الشعر

إليك إلهي

مَقَامُكِ عِنْدِي لا أَجَلُّ وَلا أَسْمَى = وَقَدْرُكِ يَعْلُو فِي مَجَرَّتِهِ العُظْمَى
وَعَهْدُكِ مَوْصُولٌ وَطُهْرُكِ وَاصِلٌ = وَفَجْرُكِ قَدْ أَهْدَى وَصُبْحِيَ قَدْ أَهْمَى
لَكِ القَلْبُ مَحْفُوفًا بِقَيْدِكِ هَانِئًا = فَلا هِنْدَ فِي قَلْبِي سِوَاكِ وَلا سَلْمَى
أَرَى كُلَّ وُدٍّ بَعْدَ وُدِّكِ فَاتِرًا = وَكُلَّ وَفَاءٍ فِي حَقِيْقَتِهِ وَهْمَا
فَوَجْهُكِ وَضَّاءٌ وَثَغْرُكِ بَاسِمٌ = وَعَقْلُكِ غَلابٌ وَلَحْظُكِ قَدْ أَصْمَى
وَقَلْبُكِ لِي السُّكْنَى وَرُوْحُكِ لِي الهَوَى = وَهَمْسُكِ لِي النَّشْوَى وَبَسْمَتُكِ النُّعْمَى
أَتُوْقُ إِلَى إِلْفِي وَأَشْكُو حُشَاشَتِي = وَقَدْ قَدَّرَ المَوْلَى لِمَا وَصَلَتْ صَرْمَا
يَكَادُ حَنِيْنِي يَسْفِكُ البَيْنُ زَفْرَهُ = فَيَا بُؤْسَ قَلْبِي كَمْ يَحِنُّ وَكَمْ يَدْمَى
كَأَنِّي أَرَى حَتْفِي إِذِ الشَّوْقُ هَزَّنِي = بِرَعْشَةِ مَقْرُورٍ تَئِنُّ لَهُ الحُمَّى
إِلَى اللهِ أَشْكُو مَا أَرَى إِنَّ فِي السُّهَا = حَنِينٌ إِلَى نَخْلِ المُرُوءَةِ أَنْ يُنْمَى
خَبَرْتُ بَنِي الدُّنْيَا فَكَانُوا ثَلاثَةً = وَلَسْتُ أَرَانِي غَيْرَ مُنْصِفِهِمْ حُكْمَا
فَبَرٌّ كَرِيمٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفٌ = يُنَافِحُ عَنْكَ عِنْدَ عَثْرَتِكَ الظُّلْمَا
وَغِرٌّ يُمَارِي القَوْمَ لا رَأْيَ عِنْدَهُ = إِذَا مَدَحُوا أَوْمَا وَإِنْ قَدَحُوا أَوْمَا
وَشَرٌّ سَقِيمٌ يَأْكُلُ الحِقْدُ قَلْبَهُ = وَإِنْ هُوَ لَمْ يُؤْذِ الصَّدِيقَ فَقَدْ هَمَّا
أَلا إِنَّ مَا يَلْقَى الكَرِيمُ مِنَ الأَذَى = بَلاءٌ وَتَمْحِيصٌ لِيُعْلَمَ مَنْ أَسْمَى
هُمُومِي أَرَاهَا اليَّوْمَ قَدْ أَوْهَنَتْ يَدِي = وَلَكِنْ شَدِيدُ الهَمِّ لا يُوْهِنُ العَزْمَا
يَحَارُ وَضِيعُ القَدْرِ فِي غَيْرِ هِمَّةٍ = وَإِنَّ كَبِيرَ القَدْرِ مَنْ يَحْمِلُ الهَمَّا
وَيَعْدُو خَسِيسُ النَّفْسِ حِقْدًا عَلَى العُلا = فَيَغْدُو كَمَا الْكَلْبِ الَّذِي يَنْبَحُ النَّجْمَا
تَمُرُّ اللَيَالِي مُثْقَلاتٍ عَلَى الوَرَى = فَيَجْزَعُ مَنْ أَكْدَى وَيَصْبِرُ مَنْ أَكْمَى
خَلِيْلَيَّ مَا الإِنْسَانُ إِلا مَوَاقِفٌ = تَبَدَّى أَمَامَ العَيْنِ كَالبَدْرِ إِذْ تَمَّا
يَرَاهُ بَصِيرُ الرُّوحِ نُورًا وَهَادِيًا = وَيَنْظُرُ مَرْمُودٌ فَيَحْسَبُهُ زَعْمَا
تَخَالَفُ أَحْلامُ الرِّجَالِ وَتَلْتَقِي = وَأَحْرَى بِطَبْعِ الحُرِّ أَنْ يُنْصِفَ الخَصْمَا
وَمَا يَرْتَقِي بِالقَزْمِ تَصْفيقُ مَادِحٍ = وَمَا يَزْدَرِي بِالنَّجْمِ تَلْفِيْقُ مَنْ ذَمَّا
إِلَيْكَ إِلَهِي أَشْتَكِي ظُلْمَ صَاحِبٍ = تَشَفَّى بِمَيْتِ اللَّحْمِ وَاسْتَمْرَأَ العَظْمَا
لَقَدْ سَئِمَتْ نَفْسِي نُفُوْسًا تَوَاضَعَتْ = وَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَكُوْنَ لَنَا رُحْمَى
تَمَادَتْ فَأَبْدَتْ كُلَّ فَظٍّ وَفَاجِرٍ = وَزَادَتْ لنَا جَهْلًا فَزِدْتُ لَهَا حِلْمَا
وَمَا مَنْطِقِي يَسْمُو عَنِ الرَّدِّ عَاجِزًا = وَلَكِنْ لِسَانِي يَأْنَفُ الفُحْشَ وَالشَّتْمَا
لَعَمْرُكَ كَمْ تُزْرِي الوَقَاحَةُ بِالفَتَى = وَكَمْ تَصِمُ الأَحْقَادُ صَاحِبَهَا وَصْمَا
وَفَيْتُ عُهُودِي مَا اسْتَطَعْتُ أَحِبَّتِي = وَمَنْ قَدْ سَقَانِي مِنْ خِيَانَتِهِ سُمَّا
تَحَرَّيْتُ فِي الإِحْسَانِ جَهْدِي وَطَاقَتِي = وَكُنْتُ إِذَا اهْتَمُّوا أَمُوتُ بِهِمْ هَمَّا
غَرَسْتُ وَفَائِي فِي نُفُوسٍ جَدِيبَةٍ = فَمَا حَصَدَتْ كَفَّيَّ إِلَّا الشَّوْكَ وَالوَجْمَا
وَوَاللهِ مَا آسَى عَلَى مَا فَعَلْتُهُ = وَلَكِنَّ جَوْرَ الصَّحْبِ يُحْدِثُ لِي غَمَّا
خَلِيْلَيَّ هَلْ فِي الكَوْنِ صِدْقٌ وَذِمَّةٌ = تَرَى مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ أَصْوَبَهَا مَرْمَى
أَلا كَيْفَ يَهْدِي الدَّرْبُ لِلرُّشْدِ إِنْ هَدَى = ضَرِيْرٌ وَمَكْفُوفٌ يَقُوْدُهُمَا أَعْمَى
وَلَوْلا وَفَاءُ المُكَرَمِيْنَ ذَوِي النُّهَى = لَبَاتَ فُؤَادِي يَشْتَكِي بِالأَسَى العُقْمَا
وَكَمْ مِنْ يَدٍ تَمْتَدُّ بِالخَيْرِ فِي نَدَى = فَتَكَفِيكَ عِنْدَ الحَاجَةِ البَذْلَ وَالحَزْمَا
وَمَاذَا يَقُولُ الشِّعْرُ إِنْ رَامَ مَدْحَهَا = وَإِنْ قَامَ يَقْتَادُ النُّجُومَ لَهَا قَوْمَا
أَتَيْتُكَ يَا ابْنَ الفَضْلِ بِالحَرْفِ خَافِضًا = لِأَجْنِحَةِ العِرْفَانِ، وَالوُدَّ قَدْ ضَمَّا
وَجِئْتُكَ يَا ابْنَ الحَقِّ بِالطَّرْفِ رَافِعًا = وَقَدْرُكَ أَعْلَى أَشْكُرُ الرَّجُلَ الشَّهْمَا
أَرَى بِكُمَا الأَيَّامَ تَصْفُو لِشَارِبٍ = سَقَتْهُ الخُطُوبُ المُرَّ مِنْ كَأْسِهَا لَمَّا
وَمَا يَسْلَمُ الإِنْسَانُ ذُو الجُهْدِ مِنْ أَذَى = وَمَا يُطْفِئُ الشَّمْسَ الغَمَامُ إِذَا غَمَّا
وَلَيْسَ الذِي يُبْقِي عَلَى الوُدِّ مُخْلِصًا = كَمَنْ لا يَصُونُ الوُدَّ وَالعَهْدَ وَالسِّلْمَا
إِلَيْكَ إِلَهِي أَرْفَعُ الكَفَّ ضَارِعًا = فَإِنَّكَ حَسْبِي قَدْ أَحَطْتَ بِنَا عِلْمَا
مقامك عندي لا أجل ولا أسمى = وقدرك يعلو في مجرته العظمى
وعهدك موصول وطهرك واصل = وفجرك قد أهدى وصبحي قد أهمى
لك القلب محفوفا بقيدك هانئا = فلا هند في قلبي سواك ولا سلمى
أرى كل ود بعد ودك فاترا = وكل وفاء في حقيقته وهما
فوجهك وضاء وثغرك باسم = وعقلك غلاب ولحظك قد أصمى
وقلبك لي السكنى وروحك لي الهوى = وهمسك لي النشوى وبسمتك النعمى
أتوق إلى إلفي وأشكو حشاشتي = وقد قدر المولى لما وصلت صرما
يكاد حنيني يسفك البين زفره = فيا بؤس قلبي كم يحن وكم يدمى
كأني أرى حتفي إذ الشوق هزني = برعشة مقرور تئن له الحمى
إلى الله أشكو ما أرى إن في السها = حنين إلى نخل المروءة أن ينمى
خبرت بني الدنيا فكانوا ثلاثة = ولست أراني غير منصفهم حكما
فبر كريم صادق الوعد منصف = ينافح عنك عند عثرتك الظلما
وغر يماري القوم لا رأي عنده = إذا مدحوا أوما وإن قدحوا أوما
وشر سقيم يأكل الحقد قلبه = وإن هو لم يؤذ الصديق فقد هما
ألا إن ما يلقى الكريم من الأذى = بلاء وتمحيص ليعلم من أسمى
همومي أراها اليوم قد أوهنت يدي = ولكن شديد الهم لا يوهن العزما
يحار وضيع القدر في غير همة = وإن كبير القدر من يحمل الهما
ويعدو خسيس النفس حقدا على العلا = فيغدو كما الكلب الذي ينبح النجما
تمر الليالي مثقلات على الورى = فيجزع من أكدى ويصبر من أكمى
خليلي ما الإنسان إلا مواقف = تبدى أمام العين كالبدر إذ تما
يراه بصير الروح نورا وهاديا = وينظر مرمود فيحسبه زعما
تخالف أحلام الرجال وتلتقي = وأحرى بطبع الحر أن ينصف الخصما
وما يرتقي بالقزم تصفيق مادح = وما يزدري بالنجم تلفيق من ذما
إليك إلهي أشتكي ظلم صاحب = تشفى بميت اللحم واستمرأ العظما
لقد سئمت نفسي نفوسا تواضعت = وقد كنت أرجو أن تكون لنا رحمى
تمادت فأبدت كل فظ وفاجر = وزادت لنا جهلا فزدت لها حلما
وما منطقي يسمو عن الرد عاجزا = ولكن لساني يأنف الفحش والشتما
لعمرك كم تزري الوقاحة بالفتى = وكم تصم الأحقاد صاحبها وصما
وفيت عهودي ما استطعت أحبتي = ومن قد سقاني من خيانته سما
تحريت في الإحسان جهدي وطاقتي = وكنت إذا اهتموا أموت بهم هما
غرست وفائي في نفوس جديبة = فما حصدت كفي إلا الشوك والوجما
ووالله ما آسى على ما فعلته = ولكن جور الصحب يحدث لي غما
خليلي هل في الكون صدق وذمة = ترى من صروف الدهر أصوبها مرمى
ألا كيف يهدي الدرب للرشد إن هدى = ضرير ومكفوف يقودهما أعمى
ولولا وفاء المكرمين ذوي النهى = لبات فؤادي يشتكي بالأسى العقما
وكم من يد تمتد بالخير في ندى = فتكفيك عند الحاجة البذل والحزما
وماذا يقول الشعر إن رام مدحها = وإن قام يقتاد النجوم لها قوما
أتيتك يا ابن الفضل بالحرف خافضا = لأجنحة العرفان، والود قد ضما
وجئتك يا ابن الحق بالطرف رافعا = وقدرك أعلى أشكر الرجل الشهما
أرى بكما الأيام تصفو لشارب = سقته الخطوب المر من كأسها لما
وما يسلم الإنسان ذو الجهد من أذى = وما يطفئ الشمس الغمام إذا غما
وليس الذي يبقي على الود مخلصا = كمن لا يصون الود والعهد والسلما
إليك إلهي أرفع الكف ضارعا = فإنك حسبي قد أحطت بنا علما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى