الأدبوحي الخاطر

حلم ليلة باردة

كانَ الثَّلْجُ يَزُفُّ الأَرْضَ إِلى الشِّتاءِ فِي ثَوْبِها الأَبْيَضِ، وَيَهْبِطُ عَلى سُطوحِ البُيوتِ وَأَغْصانِ الشَّجَرِ فِي صَمْتٍ يَكادُ يُسْمَعُ. كانَ اللَّيْلُ مُسْتَغْرِقًا فِي سُكونِهِ، قَدْ كَفَّتْ فِيهِ الطُّرُقُ عَنْ خُطاها، وَأَخْلَدَتِ النَّوافِذُ إِلى عَتَمَتِها، وَبَقِيَ القَمَرُ وَحْدَهُ يَرْقُبُ البَياضَ يَتَكَاثَرُ تَحْتَهُ كَأَنَّ السَّماءَ تَمْحُو عَنِ العالَمِ ما خَطَّتْهُ الأَيّامُ عَلَيْهِ. وَفِي ذلِكَ السُّكونِ أَيْقَظَنِي شَوْقِي. لَمْ أَفِقْ كَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ نَوْمٍ، وَإِنَّما كَمَنْ سَقَطَ مِنْ حُلْمٍ عالٍ فَارْتَطَمَ بِوَحْشَةِ اليَقَظَةِ. انْتَفَضَ جَسَدِي تَحْتَ وِطْأَةِ حُمّى لا تَعْرِفُها الأَجْسادُ، وَأَخَذَ قَلْبِي يُصَفِّقُ فِي أَضْلُعِي بِوَجيبٍ مُذْعورٍ، كَطائِرٍ أَفْزَعَهُ انْغِلاقُ القَفَصِ بَعْدَ أَنْ كانَ يَطيرُ فِي فَضاءِ عَيْنَيْكِ.

لَمْ تَكُنْ سُوَيْعاتُ البَيْنِ طَويلَةً فِي عُمْرِ الزَّمَنِ، غَيْرَ أَنَّها كانَتْ فِي عُمْرِ القَلْبِ فَصْلًا كامِلًا مِنَ الوَحْشَةِ. فما يَعْرِفُ الوَقْتُ عَدْلًا بَيْنَ مُحِبٍّ وَغَيْرِ مُحِبٍّ؛ تَمُرُّ السّاعَةُ عَلى أَهْلِ السَّلْوَةِ خَفيفَةً كَنَفَسٍ عابِرٍ، وَتَتَمَدَّدُ فِي صَدْرِ العاشِقِ حَتّى تُضاهي دَهْرًا لا يَعْرِفُ لَهُ آخِرًا. كانَ طَيْفُكِ مَعِي فِي الحُلْمِ، قَريبًا حَتّى خِلْتُ أَنَّ يَدي إِذا امْتَدَّتْ بَلَغَتْكِ، وَأَنَّ بَيْني وَبَيْنَكِ مِقْدارَ نَبْضَةٍ واحِدَةٍ. فَلَمّا أَفَقْتُ، لَمْ يَقْنَعِ القَلْبُ بِما أَعْطاهُ الحُلْمُ؛ لأَنَّ الخَيالَ، مَهْما صَدَقَ، لا يَمْلِكُ دِفْءَ اليَدِ، وَلا وَزْنَ الحُضورِ، وَلا تِلْكَ الطُّمَأْنينَةَ الَّتي تَنْزِلُ عَلى الرُّوحِ حِينَ تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ تُحِبُّ لَيْسَ فِكْرَةً تَزورها، وَإِنَّما واقِعٌ يَتَنَفَّسُ قُرْبَها.

