الشعر
الذكاء الغبي
أُحَدِّقُ فِيَّ وَأَقْسُو عَلَيّْ = وَأَسْمَعُ صَوْتَكَ يَلْحَنُ فِيّْ وَأُغْمِضُ عَيْنِي لِأَهْرُبَ مِنِّي = فَأَلْمَحُ عَيْنَكَ تَرْنُو إِلَيّْ وَتَهْمِزُ سُخْرًا لِمَنْ رَامَ طَعْنِي = وَتَغْمِزُ عَنِّي بِطَرْفٍ خَفِيّْ لِمَاذَا التَّجَنِّي بِغِلْظَةِ صَدْرٍ = عَلَى مَنْ رَوَاكَ نَدَى الحُبِّ رَيّْ؟ سَقَيْتُكَ مِنْ نَبْعِ فِكْرِي زُلَالًا = فَكَيْفَ غَدَوْتَ بِقَلْبٍ صَدِيّْ أَلَسْتَ ابْنَ قَلْبِي حَمَلْتُكَ غَضًّا = ثَلَاثَ سِنِينَ بِصَدْرٍ رَضِيّْ؟ مَخَضْتُكَ حُرًّا كَبِيرًا أَثِيرًا = وَمَا كُنْتُ يَوْمًا بِعَيْنِي صَبِيّْ أَلَسْتَ الَّذِي إِنْ تَأَلَّمْتَ يَوْمًا = غَسَلْتُ أَنِينَكَ مِنْ مُقْلَتَيّْ؟ أَلَسْتَ الَّذِي إِنْ شَكَا الحَرَّ حَرْفًا = مَدَدْتُ المَشَاعِرَ مَاءً وَفَيّْ؟ أَكُنْتُ نَكَثْتُكَ فِي الدَّهْرِ عَهْدًا = أَوِ ارْتَبْتَ، مَا عِشْتَ، مِنِّي بِشَيّْ؟ أَكُنْتُ التَقَيْتُكَ مَا غِبْتُ عَنِّي = بِغَيْرِ الثَّنَاءِ عَلَى شَفَتَيّْ؟ فَأَيْنَ عُهُودُكَ دَوْمًا بِحِفْظِي = وَبِرِّي عَلَى الدَّهْرِ مَيْتًا وَحَيّْ؟ وَأَيْنَ وَأَنْتَ الَّذِي كُنْتَ فِيَّ = النَّقِيَّ التَّقِيَّ الحَيِيَّ الحَفِيّْ؟ أَكُنْتَ سَرَابًا يُدَاعِبُ ظَنِّي = فَمَا كُنْتُ إِلَّا بِظَنِّي الشَّقِيّْ؟ لِمَاذَا انْقَلَبْتَ عَنِ المَاءِ صَفْوًا = لِتَشْرَبَ مِنْ أَنْفُسِ المَقْتِ قَيّْ؟ لِمَاذَا جَحَدْتَ هَدِيلَ الوِدَادِ = وَشَنَّفَ سَمْعَكَ ذَاكَ الدَّوِيّْ؟ لِمَاذَا شَقَقْتَ ثِيَابَ وَفَاءٍ = لِتُلْبِسَ نَفْسَكَ ثَوْبَ العَصِيّْ؟ لِمَاذَا طَرَحْتَ ذَكَاءَكَ أَرْضًا = وَأَتْبَعْتَ خَطْوَ الذَّكَاءِ الغَبِيّْ؟ لِمَاذَا حَرَمْتَ اللِّسَانَ نِدَاءً = أُرَطِّبُ قَلْبِي بِهِ “يَا بُنَيّْ”؟ أَجِئْتَ تُعَالِجُ أَوْجَاعَ قَلْبِي؟ = فَفِيمَ بَدَأْتَ العِلَاجَ بِكَيّْ؟ أَتَفْجُرُ خَصْمًا بِأَضْغَاثِ ذَنْبٍ = لِتَأْكُلَ لَحْمَ الأُبُوَّةِ نَيّْ؟ أَلَيْسَ التَّوَاطُؤُ فِي الغَدْرِ غَدْرًا؟ = أَتَشْكُو ابْنَ يُوسُفَ لِلْعَلْقَمِيّْ؟ أَتَأْتِي العُقُوقَ وَتَسْخَطُ لَمَّا = دَقَائِقُ زَلَّتْ بِحَاتِمِ طَيّْ؟ لَقَدْ لُمْتُ نَفْسِي وَمَا كَانَ ذَنْبًا = وَلَكِنَّ نُبْلِي وَوُدِّي السَّخِيّْ وَخِلْتُ اعْتِذَارِي يُخَفِّفُ نَارِي = فَلَمْ يُغْنِ عَنِّي وَزَادَكَ غِيّْ عَكَفْتَ تُرَوِّجُ مَا خِلْتَ جُرْمًا = بِزَعْمِ الحُقُوقِ، أَأَنْتَ الوَصِيّْ؟ تَقُولُ بِقَوْلِ الَّذِي اغْتَاظَ مِنِّي = فَقَامَ يُشَهِّرُ فِي كُلِّ حَيّْ وَقُلْتَ: أَنَا البَرُّ أَحْفَظُ عَهْدِي = وَغَيْرِي المُنَافِقُ يُغْوِيكَ، وَيّْ! أَفِي القَدْحِ قَصْدَ الأَذَى نُصْحُ بَرٍّ = بِشَرْعِ الإِلَهِ وَهَدْيِ النَّبِيّْ؟ وَقُلْتَ: سَقَانِي الإِهَانَةَ هَوْنًا = سَأَسْقِيهِ سُمَّ انْتِقَامِي الفَرِيّْ أَتَجْحَدُ كُلَّ الَّذِي كَانَ مِنِّي = وَتُسْرِعُ فِيَّ فَتَجْنِي عَلَيّْ؟ يَظُنُّ الحَسُودُ بِأَنِّي كَبَوْتُ = وَأَنْ كَانَ دَهْرِي بِعَزْمِي رَخِيّْ وَلَكِنَّ مِثْلِي يَرَى الحِلْمَ سَوْطًا = وَإِنَّ إِلَهِي بِحَالِي الوَلِيّْ يَقُولُونَ: نَهْرُ القَصِيدَةِ زَيْفٌ = فَلَا تَشْرَبُوا حَرْفَهُ الكَوْثَرِيّْ لَقَدْ صَبَّ فِي فَيْضِهِ بَعْضُ وَشْلٍ = فَمَا هُوَ إِلَّا سَرَابٌ وَعِيّْ فَلَوْلَا تَفَكَّرْتَ فِي الأَمْرِ مَحْضًا = لَكُنْتَ رَأَيْتُ الصَّوَابَ الجَلِيّْ فَكَيْفَ يَصِيدُ الحَشَائِشَ لَيْثٌ؟ = وَكَيْفَ يُرِيدُ الخَشَاشَ الغَنِيّْ؟ وَقَالُوا: اسْتَبَاحَ بُيُوتَ قُرَاهُمْ = فَأَيْنَ القُرَى كُلُّهَا مِنْ دُبَيّْ؟ أَنَا عَبْقَرِيُّ البَيَانِ المُعَلَّى = بِرَغْمِ الحَقُودِ وَرَغْمِ الغَوِيّْ أُدَاعِبُ حَرْفِي عَلَى وَقْعِ عَزْفِي = وَأُشْهِرُ سَيْفِي بِنَقْعِ الرَّوِيّْ جَثَا الشِّعْرُ وَالنَّثْرُ عَبْدَيْنِ عِنْدِي = وَمَا كُنْتُ أَحْفَلُ يَوْمًا بِأَيّْ وَلَا كُنْتُ أَكْتُبُ لَوْلَا اهْتِمَامِي = بِإِبْرَاءِ ذِمَّةِ عَبْدٍ تَقِيّْ فَمَنْ ظَنَّ أَنِّي فَإِنِّي كَأَنِّي = أَرَانِي بِفَنِّي الفَتَى اللَّوْذَعِيّْ وَمَا ضَرَّ بَدْرَ السَّمَاءِ نُبَاحٌ = إِذَا كَانَ نُورُ المَعَالِي العَلِيّْ وَمَا كَانَ شِعْرِي مَزَادًا لِبَاغٍ = وَلَا كَانَ لَفْظِي بِسَاحٍ دَنِيّْ أَرَى النَّفْسَ تَرْقَى بِنُورِ اليَقِينِ = وَتَسْمُو بِثَوْبِ البَهَاءِ الأَبِيّْ تَرَفَّعْتُ كَالصَّقْرِ عَنْ وَكْرِ بُومٍ = وَمَهْمَا اسْتَخَفُّوا أَظَلُّ القَوِيّْ وَمَا ضِقْتُ ذَرْعًا بِغَدْرِ اللَيَالِي = وَلَو شِئْتُ انْتِقَامًا لَكُنْتُ العَتِيّْ وَسِرْتُ طَرِيقِي بِأَلْفِ انْشِغَالٍ = وَمَا كُنْتُ يَوْمًا لِأَمْرِي خَلِيّْ سَأَمْضِي وَأَعْلُو عَلَى كُلِّ جرْحٍ = وَأَغْدُو بِعَيْنِ الشُّمُوخِ البَهِيّْ إِذَا رَامَ طَعْنِي جَهُولٌ مُطَاعٌ = سَأَدْعُو المَلِيكَ لِيَبْقَى الصَّفِيّْ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، سَتَعْلَمُ يَوْمًا = بِإِثْمِ التَّجَنِّي عَلَى العُمَرِيّْ وَتَعْلَمُ سَاعَةَ تُبْعَثُ حَيًّا = بِمَنْ كَانَ أَهْلَ الصِّرَاطِ السَّوِيّْ فَجَرِّدْ لِسَانَكَ خِنْجَرَ غَدْرٍ = لِتَطْعَنَ ظَهْرِي بِإِفْكِ الدَّعِيّْ وَمَهْمَا بَسَطْتَ لِقَتْلِي يَدَيْكَ = سَأُهْدِيكَ رُوحِي عَلَى رَاحَتَيّْ لِأَنَّكَ عِنْدِي، وَإِنْ مِتَّ، تَبْقَى = بُنَيَّ الَّذِي كَانَ يَحْنُو عَلَيّْ
