الأدبسرديات

أفلاك وأدراك

كَانَ كَانُونُ يَنْفُضُ بَرْدَهُ عَلَى قَرْيَةِ الصَّيَّادِينَ، فَتَرْتَعِشُ الأَكْوَاخُ المُتَرَاصَّةُ عِنْدَ حَافَّةِ البَحْرِ، وَتَنْكَمِشُ المَرَاكِبُ فِي مَرْسَاهَا كَطُيُورٍ بَلَّلَ المَطَرُ أَجْنِحَتَهَا. وَعَلَى الطَّرِيقِ القَدِيمِ الضَّيِّقِ كَانَتْ سَيَّارَةُ الشَّيْخِ الفَارِهَةُ تَتَهَادَى فِي حَذَرٍ، تَتَلَمَّسُ بَيْنَ الحُفَرِ مَوْضِعًا لِعَجَلَاتِهَا، وَتَشُقُّ فِي الضَّبَابِ مَمَرًّا وَئِيدًا نَحْوَ المَدِينَةِ. أَرْخَى الشَّيْخُ جَسَدَهُ فِي المَقْعَدِ الوَثِيرِ، وَتَرَكَ لِنَسَمَاتِ البَرْدِ المُتَسَلِّلَةِ مِنَ النَّافِذَةِ أَنْ تُصَافِحَ وَجْهَهُ. كَانَ الرِّضَا يَسْتَرِيحُ عَلَى مَلَامِحِهِ اسْتِرَاحَةَ مُسَافِرٍ بَلَغَ مَأْمَنَهُ؛ فَقَدْ خَرَجَ لِلتَّوِّ مِنْ بَيْتِ أَخَوَيْنِ فَقِيرَيْنِ كَادَ نِزَاعٌ عَلَى شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ أَنْ يَقْطَعَ مَا أَبْقَاهُ الفَقْرُ بَيْنَهُمَا مِنْ رَحِمٍ، فَرَدَّ القَلْبَيْنِ إِلَى مَوْضِعِهِمَا، وَجَبَرَ بِمَالِهِ مَا عَجَزَتِ الحُجَجُ عَنْ جَبْرِهِ.

لَمْ يَكُنْ يَعُدُّ ذٰلِكَ فَضْلًا، وَلَا يَتَتَبَّعُ آثَارَ يَدِهِ فِي حَيَاةِ مَنْ أَعَانَهُمْ؛ كَانَ يَرَى المَالَ مَاءً إِنْ حَبَسَهُ آسَنَ، وَإِنْ أَجْرَاهُ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ أَنْبَتَ لَهُ فِي الغَيْبِ حَدَائِقَ لَا تَذْبُلُ. وَمُنْذُ أَنْ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، جَعَلَ لِنَفْسِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ نَافِذَةً تُطِلُّ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ؛ فَيُصْلِحُ خُصُومَةً، أَوْ يَسُدُّ خَلَّةً، أَوْ يَسْتَنْقِذُ مِنَ الضَّيَاعِ رُوحًا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السُّقُوطِ إِلَّا يَدٌ تُمْسِكُهَا. غَيْرَ أَنَّ ابْتِسَامَتَهُ انْقَبَضَتْ فَجْأَةً، وَانْتَصَبَ فِي مَقْعَدِهِ كَمَنْ لَمَحَ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ. صَاحَ بِالسَّائِقِ أَنْ يَتَوَقَّفَ.

انْغَرَسَتِ السَّيَّارَةُ فِي الصَّمْتِ قُرْبَ مُسْتَوْدَعٍ لِلنُّفَايَاتِ عَلَى طَرَفِ القَرْيَةِ، وَأَشَارَ الشَّيْخُ إِلَى هَيْئَةٍ تَنْحَنِي بَيْنَ الأَكْيَاسِ المُتَعَفِّنَةِ. مَضَى السَّائِقُ مُتَرَدِّدًا، ثُمَّ عَادَ يَقُودُ رَجُلًا نَحِيلًا تَتَدَلَّى عَلَى جَسَدِهِ ثِيَابٌ لَمْ يَعُدْ لَهَا مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا اسْمُهَا، وَيَتْبَعُهُ كَلْبٌ هَزِيلٌ تَبْرُزُ أَضْلَاعُهُ مِنْ تَحْتِ جِلْدٍ أَكَلَتْهُ الجُرُوحُ. كَانَ الرَّجُلُ يُدْعَى سَائِدًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سِيَادَةِ اسْمِهِ يَمْلِكُ شَيْئًا؛ لَا بَيْتًا يَرُدُّ عَنْهُ الرِّيحَ، وَلَا عَمَلًا يَرُدُّ عَنْهُ الجُوعَ، وَلَا فِي قُلُوبِ أَهْلِ القَرْيَةِ مَوْضِعًا يَرُدُّ عَنْهُ المَهَانَةَ. كَانُوا يَرَوْنَ فِي فَقْرِهِ تُهْمَةً، وَفِي انْعِزَالِهِ رِيبَةً، وَفِي جُوعِهِ بَائِقَةً مُؤَجَّلَةً؛ فَضَاقَتْ بِهِ البُيُوتُ حَتَّى آوَاهُ جِدَارٌ مُتَصَدِّعٌ قُرْبَ مَجْمَعِ القُمَامَةِ، وَضَاقَتْ بِهِ المَوَائِدُ حَتَّى صَارَ يَسْتَخْرِجُ قُوتَهُ مِنْ فُضَلَاتِهَا.

لَمْ يُطِلِ الشَّيْخُ اسْتِجْوَابَهُ، وَلَمْ يَنْبُشْ فِي مَاضِيهِ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ مُسَوِّغٍ لِلرَّحْمَةِ. نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ إِلَى الكَلْبِ المُنْكَمِشِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَجَاهَدَ فِي عَيْنَيْهِ دَمْعَةً كَادَتْ تَفْضَحُ رِقَّةَ القَلْبِ تَحْتَ هَيْبَةِ الشَّيْخِ. ثُمَّ فَتَحَ لَهُ بَابَ السَّيَّارَةِ وَقَالَ:
ارْكَبْ، وَلَا تَخْشَ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا.

تَرَدَّدَ سَائِدٌ بَيْنَ بَرِيقِ السَّيَّارَةِ وَوَحْلِ ثِيَابِهِ، وَبَيْنَ المَقْعَدِ النَّظِيفِ وَالكَلْبِ المُلْتَصِقِ بِسَاقِهِ. كَانَ كَمَنْ يُدْعَى مِنْ قَاعِ بِئْرٍ إِلَى شُرْفَةٍ فِي السَّمَاءِ، فَلَا يَدْرِي أَيُصَدِّقُ اليَدَ المَمْدُودَةَ أَمْ يَخْشَى أَنْ تَتْرُكَهُ فِي مُنْتَصَفِ الصُّعُودِ. غَيْرَ أَنَّ نَظْرَةَ الشَّيْخِ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ المِنَّةَ، فَانْطَوَى سَائِدٌ فِي المَقْعَدِ، وَضَمَّ كَلْبَهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَانْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ تَحْمِلُهُمَا بَعِيدًا عَنِ الجِدَارِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ سَيَكُونُ آخِرَ مَا يَعْرِفُهُ مِنَ المَنَازِلِ.

كَانَ قَصْرُ الشَّيْخِ يَرْبِضُ فَوْقَ تَلَّةٍ عَالِيَةٍ، تَنْحَدِرُ مِنْ سُفُوحِهَا طُرُقٌ تَفْضِي إِلَى قُرًى تَنَاثَرَتْ فِي الأَوْدِيَةِ كَحَبَّاتِ قَمْحٍ أَفْلَتَتْ مِنْ كَفِّ زَارِعٍ. وَلَمْ يَدْخُلْ سَائِدٌ القَصْرَ فِي يَوْمِهِ الأَوَّلِ مِنْ بَابِ الخَدَمِ فَحَسْبُ؛ دَخَلَ مِنْهُ إِلَى حَيَاةٍ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ أَنَّهَا تَعْرِفُ اسْمَهُ. مُنِحَ غُرْفَةً صَغِيرَةً فِي مَبْنًى جَانِبِيٍّ، وَثِيَابًا تَسْتُرُ جَسَدَهُ دُونَ أَنْ تَفْضَحَ فَقْرَهُ، وَعَمَلًا فِي الحَدِيقَةِ يَأْكُلُ مِنْهُ قُوتًا نَظِيفًا. وَأَبَى الشَّيْخُ أَنْ يُطْرَدَ الكَلْبُ أَوْ يُفْصَلَ عَنْ صَاحِبِهِ؛ فَمَا جَاءَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ مِنْ أَدْرَاكِ الجُوعِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الوَفَاءِ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى مَأْمَنِهِ وَيَتْرُكَ خَلْفَهُ المَخْلُوقَ الَّذِي شَارَكَهُ البَرْدَ وَالفُتَاتَ.

مَرَّتِ الأَشْهُرُ، وَأَخَذَ الجَسَدُ يَسْتَرِدُّ مَا أَكَلَهُ الجُوعُ مِنْهُ، وَاسْتَقَامَ الظَّهْرُ الَّذِي عَلَّمَتْهُ المَهَانَةُ طُولَ الانْحِنَاءِ. وَبَدَا فِي سَائِدٍ مِنَ الجِدِّ مَا سَرَّ الشَّيْخَ؛ كَانَ يَسْبِقُ العُمَّالَ إِلَى الحَدِيقَةِ، وَيَتَأَخَّرُ بَعْدَهُمْ، وَيُصْغِي إِلَى التَّعْلِيمَاتِ بِحِرْصِ مَنْ يَخْشَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ فَيَجِدَ أَنَّ النِّعْمَةَ لَمْ تَكُنْ إِلَّا حُلْمًا عَابِرًا. وَنَمَتِ الحَدِيقَةُ تَحْتَ يَدَيْهِ، كَأَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ إِلَى التُّرَابِ بَعْضَ مَا رَدَّهُ القَصْرُ إِلَيْهِ. اخْضَرَّتِ المَمَرَّاتُ، وَامْتَلَأَتِ الأَغْصَانُ ثَمَرًا، وَأَخَذَتِ الأَشْجَارُ تَفْتَحُ ظِلَالَهَا لِلْعَابِرِينَ. فَرَفَعَهُ الشَّيْخُ مِنْ عَامِلٍ إِلَى مُشْرِفٍ، ثُمَّ جَعَلَ إِلَيْهِ أَمْرَ الحَدِيقَةِ وَمَرَائِبِ السَّيَّارَاتِ، وَكُلَّمَا رَأَى مِنْهُ إِتْقَانًا زَادَهُ ثِقَةً، وَكُلَّمَا أَحْسَنَ فِي عَمَلٍ فَتَحَ لَهُ بَابًا إِلَى عَمَلٍ أَرْفَعَ.

مَضَتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ، وَصَارَ سَائِدٌ يَقِفُ فِي وَسَطِ الحَدِيقَةِ بِثِيَابٍ أَنِيقَةٍ، يُوَجِّهُ العُمَّالَ الَّذِينَ كَانَ أَمْسِ أَقَلَّهُمْ شَأْنًا، وَيَدْخُلُ مَجَالِسَ مَا كَانَ يَجْرُؤُ عَلَى رَفْعِ عَيْنَيْهِ إِلَى نَوَافِذِهَا. حَتَّى إِنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَخْشَوْنَ بَوَائِقَهُ صَارُوا يَسْتَوْقِفُونَهُ لِيَرْفَعَ حَاجَاتِهِمْ إِلَى الشَّيْخِ.

وَذَاتَ عَصْرٍ رَبِيعِيٍّ، كَانَ الشَّيْخُ جَالِسًا فِي شُرْفَةِ القَصْرِ، يَرْقُبُ الحَدِيقَةَ وَهِيَ تَتَمَايَلُ فِي خُضْرَتِهَا، وَيَرَى سَائِدًا يَنْتَقِلُ بَيْنَ العُمَّالِ فِي نَشَاطٍ وَحَزْمٍ. فَدَعَاهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُهُ الثَّانِيَ بَعْدَ مُدِيرِ القَصْرِ، وَسَيَكِلُ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ شُؤُونِ النَّاسِ الَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا بِنَفْسِهِ. ارْتَجَفَ صَوْتُ سَائِدٍ بِالامْتِنَانِ، وَغَمَرَ يَدَ الشَّيْخِ بِوُعُودٍ مِنَ الوَفَاءِ لَا يَكْفِيهَا عُمْرٌ وَاحِدٌ. وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ صَادِقًا، أَوْ كَانَ يَظُنُّ نَفْسَهُ صَادِقًا؛ فَالإِنْسَانُ قَدْ يَعِدُ فِي سَاعَةِ الرِّضَا بِمَا لَا يَعْرِفُ أَنَّ نَفْسَهُ سَتَخُونُهُ عِنْدَ أَوَّلِ سَاعَةٍ تَسْتَشْعِرُ فِيهَا الاسْتِغْنَاءَ.