تَصَبَّبَ العَرَقُ عَلى جَبيني، يُحاوِلُ عَبَثًا أَنْ يُطْفِئَ ما أَوْقَدَهُ الحَنينُ فِي دَمي. تَناثَرَتْ قَطَراتُهُ حائِرَةً، كَأَنَّها لا تَدْري أَيُّ نَارٍ هذِهِ الَّتي تَشْتَعِلُ وَالثَّلْجُ يَغْمُرُ الأَرْضَ، وَأَيُّ صَيْفٍ هذَا الَّذي يَنْهَضُ فِي صَدْرِ رَجُلٍ يَنامُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ أَشَدِّ لَيالي الشِّتاءِ بُرودَةً. وَتَمْتَمَ القَلْبُ فِي ذُهولِهِ، وَأَخَذَ يَنْطِقُ بِما ظَنَنْتُ أَنِّي أَحْكَمْتُ سَتْرَهُ. أَسْرَعْتُ أُكَمِّمُ فاهُ، فَتَسَلَّلَتِ الكَلِماتُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِي، نَجْوى رَقيقَةً تَشُقُّ سُكونَ اللَّيْلِ دُونَ أَنْ تَكْسِرَهُ.

أَيَّتُها المُفارِقَةُ عَيْني، هَلْ تَعودينَ؟ أَلا تُشْفِقينَ عَلى قَلْبٍ بَراهُ الشَّوْقُ حَتّى صارَ أَرَقَّ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَ الغِيابَ، وَأَضْناهُ الأَنينُ حَتّى صارَ كُلُّ نَبْضٍ فِيهِ اسْتِغاثَةً؟ كَيْفَ تَفارقُ الرُّوحُ سُكْناها، وَكَيْفَ تَجْفو النَّفْسُ مَأْواها؟ كَيْفَ يَخْرُجُ الوَطَنُ مِنَ القَلْبِ، ثُمَّ يُطْلَبُ مِنَ القَلْبِ أَنْ يَنامَ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ؟

يا حَبيبَتي، ما لِعَيْني فِي غِيابِكِ مِنْ وَسَنٍ، وَما لِلَيْلِ إِذا غِبْتِ مِنْ نِهايَةٍ. تَتَعَبُ أَجْفاني وَلا تَنامُ، وَيَعْيا الصَّمْتُ وَلا يَنْطِقُ، وَيَقِفُ العِتابُ عَلى شَفَتَيَّ حائِرًا؛ لا هُوَ قادِرٌ عَلى الرَّحيلِ، وَلا أَنا أَقْدِرُ أَنْ أُلْقيَهُ فِي وَجْهِ مَنْ أُحِبُّ. ما لِثَغْري فِي عِتابِكِ مِنْ لِسانٍ؛ فَكَيْفَ يَشْكو المَرْءُ مِمَّنْ هُوَ شِفاؤُهُ، وَكَيْفَ يُحاكِمُ القَلْبُ مَنْ جَعَلَهُ قاضِيًا عَلَيْهِ؟ كُلَّما هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَكِ لِمَ غِبْتِ، سَبَقَني حُبِّي إِلى التِماسِ العُذْرِ لَكِ؛ وَكُلَّما أَرَدْتُ أَنْ أَضيقَ بِالبُعْدِ، اتَّسَعَ فِيَّ الحَنينُ حَتّى لَمْ يَبْقَ لِلضِّيقِ مَكانٌ.

ثُمَّ أَفَقْتُ عَلَى أَنامِلِكِ. كانَتْ تَمُرُّ عَلى جَبيني فِي رِفْقٍ، تَمْسَحُ قَطَراتِ العَرَقِ كَأَنَّها تَمْحُو عَنِ اللَّيْلِ آخِرَ أَثَرٍ لِلوَحْشَةِ. فَتَحْتُ عَيْنيَّ، وَبَقِيَتِ الدَّهْشَةُ بَيْنَهما، لا تَدْري أَما تَراهُ بَقيَّةُ حُلْمٍ، أَمْ أَنَّ الحُلْمَ نَفْسَهُ قَدْ رَقَّ لِحالِي فَخَرَجَ مِنْ مَنامي وَجَلَسَ إِلى جانِبي. كانَ وَجْهُكِ قَريبًا، تُضيئُهُ ابْتِسامَةٌ يَتَجاوَرُ فِيها الحَنانُ وَالدَّلالُ. تَأَمَّلْتِ عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ أَذْهَلَتْهُما المُفاجَأَةُ، وَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّكِ كُنْتِ تَقْرَئينَ فِيهِما ما عَجَزَتْ شَفَتايَ عَنْ قَوْلِهِ. وَهَمَسْتِ:
«هَلْ تُحِبُّني اليَوْمَ أَكْثَرَ، كَعادَتِكَ؟»

