْمَرِيًّا فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ الخَفِيَّةِ، حَيْثُ لَا صَوْتَ يَعْلُو فَوْقَ هَمْسِ النَّظَرَاتِ العَمِيقَةِ، وَلَا حَدِيثَ أَبْلَغُ مِنْ عِنَاقِ البَصَائِرِ حِينَ تَتَلَاقَى بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ.
لَقَدْ أَسْرَجْتُ لَكِ فِي مَيَادِينِ هَذَا النَّصِّ خُيُولَ الخَيَالِ الجَامِحَةَ، لِتَعْبُرَ بِكِ مَتَاهَاتِ المَادَّةِ المُوحِشَةِ إِلَى سُهُولِ المَعْنَى الفَاتِنِ، وَأَمَرْتُ فُصُولَ العَامِ جَمِيعَهَا أَنْ تَقِفَ إِجْلَالًا لِرَبِيعِ وِجْدَانِكِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ سَطْوَةَ الخَرِيفِ. فِي هَذَا الفَضَاءِ الرَّحِيبِ تَتَحَوَّلُ الأَشْيَاءُ العَتِيقَةُ تَبَعًا لِإِرَادَةِ حَالَتِنَا؛ فَيَصِيرُ اللَّيْلُ عَبَاءَةً مِنْ مُخْمَلٍ نَاعِمٍ نَتَدَثَّرُ بِهَا مِنْ قَرْسِ الغُرْبَةِ، وَيَسْتَحِيلُ المَطَرُ، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ التُّرَابَ، كَائِنَاتٍ مِنْ عِطْرٍ مُجَنَّحٍ تَحْمِلُ إِلَيَّ رَسَائِلَكِ الَّتِي لَمْ تُنْطَقْ، وَتَفْتَحُ فِي الذَّاكِرَةِ بَابًا إِلَى مَا طَالَمَا قَرَأْتُهُ فِي عَيْنَيْكِ مِنْ سُورِ الصَّمْتِ وَآيَاتِ الخَفَاءِ. هَذِهِ هِيَ الزَّمَكَانِيَّةُ الأُسْطُورِيَّةُ البِكْرُ الَّتِي يَنْسُجُهَا خَفْقُ قَلْبَيْنِ اِتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَتَخَاطَبَا بِلُغَةِ اِنْعِدَامِ الصَّوْتِ؛ حَيْثُ تَمِيلُ الجِبَالُ الرَّوَاسِي بِهَامَاتِهَا لِتَسْمَعَ نَجْوَانَا السِّرِّيَّةَ، وَتُبْطِئُ الأَنْهُرُ مَسِيرَهَا المَحْتُومَ خَشْيَةَ أَنْ يُشَوِّشَ خَرِيرُهَا المَائِيُّ عَلَى تَنَاغُمِ أَرْوَاحِنَا وَهِيَ تَتَلَاقَى فِي عُلْوِيَّاتِ المَلَأِ الأَصْفَى.
مَا أَرْخَصَ الحُبَّ حِينَ يَقِفُ كالسَّائِلِ المَحْرُومِ عَلَى نَوَاصِي المَرَافِئِ يَسْتَجْدِي اِنْتِبَاهَ العَابِرِينَ، وَمَا أَعْظَمَهُ حِينَ يَسْتَغْنِي بِكَمَالِ ذَاتِهِ عَنْ شَهَادَةِ العَالَمِينَ وَصَخَبِهِمْ! لَقَدْ تَجَاوَزْنَا، يَا رَفِيقَةَ النُّورِ، ضِيقَ التَّجْرِبةِ البَشَرِيَّةِ العَابِرَةِ إِلَى سَعَةِ الرُّؤْيَةِ الإِنْسَانِيَّةِ المُطْلَقَةِ؛ حَيْثُ الوَصْلُ بَيْنَنَا اِسْتِحْقَاقٌ سِيَادِيٌّ لَا مَكْرُمَةٌ عَابِرَةٌ، وَحَيْثُ الحُبُّ حَالَةٌ وُجُودِيَّةٌ أَصِيلَةٌ تَتَنَفَّسُهَا الأَشْيَاءُ مِنْ حَوْلِنَا دُونَ أَدْنَى حَاجَةٍ إِلَى إِعْلَانٍ صَارِخٍ أَوْ بَيَانٍ مُذَاعٍ. الشَّمْسُ لَا تُصْدِرُ كُلَّ فَجْرٍ وَثِيقَةَ بُرْهَانٍ لِتُثْبِتَ لِلْأَعْمَى أَنْهَا قَادِرَةٌ عَلَى مَحْوِ الظَّلَامِ، بَلْ تَمْنَحُ نُورَهَا فِي صَمْتٍ مَهِيبٍ، فَيَنْطِقُ الكَوْنُ بِأَسْرِهِ تَسْبِيحًا بِفَضْلِهَا. وَكَذَلِكَ هُوَ وَجْدِي بِكِ؛ لَا يَسْعَى إِلَى لَافِتَاتٍ وَرَقِيَّةٍ تُمَزِّقُهَا الرِّيَاحُ، وَلَا يَطْمَحُ إِلَى هُتَافِ حَنَاجِرَ سُرْعَانَ مَا يَأْخُذُهَا البُحَاحُ وَيَخُونُهَا النَّفَسُ، فَهُوَ نَهْرٌ عَمِيقٌ طَامٍ يَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الأَيَّامِ، يَرْوِي جَدْبَ الرُّوحِ الَّتِي أَنْهَكَهَا السَّفَرُ بِسَلْسَبِيلِهِ الخَفِيِّ، وَيَكْتَفِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِأَنَّهُ سِرُّ الحَيَاةِ فِي صَحْرَاءِ هَذَا الوُجُودِ القَاحِلِ.
أَلَيْسَ مِنْ عَبَثِ الأَزْمِنَةِ المُتْرَعَةِ بِالوَهْمِ أَنْ يُقَاسَ حَجْمُ الوُدِّ الرَّفِيعِ بِمِقْدَارِ الحَنَاجِرِ الَّتِي تَصْدَحُ بِهِ، أَوْ بِعَدَدِ العُيُونِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ إِنَّهُ لَسُؤَالٌ يَفْتَحُ أَبْوَابَ المُحَاكَمَةِ الصَّارِمَةِ لِطَبِيعَةِ العَاطِفَةِ حِينَ تُشَوِّهُهَا المَظَاهِرُ، فَتَصِيرُ مَسْخًا يَبْحَثُ عَنْ فُتَاتِ تَصْفِيقٍ مِنْ عَابِرِي السَّبِيلِ. إِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ العُمْقِ الأَصِيلِ وَالاِسْتِعْرَاضِ الزَّائِفِ هِيَ ذَاتُ المَسَافَةِ بَيْنَ الدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ فِي قَرَارَةِ المَحَارِ، وَبَيْنَ الزَّبَدِ الأَجْوَفِ الَّذِي يَتَطَاوَلُ مُغْتَرًّا عَلَى ظَهْرِ المَوْجِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَتَلَاشَى عِنْدَ أَوَّلِ اِصْطِدَامٍ بِصَخْرَةِ الحَقِيقَةِ. الأَرْوَاحُ الفَارِغَةُ تَقْرَعُ طُبُولَ اِدِّعَاءَاتِهَا لِتُدَارِيَ بِالضَّجِيجِ خَوَاءَهَا الدَّاخِلِيَّ، أَمَّا الأَرْوَاحُ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةُ المُمْتَلِئَةُ بِجَلَالِ المَعَانِي، فَتَكْتَفِي بِثِقَلِهَا النَّوْعِيِّ لِتَرْسُوَ آمِنَةً فِي مَوَانِئِ اليَقِينِ. كَمْ مِنْ ضَجِيجٍ عَاطِفِيٍّ مُمَزَّقٍ لَمْ يُوَلِّدْ فِي النِّهَايَةِ سِوَى صَدًى مُمِلٍّ سَئِمَتْهُ الآذَانُ، وَكَمْ مِنْ صَمْتٍ بَلِيغٍ أَنْجَبَ كَوَاكِبَ مِنْ دَهْشَةٍ بِكْرٍ، وَمَجَرَّاتٍ مِنْ تَوْقٍ لَا يَنْفَدُ، وَأَنْهَارًا مِنْ حَنِينٍ لَا تُرَى وَلَكِنَّهَا تُخْصِبُ السِّرَّ مِنْ أَقْصَاهُ إِلَى أَقْصَاهُ!
لَقَدْ صَاغَتْ مَكَارِهُ التَّجَارِبِ وِجْدَانِي، وَهَذَّبَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ عُتُوِّي، لِأَكُونَ صَائِغًا عَالِمًا لِأَسْرَارِ الشُّعُورِ، لَا عَبْدًا أَسِيرًا لِمَظَاهِرِهِ الزَّائِفَةِ. أَسْبُرُ أَغْوَارَ النَّفْسِ فَأَرَى رَأْيَ العَيْنِ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ المَعَانِي المُجَرَّدَةُ فِي صَمْتِكِ السَّاحِرِ إِلَى كَائِنَاتٍ مِنْ نُورٍ، تَمْشِي عَلَى أَرْضِ خَيَالِي بِأَقْدَامٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَتُعَطِّرُ سَمَائِي بِأَنْفَاسٍ مِنْ يَقِينٍ لَا يُخَالِطُهُ رَيْبٌ. فَالصَّمْتُ، حِينَ يَصْدُرُ عَنْ قَلْبٍ كَبِيرٍ، لَا يَكُونُ فَرَاغًا فِي اللُّغَةِ، بَلِ اِمْتِلَاءً فِي المَعْنَى؛ لَا يَكُونُ نُقْصَانًا فِي البَوْحِ، بَلْ فَيْضًا تَعْجَزُ عَنْهُ الأَلْسِنَةُ؛ لَا يَكُونُ اِنْطِفَاءً فِي النَّبْضِ، بَلْ ذَلِكَ الاِشْتِعَالَ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ كَلِمَاتٍ صَغِيرَةً لِمَعَانٍ كَبِيرَةٍ.
وَيْ كَأَنَّ وُجُودَكِ الوَثِيرَ فِي مَدَارِ أَيَّامِي رِسَالَةٌ سَمَاوِيَّةٌ خَاصَّةٌ، تَتَطَلَّبُ تَبَتُّلًا صَادِقًا فِي مَحَارِيبِ الوَجْدِ لِفَكِّ طَلَاسِمِهَا المَجِيدَةِ. قَدْ رَأَيْتُ فِي عُيُونِكِ الصَّافِيَةِ قَبَسًا مِنْ طُورِ سِينِينَ، يَجْذِبُنِي كَمَا يَجْذِبُ النُّورُ السَّارِينَ فِي دَهَالِيزِ الظَّلَامِ، فَمَا خَلَعْتُ نَعْلَيْ ذَاتِي اِسْتِكَانَةً لِضَعْفٍ، وَلَا خُضُوعًا لِهَوَانٍ، بَلْ تَوْقِيرًا عَمِيقًا لِقَدَاسَةِ الشُّعُورِ الَّذِي رَفَعَكِ فِي دَاخِلِي إِلَى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ الَّذِي لَا يُشَابُ بِظَنٍّ مُرْجِفٍ. أَنْتِ، فِي عُرْفِ هَذَا الفُؤَادِ، لَسْتِ قِصَّةً عَابِرَةً تُسْرَدُ فِي مَجَالِسِ السَّمَرِ، بَلْ بَصِيرَةٌ تُشْهَدُ، وَآيَةٌ تُقْرَأُ بِالقَلْبِ قَبْلَ العَيْنِ، وَمَعْنًى يُقِيمُ فِي الرُّوحِ كَمَا تُقِيمُ النَّجْمَةُ فِي سَمَائِهَا لَا تَسْأَلُ الظَّلَامَ أَنْ يُقِرَّ لَهَا بِالضِّيَاءِ. وَأَنَا هُنَا، فِي مَقَامِ الرُّسُوخِ وَالشُّمُوخِ، شَاهِدٌ بَصِيرٌ عَلَى عَصْرٍ تَأْبَى فِيهِ العَاطِفَةُ أَنْ تَتَشَكَّلَ إِلَّا بِمِعْيَارِ الجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَصَائِغٌ لَا يَرْضَى لِلشُّعُورِ أَنْ يُسْكَبَ فِي قَوَالِبَ الطِّينِ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ نَسَبَهُ إِلَى النُّورِ.
إِنَّنِي أُشْرِبْتُ حُبَّكِ حَتَّى خَالَطَ ذَرَّاتِ الدَّمِ، وَاسْتَوْطَنَ مَسَامَاتِ الكِيَانِ، فَلَمْ يَعُدْ لِي فَكَاكٌ مِنْهُ، وَلَا رَغْبَةَ لِي أَصْلًا فِي أَيِّ فَكَاكٍ؛ لَا لِأَنَّهُ قَيْدٌ يُذِلُّ، بَلْ لِأَنَّهُ عُرْوَةٌ مِنْ نُورٍ تَشُدُّنِي إِلَى ذُرَى المَجْدِ الإِنْسَانِيِّ الأَصِيلِ، حَيْثُ تَتَحَرَّرُ الأَرْوَاحُ العَاشِقَةُ مِنْ أَثْقَالِ جَسَدِهَا الطِّينِيِّ، وَتُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ العِتْقِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ قُيُودَ البَشَرِ. فَلَيْسَ الحُبُّ الكَبِيرُ اِسْتِرْقَاقًا لِلقَلْبِ، بَلْ تَحْرِيرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ أَسْرَارٍ نَبِيلَةٍ كَانَتْ تَنْتَظِرُ لَمْسَةَ الجَمَالِ لِتَنْهَضَ مِنْ غَفْوَتِهَا. وَمَا أَرْفَعَ أَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ فِي قَلْبٍ آخَرَ مِفْتَاحًا لَا لِسِجْنِهِ، بَلْ لِسَمَائِهِ؛ لَا لِضَعْفِهِ، بَلْ لِأَنْبَلِ قُوَّتِهِ؛ لَا لِاضْطِرَابِهِ، بَلْ لِذَلِكَ السُّكُونِ المُشِعِّ الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ العَوَاصِفُ بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ حِكْمَةً.
فِي تُرْبَةِ السُّكُونِ الطَّاهِرَةِ هَذِهِ، حَيْثُ لَا عَيْنٌ تَرْمُقُ بِحَسَدٍ، وَلَا أُذُنٌ تَسْتَرِقُ بِخُبْثٍ، تَضْرِبُ جُذُورُ المَشَاعِرِ العَظِيمَةِ فِي أَعْمَاقِ الذَّاتِ، تَتَغَذَّى مِنْ عُصَارَةِ الصِّدْقِ البِكْرِ، وَتَتَبَتَّلُ فِي خَلْوَةِ التَّأَمُّلِ الخَالِصِ لِوَجْهِ الجَمَالِ. هُنَاكَ فَقَطْ تَكْبُرُ العَاطِفَةُ نُمُوًّا عُنْقُودِيًّا يَسْلُبُ اللُّبَّ دَهْشَةً؛ فَتَلِدُ كُلُّ خَفْقَةٍ أُفُقًا جَدِيدًا مِنَ الِاحْتِوَاءِ الحَانِي، وَيُنْجِبُ كُلُّ تَفَكُّرٍ فِي طَيْفِكِ المُرَفْرِفِ شُمُوسًا تَنْفِي عَنْ رُوحِي بَرْدَ الِاغْتِرَابِ. هَذَا الشَّاوُقُ العَاتِي الَّذِي يَكْبُرُ فِي غَيابَاتِ الجُبِّ الصَّامِتِ بَيْنَ أَضْلَاعِي، جَعَلَنِي شَاهِدًا بَصِيرًا عَلَى تَحَوُّلَاتِ النَّفْسِ حِينَ تَنْتَفِضُ مِنْ مَرْتَبَةِ الطِّينِ إِلَى مَدَارَاتِ الأَثِيرِ، وَحِينَ تَتَعَلَّمُ أَنَّ أَرْفَعَ مَا فِي العَاطِفَةِ لَيْسَ أَنْ تُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهَا كُلَّ سَاعَةٍ، بَلْ أَنْ تَبْقَى فِي عُقْمِهَا كَالنَّبْعِ المُقَدَّسِ؛ لَا يَرَاهُ العَابِرُونَ، وَلَكِنَّ الوَرْدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
صَمْتُنَا، يَا سِرَّ الخُلُودِ، لَيْسَ غِيَابًا لِلُّغَةِ كَمَا يَظُنُّ العَوَامُّ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ مُكَثَّفٌ لِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ اللُّغَةِ. إِنَّهُ اِبْتِهَالٌ رُوحِيٌّ تَلْتَقِي فِيهِ المُتَنَاقِضَاتُ، فَيَصِيرُ الهُدُوءُ عَاصِفًا، وَتَصِيرُ المَسَافَةُ قُرْبًا، وَيَصِيرُ الكِتْمَانُ بَوْحًا لَا تَحْتَمِلُهُ الأَسْمَاعُ العَجْلَى. هُنَاكَ، فِي تِلْكَ المِنْطَقَةِ الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا فُضُولُ النَّاسِ، يَتَشَكَّلُ أَنْبَلُ الوِدِّ كَمَا تَتَشَكَّلُ اللُّؤْلُؤَةُ فِي عُزْلَةِ المَحَارَةِ؛ بَطِيئًا، عَمِيقًا، مَصُونًا، بَعِيدًا عَنِ العُيُونِ، حَتَّى إِذَا اِكْتَمَلَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى صَخَبٍ لِيُثْبِتَ نُدْرَتَهُ، فَالنُّدْرَةُ لَا تَصْرُخُ، وَالمَاسُ لَا يَسْتَأْجِرُ مَنْ يُنَادِي عَلَى قِيمَتِهِ فِي الأَسْوَاقِ.
أَمَّا الوَفَاءُ المُتَجَذِّرُ فِينَا، فَهُوَ فِي عُرْفِ هَذَا القَلْبِ الأَبِيِّ لَيْسَ قَصِيدَةً تُلْقَى عَلَى مَنَابِرِ المَهْرَجَانَاتِ الصَّاخِبَةِ، وَلَا وَثِيقَةً تُمْهَرُ بِأَخْتَامِ المُرَائِينَ المُدَّعِينَ. الوَفَاءُ الخَفِيُّ هُوَ قِيمَةُ القِيَمِ، وَتَاجُ المَكَارِمِ، وَذَلِكَ الرِّبَاطُ السِّرِّيُّ المُقَدَّسُ الَّذِي يَشُدُّ أَزْرَ الرُّوحِ حِينَ تَعْصَفُ رِيَاحُ الزَّمَانِ المُتَقَلِّبَةُ بِمَنْ حَوْلَنَا. هُوَ أَنْ أَحْفَظَ لَكِ مَقَامَكِ السِّيَادِيَّ الأَوْحَدَ فِي مَحْفَلِ وِجْدَانِي، حَتَّى وَإِنْ بَاعَدَتْ بَيْنَنَا مَفَاوِزُ القَدَرِ، وَضَنَّتْ عَلَيْنَا الأَيَّامُ بِاللِّقَاءِ. إِنَّهُ إِخْلَاصٌ أَعْمَقُ يَشْبَهُ سَيَرَانَ العِطْرِ المَخْبُوءِ فِي ثَنَايَا ثَوْبٍ عَتِيقٍ مُطَرَّزٍ بِالذِّكْرَيَاتِ؛ لَا يُبْصَرُ بِالعَيْنِ، وَلَا كِنَّهُ يُمَارِسُ سِيَادَتَهُ عَلَى المَكَانِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُلامِسَهُ نَسْمَةُ حَنِينٍ عَابِرَةٌ. مَا قِيمَةُ العُهُودِ إِذَا لَمْ تُعْقَدْ فِي ظَلْمَةِ المِحْرَابِ الدَّاخِلِيِّ، بَعِيدًا عَنْ أَعيُنِ الرُّقَبَاءِ وَآذَانِ الوُشَاةِ؟ وَمَا رَوْعَةُ الإِخْلَاصِ المُعْلَنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَابِعًا مِنْ عِزَّةِ نَفْسٍ تَرَى فِي صِيَانَةِ الوُدِّ السِّرِّيِّ صِيَانَةً لِكَرَامَتِهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ؟
فَلْتَبْقَ قُلُوبُنَا، إِذَنْ، يَا رَفِيقَةَ النُّورِ العَابِرِ لِلْمَسَافَاتِ، حُصُونًا مَنِيعَةً يَلُفُّهَا سُكُونُ الجَلَالِ، وَلْنَتْرُكِ الضَّجِيجَ السَّمِجَ لِمَنْ لَا قِبْلَةَ لَهُمْ سِوَى الِاسْتِعْرَاضِ الزَّائِفِ عَلَى مَسْرَحِ السَّرَابِ. إِنَّنِي أَقِفُ هُنَا، عَلَى قِمَّةِ جَبَلِ الشُّعُورِ الأَشَمِّ، ثَابِتَ الجَنَانِ، رَاسِخَ الكِيَانِ، لَا تُزَلْزِلُنِي عَوَاصِفُ التَّوَجُّسِ، وَلَا تَكْسِرُنِي أَنْوَاءُ الحِرْمَانِ العَابِرِ. شَاهِدٌ أَنَا، بِكُلِّ كِبْرِيَاءِ الذَّاتِ، عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ العَاطِفَةِ المُبَارَكَةِ الَّتِي حَوَّلَتِ العَدَمَ فِي عُيُونِي وُجُودًا بَاهِرًا لَا يَنْقَضِي، وَصَائِغٌ لِأَسْرَارِ حُبٍّ عَبْقَرِيٍّ جَعَلَ مِنْ نُبْلِ الصَّمْتِ مِعْيَارًا ذَهَبِيًّا لِكَمَالِ النُّفُوسِ. دَعِي العَالَمَ يَضِجُّ بِمُفْرَدَاتِهِ المُسْتَهْلَكَةِ وَأَحْزَانِهِ المُصْطَنَعَةِ، وَلْنَبْقَ نَحْنُ فِي مَلَكُوتِنَا الأَرُسْتُقْرَاطِيِّ الرَّحِيبِ، نَنْسُجُ مِنْ هُدُوءِ صَمْتِنَا أُبَّهَةَ المَعَانِي الَّتِي تَعْصَى عَلَى الزَّوَالِ.
فَلَيْسَ الحُبُّ فِي أَرْفَعِ مَقَامَاتِهِ مَا يُقَالُ كُلَّمَا ضَاقَتِ الصُّدُورُ بِسِرِّهَا، بَلْ مَا يَبْقَى حَيًّا حِينَ تَعْجَزُ اللُّغَةُ عَنْ حَمْلِهِ. وَلَيْسَ الوَفَاءُ مَا تُعْلِنُهُ الحَنَاجِرُ، بَلْ مَا تَحْرُسُهُ الضَّمَائِرُ فِي غَيْبَةِ الشُّهُودِ. وَلَيْسَتِ القُلُوبُ الجَمِيلَةُ هِيَ الَّتِي تُكْثِرُ مِنَ الطَّرْقِ عَلَى أَبْوَابِ العَالَمِ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تُقِيمُ فِي دَاخِلِهَا عَالَمًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَبْوَابٍ. وَهَكَذَا نُثْبِتُ لِلْكَوْنِ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، أَنَّ أَجْمَلَ القُلُوبِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ عَلَى الإِطْلَاقِ، هِيَ أَقَلُّهَا ضَجِيجًا، وَأَعْمَقُهَا نَبْضًا، وَأَكْثَرُهَا، رَغْمَ غِيَابِ البَوْحِ، خُلُودًا وَبَقَاءً.