أحدق في وأقسو علي = وأسمع صوتك يلحن في وأغمض عيني لأهرب مني = فألمح عينك ترنو إلي وتهمز سخرا لمن رام طعني = وتغمز عني بطرف خفي لماذا التجني بغلظة صدر = على من رواك ندى الحب ري؟ سقيتك من نبع فكري زلالا = فكيف غدوت بقلب صدي ألست ابن قلبي حملتك غضا = ثلاث سنين بصدر رضي؟ مخضتك حرا كبيرا أثيرا = وما كنت يوما بعيني صبي ألست الذي إن تألمت يوما = غسلت أنينك من مقلتي؟ ألست الذي إن شكا الحر حرفا = مددت المشاعر ماء وفي؟ أكنت نكثتك في الدهر عهدا = أو ارتبت، ما عشت، مني بشي؟ أكنت التقيتك ما غبت عني = بغير الثناء على شفتي؟ فأين عهودك دوما بحفظي = وبري على الدهر ميتا وحي؟ وأين وأنت الذي كنت في = النقي التقي الحيي الحفي؟ أكنت سرابا يداعب ظني = فما كنت إلا بظني الشقي؟ لماذا انقلبت عن الماء صفوا = لتشرب من أنفس المقت قي؟ لماذا جحدت هديل الوداد = وشنف سمعك ذاك الدوي؟ لماذا شققت ثياب وفاء = لتلبس نفسك ثوب العصي؟ لماذا طرحت ذكاءك أرضا = وأتبعت خطو الذكاء الغبي؟ لماذا حرمت اللسان نداء = أرطب قلبي به “يا بني”؟ أجئت تعالج أوجاع قلبي؟ = ففيم بدأت العلاج بكي؟ أتفجر خصما بأضغاث ذنب = لتأكل لحم الأبوة ني؟ أليس التواطؤ في الغدر غدرا؟ = أتشكو ابن يوسف للعلقمي؟ أتأتي العقوق وتسخط لما = دقائق زلت بحاتم طي؟ لقد لمت نفسي وما كان ذنبا = ولكن نبلي وودي السخي وخلت اعتذاري يخفف ناري = فلم يغن عني وزادك غي عكفت تروج ما خلت جرما = بزعم الحقوق، أأنت الوصي؟ تقول بقول الذي اغتاظ مني = فقام يشهر في كل حي وقلت: أنا البر أحفظ عهدي = وغيري المنافق يغويك، وي! أفي القدح قصد الأذى نصح بر = بشرع الإله وهدي النبي؟ وقلت: سقاني الإهانة هونا = سأسقيه سم انتقامي الفري أتجحد كل الذي كان مني = وتسرع في فتجني علي؟ يظن الحسود بأني كبوت = وأن كان دهري بعزمي رخي ولكن مثلي يرى الحلم سوطا = وإن إلهي بحالي الولي يقولون: نهر القصيدة زيف = فلا تشربوا حرفه الكوثري لقد صب في فيضه بعض وشل = فما هو إلا سراب وعي فلولا تفكرت في الأمر محضا = لكنت رأيت الصواب الجلي فكيف يصيد الحشائش ليث؟ = وكيف يريد الخشاش الغني؟ وقالوا: استباح بيوت قراهم = فأين القرى كلها من دبي؟ أنا عبقري البيان المعلى = برغم الحقود ورغم الغوي أداعب حرفي على وقع عزفي = وأشهر سيفي بنقع الروي جثا الشعر والنثر عبدين عندي = وما كنت أحفل يوما بأي ولا كنت أكتب لولا اهتمامي = بإبراء ذمة عبد تقي فمن ظن أني فإني كأني = أراني بفني الفتى اللوذعي وما ضر بدر السماء نباح = إذا كان نور المعالي العلي وما كان شعري مزادا لباغ = ولا كان لفظي بساح دني أرى النفس ترقى بنور اليقين = وتسمو بثوب البهاء الأبي ترفعت كالصقر عن وكر بوم = ومهما استخفوا أظل القوي وما ضقت ذرعا بغدر الليالي = ولو شئت انتقاما لكنت العتي وسرت طريقي بألف انشغال = وما كنت يوما لأمري خلي سأمضي وأعلو على كل جرح = وأغدو بعين الشموخ البهي إذا رام طعني جهول مطاع = سأدعو المليك ليبقى الصفي عفا الله عنك، ستعلم يوما = بإثم التجني على العمري وتعلم ساعة تبعث حيا = بمن كان أهل الصراط السوي فجرد لسانك خنجر غدر = لتطعن ظهري بإفك الدعي ومهما بسطت لقتلي يديك = سأهديك روحي على راحتي لأنك عندي، وإن مت، تبقى = بني الذي كان يحنو علي