خانَ اللِّسانُ المُفاجَأَةَ، فَأَقالَتْهُ العَيْنُ. نَظَرْتُ إِلَيْكِ نَظْرَةً لَوْ أَنَّ لِلنَّظَراتِ صَوْتًا لَمَلَأَتِ الغُرْفَةَ اعْتِرافًا، وَلَوْ أَنَّ لِلدَّهْشَةِ يَدًا لَضَمَّتْكِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَعيدَ أَصابِعي قُدْرَتَها عَلى الحَرَكَةِ. ضَحِكْتِ بِدَلالٍ يَسْتَفِزُّ فِي القَلْبِ أَجْمَلَ ما فِيهِ، ثُمَّ سَأَلْتِني:
«أَلا يَتَوَقَّفُ نُمُوُّ حُبِّكَ هذَا يَوْمًا؟»

كَلّا، لا إِخالُهُ يَعْرِفُ لِلنُّموِّ نِهايَةً، وَلا أَظُنُّهُ خُلِقَ لِيَبْلُغَ حَدًّا ثُمَّ يَقِفَ عِنْدَهُ. هُوَ لا يَزيدُ لأَنَّ ما كانَ فيهِ ناقِصٌ، وَلا يَتَّسِعُ لأَنَّ ما سَبَقَهُ كانَ ضَيِّقًا؛ يَزيدُ لأَنَّكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُرِينَنِي مِنْكِ ما لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ، وَتَفْتَحينَ فِي رُوحِكِ نافِذَةً لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَها أُفُقًا آخَرَ. كُلَّما ظَنَنْتُ أَنِّي عَرَفْتُكِ، أَطَلَّ مِنْكِ مَعْنًى جَديدٌ يُعيدُني إِلى بَدايَةِ الدَّهْشَةِ. وَكُلَّما حَسِبْتُ أَنَّ القَلْبَ قَدِ امْتَلَأَ بِكِ، اتَّسَعَ فِيهِ مَوْضِعٌ لَكِ لَمْ يَكُنْ مَوْجودًا قَبْلَ أَنْ تَسْكُنيهِ.

أُحِبُّكِ اليَوْمَ أَكْثَرَ، لا لأَنَّني نَسيتُ حُبَّ الأَمْسِ، وَإِنَّما لأَنَّ حُبَّ الأَمْسِ نَفْسَهُ ظَلَّ يَعْمَلُ فِي دَاخِلي طَوالَ اللَّيْلِ، يَمُدُّ جُذورَهُ فِيَّ، وَيَفْتَحُ فِي صَدْري غُصونًا جَديدَةً. فَأَصْحو وَقَدْ صارَ ما كانَ بِالأَمْسِ بَذْرَةً شَجَرَةً، وَما كانَ وَعْدًا خَفَقَانًا، وَما كانَ شَوْقًا يَقينًا. إِنَّ الحُبَّ الَّذي لا يَتَجَدَّدُ يَتَحَوَّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلى ذِكْرى جَميلَةٍ نَعْتاشُ عَلَيْها، بَدَلَ أَنْ يَبْقى حَياةً نَعِيشُها. وَأَنا لا أُريدُ لَكِ فِي قَلْبي مَقامَ الذِّكْرى، مَهْما كانَتْ عَزيزَةً؛ أُريدُكِ حُضورًا يَحْدُثُ الآنَ، وَدَهْشَةً تَتَكَرَّرُ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ طَراوَتَها، وَحُبًّا يُولَدُ كُلَّ صَباحٍ وَفِي عَيْنَيْهِ بَراءَةُ المَرَّةِ الأُولى.

هُوَ كَمَوْجِ البَحْرِ يَهْدِرُ فِي خِضَمِّ مَشاعِري؛ لا تَعودُ مَوْجَةٌ مِنهُ كَما ذَهَبَتْ، وَلا تَبْلُغُ الشّاطِئَ مَرَّتَيْنِ بِالقَلْبِ نَفْسِهِ. كُلُّ دَفْقَةٍ مِنهُ تَحْمِلُ إِلَيَّ شَيْئًا جَديدًا مِنْكِ، وَتَأْخُذُ مِنِّي شَيْئًا قَديمًا لِتَغْسِلَهُ فِي مائِها. وَمَعَ ذلِكَ لا يَضيعُ البَحْرُ فِي تَجَدُّدِهِ، وَلا يَصيرُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ بَحْرًا غَرِيبًا عَمّا كانَ. يَبْقى هُوَ، وَتَبْقى أَمْواجُهُ تَجْدِيدًا لِهُوِيَّتِهِ، لا انْقِلابًا عَلَيْها. وَهكَذا حُبِّي لَكِ؛ جَوْهَرُهُ ثابِتٌ ثَباتَ العُمْقِ، وَوَجْهُهُ يَتَغَيَّرُ كُلَّ لَحْظَةٍ كَتَغَيُّرِ المَوْجِ وَالضَّوْءِ فَوْقَ المَاءِ.

أُحِبُّكِ مَرَّةً حِينَ تَضْحَكينَ، ثُمَّ أُحِبُّكِ حُبًّا آخَرَ حِينَ يَثْقُلُ الحُزْنُ فِي عَيْنَيْكِ وَتَحاوِلينَ أَنْ تُخْفِيهِ. أُحِبُّكِ فِي قُوَّتِكِ الَّتي تَسْتَنِدُ إِلَيْها الأَيّامُ، وَأُحِبُّكِ فِي ضَعْفِكِ الَّذي لا يَراهُ سِوايَ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيَّ أَمانَةً لا مَجالًا لِلتَّفَوُّقِ. أُحِبُّكِ حِينَ تُقْبِلينَ عَليَّ بِكُلِّكِ، وَحِينَ تَشْرُدينَ قَليلًا فِي طُرُقِ نَفْسِكِ، فَأَنْتَظِرُ عَوْدَتَكِ دُونَ أَنْ أَقْتَحِمَ عَلَيْكِ خَلْوَتَكِ. أُحِبُّ فِي حَديثِكِ ما تَقولينَهُ، وَفِي صَمْتِكِ ما تَأْمَنينَني عَلَيْهِ دُونَ أَنْ تَنْطِقي. أُحِبُّكِ حِينَ نَتَّفِقُ فَيَجْمَعُنا المَعْنى، وَحِينَ نَخْتَلِفُ فَيَكْشِفُ لِيَ الاخْتِلافُ أَنَّ حُبِّي لَكِ أَوْسَعُ مِنْ رَأْيِي، وَأَنَّ قُرْبَكِ أَعَزُّ عَليَّ مِنْ لَذَّةِ الانْتِصارِ. أُحِبُّكِ فِي الأَشْياءِ الكَبيرَةِ الَّتي يَراها الجَميعُ، وَفِي التَّفاصيلِ الصَّغيرَةِ الَّتي لا يَلْتَفِتُ إِلَيْها أَحَدٌ؛ فِي طَريقَةِ نُطْقِكِ لِاسْمي، وَفِي اخْتِلافِ صَوْتِكِ حِينَ تَفْرَحينَ أَوْ تَتْعَبينَ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتي تَسْبِقُ ابْتِسامَتَكِ، حِينَ يَبْدَأُ الفَرَحُ صَغيرًا فِي عَيْنَيْكِ ثُمَّ يَنْتَشِرُ فِي وَجْهِكِ.

وَإِنَّ كُلَّ تَفْصيلٍ مِنْكِ يَزيدُ حُبِّي، لا لأَنَّهُ يُضافُ إِلَيْهِ كَما تُضافُ الأَعْدادُ، وَإِنَّما لأَنَّهُ يَغوصُ بِهِ أَعْمَقَ فِي نَفْسي. فَالحُبُّ لا يَكْبُرُ بِالكَمِّ فَحَسْبُ؛ قَدْ يَكْبُرُ بِالامْتِدادِ، وَقَدْ يَكْبُرُ بِالتَّغَلْغُلِ. وَحُبِّي لَكِ يَفْعَلُ الأَمْرَيْنِ مَعًا؛ يَتَّسِعُ حَتّى يَشْمَلَ أَيّامي، وَيَتَعَمَّقُ حَتّى يَبْلُغَ فِيَّ مَواضِعَ لَمْ تَبْلُغْها يَدي. فَالماءُ إِنِ اسْتَكانَ أَسِنَ؛ لأَنَّ حَياتَهُ فِي جَرَيانِهِ، وَنَقاءَهُ فِي رِحْلَتِهِ بَيْنَ النَّبْعِ وَالمَصَبِّ. وَالهَواءُ إِنِ احْتُبِسَ عَفِنَ؛ لأَنَّهُ خُلِقَ لِيَعْبُرَ، وَيَمَسَّ الوُجوهَ، وَيُقَلِّبَ أَوْراقَ الشَّجَرِ، وَيَحْمِلَ العِطْرَ مِنْ زَهْرَةٍ إِلى أُخْرى. وَالحُبُّ إِنِ اسْتَكانَ وَهَنَ؛ لا لأَنَّ الثَّباتَ نَقْصٌ فِيهِ، وَإِنَّما لأَنَّ الثَّباتَ غَيْرُ الجُمودِ. الحُبُّ الثّابِتُ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْماقِهِ، كَجَذْرٍ يَبْدو ساكِنًا تَحْتَ التُّرابِ وَهُوَ يَمُدُّ فِي العَتْمَةِ أَلْفَ طَريقٍ نَحْوَ الماءِ.

أَمّا الجُمودُ فَأَنْ نَظُنَّ أَنَّ الكَلِمَةَ الَّتي قُلْناها مَرَّةً تُغْنِينَا عَنْ إِعادَتِها، وَأَنَّ الحُبَّ الَّذي أَثْبَتْناهُ فِي بَدايَةِ الطَّريقِ لَنْ يَحْتاجَ إِلى دَليلٍ آخَرَ فِي بَقيَّتِهِ. كَأَنَّ القَلْبَ يَسْتَطيعُ أَنْ يَعِيشَ عَلى نَبْضَةٍ قَديمَةٍ، أَوْ كَأَنَّ الوَرْدَةَ تَكْتَفي بِماءٍ سُقِيَتْهُ يَوْمَ غُرِسَتْ. وَإِنِّي لا أُريدُ أَنْ أَقولَ لَكِ: أَحْبَبْتُكِ، ثُمَّ أَرْكَنَ إِلى فِعْلٍ ماضٍ كَأَنَّ الحُبَّ حَدَثٌ اكْتَمَلَ وَانْقَضى. أُريدُ أَنْ أَقولَ: أُحِبُّكِ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِصِدْقٍ يَجْعَلُ الفِعْلَ حاضِرًا، وَيَجْعَلُني حاضِرًا مَعَهُ. أُريدُ أَنْ يَكونَ حُبِّي لَكِ عَمَلًا لا ذِكْرى، وَرِعايَةً لا ادِّعاءً، وَإِصْغاءً لا خُطْبَةً طَويلَةً عَنِ الإِصْغاءِ. أَنْ يَظْهَرَ فِي لُطْفِ الكَلِمَةِ حِينَ يَسْهُلُ الجَرْحُ، وَفِي حِفْظِ السِّرِّ حِينَ يَسْهُلُ البَوْحُ، وَفِي العُذْرِ حِينَ تَكونُ الإِدانَةُ أَسْرَعَ، وَفِي البَقاءِ حِينَ يَبْدو الرَّحيلُ أَيْسَرَ. فَالحُبُّ الَّذي لا يَتَحَوَّلُ إِلى خُلُقٍ يَبْقى انْفِعالًا جَميلًا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَبْني بَيْتًا وَلا يَحْفَظُ عُمْرًا. وَأَنا أُريدُ لِحُبِّي أَنْ يَبْنيَ فِيكِ سَكِينَةً، لا أَنْ يَكْتَفيَ بِإِشْعالِ اللهْفَةِ؛ وَأَنْ يَكونَ لَكِ مَأْمَنًا حِينَ تَضْطَرِبُ الأَيّامُ، لا قَصيدَةً جَميلَةً تَنْتَهِي مَعَ آخِرِ سَطْرٍ.

وَحِينَ أَقولُ إِنِّي أُحِبُّكِ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ، فَإِنِّي لا أَعِدُكِ بِحَماسٍ لا يَفْتُرُ، وَلا بِقَلْبٍ لا تَمَسُّهُ ساعَةُ تَعَبٍ. إِنِّي أَعِدُكِ بِأَنْ أَعودَ إِلى حُبِّكِ كُلَّما أَبْعَدَتْني عَنْهُ فَوْضى اليَوْمِ، وَأَنْ أَغْسِلَ عَنْهُ غُبارَ العادَةِ، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَيْكِ بِعَيْنٍ لا تَظُنُّ أَنَّ طولَ الأُلْفَةِ يُعْفيها مِنَ الدَّهْشَةِ. فَكَمْ مِنْ جَمالٍ أَفْسَدَتْهُ العادَةُ، لا لأَنَّهُ ذَبُلَ، وَإِنَّما لأَنَّ العَيْنَ تَوَقَّفَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ. وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ ظَلَّتْ فِي مَكانِها، غَيْرَ أَنَّ القَلْبَ مَرَّ بِها حَتّى نَسِيَ أَنَّها نِعْمَةٌ.

وَأَنا لا أُريدُ أَنْ أَعْتادَكِ هذَا الاعْتِيادَ؛ أُريدُ أَنْ أَأْلَفَكِ دُونَ أَنْ أَفْقِدَ دَهْشَتي بِكِ، وَأَنْ أَطْمَئِنَّ إِلَيْكِ دُونَ أَنْ أَكُفَّ عَنِ امْتِنانِي لِوُجودِكِ. أَنْ تَكوني قَريبَةً كَالنَّفَسِ، وَعَجيبَةً كَالمَرَّةِ الأُولى الَّتي أَدْرَكْتُ فِيها أَنَّ لِلقَلْبِ مَكانًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ قَبْلَكِ.

فَدَعيني أُحِبُّكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ جَديدٍ. دَعيني أَضَعُ حُبَّ الأَمْسِ فِي جُذورِ اليَوْمِ، لا عَلى كَتِفَيْهِ حِمْلًا. دَعيني أَسْتَفيدُ مِنَ الذِّكْرَياتِ دِفْأَها، دُونَ أَنْ أَحْبِسَكِ فِي صُوَرِكِ القَديمَةِ؛ فَأَنْتِ لَسْتِ ما كُنْتِهِ فَحَسْبُ، أَنْتِ أَيْضًا ما تُصْبِحينَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَما يَنْضَجُ فِيكِ فِي صَمْتٍ، وَما تُعَلِّمُكِ إِيّاهُ الأَيّامُ مِنْ دُونِ أَنْ أَراهُ إِلّا إِذا أَحْسَنْتُ النَّظَرَ. دَعيني أَتَعَرَّفُ إِلَيْكِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا كَغَريبٍ يَجْهَلُكِ، وَإِنَّما كَحَبيبٍ يَعْرِفُ أَنَّ الإِنْسانَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تُحيطَ بِهِ مَعْرِفَةٌ واحِدَةٌ. دَعيني أَسْأَلُ عَنْكِ وَأَنا أَعْرِفُكِ، وَأُصْغي إِلَيْكِ وَأَنا أَحْفَظُ صَوْتَكِ، وَأَفْرَحُ بِكِ وَأَنا أَعيشُ مَعَكِ؛ فَالمَعْرِفَةُ الحَقَّةُ لا تُغْلِقُ بابَ الدَّهْشَةِ، وَإِنَّما تَفْتَحُ لَهُ أَبْوابًا أَعْمَقَ. دَعيني أُحِبُّ فِيكِ ما أَعْرِفُهُ، وَما لا أَزالُ أَتَعَلَّمُهُ، وَما سَيَكْشِفُهُ لِيَ الزَّمَنُ مِنْ جَمالٍ كانَ يَحْتاجُ إِلى صَبْرٍ لِيَظْهَرَ. فَالحُبُّ لا يَكْتَمِلُ حِينَ نَعْرِفُ المُحِبَّةَ كُلَّها؛ يَكْتَمِلُ حِينَ نَرْضى أَنْ نَظَلَّ نَتَعَلَّمُها، وَأَنْ يَظَلَّ كُلٌّ مِنّا كِتابًا لا يَدَّعي الآخَرُ أَنَّهُ بَلَغَ صَفْحَتَهُ الأَخيرةَ.

وَلا يَزالُ الثَّلْجُ يَهْطلُ، يَكْسو العالَمَ بَياضًا جَديدًا، وَيَمْحو مِنْ وَجْهِ الطَّريقِ آثارَ العابرينَ. نَظَرْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ عُدْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكِ، فَبَدا لِي أَنَّ الطَّبيعَةَ كُلَّها تُعيدُ خَلْقَ نَفْسِها فِي صَمْتٍ؛ الشَّجَرُ يَتَجَرَّدُ لِيَخْضَرَّ مِنْ جَديدٍ، وَالسَّماءُ تَغْسِلُ الأَرْضَ لِتَسْتَقْبِلَ فَصْلًا آخَرَ، وَاللَّيْلُ يَغيبُ لِيُولَدَ الصَّباحُ، فَلِمَ لا يَفْعَلُ الحُبُّ ذلِكَ؟ لِمَ لا يَنْفُضُ عَنْ نَفْسِهِ ما تَراكَمَ عَلَيْهِ مِنْ سَهْوٍ وَاعْتِيادٍ، وَيَعودُ إِلى قَلْبَيْنا بَياضًا جَديدًا، كَأَنَّهُ يَهْبِطُ عَلَيْهِما لِلمَرَّةِ الأُولى؟

مَدَدْتِ يَدَكِ إِلى يَدي، وَكانَ دِفْؤُها كافِيًا لِيَخْمُدَ كُلُّ ما فِيَّ مِنْ حُمّى وَارْتِجافٍ. عِنْدَها أَدْرَكْتُ أَنَّ الشَّوْقَ الَّذي أَيْقَظَني لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ غِيابِكِ وَحْدَهُ؛ كانَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَمُرَّ يَوْمٌ لا أَزيدُ فِيهِ اقْتِرابًا مِنْكِ، وَلا أُضيفُ إِلى حُبِّي لَكِ مَعْنًى يَجْعَلُهُ أَجْدَرَ بِالبَقاءِ. قَرَّبْتُ يَدَكِ مِنْ شَفَتَيَّ، وَقُلْتُ:
لا، لَنْ يَتَوَقَّفَ حُبِّي يَوْمًا؛ لأَنَّهُ إِنْ تَوَقَّفَ عَنْ نُمُوِّهِ تَوَقَّفَ عَنْ كَوْنِهِ حُبًّا.
ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَيْكِ طَويلًا، كَأَنِّي أَراكِ لِلمَرَّةِ الأُولى، وَكَأَنَّ كُلَّ ما عِشْناهُ لَمْ يَكُنْ سِوى طَريقٍ قادَني إِلى هذِهِ اللَّحْظَةِ. وَقُلْتُ:
دَعيني أُحِبُّكِ اليَوْمَ كَأَنِّي لَمْ أُحِبَّكِ مِنْ قَبْلُ. وَدَعيني غَدًا أُحِبُّكِ كَأَنَّ حُبَّ اليَوْمِ لَمْ يَكُنْ إِلّا البِدايَةَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى