صناع البهاء
فِي غَيَابَاتِ هَذَا الوُجُودِ المُثْقَلِ بِطِينِهِ، حَيْثُ تَخْتَنِقُ الأَنْفَاسُ فِي غُبَارِ الرَّتَابَةِ، وَتَتَعَثَّرُ الأَرْوَاحُ فِي مَمَرَّاتِ العَدَمِ البَارِدِ، تَنْبَثِقُ أَرْوَاحٌ كَزَفْرَةِ نُورٍ اِنْفَلَتَتْ مِنْ صَدْرِ الغَيْبِ، أَوْ كَجَذْوَةٍ قُدُسِيَّةٍ تَتَرَاقَصُ فِي دَيَاجِيرِ اليَأْسِ، لِتُحِيلَ عَتَمَةَ الرُّوحِ إِلَى مِشْكَاةٍ تَتَوَهَّجُ بِبَهَاءٍ لَا يَخْبُو. تَأْتِي، لَا كَمَا تَأْتِي الأَشْيَاءُ العَابِرَةُ فِي زِحَامِ الأَيَّامِ، بَلْ كَمَا يَأْتِي المَعْنَى حِينَ يَتَجَسَّدُ، وَكَمَا يَهْبِطُ اللُّطْفُ حِينَ يَتَّخِذُ لَهُ وَجْهًا، وَكَمَا تَنْفَتِحُ فِي العُمْرِ نَافِذَةٌ لَا تُفْتَحُ إِلَّا لِيَدْخُلَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ هَوَاءِ السَّمَاءِ.
هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ العَالَمَ أَكْثَرَ جَمَالًا، لَا بِمَا يَصْنَعُونَ بِأَيْدِيهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ جَوْهَرٍ يَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الكَوْنِ مَسْرَى اليَقِينِ فِي قَلْبِ المُتَبَتِّلِ. فَحُضُورُهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ وُقُوفٍ فِي حَيِّزِ المَكَانِ، وَلَا حَرَكَةً تُضَافُ إِلَى حَرَكَاتِ النَّاسِ فِي سُوقِ البَقَاءِ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ مِنَ التَّجَلِّي تَأْمُرُ الأَشْيَاءَ فَتَأْتَمِرُ بِإِيقَاعِ الجَمَالِ، فَتَرَى الأَرْضَ تَطْوِي لَهُمْ مَسَافَاتِ القُبْحِ، وَالسَّمَاءَ تَمُدُّ لَهُمْ سُجُفَ الرِّضَا، وَالأَيَّامَ، عَلَى قَسْوَتِهَا، تَتَلَطَّفُ حِينَ تَمُرُّ بِقُرْبِهِمْ كَأَنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنْ أَنْ تُظْهِرَ خُشُونَتَهَا فِي حَضْرَةِ مَنْ يُحْسِنُونَ تَرْبِيَةَ الوُجُودِ عَلَى الرِّفْقِ.
إِنَّهُمْ تِلْكَ النُّفُوسُ المُلْهِمَةُ الَّتِي تَسْتَقْطِبُ مِنْ مَشَارِقِ المَلَكُوتِ مَا تُضِيءُ بِهِ دَهَالِيزَ التِّيهِ البَشَرِيِّ. لَا يَمْشُونَ عَلَى الأَدِيمِ إِلَّا لِيَتْرُكُوا فِيهِ بَصْمَةً مِنْ حَيَاةٍ، وَلَا يَنْطِقُونَ فِي صَمْتِ العُزْلَةِ إِلَّا لِيُحِيلُوا الوَحْشَةَ أُنْسًا عَمِيمًا. تَرَاهُمْ يَحْمِلُونَ فِي أَعْمَاقِهِمْ بَسَاتِينَ مِنْ نَقَاءٍ؛ كُلَّمَا عَضَّهُمُ الوَاقِعُ بِأَنْيَابِهِ الجَافِيَةِ، نَضَحُوا عَلَيْهِ مِنْ عِطْرِهِمْ شَذًى يُذْكِي مَسَامَّاتِ الوُجُودِ بِطِيبِ الرَّجَاءِ. لَا يُرَدُّونَ القَسْوَةَ بِقَسْوَةٍ مِثْلِهَا، وَلَا يُقَايِضُونَ الجَفَاءَ بِجَفَاءٍ يُشْبِهُهُ، بَلْ يُدْخِلُونَ عَلَى الخُشُونَةِ مَاءً مِنْ حِلْمِهِم *حَتَّى تَتَلَيَّنَ، وَعَلَى العَتَمَةِ فَتِيلًا مِنْ نُورِهِم *حَتَّى تَتَذَكَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ قَدَرًا أَبَدِيًّا.
هَذِهِ النُّفُوسُ لَمْ تُخْلَقْ لِتَنْكَسِرَ فِي مَعَارِكِ الصَّغَائِرِ، وَلَا لِتَبِيعَ جَوْهَرَهَا فِي أَسْوَاقِ المَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ، بَلْ صِيغَتْ مِنْ مَعْدِنٍ نَجْمِيٍّ بَعِيدٍ، يَتَرَفَّعُ عَنْ دَنَسِ المَادَّةِ، وَيَسْتَسْقِي نَمَاءَهُ مِنْ يَنَابِيعِ الفَضِيلَةِ البِكْرِ. لِذَلِكَ يَغْدُونَ، بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِمْ، قَصِيدَةً عَالِيَةَ الشُّرُفَاتِ، لَا تَطَالُهَا مَنْقَصَةٌ، وَلَا يَعْتَرِيهَا ذُبُولٌ، وَلَا يَصِلُ إِلَى مَعْنَاهَا مَنْ جَاءَهَا بِقَلْبٍ مُلَوَّثٍ بِالاِبْتِذَالِ. إِنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى صَخَبٍ كَيْ يُثْبِتُوا حُضُورَهُمْ، فَالعِطْرُ لَا يَسْتَأْذِنُ الأَنْفَاسَ حِينَ يَعْبُرُ، وَالنُّورُ لَا يَخْطُبُ فِي الظَّلَامِ لِيُقْنِعَهُ بِأَنَّهُ ضِيَاءٌ.
وَيَتَجَلَّى فِيهِمْ جَمَالُ اللُّطْفِ كَقُوَّةٍ قَاهِرَةٍ تَشُقُّ عُبَابَ القَسْوَةِ بِنَسِيمِ رِقَّتِهَا العَصِيَّةِ عَلَى الاِنْكِسَارِ. فَاللُّطْفُ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَيْسَ ضَعْفًا يَتَدَثَّرُ بِهِ العَاجِزُونَ، وَلَا لِينًا مَسْفُوحًا عَلَى أَعْتَابِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، بَلْ هُوَ سِيَادَةٌ رُوحِيَّةٌ تَتَنَزَّلُ مِنْ بَرْزَخِ الكَمَالِ لِتَمْسَحَ عَلَى رَأْسِ العَالَمِ المُنْهَكِ. إِنَّهُ قُوَّةٌ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا لِأَنَّهَا وَاثِقَةٌ مِنْ عُمْقِهَا، وَهَيْبَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَجَهُّمٍ لِأَنَّ فِي وَقَارِهَا مَا يَكْفِي، وَنُبْلٌ يَعْرِفُ أَنَّ أَقْسَى مَا فِي الإِنْسَانِ لَيْسَ أَنْ يَكُونَ صَلْبًا، بَلْ أَنْ تَكُونَ صَلَابَتُهُ خَالِيَةً مِنَ الحَنَانِ.
يَبْسُطُونَ أَكُفَّهُمْ بِالمَوَدَّةِ، فَتُورِقُ الأَغْصَانُ اليَابِسَةُ فِي شِغَافِ القُلُوبِ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّ الرَّبِيعَ قَدْ هَجَرَهَا إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ. كَلِمَتُهُمُ الطَّيِّبَةُ لَيْسَتْ حَرْفًا يُلْقَى فِي هَوَاءِ المُجَامَلَةِ، بَلْ كَوْثَرٌ يَسِيلُ شَهْدًا لِيَرْأَبَ صُدُوعَ الأَرْوَاحِ المُتْعَبَةِ، وَنَظْرَتُهُمُ الحَانِيَةُ مِشْعَلٌ يُضِيءُ دُرُوبَ السَّالِكِينَ فِي لَيَالِي التَّوَجُّسِ وَالفَرَقِ. لَا يَتَكَلَّمُونَ كَيْ يُثْبِتُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ بَيَانٍ، بَلْ لِيُضِيفُوا إِلَى الرُّوحِ مَا نَقَصَ مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا، وَلَا يَصْمُتُونَ عَجْزًا عَنِ القَوْلِ، بَلْ لِأَنَّ صَمْتَهُمْ أَحْيَانًا يَكُونُ أَرْفَقَ بِالقَلْبِ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ.
وَمِنْ عَجَائِبِ صَنِيعِهِمْ أَنَّ الخَيْرَ يَتَكَرَّسُ فِي حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ نَهْرًا يَتَدَفَّقُ بِلَا ضَجِيجٍ، يَرْوِي ظَمَأَ السَّائِلِينَ، وَيُغِيثُ صَمْتَ المُحْتَاجِينَ، وَيَمُرُّ عَلَى حَوَافِّ الجِرَاحٍ كَمَاءِ الفَجْرِ عَلَى وَرَقَةٍ أَتْعَبَهَا الغُبَارُ. فِي زِحَامِ الأَيَّامِ المُتَشَابِهَةِ، حَيْثُ يَطْحَنُ رَوْتِينُ البَقَاءِ أَشْوَاقَ البَشَرِ، يَتَنَفَّسُ الخَيْرُ مِنْ مَسَامِّ أَفْعَالِهِمُ العَفْوِيَّةِ كَمَا يَتَنَفَّسُ الصُّبْحُ مِنْ رَحِمِ الظَّلَامِ. لَا يَبْتَغُونَ لِصَنِيعِهِمْ مَنَابِرَ تَرْفَعُهُمْ، وَلَا صَحَائِفَ تَذْكُرُهُمْ، وَلَا أَعْيُنًا تُصَفِّقُ لِمَا فَعَلُوا، بَلْ يَخْطُونَ خُطُوَاتِهِمْ بِيَقِينِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ البِذْرَةَ الَّتِي تُغْرَسُ فِي طِينِ الصِّدْقِ لَا بُدَّ أَنْ تُثْمِرَ عَنَاقِيدَ مِنْ نُورٍ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
تَمْتَدُّ أَيْدِيهِمْ لِلْمَعْرُوفِ بِسَجِيَّةِ النَّدَى حِينَ يُعَانِقُ وَرَقَ الشَّجَرِ؛ لَا يَمُنُّ وَلَا يَسْتَكْبِرُ، بَلْ يَجُودُ لِأَنَّ الجُودَ فِي طَبِيعَتِهِ، وَيَفِيضُ لِأَنَّ قَانُونَ الفَيْضِ قَدِ اِسْتَحْكَمَ فِي كِيَانِهِ. هُمْ لَا يَصْنَعُونَ الخَيْرَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَلَى النَّاسِ يَدٌ، بَلْ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَكَمَا لَا يَسْأَلُ الفَجْرُ لِمَاذَا يُضِيءُ، وَلَا يَسْأَلُ النَّهْرُ لِمَاذَا يَمْضِي، لَا تَسْأَلُ تِلْكَ الأَرْوَاحُ لِمَاذَا تُحْسِنُ؛ إِذْ لَيْسَ الإِحْسَانُ عِنْدَهَا فِعْلًا طَارِئًا، بَلْ هُوَ نَحْوٌ مِنْ أَنْحَاءِ الوُجُودِ.
هَذِهِ هِيَ البَهْجَةُ الَّتِي يَخْلُقُهَا بَعْضُ البَشَرِ؛ بَهْجَةٌ لَا تُقَاسُ بِمَا يَضْحَكُ لَهُ الوَجْهُ عَابِرًا، بَلْ بِمَا تَسْتَعِيدُهُ الرُّوحُ مِنْ صَفَائِهَا الأَوَّلِ وَنَقَائِهَا الأَزَلِيِّ. هِيَ بَهْجَةٌ لَا تَسْتَمِدُّ وُجُودَهَا مِنْ لَذَّةٍ مَادِّيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ مِنِ اِتِّصَالٍ عَمِيقٍ بِمَنَابِعِ الحَقِّ وَالجَمَالِ. كُلَّمَا طَافَ طَائِفُ ذِكْرِهِمْ بِخَاطِرٍ مَكْسُورٍ، جَبَرَهُ بِلُطْفٍ خَفِيٍّ يُدْهِشُ العَقْلَ وَيَسْتَسْلِمُ لَهُ القَلْبُ. وَكَأَنَّ لِذِكْرِهِمْ نَدًى خَاصًّا؛ إِذَا مَرَّ عَلَى أَرْضٍ مُتَصَحِّرَةٍ فِي الدَّاخِلِ، أَنْبَتَ فِيهَا عُشْبًا لَا تَرَاهُ العُيُونُ، وَلَكِنْ تَشْهَدُهُ السَّكِينَةُ حِينَ تَعُودُ إِلَى مَكَانِهَا.
اِبْتِسَامَتُهُمْ وَحْدَهَا ثَوْرَةٌ عَلَى بَشَاعَةِ الوَاقِعِ، تَقْتَلِعُ جُذُورَ الكَآبَةِ مِنْ أَعْمَاقِ المُتَأَمِّلِ، وَتَزْرَعُ مَكَانَهَا شَقَائِقَ نُعْمَانٍ تَسْتَقْبِلُ فَجْرَ الأَمَلِ بِصَدْرٍ مَشْرُوحٍ. يَنْشُرُونَ حَوْلَهُمْ عَبَقًا يَرْفَعُ مَنْ يُجَالِسُهُمْ إِلَى مَقَامِ الدَّهْشَةِ، فَيَرَى العَالَمَ بِعَيْنٍ جَدِيدَةٍ لَمْ تُلَطِّخْهَا سَخَامَةُ الخُذْلَانِ. وَمَا أَعْظَمَ أَنْ يُجَالِسَ الإِنْسَانُ رُوحًا لَا تَزِيدُهُ ثِقَلًا عَلَى ثِقَلِهِ، بَلْ تُخَفِّفُ عَنْهُ وَطْأَةَ الأَرْضِ، وَتُعَلِّمُهُ أَنَّ فِي هَذَا العَالَمِ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ شَرَاسَةٍ، مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ، وَمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُصَانَ.
وَهُمْ، بِذَلِكَ كُلِّهِ، أَصْحَابُ الأَثَرِ الطَّيِّبِ الَّذِينَ يَخْتِمُونَ عَلَى صَحَائِفِ العُمْرِ بِخَاتَمِ الخُلُودِ، فَلَا تَمْحُو الأَيَّامُ نَقْشَهُمْ، وَلَا تُغَيِّبُ الأَحْدَاثُ صَدَاهُمْ. الأَثَرُ الَّذِي يَتْرُكُونَهُ لَيْسَ نَصْبًا مِنْ حَجَرٍ يَأْكُلُهُ الزَّمَانُ، بَلْ حَيَاةٌ تُبْعَثُ فِي قُلُوبِ مَنْ مَسَّهُمْ طَائِفُ حُبِّهِمْ. إِذَا عَبَرُوا مَكَانًا، تَرَكُوا فِيهِ مِنْ رُوحِهِم *قَبَسًا يَشْهَدُ لَهُمْ، وَإِذَا فَارَقُوا، كَانَ فِرَاقُهُمْ كَاِنْسِحابِ الشَّمْسِ الَّتِي تَتْرُكُ خَلْفَهَا شَفَقًا مُخْضَبًا بِلَوْعَةِ الوَدَاعِ وَوَعْدِ اللِّقَاءِ.
إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ مَلَاحِمَ وُجُودِهِمْ بِمِدَادِ التَّبَتُّلِ الخَالِصِ لِلْجَمَالِ، فَتَأْتِي أَفْعَالُهُمْ شَوَاهِدَ بَيِّنَاتٍ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ، فِي ذُرْوَةِ كَمَالِهِ، مِرْآةٌ تَنْعَكِسُ عَلَيْهَا أَسْرَارُ السَّمَاءِ، وَرِسَالَةُ سَلَامٍ مَبْعُوثَةٌ إِلَى أَرْضٍ أَتْعَبَتْهَا الحُرُوبُ العَبَثِيَّةُ مَعَ طَوَاحِينِ الوَهْمِ. وَمَا أَقَلَّ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ أَنَّ الأَثَرَ الأَبْقَى لَيْسَ مَا نَتْرُكُهُ فِي الدَّفَاتِرِ وَالجُدْرَانِ، بَلْ مَا نُوقِظُهُ فِي صَدْرِ إِنْسَانٍ كَادَ يَيْأَسُ، وَمَا نُصْلِحُهُ فِي نَظْرَةٍ كَدَتْ تَتَعْوَّدُ القُبْحَ، وَمَا نُرَدُّهُ إِلَى الحَيَاةِ مِنْ قَلْبٍ ظَنَّ أَنَّهُ فَقَدَ حَقَّهُ فِي الدَّهْشَةِ.
وَأَنَا، إِذْ أَقِفُ عَلَى قِمَّةِ التَّأَمُّلِ، أَرْقُبُ أُولَئِكَ الَّذِينَ اِسْتَثْنَاهُمُ القَدَرُ مِنْ سَمَاجَةِ الطَّبْعِ وَاِنْحِدَارِ الذَّوْقِ، لَا أَقِفُ مَوْقِفَ المُسْتَجْدِي لِنُورِهِمْ، بَلْ مَوْقِفَ الشَّاهِدِ البَصِيرِ الَّذِي يَعْرِفُ مَقَامَ الجَوْهَرِ إِذَا لَاحَ فِي فُسْحَةِ الإِمْكَانِ. لَقَدْ تَعَالَيْتُ بِنَفْسِي عَنْ سَفَاسِفِ العُبُورِ، وَلَمْ أَرْضَ لِقَلْبِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِحْرَابًا لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ تَطَهَّرَ بِمَاءِ الوَفَاءِ، وَتَدَثَّرَ بِبُرْدَةِ الصِّدْقِ، وَعَرَفَ أَنَّ الجَمَالَ لَيْسَ زِينَةً تُسْتَهْلَكُ، بَلْ أَمَانَةٌ تُصَانُ.
فَمَنْ وَلَجَ هَذَا المَدَارَ المَهِيبَ، وَجَدَ فِي عَيْنَيَّ مِرْآةً تَعْكِسُ كَمَالَهُ، وَمَنْ أَدْبَرَ هَارِبًا مِنْ جَلَالِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَمَا نَقَصَ مِنْ سِيَادَتِي شَيْئًا؛ فَالنَّهْرُ العَظِيمُ لَا يَأْسَفُ عَلَى ظَامِئٍ تَوَلَّى عَنْ ضِفَافِهِ لِيَشْرَبَ مِنْ مَسَارِبِ السَّرَابِ، وَالشَّمْسُ الشَّامِخَةُ فِي عَلْيَاهَا لَا تَعْتَذِرُ لِمَنْ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَنْ ضِيَاهَا لِيَأْوِيَ إِلَى كُهُوفِ الظَّلَامِ. فَعِشْقِي لِلْجَمَالِ فِي أَرْوَاحِهِمْ لَيْسَ خُضُوعًا يُرِيقُ المَهَابَةَ، بَلْ هُوَ اِسْتِحْقَاقٌ رَفِيعٌ يُتَوِّجُ الهَامَاتِ الَّتِي تَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهَا فَتَصُونُهَا، وَتُعْلِي مِنْ شَأْنِ العَاطِفَةِ فَتَجْعَلُهَا طُقُوسًا مِنْ فَنَاءٍ نَبِيلٍ لَا يَعْرِفُ الاِنْكِسَارَ.
كُلَّمَا أَقْبَلَ وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الصَّفْوَةِ البَاذِخَةِ، رَأَيْتُ الطَّبِيعَةَ ذَاتَهَا تَتَوَاطَأُ مَعَهُ لِتُكْمِلَ مَرَاسِمَ حُضُورِهِ المُهَابِ. تَتَنَفَّسُ الأَشْيَاءُ حَوْلَهُ بِإِيقَاعٍ مُخْتَلِفٍ يُشْبِهُ زَفِيرَ المُصَلِّينَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَتَسْتَحِيلُ المَعَانِي المُجَرَّدَةُ كَائِنَاتٍ تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ؛ لَهَا أَجْنِحَةٌ تُرَفْرِفُ بِالوُدِّ، وَأَنْيَابٌ مِنْ يَقِينٍ تَفْتَرِسُ الوَحْشَةَ القَابِعَةَ فِي زَوَايَا النَّفْسِ، وَعُطُورٌ تَنْبَجِسُ مِنْ ثَنَايَا الرُّوحِ لِتَغْسِلَ ذَاكِرَةَ الأَيَّامِ مِنْ رَائِحَةِ التَّعَبِ المُتَرَاكِمِ.
هَكَذَا يَتَشَكَّلُ الزَّمَانُ وَالمَكَانُ فِي حَضْرَتِهِمْ تَشَكُّلًا آخَرَ، كَأَنَّ المَكَانَ يَصِيرُ اِنْعِكَاسًا لِحَالَتِهِمُ المِعْرَاجِيَّةِ، وَكَأَنَّ الزَّمَانَ يَتَرَقَّقُ حَتَّى يَغْدُو لَحْظَةَ خُلُودٍ مُقْتَطَعَةً مِنْ دَفْتَرِ الأَزَلِ. هُمْ لَيْسُوا قِطْعَةً مَعْزُولَةً مِنَ العَالَمِ يُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالبَنَانِ، بَلْ هُمُ العَالَمُ حِينَ يَسْتَقِيمُ مِيزَانُهُ، وَيَعْتَدِلُ فِي مَسَارِهِ، وَيَخْلَعُ عَنْهُ أَثْوَابَ الزَّيْفِ. بِهِمْ يَتَذَكَّرُ الوُجُودُ مَعْنَاهُ، وَبِحُضُورِهِمْ تَتَصَالَحُ الأَشْيَاءُ مَعَ أَصْلِهَا الجَمِيلِ.
سُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ سِرَّهُ فِي هَذَا الطِّينِ الهَشِّ، فَجَعَلَ مِنْهُ قَبَسًا يَهْدِي، وَآيَةً بَالِغَةً لِلْمُتَوَسِّمِينَ الَّذِينَ لَا تَقِفُ أَبْصَارُهُمْ عِنْدَ قُشُورِ الأَشْيَاءِ. لَقَدْ تَجَلَّى لِي فِي عَمِيقِ صَنِيعِهِمْ أَنَّ البَشَرَ لَا يَسْتَوُونَ فِي مِقْدَارِ مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ أَثَرٍ فِي سِجِلِّ الوُجُودِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَرَقْمٍ عَابِرٍ تَطْوِيهِ عَجَلَةُ الفَنَاءِ دُونَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الرُّوحِ رَعْشَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَحَرْفٍ مُشَدَّدٍ، نَاصِعِ البَيَانِ، مَنْقُوشٍ بِنَارِ الجَوَى فِي قَصِيدَةِ البَقَاءِ.
وَأُولَئِكَ الصُّنَّاعُ لِلْبَهَاءِ، الذَّائِبُونَ فِي تَبَتُّلِ العَطَاءِ، هُمُ الآيَةُ الَّتِي نَتْلُوهَا فِي مِحْرَابِ الوَجْدِ الإِنْسَانِيِّ الأَصِيلِ؛ نُرَتِّلُ مَعَانِيَهَا العَمِيقَةَ دُونَ الحَاجَةِ إِلَى نُطْقِ حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَسْجُدُ بِحَوَاسِّ الرُّوحِ فِي رِحَابِهَا لِخَالِقِ هَذَا الإِعْجَازِ الجَمَالِيِّ المُبْهِرِ. هُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى صَكِّ اِعْتِرَافٍ، وَلَا إِلَى بُرْهَانِ حُضُورٍ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ سِيَادَتَهُمْ عَلَى مَمْلَكَةِ المَشَاعِرِ سِيَادَةٌ هَادِئَةٌ، وُلِدَتْ مَعَهُمْ، لَا تَقْبَلُ الشَّكَّ، وَلَا تَرُدُّهَا صُرُوفُ الزَّمَانِ، وَلَا يُزَحْزِحُهَا إِنْكَارُ مَنْ لَا يَرَى إِلَّا بِعَيْنَيْنِ مُثْقَلَتَيْنِ بِغُبَارِ المَادَّةِ.
فَاسْلَمُوا، يَا مَنْ نَقَشْتُمْ عَلَى جِدَارِ العَدَمِ وُجُودًا لَا يُمْحَى، وَجَعَلْتُمْ لِلْحَيَاةِ مَعْنًى بَاذِخًا يُعَانِقُ المُسْتَحِيلَ فِي عُقْرِ دَارِهِ. سَتَظَلُّ رُوحِي، مِنْ مَقَامِهَا العَالِي وَاِسْتِعْلَائِهَا الكَرِيمِ، تَرْمُقُكُمْ بِعَيْنِ الصَّفَاءِ الدَّائِمِ؛ لَا تَرْجُو مِنْكُمْ تَبْدِيلًا، وَلَا تَطْلُبُ وَصْلًا هَزِيلًا، بَلْ تَرْجُو أَنْ تَبْقَوْا كَمَا أَنْتُمْ فِي سَمَاءِ هَذَا العَالَمِ الشَّقِيِّ؛ نَبْعًا رُوحَانِيًّا لَا يَعْرِفُ غَيْضًا وَإِنَّمَا فَيْضًا، وَظِلًّا أَرِيفًا لَا يَقْبِضُهُ الهَجِيرُ، وَنُورًا بَاهِرًا يُصَافِحُ وَجْهَ اليَقِينِ الطَّاهِرِ فِي الصَّدْرِ كُلَّمَا اِدْلَهَمَّتْ خُطُوبُ الوَاقِعِ وَاسْتَشْرَسَتْ أَنْيَابُهُ.
أَنْتُمُ البَقِيَّةُ البَاقِيَةُ مِنْ نَفْحَةِ السَّمَاءِ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ، بِكُمْ نَسْتَدِلُّ عَلَى جَمَالِ الخَالِقِ، وَمِنْ خِلَالِ نَقَائِكُمُ المُتَدَفِّقِ نَقْرَأُ حِكْمَةَ الأَشْيَاءِ المَكْتُومَةِ. بِكُمْ يَصِيرُ العَالَمُ أَقَلَّ وَحْشَةً، وَالأَيَّامُ أَرْحَمَ وَطْأَةً، وَالقَلْبُ أَقْدَرَ عَلَى أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ الجَمَالَ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا. وَبِكُمْ، وَبِكُمْ وَحْدَكُمْ، يَبْقَى هَذَا المُسْتَنْقَعُ الطِّينِيُّ الَّذِي نَدْعُوهُ العَالَمَ، وَطَنًا جَدِيرًا بِأَنْ يُعَاشَ فِيهِ العُشْقُ، وَأَنْ تُسْكَبَ عَلَى أَعْتَابِهِ مَدَامِعُ الوَجْدِ الكَرِيمِ، لَا حُزْنًا عَلَيْهِ، بَلْ شُكْرًا لِمَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ أَرْوَاحٍ تُشْبِهُ الفَجْرَ حِينَ يُصِرُّ عَلَى الطُّلُوعِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِ اللَّيْلِ.