لَمْ يَدْخُلِ الغُرُورُ قَلْبَ سَائِدٍ دُخُولَ عَاصِفَةٍ تُقْتَلَعُ لَهَا الأَبْوَابُ؛ دَخَلَ كَغُبَارٍ نَاعِمٍ لَا يُرَى وَهُوَ يَتَرَاكَمُ. بَدَأَ بِإِعْجَابٍ خَفِيٍّ بِمَا بَلَغَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَ الإِعْجَابُ اسْتِحْقَاقًا، وَالاسْتِحْقَاقُ تَفَضُّلًا، حَتَّى أَخَذَ يَرَى أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ ذَكِيًّا حِينَ اكْتَشَفَ قِيمَتَهُ. وَبِقَدْرِ مَا ارْتَفَعَ مَوْضِعُهُ فِي القَصْرِ، أَخَذَتْ ذَاكِرَتُهُ تَهْبِطُ عَنْ أَوَّلِ الطَّرِيقِ. بَهَتَ فِي نَفْسِهِ مَشْهَدُ القُمَامَةِ، وَتَوَارَى الجِدَارُ الَّذِي كَانَ يَنَامُ تَحْتَهُ، وَانْمَحَتْ مِنْ فَمِهِ مَرَارَةُ الفُتَاتِ. لَمْ يَعُدْ يَرَى فِي غُرْفَتِهِ الجَانِبِيَّةِ مَأْوًى أَنْقَذَهُ مِنَ التَّشَرُّدِ، بَلْ رَآهَا إِهَانَةً لِرَجُلٍ أَصْبَحَ يَظُنُّ أَنَّ القَصْرَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى كَتِفَيْهِ.

حَتَّى كَلْبُهُ الَّذِي صَاحَبَهُ فِي أَدْنَى مَنَازِلِ البُؤْسِ أَصْبَحَ يُثْقِلُ عَلَيْهِ بِذِكْرَى مَا كَانَ. كَانَ الكَلْبُ قَدِ امْتَلَأَ جَسَدُهُ، وَالْتَأَمَتْ جِرَاحُهُ، وَغَدَا يَطُوفُ فِي الحَدِيقَةِ آمِنًا؛ غَيْرَ أَنَّ نَدْبَةً فِي أُذُنِهِ وَعَرَجًا خَفِيفًا فِي قَائِمَتِهِ ظَلَّا يَرُدَّانِ سَائِدًا إِلَى صُورَتِهِ الأُولَى كُلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ. فَأَخَذَ يَنْهَرُهُ إِذَا اقْتَرَبَ مِنْ مَجَالِسِ الزُّوَّارِ، وَيَطْرُدُهُ عَنْ ثِيَابِهِ النَّظِيفَةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهِ لِيَسْتَدْفِئَ بِهِ تَحْتَ جِدَارِ القُمَامَةِ. أَمَّا الكَلْبُ فَلَمْ يَفْهَمْ مَا الَّذِي تَغَيَّرَ فِي صَاحِبِهِ؛ ظَلَّ يَتْبَعُهُ بِالعَيْنَيْنِ ذَاتَيْهِمَا، وَيَنْتَظِرُ مِنْ يَدِهِ اللَّمْسَةَ القَدِيمَةَ. وَحِينَ أَعْيَاهُ الانْتِظَارُ، وَجَدَ فِي يَدِ الشَّيْخِ رِفْقًا لَمْ يَتَبَدَّلْ؛ فَكَانَ يَرْقُدُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ فِي الشُّرْفَةِ، وَيَتْبَعُهُ فِي جَوْلَاتِهِ، وَيَرْفَعُ إِلَيْهِ رَأْسَهُ كُلَّمَا مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ. وَمَا كَانَ سَائِدٌ يَرَى فِي ذٰلِكَ إِلَّا مَزِيدًا مِنَ الإِهَانَةِ؛ فَقَدْ صَارَ الكَلْبُ يَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهِ سِجِلًّا لِمَاضٍ يُرِيدُ سَائِدٌ أَنْ يُحْرِقَهُ، وَصَارَ اقْتِرَابُهُ مِنَ الشَّيْخِ يُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي رَفَعَتِ الرَّجُلَ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي رَعَتِ الحَيَوَانَ.

كَانَ سَائِقُ الشَّيْخِ مِنْ أَقْدَمِ رِجَالِ القَصْرِ، وَكَانَ يَعْرِفُ مِنْ سَائِدٍ مَا لَا تَرَاهُ العُيُونُ الَّتِي تَلْتَقِي بِهِ فِي مَجَالِسِ الزُّوَّارِ. رَآهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَى العُمَّالِ، وَيَتَلَذَّذُ بِأَنْ تَنْخَفِضَ أَصْوَاتُهُمْ فِي حَضْرَتِهِ، وَيَنْسُبُ إِلَى نَفْسِهِ مَا أَنْجَزَتْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ. وَفِي مَسَاءٍ هَادِئٍ حَاوَلَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى أَوَّلِ الطَّرِيقِ، فَذَكَّرَهُ بِاليَدِ الَّتِي انْتَشَلَتْهُ مِنَ القُمَامَةِ، وَبِالثِّقَةِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْهُ رَجُلًا يُسْمَعُ رَأْيُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ أَنِينَهُ. غَيْرَ أَنَّ سَائِدًا لَمْ يَسْمَعْ فِي كَلَامِهِ نُصْحًا، بَلْ سَمِعَ فِيهِ عُدْوَانًا عَلَى مَقَامِهِ. وَانْفَلَتَ مِنْ فَمِهِ مَا كَانَ يَنْضَجُ فِي نَفْسِهِ مُنْذُ أَعْوَامٍ:
الشَّيْخُ لَا يَسْتَطِيعُ الاسْتِغْنَاءَ عَنِّي.

عِنْدَهَا نَظَرَ السَّائِقُ إِلَيْهِ طَوِيلًا، وَرَأَى فِي وَجْهِهِ رَجُلًا غَرِيبًا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَدْخَلَهُ يَوْمًا إِلَى السَّيَّارَةِ مُنْطَوِيًا عَلَى كَلْبِهِ. وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِلَّا:
مَنْ لَا يَحْفَظُ أَوَّلَ الطَّرِيقِ، يَضِلُّ فِي آخِرِهِ.

كَانَ السَّائِقُ نَفْسُهُ مَدِينًا لِلشَّيْخِ بِحَيَاةٍ أُخْرَى؛ فَقَدْ وَجَدَهُ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ وَضَيَاعِ بَيْتِهِ وَعَمَلِهِ غَرِيقًا فِي الخَمْرِ، فَأَعْطَاهُ عَمَلًا يُلْزِمُهُ بِالصَّحْوِ، ثُمَّ أَحَاطَهُ بِرِفْقٍ جَعَلَهُ يَسْتَحْيِي أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا يُسِيءُ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ. لَمْ يَنْسَ السَّائِقُ الحُفْرَةَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا، فَكَانَ كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ بِهِ الأَيَّامُ ازْدَادَ تَوَاضُعًا لِلْيَدِ الَّتِي أَعَانَتْهُ عَلَى الصُّعُودِ. أَمَّا سَائِدٌ، فَكَانَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ دَرَجَةً كَسَرَ مِنَ السُّلَّمِ دَرَجَةً تَحْتَهُ، حَتَّى لَا يَرَى أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ جَاءَ.

بَدَأَ مُدِيرُ القَصْرِ يَلْحَظُ التَّهَامُسَ الَّذِي يَنْقَطِعُ كُلَّمَا اقْتَرَبَ، وَالزِّيَارَاتِ الَّتِي لَا تُقَيَّدُ فِي سِجِلٍّ، وَالسَّهَرَاتِ الَّتِي يَعُودُ مِنْهَا سَائِدٌ بِنَظَرَاتٍ مُرْتَبِكَةٍ وَصَمْتٍ أَشَدَّ مِنَ الكَلَامِ. فَحَذَّرَ الشَّيْخَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَكْثُرُ حَوْلَهُ الغَمْغَمَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُوضَعَ فِي يَدِهِ مَفَاتِيحُ الأَبْوَابِ كُلِّهَا. غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَاضِي سَائِدٍ فَيَحْجُبُ عَنْهُ حَاضِرَهُ. كُلَّمَا قِيلَ لَهُ إِنَّ الرَّجُلَ يَتَغَيَّرُ، رَدَّهُ إِلَى أَعْوَامِ الإِخْلَاصِ، وَكُلَّمَا لَاحَتْ لَهُ عَلَامَةٌ مِنَ الرِّيبَةِ، أَطْفَأَهَا بِمَوْقِفٍ قَدِيمٍ مِنَ الوَفَاءِ. كَانَ مِنْ طِيبَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ مَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ المَهَانَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُهِينَ اليَدَ الَّتِي أَنْقَذَتْهُ، وَأَنَّ مَنْ أُخْرِجَ مِنَ الأَدْرَاكِ لَنْ يَهْوِيَ إِلَيْهَا بِاخْتِيَارِهِ.

وَلٰكِنَّ سَائِدًا كَانَ قَدْ بَدَأَ يَسْتَخْرِجُ مِنْ أَمَانَةِ الشَّيْخِ خِيَانَتَهُ؛ يَقْتَطِعُ مِنْ أَمْوَالِ الفُقَرَاءِ، وَيُثْبِتُ فِي الدَّفَاتِرِ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَيْدِيَ أَصْحَابِهِ، وَيَضَعُ خَاتَمَ الشَّيْخِ عَلَى أَوْرَاقٍ لَمْ يَرَهَا. أَخَذَ القَلِيلَ أَوَّلًا وَهُوَ يَخْشَى رَنِينَ النَّقْدِ، ثُمَّ أَلِفَ الخِيَانَةَ حَتَّى صَارَ يَعُدُّ مَا يَسْرِقُهُ حَقًّا مُؤَخَّرًا، وَيَرَى الشَّيْخَ مُنْتَفِعًا بِاسْمِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ. وَمَا لَبِثَتِ العَيْنُ أَنْ ضَاقَتْ بِمَوْضِعِهَا تَحْتَ الحَاجِبِ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الشَّيْخِ، وَأَقْدَرُ مِنْهُ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي صَنَعَهُ لَمْ يَعُدْ إِلَّا ظِلًّا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَكَانِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ.

وَكَشَفَتْ أَرْمَلَةٌ نَقْصَ إِعَانَتِهَا أَوَّلَ خَيْطٍ مِنْ نَسِيجِ الخِيَانَةِ؛ فَرَاجَعَ المُدِيرُ السِّجِلَّاتِ، فَتَكَاثَرَتْ أَمَامَهُ الأَسْمَاءُ الوَهْمِيَّةُ وَالأَخْتَامُ المُزَوَّرَةُ، وَجَمَعَ الأَدِلَّةَ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ. أَمْهَلَهُ الشَّيْخُ إِلَى الصَّبَاحِ لِيَرُدَّ الأَمَانَةَ وَيَعْتَرِفَ، غَيْرَ أَنَّ سَائِدًا سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ البَابِ مَا أَفْهَمَهُ أَنَّ فَضِيحَتَهُ قَدْ أَطَلَّتْ. وَبَدَلَ أَنْ يَرَى فِي انْكِشَافِهِ ثَمَرَةَ يَدِهِ، رَأَى فِي الشَّيْخِ مَنْ سَيَرُدُّهُ إِلَى ثِيَابِ القُمَامَةِ وَالجِدَارِ المُتَصَدِّعِ؛ فَغَدَا المُحْسِنُ فِي وَهْمِهِ عَقَبَةً، وَتَحَوَّلَتِ الثِّقَةُ الَّتِي رَفَعَتْهُ إِلَى ثَغْرَةٍ لِلْغَدْرِ.

فِي لَيْلَةٍ غَابَ فِيهَا مُدِيرُ القَصْرِ لِزِيَارَةِ أَهْلِهِ، وَانْكَفَأَ العُمَّالُ إِلَى غُرَفِهِمْ تَحْتَ مَطَرٍ ثَقِيلٍ، خَلَا الجَنَاحُ الدَّاخِلِيُّ إِلَّا مِنَ الشَّيْخِ وَسَائِدٍ وَبَعْضِ الأَصْوَاتِ البَعِيدَةِ. كَانَ الشَّيْخُ قَائِمًا فِي مُصَلَّاهُ، وَكَانَ السُّكُونُ يَحُفُّ بِهِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ إِلَّا وَقْعُ المَطَرِ عَلَى الزُّجَاجِ وَأَنِينُ الرِّيحِ فِي شُقُوقِ الأَبْوَابِ. وَخَلْفَهُ كَانَ سَائِدٌ يَتَقَدَّمُ فِي خُطًى مَحْسُوبَةٍ، وَفِي يَدِهِ خِنْجَرٌ لَمْ يَكُنْ أَثْقَلَ مِنْ سَاعِدِهِ، وَلٰكِنَّهُ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ ذَاكِرَةِ رَجُلٍ يَحْمِلُ فِي نَصْلِهِ كُلَّ مَا نَسِيَهُ.

لَمْ يَرَ فِي الظَّهْرِ المُنْحَنِي لِلصَّلَاةِ ظَهْرَ الرَّجُلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنَ القُمَامَةِ، وَلَا رَأَى فِي الرَّأْسِ المُطْمَئِنِّ مَنْ أَظَلَّهُ بِهَيْبَتِهِ حِينَ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَطْرُدُهُ. رَأَى عَقَبَةً فَقَطْ، وَمَدَّ نَحْوَهَا يَدًا كَانَتْ قَدْ أَكَلَتْ مِنْ خَيْرِهَا، وَتَدَفَّأَتْ بِبَيْتِهَا، وَارْتَفَعَتْ بِفَضْلِهَا. غَيْرَ أَنَّ صَوْتًا خَافِتًا انْفَجَرَ مِنْ آخِرِ الرِّوَاقِ، ثُمَّ اسْتَحَالَ نُبَاحًا شَقَّ السُّكُونَ شَقًّا. كَانَ الكَلْبُ قَدْ شَمَّ فِي يَدِ صَاحِبِهِ رَائِحَةً لَمْ يَعْرِفْهَا فِي سَنَوَاتِ الجُوعِ، وَرَأَى الخِنْجَرَ يَرْتَفِعُ خَلْفَ الرَّجُلِ الَّذِي مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَطْعَمَهُ وَآوَاهُ حِينَ تَنَكَّرَ لَهُ صَاحِبُهُ.

انْقَضَّ عَلَى سَائِدٍ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ النَّصْلُ. عَلَتِ الجَلَبَةُ خَلْفَ الشَّيْخِ، وَاخْتَلَطَ صَرِيرُ الأَثَاثِ بِزَمْجَرَةِ الكَلْبِ وَصَرْخَةٍ قَصِيرَةٍ انْقَطَعَتْ كَمَا يَنْقَطِعُ خَيْطٌ شُدَّ فَوْقَ طَاقَتِهِ. أَتَمَّ الشَّيْخُ صَلَاتَهُ عَلَى عَجَلٍ، ثُمَّ اسْتَدَارَ. كَانَ الخِنْجَرُ مُلْقًى فِي بُرْكَةٍ مِنَ الدَّمِ، وَكَانَ سَائِدٌ هَامِدًا عَلَى الأَرْضِ، وَالكَلْبُ عِنْدَ عُنُقِهِ يَلْهَثُ وَيَرْتَجِفُ. وَحِينَ رَأَى الشَّيْخَ، تَرَكَ الجُثَّةَ ثُمَّ ارْتَمَى عِنْدَ قَدَمَيْهِ يُطْلِقُ أَنِينًا خَافِتًا، كَأَنَّهُ يَعْتَذِرُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى